فصل 22 · قراءة 16 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
المزمور المئة والتاسع والثلاثون
«ضِيافتُكَ العظيمة تُحيط بنا كبحرٍ لا حدّ له. لا نقدر أن نضيع حيث الكلُّ وطن، ولا أن ننجرف بعيدًا عنك.»
قليلون جدًّا منّا يفهمون المعنى الكامل للكلمات الواردة في متى ١:٢٣: «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْنًا، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ». هذه الجملة القصيرة تكشف أعظم حقيقةٍ في العالم. فالله، الخالق القدير للسماء والأرض، ليس إلهًا بعيدًا في سماءٍ مجيدة.
بل هو يسكن معنا، في حياتنا المسكينة العاجزة، قريبًا منّا كقربنا من أنفسنا. وهذا يبدو للقلب البشري أمرًا لا يُصدَّق، حتى إننا نُبطئ في تصديقه. لكن الكتاب المقدس يعلّمه حقيقةً، من دفّته إلى دفّته.
وما من عقلٍ أمينٍ يقدر أن ينكر هذا.
في مستهلّ سفر التكوين نقرأ عن «حضور الرب الإله بين أشجار الجنة». ومنذ ذلك الحين وهو يُعلَن لنا دائمًا. له مع شعبه في كل مكان علاقةٌ يوميةٌ وثيقة. وفي سفر الخروج نجده يطلب منهم أن يصنعوا له «مَقْدِسًا لِيَسْكُنَ فِي وَسْطِهِمْ». ومكتوبٌ أنه «سار» معهم في البرية، وأنه «اتخذ مسكنه» معهم في أرض الموعد. وقد علّمهم أن يتّكلوا عليه كصديقٍ ومُعينٍ حاضرٍ في كل حين.
وكان عليهم أن يستشيروه في كل شؤونهم وأن يبذلوا له حياتهم. وأخيرًا جاء في المسيح في هيئةٍ جسدية. فسكن في العالم إنسانًا بين الناس. وجعل نفسه عظمًا من عظامنا ولحمًا من لحمنا. واتخذ طبيعتنا. وأعلن لنا، بأصدق طريقةٍ ممكنة، حقيقةً عظيمةً مباركة: أنه قصد أن يكون معنا كل الأيام، حتى انقضاء الدهر.
والذين يؤمنون بهذه الحقيقة سيجدون فيها الحلّ. فهي تحلّ كل مشاكل حياتهم. أذكر، وأنا فتاةٌ صغيرة، أن وصول والديّ في وقت الضيق كان دائمًا يريحني. فحين كنت أسمع أحدهما يقول: «يا ابنتي، أنا هنا»، كان كل ثقلٍ يسقط وكل قلقٍ يهدأ. كان مجرّد حضورهما هو ما يفعل ذلك. لم يكونا بحاجةٍ أن يَعِداني بأن يريحاني، ولا أن يخبراني بخططهما. فحضورهما كان كل التأكيد الذي أحتاجه. كان يعني أن كل شيءٍ سيُصلَح وأن كل شيءٍ سيسير على ما يُرام لأجلي.
وبعد وصولهما، لم أكن أرغب إلا في أن أرى كيف سيفعلان ذلك.
لا بد أنهما كانا والدَين استثنائيَّين. فأولادهما واثقون جدًّا. وأظنّهما كانا كذلك. لكن إلهنا استثنائي، ولذلك فالتطبيق مُطلَق. فحضوره هو كل ما نحتاجه.
