فصل 17 · قراءة 13 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الاتحاد بالمسيح
إِنَّ مُعَامَلاتِ اللهِ مع نفسِ المؤمنِ تهدفُ إلى الاتحادِ بذاتِه. وفي هذا يتحقَّقُ ما صلَّى به الربُّ: «لِيَكُونَ ٱلْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ ٱلْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ ٱلْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي» (يوحنا ١٧: ٢١-٢٣). لقد كان قصدُ اللهِ المجيدُ لشعبِه، قبلَ تأسيسِ العالمِ، اتحادَ النفوسِ به. كان ذلك السرَّ المكتومَ منذُ الدهورِ والأجيالِ. وقد تمَّ في تجسُّدِ المسيحِ. وأُعلِنَ في الكتبِ المقدَّسةِ. وهو يتحقَّقُ اختبارًا فعليًّا لدى كثيرينَ من أولادِ اللهِ الأحبَّاءِ. لكن ليس لدى الجميعِ، مع أنَّه حقٌّ للجميعِ. فاللهُ لم يُخفِه، غير أنَّ كثيرينَ لهم عيونٌ كليلةٌ وقلوبٌ غيرُ مؤمنةٍ، فيعجزونَ عن إدراكِه. والربُّ يُنهِضُ المؤمنينَ في كلِّ مكانٍ، يريدُهم أن يُسلِّموا أنفسَهم إليه، ليقودَهم إلى إدراكٍ شخصيٍّ لهذا الأمرِ. إنَّه يريدُ أن يعملَ فيهم كلَّ مسرَّةِ مشيئتِه.
كلُّ الخطواتِ السابقةِ في الحياةِ المسيحيةِ تفضي إلى هذا. لأجلِه خلقَنا الربُّ. وما لم نعرفْه ونختَرْ أن نعتنقَه، يبقى تعبُ نفسِه من أجلِنا غيرَ راضٍ، وتبقى قلوبُنا لم تجدْ راحتَها الأخيرةَ.
إنَّ المسارَ المعتادَ للاختبارِ المسيحيِّ مرسومٌ في تاريخِ التلاميذِ. أولًا استيقظوا على حالِهم وحاجتِهم. ثم أتَوا إلى المسيحِ وبايعوه بالولاءِ له. ثم تبعوه، وعملوا لأجلِه، وآمنوا به، ومع ذلك كم كانوا غيرَ شبيهينَ به! كانوا يطلبونَ أن يكونَ بعضُهم فوقَ بعضٍ. وهربوا من الصليبِ. وأساؤوا فهمَ رسالتِه وكلامِه. وتركوه في الخطرِ. ومع ذلك أرسلَهم ليكرزوا. واعترفَ بهم تلاميذَ له، لهم قوةٌ ليعملوا لأجلِه. لم يكونوا يعرفونَ المسيحَ إلا «حسبَ الجسدِ»، أي خارجًا عنهم، ربًّا لهم وسيِّدًا، لكنه لم يكنْ بعدُ حياتَهم.
ثم جاءَ يومُ الخمسينِ. حينئذٍ عرفَه هؤلاءِ التلاميذُ مُعلَنًا في داخلِهم. صاروا واحدًا معه، إذ كان حياتَهم الساكنةَ فيهم. ومنذُ ذلك الحينِ صار لهم المسيحَ الذي في الداخلِ. وعملَ فيهم أن يريدوا وأن يعملوا حسبَ مسرَّتِه.
وبناموسِ روحِ حياتِه أعتقَهم من عبوديةِ ناموسِ الخطيةِ والموتِ الذي كانوا محبوسينَ تحتَه. ولم يعدْ بينهم وبينه حربُ إراداتٍ وتصادمُ مصالحَ. صارت إرادةٌ واحدةٌ وحدَها تُحرِّكُهم، وهي إرادتُه. وصارت مصلحةٌ واحدةٌ وحدَها عزيزةً عليهم، وهي مصلحتُه. لقد جُعِلوا واحدًا معه.
لا شكَّ أنَّ الجميعَ يستطيعونَ أن يتعرَّفوا على هذه الصورةِ. لكن قد لا تكونُ المرحلةُ الأخيرةُ قد بُلِغَتْ تمامًا. فربما تركتَ الكثيرَ لتتبعَ المسيحَ، أيها القارئُ العزيزُ. وربما آمنتَ به وعملتَ لأجلِه وأحببتَه. ومع ذلك قد لا تكونُ شبيهًا به. أنت تعرفُ الولاءَ، وتعرفُ الثقةَ، لكن ليس بعدُ الاتحادَ. فهناك إرادتانِ، ومصلحتانِ، وحياتانِ. أنت لم تفقدْ بعدُ حياتَك الخاصةَ لتحيا في حياتِه وحدَها.
