فصل 18 · قراءة 9 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
درسٌ في الحياةِ الداخليةِ
في عيدِ الميلادِ، تعرضُ كثيرٌ من واجهاتِ متاجرِنا صورةً ذاتَ دلالةٍ. إنها مشهدٌ شتويٌّ كئيبٌ موحِشٌ: سماءٌ مظلمةٌ عاصفةٌ، وأشجارٌ عاريةٌ، وعشبٌ بُنّيٌّ وأعشابٌ ميتةٌ تعلوها بُقَعٌ من الثلجِ. وعلى شجرةٍ جرداءَ في أحدِ جانبَي الصورةِ عشٌّ فارغٌ يكسوه الثلجُ، وعلى غصنٍ قريبٍ يجلسُ طائرٌ صغيرٌ. والبردُ والظلمةُ والوحشةُ تكفي لتُرهِبَ أيَّ طائرٍ وتدفعَه إلى مناخٍ أجملَ. لكنَّ هذا الطائرَ يجلسُ هناك قانعًا، رأسُه الصغيرُ مرفوعٌ بشجاعةٍ نحوَ السماءِ، وأنشودةٌ شتويةٌ توشِكُ أن تنطلقَ من حَنجرتِه الصغيرةِ.
هذه الصورةُ، التي تقفُ دائمًا على رفِّي، قد وعظَتْني عظاتٍ كثيرةً. والدرسُ فيها هو نفسُه دائمًا. إنه في الكلمتينِ اللتينِ في مطلعِ هذا المقالِ: «مع أنَّ» و«فإني».
«فَمَعَ أَنَّهُ لَا يُزْهِرُ ٱلتِّينُ، وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ فِي ٱلْكُرُومِ، يَكْذِبُ عَمَلُ ٱلزَّيْتُونَةِ، وَٱلْحُقُولُ لَا تَصْنَعُ طَعَامًا، يَنْقَطِعُ ٱلْغَنَمُ مِنَ ٱلْحَظِيرَةِ، وَلَا بَقَرَ فِي ٱلْمَذَاوِدِ» (حبقوق ٣: ١٧). تأتي في حياةِ كثيرينَ أوقاتٌ تجدُ فيها النفسُ نفسَها بلا عزاءٍ، كهذا الطائرِ الشتويِّ. يبدو كلُّ شيءٍ مظلمًا وفاسدًا. وكلُّ ما وثِقنا به يخذلُنا. تبدو الوعودُ غيرَ متحقِّقةٍ، وتبقى صلواتُنا بلا جوابٍ. ولا نجدُ ما نتَّكِلُ عليه في الأرضِ أو في السماءِ. وفي مثلِ هذه الأوقاتِ نحتاجُ إلى ذلك الطائرِ الصغيرِ الشجاعِ برسالتِه. فمع أنَّ كلَّ شيءٍ فاسدٌ في كلِّ مكانٍ، فإنَّ هناك أمرًا واحدًا نبتهجُ به: اللهُ. إنه إلهُ خلاصِنا. وهو لا يتغيَّرُ. هو الإلهُ الصالحُ المُحِبُّ الحنونُ نفسُه، أمسِ واليومَ وإلى الأبدِ.
يمكنُنا أن نبتهجَ به دائمًا، سواءٌ كان لنا ما نبتهجُ به سواه أم لا. ولا أعني بالابتهاجِ به الابتهاجَ بأنفسِنا. وأخشى أنَّ معظمَ الناسِ يظنُّونَ أنَّ هذا هو المقصودُ. فمشاعرُهم وإعلاناتُهم واختباراتُهم هي أساسُ فرحِهم. وإن لم يكنْ شيءٌ منها مُرضيًا، لم يرَوا أيَّ إمكانيةٍ للفرحِ البتةَ. لكنَّ الدرسَ الذي يحاولُ الربُّ أن يعلِّمَنا إياه على الدوامِ هو درسُ التواضعِ.
إنه يأمرُنا أن نُحوِّلَ نظرَنا عن الذاتِ واختباراتِها. علينا أن نصلبَ الذاتَ ونحسبَها ميتةً. علينا أن نكفَّ عن الاهتمامِ بالذاتِ. وينبغي ألا نعرفَ ولا نريدَ شيئًا سوى اللهِ.