وذلك يكفينا، حتى لو لم يكن لنا وعدٌ واحد ولا إعلانٌ واحد عن خططه. يقول الكتاب المقدس: «أَنَا أَكُونُ مَعَكَ». وهذا قد أسكت كل الأسئلة والمخاوف. فمن ذا يقدر أن يشكّ فيه؟ لقد قصد أن يؤكّد لنا أن حكمته ومحبته وقدرته غير المحدودة إلى جانبنا. ومرارًا وتكرارًا في طفولتي، كانت الكلمات الساحرة «آه، ها هي أمي!» تجلب لي الراحة والعزاء. وفي سنيَّ المتأخرة، كانت «آه، ها هو الله!» تُقال بخشوع، فتجلب لي خلاصًا أكثر مباركةً بكثير. فما دام حاضرًا، ماذا عساي أخاف؟ فقد قال: «لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ ٱلْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لِأَنَّهُ قَالَ: لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ» (عبرانيين ١٣:٥). ولذلك أقدر أن أقول واثقةً: «ٱلرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟». ما زلتُ أذكر ذلك الإحساس المُلهِم بالأمان الذي كان يأتي مع حضور أبي. فما خفتُ شيئًا قطّ حين كان بجانبي. ومن المؤكّد أنه، وأبي السماوي بجانبي، لا يمكن أن يكون هناك أيّ مجالٍ للخوف.
إني أسعى أن أوضّح وأثبّت حقيقة «عِمَّانُوئِيل، ٱللهُ مَعَنَا». فما فيها من عونٍ عمليٍّ وعزاءٍ يُلهمني. وإني على يقينٍ أن قليلين من أولاد الله أنفسهم يؤمنون بها حقًّا. قد يقولون إنهم يؤمنون. وقد يكرّرون ألف مرة، بنبرةٍ ورعة: «آه، نعم، نعلم أن الله حاضرٌ معنا دائمًا، ولكن...» وفي هذه الـ«لكن» تُروى القصة كلها. فليس ثمّة «لكنّ» في قاموس النفس التي تقبل حضوره حقيقةً حرفية. فهذه النفس ظافرةٌ بفرحٍ فوق كل إيحاءٍ بخوفٍ أو شكّ. لها الله، وذلك يكفيها. فحضوره أمانها المؤكّد ومَؤونتها، دائمًا، ولكل شيء.
أرجو من قرّائي أن ينتقلوا معي إلى المزمور المئة والتاسع والثلاثين. فهناك نجد إعلانًا مباركًا لهذه الحقيقة. والفكرة المحورية للمزمور نجدها في الآيات من ٧ إلى ١٢: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِرَاشِي فِي ٱلْهَاوِيَةِ فَهُوَذَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ ٱلصُّبْحِ وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي ٱلْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ. فَإِنْ قُلْتُ: إِنَّمَا ٱلظُّلْمَةُ تَغْشَانِي، وَٱلنُّورُ حَوْلِي يَصِيرُ لَيْلًا. فَٱلظُّلْمَةُ أَيْضًا لَا تُظْلِمُ لَدَيْكَ، وَٱللَّيْلُ كَٱلنَّهَارِ يُضِيءُ، فَٱلظُّلْمَةُ كَٱلنُّورِ سَوَاءٌ.»
هذا المقطع أقوى برهانٍ على حضوره الدائم معنا، أينما كنّا ومهما فعلنا. يسعى الناس أن يكونوا في حضرة الرب، لكنهم لا يقدرون أن يهربوا منها. فليس في الكون موضعٌ ليس هو فيه؛ لا في السماء، ولا في الهاوية، ولا في أقصى البحر. وما من ظلمةٍ تقدر أن تختفي عنه، ولو للحظة. والسبب أنه «ٱقْتَنَى كُلْيَتَيْنَا». ومعناه أنه ليس معنا فحسب، بل فينا.
فلا بد إذًا أن يرافقنا أينما ذهبنا.
علينا أن نقبلها حقيقةً. فكلمات ربّنا: «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» لم تكن مجرّد شعورٍ جميل، بل هي حقيقةٌ لا تُنكَر. فهو معنا، ولا نقدر أن نبتعد عنه.
في الظلمة الحالكة قد لا نرى شيئًا. وقد نظنّ، بل كثيرًا ما نظنّ، أنه لا يرانا. لكن مزمورنا يؤكّد لنا أن الظلمة لا تُخفي عنه شيئًا. بل إن الظلمة والنور كليهما لديه سواء. فنحن ماثلون أمام نظره، مَرئيّون بوضوحٍ في أحلك أعماقنا الروحية كما في أسطع نورنا. قد تُخفيه الظلمة عنّا، لكنها لا تُخفينا عنه. ولا يُبعِدنا عن حضوره أيّ مسافةٍ روحية أو تِيهٍ، ولا حتى إن غرقنا في الخطية في تيهنا. ففي أقاصي البحر، أو أينما كنّا، هو حاضرٌ أبدًا ليُمسكنا ويهدينا. فليس ثمّة لحظةٌ ولا مكانٌ نُترَك فيه بغير عنايته.
