فصل 21 · قراءة 11 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً
عن حياة الاتحاد الإلهي في جوانبها العملية.
منذ وقت ليس ببعيد، كنت أسير في عربة مع واعظٍ من جماعة الأصدقاء الدينية عبر حديقة فيلادلفيا الجميلة. وتحوّل حديثنا إلى عُقم الكثير من الوعظ الكنسي المعاصر. وقد بحثنا بطبيعة الحال في غياب الروح القدس، لكننا شعرنا أن هذا لا يفسّر كل شيء. فكلانا يعرف كثيرين من الوعّاظ المعمَّدين بالروح ممّن لم تُثمر خدمتهم. فأشرتُ إلى أن أحد الأسباب قد يكون هذا.
إن كثيرين من الخدّام، حين يعظون أو يتحدثون في أمور الدين، يتبنّون نبرةً وأسلوبًا مختلفَين. وهذا الأسلوب يعزل الدين عن الحياة العادية، ولا ينفذ إلى قلوب الذين يعيشون لأجل المسرّات والواجبات البسيطة.
«فمثلًا،» قلتُ، «لو استطعتَ في وعظك من منبر الأصدقاء أن تستخدم النبرة والأسلوب نفسَيهما اللذين تتحدث بهما الآن، لكان وعظك أشدّ تأثيرًا وإقناعًا.» فكان الجواب: «آه، لكنني لا أستطيع ذلك.» «ولماذا لا؟» «لأن منبر الواعظ مكان أكثر مهابةً بكثير من هذا المكان.» فسألتُ: «ولكن لماذا هو أكثر مهابةً؟ أليس حضور الله هو ما يجعل المنبر والمنصة مهيبَين؟ أوَليس هو ههنا أيضًا؟ أوليست حياتنا اليومية مهيبةً وعذبةً بقدر وعظنا؟ أفلا ينبغي أن نصنع الواحد لمجده كما نصنع الآخر؟» ثم أضفت، إذ انفتح أمامي الموضوع: «أعتقد أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في الفصل غير الكتابي وغير الطبيعي بين ما نسمّيه حياتنا الدينية وما نسمّيه حياتنا الزمنية. وكأن ديننا منفصل عنّا، ثوبٌ نلبسه ونخلعه كما نشاء.
ففي أيام الآحاد وفي الكنيسة نطلب الله ونعبده، فلا بد أن نُظهر حياتنا الدينية على نحوٍ مهيب. لكن ما نتكلّفه من وقارٍ ورَزانةٍ يسلبها نصف قوّتها. أما في أيام الاثنين فنطلب مصالحنا الخاصة، فنخلع حياة العبادة، وبشيءٍ من الارتياح نحيا حياتنا؛ وهذا أكثر طبيعيةً وقوّةً.
لبثت هذه الأفكار التي بدأت تتراءى لي معي وتزداد قوّةً. وبعد ذلك بقليل حضرتُ اجتماعًا.
قرأ القائد يوحنا ١٥:٥. فذهلتني الكلمات: «أَنَا ٱلْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ ٱلْأَغْصَانُ. ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا.»
لقد قرأتُ تلك الكلمات مئات المرات، وظننتُ أنني فهمتُها. أما الآن فبدت وكأنها أُدرِجت في الكتاب المقدس للتوّ، مشتعلةً بمعنًى عجيب.
قلتُ في نفسي: «ها هو ذا.» يسوع نفسه قال هذا. فبمعزلٍ عنه ليست لنا حياة حقيقية، لا زمنية ولا روحية. ولذلك فكل عيشٍ أو عملٍ بدونه هو «لا شيء»، كما يدعوه الله الذي يرى الكل. ثم تساءلتُ إن كان أحدٌ يؤمن بهذا حقًّا، وإن كان يؤمن، فهل يطبّقه في حياته اليومية؟ وفي لحظةٍ رأيتُ أن سرّ الاتحاد الإلهي يكمن في جانبه العملي بقدر ما يكمن في أيّ إعلاناتٍ باطنية. فإنْ كنتُ لا أفعل شيئًا، لا شيء البتة، بمعزلٍ عن المسيح، فأنا بالطبع متّحدٌ به في وحدةٍ دائمةٍ لا يرقى إليها شكّ. أما إن عشتُ وعملتُ بمعزلٍ عنه، فليس لي اتحادٌ حقيقي، مهما سمَت مشاعري نحوه.