والسببُ في ذلك أنَّ اللهَ قد قدَّرَ لنا حياةً أسمى من حياةِ الذاتِ. فكما قدَّرَ لليرقةِ أن تصيرَ فراشةً، عيَّنَ أن تموتَ حياتُها لتحلَّ الفراشةُ محلَّها، كذلك عيَّنَ لحياةِ ذاتِنا أن تموتَ لتصيرَ الحياةُ الإلهيةُ لنا عوضًا عنها. فاليرقةُ تُهلِكُ صورتَها الدوديةَ لتصيرَ فراشةً. إنها تموتُ لكي تحيا. وهكذا يجبُ علينا نحن أيضًا.
إذًا فأهمُّ شيءٍ الآنَ هو أن نموتَ عن الذاتِ ونُولَدَ من جديدٍ لحياةٍ في اللهِ. ولهذا السببِ لا بدَّ أن يُتعلَّمَ درسُ الفرحِ بالربِّ لا بالذاتِ. فكلُّ نفسٍ متقدِّمةٍ لا بدَّ لها، عاجلًا أو آجلًا، أن تثقَ باللهِ؛ باللهِ المجرَّدِ، إن جازَ التعبيرُ. عليها أن تثقَ به لأجلِ ما هو عليه، لا لأجلِ وعودِه أو عطاياه. عليها أن تتعلَّمَ أن يكونَ فرحُها به وحدَه، وأن تبتهجَ به حين يبدو كلُّ ما عداه في السماءِ والأرضِ خائبًا.
وأعتقدُ أنَّ الطريقَ الوحيدَ لبلوغِ هذا الموضعِ هو عبرَ النفسِ ذاتِها. فعليها أن تواجهَ، في اختبارِها الشخصيِّ، فقدانَ كلِّ شيءٍ، داخليًّا وخارجيًّا. لا أعني أنَّ كلَّ أصدقاءِ المرءِ يجبُ أن يموتوا، أو أنَّ كلَّ مالِه يجبُ أن يضيعَ. بل أعني أنَّ النفسَ تجدُ نفسَها، بأسبابٍ داخليةٍ أو خارجيةٍ، متروكةً ضائعةً خاليةً من كلِّ عزاءٍ. عليها أن تبلغَ نهايةَ كلِّ ما ليس هو اللهَ، وألا يبقى لها شيءٌ آخرُ تستريحُ إليه في الداخلِ أو في الخارجِ. عليها أن تختبرَ تمامًا ما قصدَه النبيُّ حين كتبَ ذلك «مع أنَّ».
عليها أن تخوضَ في الوحلِ، وتسقطَ عن الحافةِ، وتغمرَها المياهُ. وعليها أخيرًا أن تجدَ، بينها وتحتها، اللهَ الحاضرَ الحيَّ المُحِبَّ القديرَ! حينئذٍ فقط تفهمُ صرخةَ النبيِّ المبتهجةَ بالظفرِ، وتقدرُ أن تشاركَه فيها: «فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي» (حبقوق ٣: ١٨). حينئذٍ، وليس قبلَ ذلك، تعرفُ المعنى الكاملَ للآيةِ التي تليها: «اَلرَّبُّ ٱلسَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَٱلْأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي» (حبقوق ٣: ١٩). كثيرًا ما تمشي النفسُ على ما يبدو أنها مرتفعاتٌ، لكنها في الغالبِ من صنعِ الذاتِ وعاطفيةٌ، وفيها القليلُ من اللهِ. وفي لحظاتِ الفقدانِ والفشلِ، تصيرُ هذه المرتفعاتُ حافاتٍ. أما المرتفعاتُ التي يرفعُ الربُّ إليها النفسَ التي تبتهجُ به وحدَه، فلا تمسُّها ظلمةٌ ولا فقدانٌ. فأساساتُها نفسُها موضوعةٌ في وسطِ فقدانٍ تامٍّ وموتٍ لكلِّ ما ليس هو اللهَ.
لكي نجدَ اختبارًا لا يتزعزعُ، علينا أن نطلبَه في الربِّ وحدَه. علينا أن نطلبَه بمعزلٍ عن كلِّ ما عداه، وعن عطاياه وبركاتِه. علينا أن نطلبَه بمعزلٍ عن كلِّ ما يمكنُ أن يتغيَّرَ مع حياتِنا الأرضيةِ.
