سرّ الحياة المسيحية السعيدة ·كيف تملكُ في الحياةِ الداخليةِ

فصل 19 · قراءة 19 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

كيف تملكُ في الحياةِ الداخليةِ

حين سألَه الفرِّيسيّونَ متى يأتي ملكوتُ اللهِ، أجابَ: «لا يأتي ملكوتُ اللهِ بمراقبةٍ. ولا يقولونَ: ها هو هنا! أو: ها هو هناك! لأنْ ها إنَّ ملكوتَ اللهِ داخلَكم». إنَّ عبارتَي «ملكوتِ اللهِ» و«ملكوتِ السماواتِ» تشيرانِ إلى الحياةِ الإلهيةِ في النفسِ. وهما في الكتابِ المقدَّسِ. وتعنيانِ ببساطةٍ الموضعَ أو الحالةَ التي فيها يملكُ اللهُ، وتُصنَعُ فيها مشيئتُه. إنه ملكوتٌ داخليٌّ لا خارجيٌّ. وعروشُه ليست لأُبَّهةِ البشرِ ومجدِهم، بل للسيادةِ على أمورِ الزمانِ والحواسِّ. وملوكُه لا يلبسونَ حللَ الأرجوانِ والكتانِ الملكيةَ، بل يلبسونَ بدلًا من ذلك الثيابَ الداخليةَ من الطهارةِ والحقِّ. وحُكمُه ليس في مظهرٍ خارجيٍّ، بل في قوةٍ داخليةٍ.

وليس هو في مكانٍ دونَ آخرَ، ولا في صورةٍ من الأمورِ فوقَ أخرى. فلا ينبغي أن نطلبَ المسيحَ في هذا الجبلِ أو في أورشليمَ؛ فليس هناك نجدُه وندخلُ ملكوتَه. إنها ليست مسألةَ مكانٍ البتةَ، بل مسألةُ حالةٍ. ففي كلِّ مكانٍ، وتحتَ كلِّ اسمٍ، وفي كلِّ صورةٍ، كلُّ من يطلبونَ اللهَ ويصنعونَ الخيرَ سيجدونَ ملكوتَه في داخلِهم. لكن هذا قلَّما يُفهَمُ. فقد قادَتْنا حرفيَّتُنا الطفوليةُ إلى الاعتقادِ بأنَّ الملكوتَ لا بدَّ أن يكونَ في مكانٍ محدَّدٍ. توقَّعنا أنَّ ملكوتَ السماواتِ يعني انتصارًا خارجيًّا للسماءِ على الأرضِ في موضعٍ بعينِه. وظننَّا أنَّ الجلوسَ على عرشٍ مع المسيحِ يعني أن نُرفَعَ علنًا في قوةٍ ومجدٍ.

لكن، مع انكشافِ المعنى الباطنِ للكتابِ، نرى أنَّ هذا سيكونُ تحقيقًا هزيلًا سطحيًّا للمعنى الحقيقيِّ لهذه الرموزِ. وتنمو رؤيةُ مغزاها الحقيقيِّ أمامَ «العيونِ التي تُبصِرُ». وأخيرًا نعرفُ أنَّ كلماتِ ربِّنا كانت أصدقَ مما حلمنا به قطُّ: «لا يأتي ملكوتُ اللهِ بمراقبةٍ، ولا يقولونَ: ها هو هنا! أو: ها هو هناك! لأنْ ها إنَّ ملكوتَ اللهِ داخلَكم».

يُعلِنُ دانيالُ ٢: ٤٤ الملكوتَ: «وَفِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ ٱلْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلَهُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هَذِهِ ٱلْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى ٱلْأَبَدِ». ويُعلِنُ إشعياءُ ٩: ٦-٧ الملكَ: «لِأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ٱبْنًا، وَتَكُونُ ٱلرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ ٱلسَّلَامِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلَامِ لَا نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِٱلْحَقِّ وَٱلْبِرِّ، مِنَ ٱلْآنَ إِلَى ٱلْأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ ٱلْجُنُودِ تَصْنَعُ هَذَا».

لهذا الملكوتِ الحقُّ في أن يُفنيَ كلَّ الممالكِ الأخرى. فالناموسُ يقولُ إنَّ الداخلَ لا بدَّ أن يحكمَ الخارجَ. فإن كان في الداخلِ سلامٌ، فلا اضطرابَ يستطيعُ أن يمسَّ النفسَ. أما السلامُ الخارجيُّ فلا يقدرُ أن يُهدِّئَ عاصفةً داخليةً. فالقلبُ السعيدُ يستطيعُ أن يسيرَ غيرَ مبالٍ عبرَ بحرٍ من المتاعبِ، أما الكربُ الداخليُّ فلا يجدُ فرحًا في أفضلِ المحيطِ. إنَّ باطنَ الإنسانِ هو الذي يصنعُ فرحَه أو يهدمُه، لا ممتلكاتُه. قال أحدُهم لديوجينَ: «لقد حطَّك الملكُ من قدرِك». فأجابَ ديوجينُ منتصرًا: «نعم، لكني لستُ حقيرًا!». فما من فعلٍ لملوكٍ أو أباطرةٍ يقدرُ أن يحطَّ نفسًا تحتفظُ بكرامتِها؛ وما من طاغيةٍ يقدرُ أن يستعبدَ إنسانًا حرًّا في داخلِه.