ولأجل التأمل في هذا الجانب من الموضوع كُتبت هذه الورقة. وإنّي على يقينٍ أن ذلك الفصل الواسع الذي ذكرتُه، بين الأمور الروحية والأمور الزمنية، قد فعل أكثر من أيّ شيءٍ آخر تقريبًا في إعاقة الاتحاد الحقيقي بالله. فقد جعل الدين يبدو خارج الحياة العامة إلى حدّ أنه صار شبه متعذَّرٍ على أكثر الناس. وجعل اختبار المسيحيين متكلَّفًا وغير طبيعي، حتى ليبدو أنه يُقصيهم عن ذلك البِشْر الحرّ الطليق البسيط كالأطفال، الذي هو نصيب أولاد الله.
لذلك أشعر أنه من الأهمية بمكان أن نفهم حقيقة هذا الأمر. والفكرة التي توضّحه لي أكثر من غيرها هي هذه: إن وحدتنا مع المسيح تحوي الأمر كلّه في كلمة. فإن كنا واحدًا معه، فبطبيعة الحال لا نقدر أن نفعل شيئًا بدونه؛ لأن ما هو واحدٌ لا يقدر أن يعمل كأنه اثنان. فإن فعلتُ شيئًا بدون المسيح، فأنا لستُ واحدًا معه في ذلك الشيء. وكغصنٍ مقطوعٍ عن الكرمة، أذبل وأصير عديم النفع. ينبغي للغصن أن يعلم أنه يتّكل على الكرمة في نموّه وثمره وتسلّقه. لكنه قد يظنّ أنه يقدر أن ينمو ويتسلّق فوق سياجٍ أو حول شجرة، فيقطع صِلته بالكرمة في ذلك الجزء من حياته.
وبالطبع فإن ما طلب حياةً مستقلّة يذبل ويموت بطبيعة الحال.
وهكذا الحال معنا نحن الأغصان في المسيح الكرمة الحقيقية. لا نقدر أن نفعل شيئًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، بغير أن نذبل ونموت. والأمر نفسه يصدُق على غصن الكرمة الطبيعية. وهذا يُرينا في الحال كم هو مُهلكٌ ذلك الفصل الذي تكلّمتُ عنه للوحدة مع المسيح التي تجوع إليها نفوسنا. فكلّنا نعلم، على نحوٍ ما، أننا لا نقدر أن نحيا حياتنا الدينية بدونه. أما في ما نسمّيه حياتنا الزمنية، فمن ذا الذي يظنّ أن مهامنا اليومية ينبغي أن تُصنع للمسيح؟ مهامٌ مثل تدبير البيت، ومزاولة العمل، وزيارة الناس، ورَتْق الجوارب، والكنس، وتزيين قبّعة، أو استضافة الضيوف.
فالذين يثبتون فيه ويعملونها بقوّته وحدهم يقدرون أن يعملوها كما ينبغي.
فإن كان المسيح في المسيحي هو الذي يقود اجتماع الصلاة، فهما إذًا واحد. فلا بد أن يكون المسيح في المسيحي أيضًا هو الذي يدبّر البيت ويعقد الصفقة. وهكذا يكون الواجب الواحد دينيًّا بقدر الآخر.
فالإنسان هو الذي يصنع العمل، لا العمل هو الذي يصنع الإنسان.
وإن كنا «نعرف الله في كل طرقنا»، فسنجعل حياتنا اليومية مهيبةً وعذبةً كمناسباتنا الدينية. وينبغي أن نصنع كل شيء، حتى الأكل والشرب، لمجده.
إن كان ديننا هو حياتنا حقًّا، فلا بد أن يكون في كل ما نفعل. فما من عملٍ، مهما كان إنسانيًّا أو طبيعيًّا، يقدر أن يفلت من سلطانه وإرشاده. فإن كان الله معنا دائمًا، فهو معنا في أعمالنا وأوقاتنا الاجتماعية بقدر ما هو في أوقاتنا الدينية. وحضوره مهيبٌ في لحظةٍ كما في أخرى.