فالصلاةُ المستجابةُ اليومَ قد تبدو غيرَ مستجابةٍ غدًا. والوعودُ التي تحقَّقتْ يومًا قد لا تعودُ تبدو حقيقيةً. والبركةُ الروحيةُ التي جلبتْ فرحًا يومًا قد تُفقَدُ. وقد لا يبقى لنا سوى ذكرى جائعةٍ مشتاقةٍ لكلِّ ذلك. لكن حين يزولُ كلُّ ما عداه، يبقى اللهُ. لا شيءَ يُغيِّرُه. هو نفسُه أمسِ واليومَ وإلى الأبدِ، وليس عندَه تغييرٌ ولا ظلُّ دورانٍ.
والنفسُ التي تجدُ فرحَها به وحدَه لا يمكنُ أن يعتريَها تزعزُعٌ. إنه لأمرٌ عظيمٌ أن نثقَ بالوعودِ، لكنَّ الأعظمَ أن نثقَ بمن وعَدَ. فالوعودُ قد يُساءُ فهمُها أو تطبيقُها، وحين نتَّكِلُ عليها قد تبدو أنها تخذلُنا. لكن ما من أحدٍ وثقَ بمن وعَدَ فخابَ.
إنَّ اللهَ الذي وراءَ وعودِه أعظمُ منها بما لا يُقاسُ. وهو لا يمكنُ أن يخذلَنا في أيِّ شِدَّةٍ.
والنفسُ التي تثقُ به تعرفُ سلامًا كاملًا.
إنَّ الطفلَ الصغيرَ لا يفهمُ دائمًا وعودَ أمِّه، لكنه يعرفُ أمَّه. وثقتُه ليست مبنيةً على كلامِها، بل على ذاتِها. وهكذا الأمرُ مع الذين تعلَّموا منا درسَ هذا الـ«مع أنَّ» والـ«فإني». فقد لا تكونُ هناك صلاةٌ مستجابةٌ أو وعدٌ متحقِّقٌ في وعيِنا، لكن ماذا في ذلك؟ فوراءَ الصلواتِ ووراءَ الوعودِ يوجدُ اللهُ، وهو كافٍ. ولمثلِ هذه النفسِ، تُجيبُ الكلماتُ البسيطةُ «اللهُ موجودٌ» عن كلِّ سؤالٍ، وتحلُّ كلَّ شكٍّ.
فبالنسبةِ إلى الطفلِ الصغيرِ الواثقِ، تكونُ حقيقةُ وجودِ الأمِّ البسيطةُ جوابًا لكلِّ احتياجاتِه. قد لا تقطعُ الأمُّ وعدًا واحدًا ولا تُفصِّلُ أيَّ خطةٍ، لكنها موجودةٌ، وهذا يكفي الطفلَ.
إنَّ الطفلَ يبتهجُ بالأمِّ، لا بوعودِها، بل بذاتِها. وللطفلِ، كما لنا، فرحٌ.
إنه الشيءُ الوحيدُ الذي لا يتغيَّرُ خلفَ كلِّ ما يتغيَّرُ وما يمكنُ أن يتغيَّرَ. إنه وجودُ الأمِّ.
لا بدَّ أن يُعتنى بالطفلِ ما دامت الأمُّ حيةً. والطفلُ يعرفُ هذا بالفطرةِ إن لم يكنْ بالعقلِ، ويبتهجُ به. وما دامَ اللهُ حيًّا، فلا بدَّ أن يُعتنى بأولادِه. وينبغي لهم أن يعرفوا هذا ويبتهجوا به أكثرَ مما يفعلُ الطفلُ البشريُّ.
فماذا عسى اللهُ أن يفعلَ غيرَ ذلك، وهو ما هو عليه؟ إنَّ الإهمالَ واللامبالاةَ والنسيانَ والجهلَ كلَّها مستحيلةٌ عليه. فهو يعرفُ كلَّ شيءٍ. ويهتمُّ بكلِّ شيءٍ. ويقدرُ أن يُدبِّرَ كلَّ شيءٍ. وهو يحبُّنا. فماذا نطلبُ أكثرَ من ذلك؟ لذلك، مهما جرى، سنرفعُ وجوهَنا إلى إلهِنا، مثلَ طائرِنا الصغيرِ الشجاعِ المعلِّمِ. وفي أحلكِ «مع أنَّ»، سنُرنِّمُ «فإني» الفرحَ الظافرَ.