فأن يكونَ لك هذا الملكوتُ الإلهيُّ في الداخلِ يعني أنَّ كلَّ القوى الأخرى التي تقهرُ أو تستعبدُ قد تحطَّمتْ. فالنفسُ تملكُ ظافرةً عليها جميعًا. قد يحاولُ الناسُ والشياطينُ أن يستعبدوا المرءَ، لكنهم عاجزونَ أمامَ سطوةِ هذا الملكوتِ الداخليِّ. فلن تحكمَ الموضةُ ولا العُرفُ ولا خشيةُ الناسِ نفسًا رُفِعتْ إلى عرشٍ في هذا الملكوتِ الباطنِ، ولا حبُّ الراحةِ. إنَّ المسيحيينَ يتذلَّلونَ وينحنونَ لطغاةٍ كثيرينَ. أما هنا فلا خطيةَ ولا تجربةَ تقدرُ أن تغلبَ، ولا حزنَ يقدرُ أن يسحقَ، ولا فتورَ يقدرُ أن يعوقَ.

ومهما كان رجلٌ أو امرأةٌ مقيَّدًا بأشدِّ سلاسلِ العاداتِ الخاطئةِ طغيانًا، فإنَّ هذا الملكوتَ سيُطلِقُه حرًّا. فالظروفُ قد تجعلُ الناسَ ملوكًا في العالمِ الخارجيِّ، أما في الحياةِ الخفيةِ فيصيرُ الناسُ ملوكًا على الظروفِ. والنفسُ التي كانت يومًا عبدةً لألفِ شيءٍ، تجدُ نفسَها الآنَ مستقلَّةً عنها تمامًا.

فالملكُ في هذا الملكوتِ هو من لا يقدرُ شيءٌ أن يمسَّه أو يُربِكَه. إنه هو صانعُ الظروفِ. وبما أنَّ الرياسةَ على كتفِه، فلا يمكنُنا أن نشكَّ في أنه سيحكمُ بعدلٍ كاملٍ. ولن يعوزَ رعاياه شيءٌ. إنَّ عبارةَ «تكونُ الرياسةُ على كتفِه» تحملُ سرَّ هذا الملكوتِ العجيبِ. على كتفِه هو، لا على أكتافِنا. فالعنايةُ عنايتُه. والأحمالُ أحمالُه. والمسؤوليةُ مسؤوليتُه. والحمايةُ حمايتُه. والتخطيطُ والإعالةُ والتدبيرُ والإرشادُ كلُّها في يديه. ولا يستطيعُ أحدٌ أن يشكَّ في إتمامِه الكاملِ لكلِّ مقتضياتِ ملكِه. لذلك، فالذين في ملكوتِه أحرارٌ من القلقِ والعبءِ والمتاعبِ.

وبهذا الخلاصِ يصيرونَ ملوكًا. فالرياسةُ ليست على أكتافِهم، ولا شأنَ لهم بالتدخُّلِ فيها. فقد أخذَ ملكُهم كلَّ المسؤوليةِ على عاتقِه. وما دامَ يرى رعاياه سعداءَ مزدهرينَ، فهو راضٍ بأن يحملَ كلَّ ثِقَلِ الملكِ وعنايتِه. كثيرًا ما نتحدَّثُ عن واجباتِ الملوكِ الأرضيينَ. ونشفقُ عليهم من أعباءِ الملكِ. ونُدرِكُ، حتى على الصعيدِ الأرضيِّ، أنَّ الملكَ يعني، أو ينبغي أن يعنيَ، حملَ أعباءِ حتى أحقرِ رعاياه.

وحتى الآنَ، وأنا أكتبُ، تتوجَّعُ قلوبٌ كثيرةٌ للقيصرِ الجديدِ. فقد أخذَ على عاتقِه العبءَ الثقيلَ للإمبراطوريةِ الروسيةِ الشاسعةِ.

يمكنُنا أن نتعلَّمَ، من كلِّ قلبٍ بشريٍّ، واجباتِ الملكِ. إنه يعني أن نكونَ في ملكوتٍ اللهُ فيه ملكٌ. وقد أعلنَ أنَّ كلَّ شيءٍ سيُدبَّرُ بالحقِّ والعدلِ إلى الأبدِ. فلا شكَّ أنه ما من همٍّ أو قلقٍ يستطيعُ أن يدخلَ هنا، إن عرفَ القلبُ ملكوتَه وملكَه! في يوحنا ١٨: ٣٦، يخبرُنا ملكُنا عن أساليبِ ملكوتِه: «أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لَا أُسَلَّمَ إِلَى ٱلْيَهُودِ. وَلَكِنِ ٱلْآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا».

إنَّ الملوكَ والممالكَ الأرضيةَ تنالُ السيادةَ بالحربِ. أما ملكوتُ اللهِ فيقهرُ بالقوةِ الداخليةِ.

الملوكُ الأرضيونَ يُخضِعونَ الأعداءَ؛ أما اللهُ فيُخضِعُ العداوةَ. فانتصاراتُه لا بدَّ أن تكونَ داخليةً قبلَ أن تكونَ خارجيةً. إنه لا يستعبدُ، بل يقهرُ. وحتى نحن، على صعيدِنا الأرضيِّ، نعرفُ هذا المبدأَ.

فنحن لا نُقدِّرُ أيَّ انتصارٍ على آخرَ لا يبلغُ إلا الجسدَ ولم يُخضِعِ القلبَ. فما من أمٍّ حقيقيةٍ تكتفي بطاعةٍ خارجيةٍ فحسبُ؛ ولا يُرضيها شيءٌ سوى التسليمِ الداخليِّ.