فإذ «بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لِأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ» (أعمال ١٧:٢٨)، فنحن إذًا لا نقدر أن نفعل شيئًا بدونه، عَلِمنا ذلك أم لم نعلم. والحقائق أمورٌ عنيدة، والحمد لله، لا تتغيّر مهما تغيّرت مشاعرنا. وفي المزمور ١٢٧:١-٢: «إِنْ لَمْ يَبْنِ ٱلرَّبُّ ٱلْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ ٱلْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ ٱلرَّبُّ ٱلْمَدِينَةَ، فَبَاطِلًا يَسْهَرُ ٱلْحَارِسُ. بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى ٱلْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ ٱلْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ ٱلْأَتْعَابِ. لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْمًا.» لنا في هذا صورةٌ بالغة الوضوح لهذه الحقيقة. يقول صاحب المزمور: «إِنْ لَمْ يَبْنِ ٱلرَّبُّ ٱلْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ ٱلْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ ٱلرَّبُّ ٱلْمَدِينَةَ، فَبَاطِلًا يَسْهَرُ ٱلْحَارِسُ. بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى ٱلْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ ٱلْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ ٱلْأَتْعَابِ.» فالأمران اللذان يكونان باطلَين ما لم يكن الرب فيهما هما أمران دنيويّان محضان، أمران عمليّان بسيطان على المستوى البشري من الحياة. وليس الدرس مؤثِّرًا إلا لهذا السبب: أنه أثبت حضور الله في الأمور الزمنية. فتلك كانت حقائق لا تُنكَر.
والحق أن الكتاب المقدس مملوءٌ بهذه الحقيقة، والعجب كل العجب كيف يمكن لمؤمنٍ بالكتاب أن يغفل عنها. فالله حاضرٌ في كل الحياة اليومية، من بناء المدن إلى إحصاء الشعور وملاحظة سقوط عصفور. هو نابض الكل. وفي كل ما نفعل، حتى الأكل والشرب، ينبغي أن نفعله له ولمجده. ونحن مدعوّون أن نحيا ونسلك في النور، حتى تُظهر أعمالنا، الزمنية والروحية، أنها «مَعْمُولَةٌ بِٱللهِ».
يجلب هذا عزاءً لا يُوصَف لكل قلبٍ مسيحيٍّ محبّ. فهو يحوّل الحياة كلها إلى سرٍّ مقدَّس. ويجعل المطبخ والورشة وغرفة الأطفال والصالة أماكن خدمةٍ للرب مقدَّسةً كاجتماع الصلاة أو مجلس الإرساليات أو زيارة المحبة.
جاءت إليّ أمٌّ مسيحية شابة وربّة بيت، مُثقلةً بالحزن، بسبب حياتها المشغولة الدنيوية. قالت: «يبدو أنه ليس في حياتي شيءٌ روحيٌّ من أول الأسبوع إلى آخره. فأسرتي الكبيرة من الأطفال الصغار تستغرقني كلّها، حتى إنه لا وقت لي لشيءٍ سوى العناية بهم وواجبات بيتي. وفي كل ليلة أذهب إلى فراشي وقلبي مريض. فقد شعرتُ طوال النهار أنني منفصلة عن ربّي وأنني لم أقدر أن أفعل شيئًا لأجله.» فأخبرتُها بما كتبتُه أعلاه. وأكّدتُ لها أن كل شيء سيتغيّر إن هي رأت الله واعترفت به في هذه الواجبات البيتية البسيطة، وأدركت اتّكالها التام عليه في القيام بها.
استقبل قلبها البشرى بفرح. وبعد أشهر أخبرتني أن الحياة صارت منذ ذلك الحين شيئًا متحوّلًا مُمجَّدًا، مملوءًا الآن من حضور الرب وحلاوة خدمته.
وجاءت إليّ مسيحيةٌ أخرى، فتاةٌ من عائلةٍ راقية، وهي في حزن. فقد شعرت في كثيرٍ من حياتها بأنها منفصلة عن الله ولا تُحسّ بحضوره. فقلتُ لها أن تتجنّب كل ما قد يسبّب مثل هذا الانفصال. لكنها أكّدت لي أن ذلك مستحيل. فالأمور التي تعنيها لم تكن خاطئة.
قالت: «فمثلًا، من واجبي أن أزور أمي. ومع ذلك ليس شيءٌ يفصلني عن الله كالزيارات.» فسألتُها: «ولكن كيف يكون الأمر لو زُرتِ كخدمةٍ للرب ولمجده؟» فصاحت: «ماذا! زياراتٌ لله؟ لم أسمع قطّ بمثل هذا الأمر.» فقلتُ: «ولكن لِمَ لا؟ إن كان من الصواب أن تقومي بالزيارات أصلًا، فينبغي أن تُصنع لله. فنحن مأمورون أن نفعل كل شيء لمجده. وإن لم يكن من الصواب، فلا ينبغي لكِ أن تفعليه. فكمسيحية،» أكملتُ، «يجب ألّا تفعلي شيئًا لا تقدرين أن تفعليه لأجله.» فصاحت بعد وقفةٍ قصيرة: «فهمتُ! فهمتُ! وهذا يجعل الحياة كلها تبدو مختلفةً تمامًا!