أحيانًا يجعلنا الهذيان غافلين عن العناية المحبّة ممّن يسهرون علينا. فقد يصرخ الطفل في هذيانه طالبًا أمّه، وصرخاته الحزينة تفطر قلبها، بينما هي ممسكةٌ بيده المحمومة، تبرّد رأسه المحموم، وتعتني به بمحبة أمّ. قد يُخفي المرض الأمّ عن الطفل، لكنه لا يُخفي الطفل عن الأم.
وهكذا الحال بيننا وبين إلهنا. فشكوكنا ومخاوفنا وأحزاننا وخطايانا لا تقدر أن تُخفينا عنه.
لكنها كثيرًا ما تُخفيه عنّا. وقد قال إن الظلمة والنور لديه سواء. فإن قبِل إيماننا هذا، أمكننا أن نثق في أوقات الظلمة. فمع أننا لا نراه ولا نشعر به، فإن إلهنا يعتني بنا، ولن يتركنا أبدًا.
غير أن كون حضور إلهنا الدائم فرحًا لنا أو حزنًا يتوقّف على ما نعرفه عنه. فإن ظننّاه طاغيةً قاسيًا لا يهتمّ إلا بمجده، خفنا من حضوره الدائم. أما إن رأيناه أبًا محبًّا، فرِحنا. فهو لا يريد إلا سعادتنا، ولذلك نشكر أن يكون معنا كل حين. فحضور المحبة وعنايتها لا يمكن أن يعنيا للمحبوب إلا كل خير.
والمزمور الذي نتأمّله يُرينا أن حضور الله هو محبة. فهو يجلب لنا عزاءً وراحةً لا حدّ لهما. يقول في الآيات من ١ إلى ٥: «يَا رَبُّ قَدِ ٱخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي إِلَّا وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا. مِنْ خَلْفٍ وَمِنْ قُدَّامٍ حَاصَرْتَنِي، وَجَعَلْتَ عَلَيَّ يَدَكَ.»
إلهنا يعرفنا ويفهمنا، وهو عليمٌ بكل طرقنا. وما من أحدٍ سواه في العالم كله يفهمنا. فقد يُسيء الناس تفسير أفعالنا ويُخطئون الحكم على دوافعنا. فلا تُؤخَذ سماتنا الطبيعية بالحسبان، ولا تُراعى نزعاتنا الموروثة. وما من أحدٍ يلتمس لنا عذرًا في اعتلال صحتنا، ولا أحدٍ يُدرك كم علينا أن نصارع. لكن أبانا يعرف ذلك كله. هو يفهمنا. وحكمه يأخذ في الحسبان كل جزءٍ من شخصيتنا، الواعي وغير الواعي، ويأخذ في الحسبان أيضًا ما يتحكّم في أفعالنا. فلا يقدر أن يكون عادلًا إلا محبةٌ تفهم كل شيء، وإلهنا عادل. فلا عجب أن يقول فابر: ما في الأرض موضعٌ تُشعَر فيه أحزانها أكثر مما في السماء، وما من موضعٍ تُدان فيه هفواتها برأفةٍ أكثر. قد يخاف بعضكم عدله ظانًّا أنه سيكون ضدّه. ألا ترون؟ إنه كله في صفّكم، تمامًا كعدل الأم، لأنه يعرف جِبْلتنا ويذكر أننا ترابٌ نحن. وما من قاضٍ بشريٍّ يقدر أن يفعل هذا. وعندي أن هذا الفهم من الله هو من أعذب عزاءاتي. فكثيرًا ما لا أفهم نفسي؛ يبدو كل ما في داخلي مشوَّشًا ومتشابكًا بلا رجاء. لكنني أذكر أنه قد اختبرني، وهو يعرفني، ويفهم أفكاري المُحيِّرة، فأقدر أن أترك له الفوضى كلها ليحلّها.