وما لم يُقهَرْ مركزُ القلبِ، بدا القهرُ عديمَ القيمةِ. فكم بالحريِّ عندَ اللهِ؟ قيلَ لنا: «قَالَ ٱلرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لِأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ ٱلْإِنْسَانُ. فَإِنَّ ٱلْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا ٱلرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْقَلْبِ» (١ صموئيل ١٦: ٧). ونحن نتحدَّثُ عن «إخضاعِ القلوبِ». ولا نعني بذلك أن نُكرِهَها على الاستسلامِ، بل نعني أنها تُكسَبُ وتُعطى طوعًا لآخرَ. وعلى هذا النحوِ لا غيرُ يُخضِعُ اللهُ. فحين نقرأُ أنَّ «مملكتَه تسودُ على الجميعِ»، يعني ذلك أنَّ كلَّ القلوبِ قد كُسِبتْ لخدمتِه في تسليمٍ فرحٍ طوعيٍّ.

فإني أُكرِّرُ ثانيةً: لا بدَّ أن يكونَ حُكمُه داخليًّا قبلَ أن يكونَ خارجيًّا. وفي الحقيقةِ، ليس هو حُكمًا البتةَ ما لم يكنْ في الداخلِ. وإن فكَّرنا لحظةً، رأينا أنَّ الأمرَ لا بدَّ أن يكونَ كذلك. فمن المستحيلِ أن نتصوَّرَ اللهَ ملكًا في ملكوتٍ لا يمتدُّ فيه ضبطُ رعاياه إلى ما وراءَ أفعالِهم الخارجيةِ.

إنَّ ملكوتَه ليس من هذا العالمِ. إنه مملكةٌ روحيةٌ. وسلطانُه على النفوسِ لا على الأجسادِ.

لذلك، لا يمكنُ أن يُقامَ إلا متى قُهِرتِ النفسُ.

وإذ نراها هكذا، تمتلئُ كلُّ تلك التصريحاتِ والنبواتِ محبةً وبركةً. فهي تقولُ إنَّ اللهَ سيُخضِعُ أعداءَه ويحكمُهم بالبرِّ والقوةِ! وما أمجدَ بالرجاءِ صوتَ ذلك الجمعِ الكثيرِ الذي سمعَه يوحنا قائلًا: «هَلِّلُويَا! فَإِنَّ ٱلرَّبَّ ٱلْإِلَهَ ٱلْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدْ مَلَكَ». وتأكيدًا لكلِّ هذا، لدينا فقرتانِ تصفانِ هذا الملكوتَ، في (روميةَ ١٤: ١٧): «لِأَنَّ مَلَكُوتَ ٱللهِ لَيْسَ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»، و(١ كورنثوس ٤: ٢٠): «لِأَنَّ مَلَكُوتَ ٱللهِ لَيْسَ بِكَلَامٍ، بَلْ بِقُوَّةٍ».

لا الأمورُ الخارجيةُ، بل الداخليةُ. ليس ما يأكلُه الإنسانُ أو يشربُه. ولا أين يعيشُ. ولا جنسيتُه أو عاداتُ عِرقِه. ولا حتى أفكارُه أو كلماتُه. بل ما هي السماتُ الباطنةُ لطبيعتِه؟

ما هي قوةُ روحِه؟ فهذه وحدَها هي التي تُكوِّنُ ملكوتَ اللهِ هذا.

ليس ما أفعلُه، بل ما أكونُه، هو الذي يُقرِّرُ إن كنتُ أنتمي إليه أم لا. فهذا الملكوتُ لا يُقامُ إلا متى صار لنا واختبرنا برًّا وسلامًا وفرحًا وقوةً في الداخلِ. لذلك، ما من سيطرةٍ خارجيةٍ تقدرُ أن تُحقِّقَ مثلَ هذه النتائجِ. بل وحدَه العملُ الباطنُ لروحِ اللهِ القاهرِ لكلِّ شيءٍ يقدرُ على ذلك.

لقد تعلَّمتُ الكثيرَ من قصةِ أوديسيوس ورحلتِه، حين كان يُبحِرُ بمحاذاةِ جزرِ عرائسِ البحرِ الساحراتِ. فتلك العرائسُ كنَّ يسحرنَ كلَّ من يُصغي إلى أغانيهنَّ، ويستدرِجنَه ليقفزَ في البحرِ. ولدرءِ هذا الخطرِ، سدَّ أوديسيوسُ آذانَ بحَّارتِه بالشمعِ، لئلا يسمعوا اللحنَ المميتَ. ثم قيَّدَ نفسَه إلى الصاري بحبالٍ معقودةٍ. فاجتازوا الجزيرةَ سالمينَ. لكن حين اضطُرَّ أورفيوسُ أن يُبحِرَ بمحاذاةِ الجزيرةِ نفسِها، أحرزَ انتصارًا أفضلَ. فقد صنعَ لحنًا أعذبَ من عرائسِ البحرِ، وسحرَ بحَّارتَه بأغانٍ أشدَّ إغراءً. فاجتازوا أولئك السواحرَ الخطراتِ، لا سالمينَ فحسبُ، بل باستخفافٍ. فالشمعُ والحبالُ المعقودةُ منعتْ أوديسيوسَ وبحَّارتَه من قفزةٍ مميتةٍ، أما المسرَّاتُ الداخليةُ فمكَّنتْ أورفيوسَ وبحَّارتَه من الانتصارِ على التجربةِ ذاتِها. وهكذا الأمرُ تمامًا مع الملكوتِ الذي نتحدَّثُ عنه. فهو لا يحتاجُ إلى ناموسٍ خارجيٍّ يُقيِّدُه، بل يملكُ بحقِّ حياتِه الداخليةِ.