لا شيء يقدر أن يفصلني عنه إلا الخطية. أما أيّ عملٍ يُصنع لمجده فيقرّبني إليه ويجعل حضوره أكثر واقعية.»
هاتان الحادثتان توضّحان مقصدي. وإني على يقينٍ أن ألوفًا من النفوس المتعبة ستتحوّل لو أدركت هذه الحقائق وعملت بها. يقول كاتبٌ روحيٌّ قديم: إننا لكي نصير قدّيسين لا نحتاج أن نغيّر أعمالنا، بل نحتاج فقط أن نوجّهها إلى الله. فنصنعها لمجده وبقوّته، بعد أن كنّا نصنعها لأنفسنا وبقوّتنا. وهذا ما عناه ربّنا حين قال: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا».
ولهذه الحقيقة جانبٌ آخر، وهو معزٍّ. يستفيض صاحب المزمور فيه في الآيات التي اقتبستُها. يقول: «بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى ٱلْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ ٱلْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ ٱلْأَتْعَابِ.» أو بعبارةٍ أخرى: ما جدوى كل هذا القلق والإجهاد؟ فالعمل لن يبلغ شيئًا ما لم يكن الله فيه. وإن كان فيه، فأيّ حماقةٍ أن نقلق أو نُثقَل؟ فحضوره يعني أنه يتولّى الاهتمام والمسؤولية عن الكل. آه، إنه لباطلٌ حقًّا، وليت جميع أولاد الله يعلمون ذلك! نحن الأمهات ينبغي أن نعلمه. فمعاملاتنا مع أولادنا كانت تعلّمنا إياه لو كانت لنا «عيونٌ لنبصر». فكم من أمٍّ بكّرت إلى القيام، وأخّرت الجلوس، وأكلت خبز الأتعاب، لتمنح النوم لأولادها الأحبّاء؟
وكم كانت تتفطّر قلوبهنّ حزنًا لو أن أولادهنّ، بعد كل ذلك العناء، أبَوا أن يستريحوا.
إني واثقةٌ أنني أستطيع أن أناشد بعض قلوب الأمهات بوصفها تفهم مقصدي تمام الفهم. فستنبعث الذكريات عن الصبيّ المتورّد الوجنتَين وهو يعود ليلًا مُنهَكًا من اللعب، ورُكبتاه بارزتان، ومعطفه ممزَّق.
سهرنا إلى وقتٍ متأخر وبكّرنا في القيام لنرقّع كل ذلك، راغبين أن يستريح مُسبِّب كل تلك المشاغبة دون إزعاجٍ في نوم الطفولة السعيد.
فكم كان باطلًا، بل أسوأ، لو أن ذلك الحبيب العزيز سهر إلى وقتٍ متأخر، وبكّر في القيام، وأكل خبز الأتعاب؟ فأمّه كانت تفعل ذلك عنه لكي لا يضطرّ هو إليه. وإن كان هذا صادقًا على الأمهات، فهو أصدق على خالقهنّ. فقد جاء بيننا في هيئة جسدية ليحمل أثقالنا، ويحمل أحزاننا، ويعمل عملنا، لكي «نَدْخُلَ إِلَى رَاحَتِهِ».
«لِأَنَّ ٱلَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ ٱسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا ٱللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ» (عبرانيين ٤:١٠). لقد تعلّم أخيرًا درسًا: أنه بدون المسيح لا يقدر أن يفعل شيئًا، لكنه يستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيه. فتخلّى عن كل جهدٍ ذاتي، وأسلم نفسه لله ليعمل فيه أن يصنع مشيئته. هذه، وهذه وحدها، هي الراحة الباقية لشعب الله.
يسعى رجال العلم إلى ردّ كل قوى الطبيعة إلى قوّةٍ أوّليةٍ واحدة. فوحدة الأصل هي صيحة العلم اليوم. فيُقال إن النور والحرارة والصوت كلّها نتاج قوّةٍ واحدة طُبِّقت على نحوٍ مختلف، وتلك القوة هي الحركة. ويقول العلماء إن كل الأشياء يمكن ردّها إلى هذا. ولستُ أدري أهم على صوابٍ أم على خطأ. لكن الكتاب المقدس يكشف عن قوّةٍ أوّليةٍ عظمى وراء الحركة، هي قوّة الله. فالله في أصل كل شيء، والله منشأ كل شيء، والله تفسير كل شيء.