فتغرق نفسي في الحال، كما على وسائد من ريش، في موضعٍ من أهنأ الراحة. ثم، بسبب معرفته التامة باحتياجاتنا، أيّ عزاءٍ أن يُقال لنا إنه يعرف جلوسنا وقيامنا! هو يحيط بمسلكنا، ويلاحظ مربَضنا. إن إلهنا يصنع لنا ما تصنعه الأم لصغارها الحمقى المهملين الجهلاء، لكن المحبوبين حبًّا عزيزًا. فحين تكون الأم مع أولادها، تفكّر في راحتهم وخيرهم دائمًا قبل راحتها. لا بد أن تكون لهم مقاعد مريحة بمنأى عن التيّارات الهوائية، وعليها هي أن تحتمل أيّ إزعاج. ولا بد أن تكون أسرّتهم وثيرة وأغطيتهم دافئة، ولْيكن فراشها هي ما يكون.
ولا بد أن تكون دروبهم ممهّدةً وآمنة، وإن اضطُرّت هي أن تسلك في طرقٍ وعرةٍ خطرة.
أما راحتها هي، بالمقارنة براحة أولادها، فلا وزن لها في عينَي الأم المحبّة.
من المؤكّد أن إلهنا ليس أقلّ قدرةً على محبةٍ باذلةٍ للذات من أمهات هذا العالم. بل لا بد أنه أفضل وأعظم في سبيل المحبة وبذل الذات من أيّ أمٍّ صنعها قطّ. لقد أكّد لنا أنه يعرف جلوسنا وقيامنا، وأنه يحيط بمسلكنا ومربَضنا. فبإمكاننا إذًا أن نتيقّن أننا، في كل تفاصيل حياتنا الصغيرة، ننال أفضل ما تقدر محبته وحكمته وقدرته أن تمنحه. وأعني هذا بالمعنى الحرفي جدًّا. أعني أنه يعتني بمقاعدنا وأسرّتنا. فهو يحرص على أن يكون لكلٍّ منّا أفضل نوعٍ لأجل أسمى نموّه.
وفي هذه النقطة الأخيرة بالذات هو أفضل بكثير مما تقدر عليه أيّ أمّ. فمحبته محبةٌ حكيمة تُبصر عاقبة الأمور، وتهتمّ بخيرنا الأسمى أكثر من اهتمامها بما هو أدنى. فمحبة الأم الضعيفة لا تُبصر أبعد من راحة الطفل، ولا تحتمل أن تسبّب له أيّ إزعاج. أما محبة الله القوية الحكيمة فتقدر أن تسمح ببعض الألم، وذلك لأجل المجد الآتي الذي سينتج منه.
في البيت وخارجه، لنثق بالله. فهو يعلم كل شيءٍ عن حياتنا اليومية. فلندَعْه يختار مقاعدنا وأسرّتنا وسائر الأمور الصغيرة.
فمزمورنا يقول لنا إنه «يُحاصر» مسلكنا. وقد عرف بعضنا ما معنى أن يُحاصَر بأناسٍ أو أشياء غير مرغوبةٍ ولا مُستحبّة. لكننا ربما لم نفكّر قطّ في أننا محاصَرون من الله. فهو يحبّنا حبًّا عظيمًا حتى إنه لا يقدر أن يتركنا وحدنا.
فلا فتورٌ ولا صدٌّ يقدر أن يُبعده. ومع ذلك فهذا حقٌّ مجيد! بل إنه يُحاصرنا «من خلف» كما من قدّام، تمامًا كما تفعل الأم. فهي تسير وراء أولادها، تلتقط كل ما أسقطوه، وتُزيل ما خلّفوه من فوضى.