حتى إنه قيلَ عن الذين دخلوه: «مثلُ هؤلاءِ ليس عليهم ناموسٌ». فإنه ملكوتُ ملوكٍ. والأنشودةُ التي سنُرنِّمُها يومًا ما، بل التي ينبغي أن نُرنِّمَها حتى الآنَ وهنا في هذه الحياةِ، تُعلِنُ هذا: «وَمِنْ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلشَّاهِدِ ٱلْأَمِينِ، ٱلْبِكْرِ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ ٱلْأَرْضِ. ٱلَّذِي أَحَبَّنَا وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مَمْلَكَةً، كَهَنَةً لِلهِ أَبِيهِ، لَهُ ٱلْمَجْدُ وَٱلسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ. آمِينَ» (رؤيا ١: ٥-٦).

نحن الذين دخلنا هذا الملكوتَ، أو بالأحرى الذين أُقيمَ فيهم هذا الملكوتُ، نجلسُ على العرشِ مع ملكِنا ونشاركُه سيادتَه. فقد كان العالمُ موطئَ قدميه، وهو يصيرُ موطئَ قدمينا أيضًا. لقد ملكَ فوقَ أمورِ الزمانِ والحواسِّ. فحياةٌ تُعاشُ على صعيدٍ أعلى أسمى منحَتْه تلك القوةَ.

وهكذا يمكنُنا نحن. كلُّنا نعرفُ القولَ إنَّ فلانًا «يترفَّعُ فوقَ محيطِه». يعني ذلك أنَّ في ذلك الشخصِ قوةً خفيةً، تتحكَّمُ في محيطِه بدلًا من أن يتحكَّمَ فيها. لقد ترفَّعَ ملكُنا فوقَ محيطِه. ونحن، الذين نملكُ معه، نقدرُ أن نفعلَ الشيءَ عينَه.

لكن، كما لم يكنْ ملكًا في المظهرِ الخارجيِّ، بل في القوةِ الداخليةِ فقط، فكذلك سنكونُ نحن. لقد ملكَ، لا لأنَّ كلَّ غنى العالمِ كان له، بل لأنه لم يكنْ له شيءٌ منه، وكان يستطيعُ أن يستغنيَ عنه.

وهكذا سيكونُ ملكُنا. فلن ينحنيَ لنا كلُّ الناسِ، ولن تنقادَ كلُّ الأمورِ لمشيئتِنا.

بل مع أنَّ كلَّ الناسِ يقاومونَنا وكلَّ الأمورِ ضدَّنا، سنسيرُ خلالَها في ظفرٍ ملكيٍّ للنفسِ.

سنحتملُ خسارةَ كلِّ شيءٍ، وبتلك الخسارةِ نتحرَّرُ إلى الأبدِ من سلطانِها على تقييدِنا. سنختبئُ في مشيئةِ الملكِ، حصنًا منيعًا. وهناك سنملكُ في ملكوتٍ دائمٍ.

كلُّ هذا مناقضٌ لفكرِ الإنسانِ عن الملكِ. فالقلبُ البشريُّ لا يقدرُ أن يستوعبَ إلا فكرةً واحدةً، وهي: أنَّ الظروفَ الخارجيةَ لا بدَّ أن تنحنيَ للنفسِ الجالسةِ على عرشٍ مع المسيحِ. فالأصدقاءُ يجبُ أن يرضَوا، والأعداءُ يجبُ أن يُسكَتوا، والعقباتُ يجبُ أن تُذلَّلَ. والأمورُ يجبُ أن تزدهرَ، وإلا فلا مُلكَ. فلو دبَّرَ الإنسانُ أمرَ دانيالَ، أو الفتيةِ العبرانيينَ الثلاثةِ في أتونِ النارِ، لقال إنه لكي ينتصروا، عليهم أن يُغيِّروا أذهانَ الملوكِ. فما كان ينبغي أن يُلقى دانيالُ في جبِّ الأسودِ، وكان ينبغي أن يُبقى الفتيةُ العبرانيونَ خارجَ الأتونِ.

لكن طريقَ اللهِ كان أمجدَ بما لا يُقاسُ. فقد سمحَ بأن يُلقى دانيالُ بين الأسودِ، إذ أرادَ أن يملكَ ظافرًا عليها في وسطِها. وسمحَ بأن يُلقى شدرخُ وميشخُ وعبدنغو في أتونِ نارٍ مضطرمةٍ، إذ أرادَ أن يمشوا خلالَه من دونِ أن تعلَقَ بهم حتى رائحةُ نارٍ. إنه يقولُ لنا، لا إننا سنسيرُ في طرقٍ خاليةٍ من التنانينِ والأفاعي، بل إننا سنمشي في وسطِها، و«ندوسُها تحتَ أقدامِنا».

وكم هو هذا الملكوتُ أمجدُ من أيِّ حُكمٍ أو سيطرةٍ خارجيةٍ! فأن تكونَ ملكًا في الداخلِ، ولو عبدًا في الخارجِ، لهو انتصارٌ عظيمٌ. إنه أفضلُ ما تستطيعُ قلوبُنا أن تتصوَّرَه. أن تكونَ معوزًا مُتألِّمًا مُعذَّبًا، مرجومًا مُنشارًا مقتولًا بالسيفِ، تائهًا في جلودِ غنمٍ وجلودِ معزى، في البراري والجبالِ والمغاورِ والكهوفِ. ومع ذلك كلِّه، أن تكونَ ملكًا في ملكوتِ برٍّ وسلامٍ وفرحٍ في الروحِ القدسِ. إنه ملكوتٌ لا يقدرُ أحدٌ سوى اللهِ أن يهبَه، ولا تقدرُ أن تقبلَه سوى نفوسٍ شبيهةٍ باللهِ.