بدونه لم يكن شيءٌ ممّا كان، وبدونه لا يُصنع شيءٌ مما يُصنع.
وليس في هذا سرّ. إنها حقيقةٌ بسيطة. يقول ربّنا: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا». وعن نفسه قال: «لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا». وقد عنى أنه هو والآب واحدٌ إلى حدّ أن أيّ عملٍ مستقلٍّ كان مستحيلًا. فلا بد أن تكون ضرورةً مجيدةً بين نفوسنا والمسيح. ولهذا قال إننا لا نقدر أن نفعل شيئًا بدونه. فمعناه أنه جعلنا واحدًا معه، حتى إننا لا نقدر أن نعمل باستقلالٍ نحوه، كما لم يكن هو يقدر نحو أبيه.
أيها المسيحي العزيز، ألا ترى هنا لمحةً من مجدٍ عجيب؟ فلنؤمن أننا بدونه لا نقدر حقًّا أن نفعل شيئًا. علينا أن نؤمن بهذا لأنه حق. ولكن لنُدرِك هذه الحقيقة ونبدأ نحيا بها من الآن. فلنُعرِض عن الحياة بمعزلٍ عن المسيح. ومن الآن فصاعدًا لنعترف به في كل ما نفعل. وكل ما نفعله ينبغي أن يكون خدمةً له، لمجده. ونتّكل عليه وحده لأجل الحكمة والقوة والصبر وكل ما نحتاجه لنحيا حياةً صالحة.
وكما قلتُ سابقًا، ليس المطلوب تغييرًا في الأعمال بقدر ما هو تغييرٌ في الدافع والاتّكال. فسيُدبَّر البيت، ويُعتنى بالأولاد، ويُدار العمل، ربما كما كان من قبل.
وفي الظاهر سيكون الأمر نفسه. أما في الباطن فسيُعترَف بالله، ويُتَّكَل عليه، ويُخدَم.
وسيكون هناك فرقٌ عظيم بين حياةٍ يسيرةٍ في حضوره وحياةٍ من الجهد المُضني بمعزلٍ عنه.
إن إدخال الله في شؤوننا سيثمر منافع كثيرة. فسننال حكمةً إلهيةً في تدبيرها.
وسيكون هناك سرعةٌ أعظم في إنجازها. وسنرى زيادةً مدهشةً في مواردنا.
وسنُدرِك على نحوٍ أفضل حقيقة الأمور. وسننمو على نحوٍ يُذهِل نفوسنا الضيّقة.
وأعني هذا بالمعنى الحرفي. فالبيت سيكون أبهى وأيسر صيانةً. والأولاد سيتعلّمون أسرع. والجوارب سترتق بسرعة. والمُضيفون سيُحسِنون استضافة الضيوف. والخدم سيكونون أسهل في التدبير. والصفقة ستكون أكثر إرضاءً. والحياة ستكون أحلى وأكثر سلامًا. فالله سيكون في كل لحظةٍ منها، وحين يحضر يسير كل شيء على ما يُرام. وبهذه الطريقة البسيطة تكتسب النفس عادة «الثبات في المسيح». ويصير حضوره أكثر الأمور واقعيةً في حياتنا، وتكون لنا صِلةٌ هادئةٌ خاصةٌ به تملؤنا فرحًا.
قد يسأل ابنٌ لله: «ما أسرع طريقٍ لبلوغ أسمى اتحادٍ بالله في هذه الحياة؟»
ليس ثمّة طريقٌ أسرع من الطريق الذي أعلنتُه. فبالدرب البسيط للواجبات اليومية المصنوعة هكذا في الله ولله، تُبلَغ أسمى القمم. لا كمكافأة، بل كنتيجةٍ طبيعية. فإن ثبتنا فيه وأبَينا أن نتركه، نكون حيث هو، ويكون كل ما هو له لنا.
إن كنتَ ترغب، أيها القارئ العزيز، أن تعرف الاتحاد الإلهي في نفسك، فٱبدأ اليوم أن تمارس ما اقترحتُه.
قدِّم كل لحظةٍ وكل عملٍ من حياتك لله. وقل له: «يا رب، أنا أفعل هذا فيك ولمجدك. أنت قوّتي وحكمتي وكل ما أحتاجه. عليك وحدك أتّكل.» وأبَ أن تحيا ولو لحظةً واحدة أو أن تفعل شيئًا بدونه. واستمرّ في هذا حتى يصير عادةً لنفسك. وعمّا قريب ستفهم أعمق أشواق نفسك، وستُشبَع في حضور المسيح الدائم، حياتك في داخلك.