لقد فعلَ هذا جميعُ قدِّيسي اللهِ في كلِّ العصورِ. قال أيوبُ، من أعماقِ حزنٍ وتجربةٍ قلَّما يعادلُهما أحدٌ: «هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لَا أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ» (أيوب ١٣: ١٥). وفي أعمقِ كربِه استطاعَ داودُ أن يقولَ: «إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ ٱلْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي» (مزمور ٢٣: ٤). وقال أيضًا: «ٱللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ، عَوْنًا فِي ٱلضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا» (مزمور ٤٦: ١). لِذَلِكَ لَا نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ ٱلْأَرْضُ، وَلَوِ ٱنْقَلَبَتِ ٱلْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ ٱلْبِحَارِ، تَعِجُّ وَتَجِيشُ مِيَاهُهَا، وَتَتَزَعْزَعُ ٱلْجِبَالُ بِطُمُوِّهَا. سِلَاهْ. نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ ٱللهِ، مَقْدِسَ مَسَاكِنِ ٱلْعَلِيِّ. ٱللهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا ٱللهُ عِنْدَ إِقْبَالِ ٱلصُّبْحِ.
وفي أحزانِه استطاعَ بولسُ أن يقولَ: «مُكتئِبينَ في كلِّ شيءٍ لكن غيرَ متضايقينَ، متحيِّرينَ لكن غيرَ يائسينَ، مُضطهَدينَ لكن غيرَ متروكينَ، مطروحينَ لكن غيرَ هالكينَ، حاملينَ في الجسدِ كلَّ حينٍ إماتةَ الربِّ يسوعَ، لكي تُظهَرَ حياةُ يسوعَ أيضًا في أجسادِنا.
لأننا نحن الأحياءَ نُسَلَّمُ دائمًا للموتِ من أجلِ يسوعَ، لكي تُظهَرَ حياةُ يسوعَ أيضًا في جسدِنا المائتِ. إذًا الموتُ يعملُ فينا، وأما الحياةُ ففيكم» (٢ كورنثوس ٤: ٨-١٢). والنفسُ التي تعلَّمتْ أن تبتهجَ باللهِ وحدَه تقدرُ أن تقولَ هذا كلَّه وأكثرَ.
إنَّ الفرحَ الروحيَّ ليس شيئًا، ليس كتلةً من الفرحِ، إن جازَ التعبيرُ، مُخزَّنةً في القلبِ يُنظَرُ إليها ويُبتهَجُ بها. بل الفرحُ هو السرورُ الناتجُ عن امتلاكِ شيءٍ صالحٍ أو معرفةِ أمرٍ سارٍّ.
وفرحُ المسيحيِّ هو ببساطةٍ سرورُه بمعرفةِ المسيحِ، وبامتلاكِه مثلَ هذا الإلهِ والمخلِّصِ. فنحن على الصعيدِ الأرضيِّ لا نبتهجُ بفرحِنا، بل بالشيءِ الذي يُسبِّبُ فرحَنا. والأمرُ عينُه على الصعيدِ السماويِّ. علينا أن نقولَ: «فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي» (حبقوق ٣: ١٨). فلا إنسانٌ ولا شيطانٌ يقدرُ أن ينتزعَ هذا الفرحَ منا. ولا أحزانٌ أرضيةٌ تقدرُ أن تمسَّه.
يقولُ أحدُ الكُتَّابِ في الحياةِ الداخليةِ، في جوهرِ كلامِه، إنَّ رحلتَنا الروحيةَ فيها ثلاثةُ أقاليمَ شديدةِ الاختلافِ.
كلٌّ منها مرحلةٌ ضروريةٌ في تقدُّمِنا. أولًا هناك إقليمُ البداياتِ. إنه زمنُ أفراحٍ ومسرَّاتٍ بسيطةٍ، ورجاءٍ قويٍّ، ومشاعرَ عميقةٍ. وأسرارٌ كثيرةٌ تُعلِنُ اللهَ. ثم تأتي برِّيةٌ شاسعةٌ، مملوءةٌ بالتجاربِ والمِحَنِ. تجلبُ فقدانَ الرشدِ، والجفافَ، والظلمةَ الداخليةَ والخارجيةَ. فإن احتملتَ الصحراءَ بعدَ تجربةٍ طويلةٍ، انتظرَك إقليمُ المرتفعاتِ الجبليةِ. هناك تجدُ اتحادًا باللهِ، وتجرُّدًا من الأمورِ الأرضيةِ، ورضًا تامًّا بمشيئتِه. وستتحوَّلُ إلى صورةِ المسيحِ.