لقد رأينا أو سمعنا بقليلٍ من هؤلاءِ الملوكِ. وقد أقرَّتْ كلُّ القلوبِ بتأثيرِهم غيرِ الواعي. قرأتُ عن أحدِ أعضاءِ ديرِ سان سير. لقد جعلَ تعبُّدُهم الأديرةَ ورؤساءَها يكرهونَهم، فطُرِدوا كأشرارٍ من جماعتِهم. وأُرسِلَ أحدُهم سجينًا إلى ديرٍ يسكنُه أعداؤه. وهناك عانى معاملةً قاسيةً مُهينةً. ومع أنه كان من أصلٍ نبيلٍ وقائدًا سابقًا، فقد كان عليه أن يقومَ بأبسطِ الأعمالِ. أُجبِرَ على حملِ عبءٍ ثقيلٍ على ظهرِه، وأُرغِمَ على التسوُّلِ وعلى صدرِه لافتةٌ تقولُ إنه أحقرُ الأحقرينَ. لكنه، خلالَ ذلك كلِّه، انتصرتْ روحُ القدِّيسِ. فلم يُعكِّرْ شيءٌ هدوءَه، ولم يُفسِدْ عذوبتَه الشبيهةَ بالمسيحِ.

أما مُضطهِديه فلم يكنْ له نحوَهم سوى كلماتِ اللطفِ وابتساماتِ المحبةِ. وأخيرًا، بقوةِ الملكوتِ الإلهيِّ العظيمةِ، كسبَ كلَّ القلوبِ. فصار الصديقَ المؤتمَنَ والمشيرَ، والحاكمَ المحبوبَ لأعدائِه السابقينَ الذين لطالما تلذَّذوا باضطهادِه. «طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ» (متى ٥: ٥). فبوداعتِه قهرَ وصار ملكًا. وذاتَ مرةٍ أُرسِلَ مجرمٌ خطيرٌ إلى الديرِ ليُسجَنَ. وكان عنيفًا حتى إنه لم تكفِ قيودٌ لتقييدِه، ولم تقوَ قوةٌ على ضبطِه. وأخيرًا سِيقَ إلى زنزانةِ أخٍ من سان سير، فحُبِسا معًا. وحتى الرهبانُ البُلداءُ أدركوا أنَّ تلك الوداعةَ الإلهيةَ لها قوةٌ على القهرِ تفوقُ كلَّ ما عرفوه. استقبلَ القدِّيسُ الرجلَ العنيفَ كأخٍ حبيبٍ، وابتسمَ له بلطفٍ سماويٍّ.

لكنَّ المجرمَ ردَّ ذلك بالإهانةِ والعنفِ. فحطَّمَ أثاثَ الراهبِ ودمَّرَ سريرَه، وركلَه وضربَه ونتفَ شعرَه وبصقَ عليه. وأنهكَ نفسَه في عنفِه ضدَّه. وخلالَ ذلك كلِّه لم يُقاوِمِ الراهبُ شيئًا.

لم ينطقْ إلا بكلماتِ محبةٍ. وأخيرًا، توقَّفَ المجرمُ، وقد أنهكَه الغضبُ، ليلتقطَ أنفاسَه. حينئذٍ ابتسمَ الرجلُ المضروبُ المُهانُ لمُضطهِدِه بمحبةٍ عميقةٍ وشفقةٍ، كأنه يريدُ أن يُعزِّيَه في شقائِه. فكان ذلك أكثرَ مما يحتملُه المجرمُ. فالبغضةُ والانتقامُ والغضبُ كان يقدرُ أن يردَّها بمثلِها، أما هذه المحبةُ والوداعةُ فلم يكنْ له سلاحٌ ضدَّها. فقُهِرَ قلبُه. وسقطَ عندَ قدمَي القدِّيسِ وغسلَهما بدموعِه، متوسِّلًا الصفحَ عن قسوتِه، ونذرَ ولاءً مدى الحياةِ لخدمتِه.

ومنذُ تلك اللحظةِ انتهى كلُّ متاعبٍ مع ذلك المجرمِ. فصار يتبعُ القدِّيسَ كالكلبِ المحبِّ الوفيِّ، متلهِّفًا أن يفعلَ أو يكونَ أيَّ شيءٍ يرغبُه الآخرُ. ولمَّا انتهتْ مدةُ سجنِه وفُتِحتِ الأبوابُ، لم يُمكِنْ إقناعُه بالرحيلِ، إذ لم يحتملْ أن يتركَ الرجلَ الذي خلَّصَه بالمحبةِ. من هذا النوعِ هو الملكُ في ملكوتِ السماواتِ هذا. وكلُّ نفسٍ تستطيعُ أن تُطبِّقَه على نفسِها، من دونِ حاجةٍ إلى تعليقٍ مني.

في (متى ٥: ٦-٧)، لدينا ملكُ هذا الملكوتِ يصفُ سماتِ ملكوتِه ويُعطي شرائعَ لرعاياه: «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ». لا الأغنياءُ، ولا العظماءُ، ولا الحكماءُ، ولا المتعلِّمونَ، بل المساكينُ بالروحِ، والودعاءُ، والرحماءُ، وأنقياءُ القلبِ، والحزانى، والجياعُ والعطاشُ، وكذلك المُضطهَدونَ والمُعيَّرونَ والمُفترى عليهم. كلُّ هؤلاءِ ينتمونَ إلى هذا الملكوتِ. فهؤلاءِ الملوكُ لطفاءُ، مذعنونَ، ودعاءُ، رحماءُ. وبتلك القوةِ يملكونَ.