نحن الأمهات نبدأ هذا في غرفة الأطفال بالمكعّبات واللُّعَب. ونفعله طوال حياتنا. نحاول أن نُصلح ما تركه أولادنا ناقصًا أو خطأً. يتطلّب ذلك جهدًا وعناءً كثيرًا، لكن محبتنا تجعل ذلك الجهد يبدو صغيرًا في مقابل العناية بأولادنا. فأيّ أمٍّ صالحةٍ تردّ طفلًا حزينًا باكيًا؟ أو ترفض أن تساعد صبيًّا على فكّ خيوط طائرته الورقية؟ حتى لو كانت العُقَد والتشابكات بذنبه، فمحبتها تفهم تلك الأخطاء وتتعاطف معها، فتجدّ أكثر في مساعدته على إصلاحها.
إلهنا يصنع هذا كله، وأكثر، لأجلنا منذ الطفولة. يصنعه قبل أن ندركه بزمنٍ طويل، إلى نهاية حياتنا الأرضية. لعلّنا رأيناه أمامنا، لكننا لم نفكّر قطّ فيه من خلفنا أيضًا. ومع ذلك فهي حقيقةٌ مباركة: هو خلفنا. يشتاق أن يُقوّم المعوجّ، ويفكّ عُقدنا، ويُكفّر عن مساوئنا. فإن كان لأحدنا ماضٍ مُقلق، فلنفرح. فالله الذي خلفنا سيُصلح كل شيءٍ إن سلّمناه إليه. بل يقدر أن يجعل أخطاءنا تعمل معًا للخير. آه! إنه لأمرٌ عظيم أن يُحيط بنا الله.
ثم، أيّ عزاءٍ في الآيات من ١٤ إلى ١٦: «أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ ٱمْتَزْتُ عَجَبًا.
عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذَلِكَ يَقِينًا. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي ٱلْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ ٱلْأَرْضِ. رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ، ٱلْأَيَّامُ ٱلَّتِي تَشَكَّلَتْ لِي إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا بَعْدُ.»
كثيرًا ما نكره، أكثر مما نعترف، الطريقة التي صُنعنا بها. فتركيبتنا العقلية أو الأخلاقية لا تروق لنا. ونظنّ أننا لو خُلقنا بأقلّ من هذا أو أكثر من ذاك، لكنّا أنجح. ولو كنّا أقلّ اندفاعًا أو أكثر حماسًا، لأمكننا أن نخدم الله على نحوٍ أفضل، ولكنّا أكثر إرضاءً لأنفسنا وله. ونعتقد أننا لو كنّا أشبه بمن نُعجب به، لكان ذلك عونًا أيضًا. بل نُجرَّب أحيانًا أن نظنّ أنه، بتركيبتنا البائسة، ميؤوسٌ من رجاء أن نُرضيه.
لو أدركنا حقًّا أن الله هو الذي صنعنا، لرأينا حماقة هذا كله في الحال. لكننا نشعر أنه لم يكن له في الأمر إلا يدٌ ضئيلة. ونظنّ أننا رُكِّبنا اعتباطًا، وأن طباعنا تُركت للصدفة. فنؤمن بالخلق على العموم، لا في الخصوص، حين يتعلّق الأمر بأنفسنا. لكن هذا المزمور يُظهر أن الله أشرف على خلقنا، ودبّر حتى أدقّ التفاصيل. فكتب، على سبيل المجاز، ما كان سيكون عليه كل «عضو» حين لم يكن واحدٌ منها بعد. فنحن إذًا، بالطبيعة، ما يريده الله.
لقد صنعنا لنقوم بعملٍ خاص. وأعني بالطبع سماتنا الطبيعية، لا تشويهها بالخطية من جانبنا.
في هذه النظرة شيءٌ يُمجّد الخالق كثيرًا. فالعبقرية تسعى دائمًا أن تُعبّر عن نفسها بطرقٍ كثيرة. وما من فنانٍ حقيقيٍّ يكرّر نفسه. فكل لوحةٍ أو تمثالٍ تعبيرٌ جديد عن قدرته الخلّاقة. ولا ينبغي أن يكون في معرضٍ فنيٍّ لوحتان متطابقتان؛ ولو كان، لحطّ ذلك من قيمة الفن. والأمر نفسه يصدُق علينا، إذ نحن «عَمَلُ ٱللهِ». فقدرته الخلّاقة تُعبّر عن نفسها على نحوٍ مختلف في كلٍّ منّا.