لا أستطيعُ أن أناقشَ إن كان هذا الترتيبُ صحيحًا. لكني على يقينٍ من أمرٍ واحدٍ. فكثيرٌ من النفوسِ التي وجدتْ فرحًا في «إقليمِ البداياتِ» هنا، واجهتْ لاحقًا اختبارَ الصحراءِ الذي تركَها مندهشةً حائرةً. ولا يسعُني إلا أن أظنَّ أنَّ مثلَ هؤلاءِ قد يجدونَ، ربما في هذا التفسيرِ، جوابًا لضيقِهم. فهم يتعلَّمونَ التجرُّدَ من كلِّ ما ليس هو اللهَ. وهذا لكي تتَّحِدَ نفوسُهم به، كما تُظهِرُ صورةُ الإقليمِ الثالثِ الأعلى من الطوبى.
إنَّ طريقَ النفسِ هو دائمًا عبرَ الموتِ إلى الحياةِ. فاليرقةُ يجبُ أن تموتَ لتصيرَ فراشةً، ولا يمكنُها ذلك إلا بأن تتخلَّى عن حياةٍ لتحيا أخرى. ونحن كذلك لا نقدرُ إلا هكذا. لذلك قد يتعيَّنُ علينا أن نعبرَ هذا الإقليمَ الموحِشَ المميتَ لنبلغَ المرتفعاتِ الجبليةَ الهادئةَ التي وراءَه. فإن عرفنا هذا، قدرنا أن نسيرَ في أحلكِ الأوقاتِ، واثقينَ أنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرامُ، لأنَّ اللهَ هو اللهُ. وكثيرونَ ممن يقرؤونَ هذه الورقةَ لديهم واحدٌ على الأقلِّ من «مع أنَّ» الصحراءِ هذه. وبعضُهم لديه الكثيرُ منها.
أيها الأحبَّاءُ، هل الـ«فإني» موجودٌ هناك أيضًا؟ هل تعلَّمتم درسَ النبيِّ؟ هل اللهُ يكفيكم؟
أتستطيعونَ أن تُرنِّموا وأنتم تعنونَ ذلك: «أنتَ، يا مسيحُ، كلُّ ما أريدُ، وأكثرُ من الكلِّ فيك أجدُ»؟ فإن لم تستطيعوا، فأنتم بحاجةٍ إلى أن يكلِّمَكم الطائرُ الصغيرُ.
فأنشودتُه، وهو جالسٌ على تلك الشجرةِ الجرداءِ العاريةِ في عاصفةِ الشتاءِ العاويةِ، لا بدَّ أن تصيرَ أنشودتَكم أنتم أيضًا.
«مع أنَّ المطرَ قد يهطلُ والريحَ تهبُّ، والبردَ لسعةُ الشتاءِ القارسةُ؛ مع أنَّ السماءَ الأكثرَ غيومًا لا تزالُ تتلبَّدُ، والأوراقَ الميتةَ تُنبئُ أنَّ الصيفَ قد مضى؛ فإني أرفعُ وجهي إلى السماءِ العاصفةِ، وقلبي هادئٌ كبحرٍ صيفيٍّ؛ فرِحًا أن أقبلَ ما أعطاني إلهي، مهما يكنْ.»
«حين أشعرُ بالبردِ، أستطيعُ أن أقولَ: هو يُرسِلُه. وريحُه تهبُّ بالبركةِ، هذا ما أعرفُه يقينًا. فما احتجتُ قطُّ إلا وهو يرعى أمري. قلبي ينبضُ دافئًا، وإنْ هبَّتِ الرياحُ. لقد كان الصيفُ اللطيفُ العذبُ دافئًا متوهِّجًا. وكانت الأزهارُ ناضرةً على كلِّ غصنٍ. وثقتُ به حين كانت الوردُ متفتِّحةً. وأثقُ به الآنَ.»
«كان إيماني ضئيلًا ضعيفًا لو تزعزعَ لمجرَّدِ أنَّ الوردَ قد كفَّ عن التفتُّحِ. واهنةً تلك الثقةُ التي تتبدَّلُ الآنَ، فتشكُّ في محبتِه حين تتعاظمُ غيومُ العاصفةِ. فإن وثقتُ به مرةً، وجبَ أن أثقَ به إلى الأبدِ. طريقُه هو الأفضلُ، أثبتُّ أم سقطتُ. وعبرَ الريحِ أو العاصفةِ، لن يتركَني أبدًا، لأنه هو يُرسِلُ كلَّ شيءٍ.»