سألَ مسيحيٌّ آخرَ: «كيف أجعلُ الناسَ يحترمونَني؟». فكان الجوابُ: «كنتُ سأفرضُ احترامَهم فرضًا». وعنى بذلك، لا أن يطالبَ قائلًا: «احترموني!»، بل أن يتصرَّفَ ويعيشَ ويكونَ على نحوٍ يجعلُ الجميعَ يحترمونَه. فالناسُ يستطيعونَ أن يكسبوا مظهرَ احترامٍ بالطغيانِ، أما أن يحكموا القلوبَ، فعليهم أن يجرِّبوا وسائلَ أخرى.

وقد طوَّرَ ربُّنا هذه الفكرةَ لبعضِ الذين رغبوا أن يشاركوه عرشَه. فدعاهم إليه وقال: «فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ ٱلْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَٱلْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ» (متى ٢٠: ٢٥). «فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».

من وجهةِ النظرِ البشريةِ، لا يملكُ إلا رجلٌ واحدٌ: هو الذي يقدرُ أن يكونَ سيِّدًا على من حولَه.

أما من وجهةِ النظرِ الإلهيةِ، فالنفسُ التي تخدمُ هي النفسُ التي تملكُ.

ليس من يطلبُ الأكثرَ هو من ينالُ هذا التتويجَ الباطنَ، بل من يتخلَّى عن الأكثرِ. فأيُّ قيادةٍ أعظمُ يمكنُ تصوُّرُها من قيادةِ المسيحِ في الموعظةِ على الجبلِ؟ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلْأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلْآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ» (متى ٥: ٣٩). فلا شكَّ أنَّ نفسًا في وئامٍ مع اللهِ وحدَها تقدرُ أن ترتقيَ عرشَ سيادةٍ كهذا! لكن هذا هو مصيرُنا. لهذا الغرضِ خُلِقنا. فقد وُلِدنا من عِرقٍ ملكيٍّ، ونحن ورثةٌ لهذا الملكوتِ الذي لا يُوصَفُ؛ «فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ ٱللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ، إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ» (روميةَ ٨: ١٧). فلو أدركنا هذا، ورأينا في كلِّ فعلِ خدمةٍ أو تسليمٍ خطوةً صاعدةً، لقادَنا ذلك إلى ملكوتِنا وعرشِنا! وأعني هذا بمعنًى عمليٍّ جدًّا. أعني أنَّ أعمالَنا اليوميةَ المتواضعةَ وتضحياتِنا الصغيرةَ، إن أُتقِنتْ، ستكونُ درجاتٍ صاعدةً في سُلَّمٍ إلى عروشِنا. فإن كنَّا أمناءَ في «القليلِ» من ملكوتِنا الأرضيِّ، أُقِمنا حكَّامًا على «الكثيرِ» من الملكوتِ السماويِّ.

فالذي يخدمُ ويتألَّمُ لأجلِ المسيحِ سيملكُ معه. وسيكونُ «الأعظمَ» في ملكوتِ محبتِه. ومن يعرفُ هذا، من ذا الذي يتردَّدُ في أن يُدِيرَ الخدَّ الآخرَ؟ فهناك ملكوتٌ وعرشٌ يُنالانِ.

كان يوسفُ مثالًا لكلِّ هذا. ففي العبوديةِ وفي السجنِ ملكَ ملكًا، بحقٍّ كما لو كان جالسًا على عرشِ فرعونَ أو راكبًا في مركبتِه. (انظر تكوين ٣٩: ٦): «فَتَرَكَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلَّا ٱلْخُبْزَ ٱلَّذِي يَأْكُلُ. وَكَانَ يُوسُفُ حَسَنَ ٱلصُّورَةِ وَحَسَنَ ٱلْمَنْظَرِ».

(تكوين ٣٩: ٢٢-٢٣): «فَدَفَعَ رَئِيسُ بَيْتِ ٱلسِّجْنِ إِلَى يَدِ يُوسُفَ جَمِيعَ ٱلْأَسْرَى ٱلَّذِينَ فِي بَيْتِ ٱلسِّجْنِ، وَكُلُّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ هُنَاكَ كَانَ هُوَ ٱلْعَامِلَ. وَلَمْ يَكُنْ رَئِيسُ بَيْتِ ٱلسِّجْنِ يَنْظُرُ شَيْئًا ٱلْبَتَّةَ مِمَّا فِي يَدِهِ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ كَانَ مَعَهُ، وَمَهْمَا صَنَعَ كَانَ ٱلرَّبُّ يُنْجِحُهُ». لقد صار الأعظمَ بأن صار الأصغرَ، وصار الرئيسَ بأن صار خادمَ الكلِّ.

أيها القارئُ العزيزُ، هل تملكُ على هذا النحوِ، في هذا النوعِ من الملكوتِ؟ هل أنت الأعظمُ في عالمِك الصغيرِ — في البيتِ، أو الكنيسةِ، أو دائرتِك الاجتماعيةِ؟ إذًا كنِ الأصغرَ. كنْ خادمَ الجميعِ. وإلا فملكوتُك ليس ملكوتَ المسيحِ، وعرشُك ليس مشتركًا معه. إنَّ الوصولَ إلى أسرارِ هذا الملكوتِ الباطنِ وقوتِه ليس وهمًا، ولا مجردَ انتصارٍ متخيَّلٍ. إنه طريقٌ حقيقيٌّ صادقٌ للملكِ. سيجعلُك ترتفعُ فوقَ العالمِ وهمومِه، فتعبرُه غيرَ متأثِّرٍ بمديحِه أو نقدِه. وستعيشُ في موضعِ سلامٍ وانتصارٍ لا يقدرُ العالمُ أن يُعطيَه أو ينتزعَه.