وفي التركيبة الفردية، التي تُقلقنا أحيانًا، قوّةٌ فريدة. فبدونها يكون يوم المعرض، حين نُسبّح مجده، ناقصًا. وهو لا يطلب إلا هذا: بما أنه هو صنعنا، فينبغي أن يدبّرنا هو. فهو وحده يفهمنا، ولذلك هو وحده يقدر أن يفعل ذلك.
إن الرجل الذي يصنع آلةً معقّدة هو الأقدر على تدبيرها وإصلاحها. وأيّ سواه يتدخّل فيها يُرجَّح أن يُفسدها. ونظرًا لعقولنا المعقّدة وضعف سيطرتنا عليها، ينبغي أن نشكر أن نسلّمها إلى خالقها ونتركها في يديه. فيمكننا أن نتيقّن أنه سيصنع منّا أفضل ما يكون. وحتى بمزاجنا «الغريب» وعيوبنا، سنُصنَع آنيةً للكرامة.
سنكون مقدَّسين، صالحين لاستعمال السيّد، مستعدّين لكل عملٍ صالح.
قرأتُ مرةً قولًا لكاتبٍ كويكريٍّ قديم لبث معي: «ٱرْضَ أن تكون تمامًا كما صنعك الله.» وقد ساعدني على فهم أفكاري. وأعتقد أننا، لكي نُسلِّم لله حقًّا، علينا أن نقبل أنفسنا كما خلقنا، تمامًا كما نقبل ظروفنا اليومية. فلو لم نكن موجودين، لَنقص جزءٌ من خليقة الله، ولكان عمله ناقصًا. وفضلًا عن ذلك، فإن التذمّر من أنفسنا كالتذمّر من الذي صنعنا، ولا بد أن هذا يؤلمه. فلنرضَ ونثق بالفخّاري الإلهي أن يُشكّلنا كما يرى الأفضل ويستخدمنا كما يشاء.
الآيتان ١٧ و١٨ تُبرزان نظرةً أخرى إلى حضور الله الدائم معنا، وهي أنه يفكّر فينا دائمًا، وأن أفكاره أفكارٌ لطيفةٌ محبّة، إذ يدعوها صاحب المزمور كريمة. «مَا أَكْرَمَ أَفْكَارَكَ يَا اَللهُ عِنْدِي! مَا أَكْثَرَ جُمْلَتَهَا!
إِنْ أُحْصِهَا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ ٱلرَّمْلِ. ٱسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكَ.»
كثيرون جدًّا يُجرَّبون أن يظنّوا أن الله لا يُعيرهم أيّ اهتمام. يظنّون أن مصالحهم أحقر من أن يلتفت إليها. ويشعرون أنهم أدنى من أن يرجوا اهتمامه. لكنهم يظلمونه ظلمًا فادحًا بهذه الأفكار. فالأم تُعير أصغر رُضّعها من الاهتمام قدر ما تُعير أكبر أولادها. وهي مهتمّةٌ باحتياجاته الصغيرة ومسرّاته قدر اهتمامها باحتياجاتهم. بل لستُ متأكّدة، لعلّها أكثر.
فهي تفكّر في من يحتاج إليها أكثر. والذي صنع قلب الأم سيعتني بأعجز خلائقه. هو يسمع الأشبال حين تزأر. وما من عصفورٍ يسقط على الأرض بدونه. ونحن أفضل من عصافير كثيرة. فلا حاجة بنا أن نخاف الإهمال ولو للحظة.
إن خلق أيّ شيءٍ يستلزم عنايةً دائمة من الخالق. ومجد القدرة الكلية أنها تقدر أن تفعل كل شيءٍ في آنٍ واحد. فهي تعتني بأدقّ التفاصيل وبأعظم المهام. «فلا يقدر أن يحمل كل الأشياء إلا عظمةٌ لا متناهية. أما عظمةٌ دون اللامتناهي فكانت تسحقنا.»
لستُ أدري لماذا نرى الرجل أو المرأة ضعيفًا لإهماله التفاصيل الصغيرة في سبيل المهام الكبيرة.