«فَإِنَّ مَلَكُوتَ ٱللهِ لَيْسَ بِكَلَامٍ بَلْ بِقُوَّةٍ». إنه ليس حديثًا بل حقيقةٌ، والذين فيه يُدرِكونَ ملكَهم ويُثبِتونَه بالملكِ. لكن لعلَّك تقولُ: «كيف أدخلُ هذا الملكوتَ إن لم أكنْ فيه أصلًا؟». فليُجِبْك ربُّنا نفسُه: «فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ تَقَدَّمَ ٱلتَّلَامِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ؟» (متى ١٨: ١). «فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ وَقَالَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ ٱلْأَوْلَادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هَذَا ٱلْوَلَدِ فَهُوَ ٱلْأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى ١٨: ٢-٣). إنه ملكوتُ قلوبٍ كالأطفالِ، ولا يدخلُه إلا مثلُها. وأن تكونَ «ولدًا صغيرًا» يعني ببساطةٍ أن تكونَه. ولا أستطيعُ أن أصفَه أفضلَ من هذا. كلُّنا نعرفُ الأطفالَ الصغارَ.

إننا نُسَرُّ ببساطتِهم وثقتِهم وعدمِ اكتراثِهم. ونُعجَبُ بطاعتِهم غيرِ المتشكِّكةِ للسلطةِ. ولكي تكونَ الأعظمَ في هذا الملكوتِ الإلهيِّ، عليك أن تملكَ أوفرَ نصيبٍ من قلبِ هذا الطفلِ الواثقِ الحنونِ المطيعِ. إنه قلبٌ بلا خديعةٍ، ناسٍ لذاتِه.

«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ، بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى ٧: ٢١). فليس القولُ، بل الفعلُ، هو الذي ينفعُنا هنا. لا بدَّ أن نكونَ ولدًا، وإلا فلا نقدرُ أن نجلسَ على عرشِ الولدِ. وأن نكونَ ولدًا يعني أن نفعلَ مشيئةَ الآبِ، إذ إنَّ جوهرَ الطفولةِ الحقيقيةِ هو روحُ الطاعةِ المقترنةُ بروحِ الثقةِ.

صِرْ ولدًا صغيرًا. اطرحْ عظمتَك وتأكيدَ ذاتِك وحكمتَك. تخلَّ عن قوتِك واتكالِك على نفسِك. ارضَ أن تموتَ عن ذاتِك القديمةِ. وُلَدْ ثانيةً في ملكوتِ اللهِ. فالسبيلُ الوحيدُ للخروجِ من حياةٍ إلى أخرى هو بالموتِ عن الأولى والولادةِ الجديدةِ في الأخرى. إنها القصةُ القديمةُ إذًا، المُكرَّرةُ مرارًا وبطرقٍ شتَّى، قصةُ العبورِ من الموتِ إلى الحياةِ. فمُتْ إذًا لكي تحيا. اخسرْ حياتَك أنت لكي تجدَ حياةَ المسيحِ.

إنها لا تستطيعُ أن تدخلَ ملكوتَ الفراشةِ إلا بالموتِ عن حياةِ اليرقةِ، ثم صيرورتِها فراشةً. وكذلك نحن لا نقدرُ أن ندخلَ ملكوتَ اللهِ إلا بالموتِ عن ملكوتِ الذاتِ، ثم القيامةِ إلى حياةٍ في المسيحِ. تخلَّ عن كلِّ ما هو طبيعيٌّ، بما في ذلك أفكارُك وخططُك وآراؤك. واقبلْ بدلًا من ذلك خططَ اللهِ وطرقَه وأفكارَه. افعلْ هذا بأمانةٍ ومثابرةٍ. فتجلسَ أخيرًا على عرشِه وتملكَ معه في ملكوتٍ أبديٍّ، يسحقُ ويُفني كلَّ الممالكِ الأخرى، ويثبتُ إلى الأبدِ.

ما من طريقٍ آخرَ. فهذا الملكوتُ لا يمكنُ الدخولُ إليه بالكبرياءِ أو المظهرِ أو القوةِ. بل لا يُدخَلُ إليه إلا بالصِّغَرِ والعجزِ والتشبُّهِ بالأطفالِ والطفولةِ والموتِ. فمن يضعُ نفسَه هو وحدَه يُرفَعُ. ولكي نشاركَ المسيحَ عرشَه، علينا أولًا أن نتبعَه في التألُّمِ والخسارةِ والصلبِ. فإن تألَّمنا معه، ملكنا أيضًا معه.

لا كمكافأةٍ اعتباطيةٍ على تألُّمِنا، بل كنتيجةٍ تتبعُ في طبيعةِ الأمورِ نفسِها. فخسارةُ المسيحِ لا بدَّ أن تجلبَ ربحَ المسيحِ. وموتُه لا بدَّ أن يجلبَ قيامتَه. واتباعُه في التجديدِ سيقودُ حتمًا النفسَ التابعةَ إلى تاجِه وعرشِه. وفي مجلَّدٍ من العظاتِ للأطفالِ، وجدتُ توضيحًا حيًّا لهذا الملكوتِ الملكيِّ: فتًى صغيرٌ من إحدى دُورِ الملجأِ في إنكلترا خاطرَ بحياتِه لينقذَ صديقَه. فأرسلَتْ إليه ملكةُ إنكلترا وسامًا مع أحدِ إيرلاتِها. ودفعَه أصدقاؤه إلى الأمامِ ليتسلَّمَه، إذ كان خجولًا مضطربًا وحاولَ أن يتنحَّى.

انظرْ إلى الرئيسِ الموقَّرِ. لقد جاءَ من مجلسِ اللوردات، حيث كان مجتمِعًا إيرلاتٌ ودوقاتٌ ورجالٌ مرموقونَ كمحامينَ وقضاةٍ ورجالِ دولةٍ ومحاربينَ. وكان هناك أيضًا أمراءٌ ملكيونَ. ومع أنه كان نبيلًا، فقد تأثَّرَ. فتمتمَ: «يشرِّفُني»، وثبَّتَ وسامَ إنقاذِ الحياةِ على سترةِ الطفلِ. وامتلأ قلبُه، فتوقَّفَ ليبتلعَ شيئًا كان يصعدُ في حَلقِه قبلَ أن يقدرَ أن يُكمِلَ.

هناك «مجدُ» رجالِ الدولةِ والمحاربينَ والمحامينَ و«كرامتُهم». لكنَّ مجدَ إنقاذِ الحياةِ بنكرانِ الذاتِ يفوقُها جميعًا. ذلك كان المجدَ العجيبَ الذي أحرزَه هذا الفتى. لقد ألقى بنفسِه في التيارِ وشاركَ فتًى غريقًا خطرَه. وتلك اليدُ الصغيرةُ، انظرْ إليها هناك، تُثبِّتُه بإمساكِها بالطاولةِ، كانت قد خرجتْ ممسكةً بمن أُنقِذَ.

لماذا لنكرانِ الذاتِ مثلُ هذه القوةِ الجبَّارةِ؟ كيف استطاعَ فتًى في الثانيةَ عشرةَ أن يُحنيَ أمامَه جمهورًا من الرجالِ البالغينَ؟ ما الذي منحَ ذلك الجبينَ، بتاجِه القصيرِ من الشَّعرِ الأحمرِ، مجدًا وكرامةً تفوقُ بريقَ الذهبِ والجواهرِ؟

لماذا استطاعَ ذلك الجسدُ الصغيرُ، بسروالِه وسترتِه الصغيرينِ، وهو يمسحُ دموعَه بكُمِّه الخشنِ الصغيرِ، أن يقبضَ على ألوفِ القلوبِ؟ لماذا جعلَها، لبرهةٍ، رعايا مخلصينَ لملكوتِه؟

لماذا كان كلُّ هذا كذلك؟ كان كذلك لأنَّ ذلك الفتى الصغيرَ كان قد أشبهَ المسيحَ في روحِ تضحيتِه بنكرانِ الذاتِ من أجلِ الآخرينَ. لقد كان فيه شيءٌ من الجمالِ الذي خُلِقنا لنسجدَ له. إنه المجدُ الذي يجعلُ الملائكةَ تهتفُ. فكلُّ السماءِ تخرُّ وتسجدُ، قائلةً بصوتٍ عظيمٍ: «مُسْتَحِقٌّ هُوَ ٱلْحَمَلُ ٱلْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ ٱلْقُدْرَةَ وَٱلْغِنَى وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلْقُوَّةَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْمَجْدَ وَٱلْبَرَكَةَ» (رؤيا ٥: ١٢). فالحملُ المذبوحُ هو أعظمُ ملكٍ على الإطلاقِ. وكلُّ من يشاركونَ روحَه هم في ملكوتِه. وهذا الملكوتُ ليس مكانًا، بل صفةً. لذلك، فالذين بلا تلك الصفةِ لا يمكنُ أن يكونوا فيه.

إننا نُصلِّي يوميًّا: «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ». فهل نعرفُ ماذا نطلبُ؟ هل ندركُ التغييرَ الذي سيُحدِثُه فينا إن أتى فينا؟ هل نحن راغبونَ في أن نتغيَّرَ هكذا؟ فما هو ملكوتُ اللهِ إلا حُكمَ اللهِ؟ وما هو حُكمُ اللهِ إلا مشيئةَ اللهِ؟ لذلك، حين نُصلِّي: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى ٱلْأَرْضِ»، نكونُ قد لمسنا سرَّ الأمرِ كلِّه. فقد يستولي جمعٌ من المتوحِّشينَ على مملكةٍ بالقوةِ، لكن ليحكموا حضارتَها حقًّا، عليهم أن يتَّبِعوا قوانينَها. والأمرُ عينُه في ملكوتِ السماواتِ. فهو لا يمنحُ قوتَه إلا للذين يُطيعونَ شرائعَه. «مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ» (رؤيا ٣: ٢١). يقولُ كاتبٌ قديمٌ: «يملكُ دائمًا من يقفُ في صفِّ اللهِ». ويقولُ أيضًا: «من يقبلُ مشيئةَ اللهِ قبولًا كاملًا، يسكنُ في ملكوتٍ دائمٍ».

هل تملكُ على هذا النحوِ وفي هذا النوعِ من الملكوتِ؟ هل أنت الأهمُّ بأن تكونَ خادمَ الجميعِ؟ هل أنت ملكٌ على ظروفِك، أم أنَّ ظروفَك تملكُ عليك؟

هل تنتصرُ على تجاربِك، أم أنَّ تجاربَك تنتصرُ عليك؟ هل تستطيعُ أن تجلسَ على عرشٍ داخليٍّ في وسطِ الهزيمةِ والخسارةِ الخارجيتينِ؟

هل تستطيعُ أن تقهرَ بالإذعانِ، وأن تصيرَ الأعظمَ بأن تكونَ الأصغرَ؟ إن لم تستطعْ أن تُجيبَ بنعم عن كلِّ هذه الأسئلةِ، فلا تقدرُ أن تدخلَ ملكوتَه. «فمهما يكنْ نصيبُك أو آراءُ الناسِ، أنت من الذين يدعوهم ربُّنا: الأعظمَ في ملكوتِ السماواتِ».

المحتويات

سرّ الحياة المسيحية السعيدة Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 19 دقيقة متبقية في الفصل