ومع ذلك نتّهم إلهنا بأنه يفعل الشيء نفسه. فإن كان أحدٌ من قرّائي قد اقترف هذه الحماقة، فلْتنتهِ الآن. «مَا أَكْرَمَ أَفْكَارَكَ يَا اَللهُ عِنْدِي! مَا أَكْثَرَ جُمْلَتَهَا!
إِنْ أُحْصِهَا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ ٱلرَّمْلِ. ٱسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكَ.»
وبقية المزمور تُظهر انسجامًا تامًّا بين النفس والله، حيث تكون هذه الحياة من الإيمان البسيط قد بدأت. فتتّحد النفس بالله، عالمةً أنه حاضرٌ دائمًا ويعتني. فتحبّ ما يحبّه وتُبغض ما يُبغضه. وتطلب إليه بلهفةٍ أن يختبرها ويمتحنها، حتى لا يكون فيها جزءٌ غير منسجمٍ معه.
في حضوره لا بد أن تهرب الظلمة. فيشعر القلب أنه لا يحتمل أن تبقى فيه زاويةٌ مُخفاة عن نوره. «لِأَنَّكَ تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ ٱلْحَيَاةِ. أَمَامَ وَجْهِكَ شِبَعُ سُرُورٍ، فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى ٱلْأَبَدِ» (مزمور ١٦:١١). كانت امرأةٌ عجوز، في بقعةٍ موحشة من إنجلترا، تجني مالًا كثيرًا من بيع الجِعَة والبيرة للمسافرين عند كوخها المنعزل. لكن ضميرها كان يؤنّبها على ذلك. فقد أرادت أن تصير مسيحيةً وتذهب إلى السماء حين تموت. لكنها شعرت أنها إن فعلت، فسيتوجّب عليها أن تتخلّى عن تجارتها المُربحة. وظنّت أن ذلك أثقل من أن يُحتمَل. فكانت ممزّقةً بين الاثنين.
وذات ليلة، في اجتماعٍ حضرته، تكلّم واعظٌ عن فرح حضور الله الدائم. قال إن معرفة هذه الحقيقة تجلب سعادةً عظيمة. فامتلأ قلبها حماسًا لفكرة أن هذا قد يكون حقًّا لها. وإذ نسيت أمر البيرة كله، قبِلته ببساطةٍ وإخلاصٍ حقيقةً رائعة. وبينما كان الواعظ يتكلّم، صرخت في قلبها: «أيها الرب يسوع، لم أكن أعلم أنك معي دائمًا! يا رب، ما أعجب أن أعلم أنك هنا معي دائمًا، تعتني بي! لن أشعر بالوحدة بعد الآن!
ولمّا انتهى الاجتماع، سارت إلى بيتها عبر الحقول. وظلّت الفكرة المُفرِحة تتكرّر في قلبها: «آه، أيها الرب يسوع، أنت آتٍ إلى البيت معي الليلة.» وقالت: «لا عليك، أيها الرب يسوع، فبِتِّي العجوز لن تدعك تذهب مرةً أخرى الآن. أنا أعلم أنك هنا معي.»
وازداد إيمانها بحضور الله قوّةً، وشعرت بفرحٍ أعظم مع كل خطوة. وحين بلغت باب كوخها، كان قلبها ممتلئًا سعادة. وعندما دخلت، كان أول ما رأته وعاءً كبيرًا من البيرة على المائدة، جاهزًا للبيع. فخطر لها: «لن يُسَرّ الرب بوعاء البيرة ذاك.» فأجاب قلبها سريعًا: «إذًا لا بد أن يذهب.» وكان الوعاء ثقيلًا، فجثت بجانبه وصلّت: «يا رب، لقد جئتَ إلى البيت معي. ستسكن في هذا الكوخ، وأنا أعلم أنك لا تريد هذه البيرة هنا. فأعطني القوة لأسكبها.» فأعطاها الله قوّة، وسرعان ما كانت البيرة تجري على الطريق. ثم عادت إلى الداخل، وجثت، وشكرت الرب لأنه أعانها. وأضافت: «الآن يا رب، إن كان في هذا الكوخ شيءٌ آخر لا يروق لك، فأرِني إياه، وسأتخلّص منه أيضًا.» أفليس هذا مثالًا كاملًا على الرسالة التي في ختام مزمورنا؟
«يَا رَبُّ، أَلَا أُبْغِضُ مُبْغِضِيكَ؟ أَوَلَا أَمْقُتُ مُقَاوِمِيكَ؟ بُغْضًا تَامًّا أُبْغِضُهُمْ، وَصَارُوا لِي أَعْدَاءً.
ٱخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَٱعْرِفْ قَلْبِي. ٱمْتَحِنِّي وَٱعْرِفْ أَفْكَارِي.
وَٱنْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَٱهْدِنِي إِلَى ٱلطَّرِيقِ ٱلْأَبَدِيِّ.» وكما يطرد النور الظلمة، هكذا يطرد حضور الله المُختبَر الخطية. فالنفس التي تثبت بالإيمان في حضوره تعرف خلاصًا حقيقيًّا وعجيبًا جدًّا.
والآن أثق أن بعضهم سيسأل: «كيف أجعل هذا الحضور واقعيًّا لنفسي؟» ولذلك سأختم بإرشاداتٍ عمليةٍ قليلة. أولًا، أقنِع نفسك من الكتب المقدسة أنه حقيقة. فالحقائق يجب أن تكون دائمًا أساس اختباراتنا؛ وبدونها تكون الاختبارات بلا قيمة. فليس الشعور هو الذي يُنتج الحقيقة، بل الحقيقة هي التي تُنتج الشعور. وهذا هو أول ما تحتاجه كل نفس.
لا بد أن تُقنعهم كلمات الله نفسها، بما لا يدع مجالًا للشك. فعليهم أن يعلموا، كحقيقةٍ لا تتغيّر، أن حضوره معنا دائم.
ثم، وقد استقرّت هذه النقطة، علينا أن نجعلها واقعًا. علينا أن «نمارس حضوره»، كما قال كاتبٌ قديم، دائمًا وفي كل مكان، في كل شيء. عليك أن تطيع وصية الكتاب القائلة: «فِي كُلِّ طُرُقِكَ ٱعْرِفْهُ». فقل في كل ساعةٍ ولحظة: «الرب ههنا». وافعل كل شيء، حتى الأكل والشرب، في حضوره ولأجله. حرفيًّا: «فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَٱفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ ٱللهِ». وبهذه «الممارسة» المستمرة لحضوره، تكتسب النفس عادة الإيمان. فيصير أخيرًا الشكّ في حضوره صعبًا بقدر ما كان الإيمان به صعبًا في البداية.
لا يتطلّب هذا جهدًا عظيمًا، بل إيمانًا لا يتزعزع. فليس التفكير المدروس ولا التأمّلات المُتقنة هي ما يعينك هنا. بل على النفس، بإيمانٍ بسيط، أن تُدرك أن الله حاضر. ثم عليها، في حريةٍ وبساطة، أن تكلّمه في كل شيء، طوال الوقت. فهو لا يحتاج منّا أمورًا عظيمة. إنه يطلب القليل جدًّا: ذِكرًا يسيرًا لحضوره؛ بضع كلماتٍ من محبةٍ وثقة؛ رفعةً قصيرة للقلب إليه ونحن نزاول مهامنا اليومية؛ لجوءًا دائمًا إليه، الصديق الحاضر المحبّ؛ رغبةً في أن نحيا في إحساسٍ بحضوره، وأن ندَع قلوبنا «تستريح» بسببه. فأدنى ذِكرٍ مرحَّبٌ به عنده، ويعين على أن يصير حضوره واقعيًّا لنا.
ومن يظلّ أمينًا في هذه الممارسة سيكتشف عمّا قريب إدراكًا مباركًا. ومن كل ما حاولتُ أن أقوله في هذا الكتاب، ومن أكثر منه بكثير مما لا أقدر عليه، أرجو أن تفهم، بما يفوق الكلمات، تلك الكلمات العجيبة عن ربّنا: «وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: ٱللهُ مَعَنَا.»
اَلنِّهَايَة