في وقتٍ مضى كان الأمرُ: أنا لا المسيحُ. ثم صار: أنا والمسيحُ. ولعلَّه الآنَ: المسيحُ وأنا. لكن هل بلغَ الأمرُ أن يكونَ: المسيحُ وحدَه، وأنا لا شيءَ البتةَ؟ ربما لا تفهمُ ما يعنيه هذا الاتحادُ. يظنُّ بعضُهم أنه انفعالٌ عظيمٌ أو شعورٌ بالاتحادِ. فيتَّجِهونَ إلى الداخلِ، يفحصونَ عواطفَهم، راجينَ أن يجدوا فيها اتحادَهم باللهِ. لكن ما من موضعٍ يكونُ فيه خطأُ الاتكالِ على المشاعرِ أعظمَ منه هنا.
إنَّ الاتحادَ بالمسيحِ لا بدَّ، بطبيعتِه، أن يعنيَ حياةً وطبعًا شبيهينِ بالمسيحِ. فليس ما نشعرُ به، بل ما نكونُه هو الذي يحسمُ المسألةَ. ومهما بلغتْ قوةُ مشاعرِنا، فلا اتحادَ بغيرِ مشابهةِ الطبعِ للمسيحِ. لا بدَّ أن نشتركَ في وحدةِ الهدفِ والقصدِ والفكرِ. وأن تكونَ أعمالُنا متشابهةً أيضًا.
هذا بديهةٌ عقليةٌ، وهو كتابيٌّ أيضًا. حين نقولُ إنَّ شخصينِ واحدٌ، نعني أنَّ مقاصدَهما وأعمالَهما وأفكارَهما ورغباتِهما متشابهةٌ. قد يُعبِّرُ صديقٌ عن محبةٍ عظيمةٍ ووحدةٍ، لكن إذا كانت أهدافُه وأعمالُه وآراؤه مناقِضةً لأهدافِنا، فلا يمكنُنا أن نشعرَ بأيِّ اتحادٍ حقيقيٍّ، رغمَ مودَّتِنا المتبادَلةِ. فلكي نكونَ حقًّا واحدًا مع آخرَ، ينبغي أن نشتركَ في كلِّ شيءٍ. فمحبوباتُنا ومكروهاتُنا، وأفراحُنا وأحزانُنا، ورجاؤنا ومخاوفُنا، ينبغي أن تكونَ كلُّها واحدةً. وكما يقولُ أحدُهم، علينا أن ننظرَ بعيونِ بعضِنا بعضًا، وأن نفكِّرَ بعقولِ بعضِنا بعضًا. وهذا، كما قلتُ آنفًا، مجرَّدُ بديهةٍ عقليةٍ.
والاتحادُ بالمسيحِ لا يُقاسُ بأيِّ قاعدةٍ أخرى. فمن المستحيلِ أن نكونَ واحدًا معه بأيِّ طريقةٍ سوى طريقِ الطبعِ والصفةِ والحياةِ. وما لم نكنْ شبيهينَ بالمسيحِ في أفكارِنا وطرقِنا، فلسنا واحدًا معه، مهما كانت مشاعرُنا. لقد رأيتُ مسيحيينَ قليلي السماتِ الشبيهةِ بالمسيحِ، بلغَ بهم الانفعالُ والنشوةُ في محبتِهم للمسيحِ حدَّ أنهم ظنُّوا أنَّ لهم الحقَّ في ادِّعاءِ اتحادٍ وثيقٍ به. وقلَّما أعرفُ منظرًا أكثرَ إحزانًا من هذا. ولا شكَّ أنَّ ربَّنا قصدَ مثلَ هذه الحالاتِ حين قال: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ، بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى ٧: ٢١).
لم يكنْ يُصدِرُ هنا حكمًا اعتباطيًّا عن مشيئةِ اللهِ، بل مجرَّدَ إعلانٍ لطبيعةِ الأمورِ. وبالطبعِ لا بدَّ أن يكونَ الأمرُ كذلك. إنه أشبهُ بأن يُقالَ: «لا يمكنُ لأحدٍ أن يدخلَ صفوفَ الفلكيينَ وهو ليس فلكيًّا». فالمشاعرُ لا تجعلُ المرءَ فلكيًّا، بل الحياةُ والعملُ. عليه أن يكونَ فلكيًّا فعلًا، لا أن يشعرَ فقط بأنه كذلك.
ما من مهربٍ من هذه الطبيعةِ الحتميةِ للأمورِ، ولا سيَّما هنا. لا بدَّ أن نكونَ واحدًا مع المسيحِ في الطبعِ والحياةِ والعملِ. وإلا فلا يمكنُنا أن نكونَ واحدًا معه بأيِّ طريقةٍ أخرى. فلا سبيلَ آخرَ. علينا أن نكونَ «شركاءَ طبيعتِه» لكي نشاركَه حياتَه. فحياتُه وطبيعتُه واحدةٌ.
لكن النفوسَ العاطفيةَ لا ترى هذا دائمًا.
إنهم يشعرونَ بقربٍ شديدٍ من المسيحِ واتحادٍ به حتى يظنُّوا أنَّ ذلك لا بدَّ أن يكونَ حقيقيًّا. فيُغفِلونَ الحاجةَ إلى طبعٍ وسلوكٍ شبيهينِ بالمسيحِ. وهكذا يبنونَ رجاءَهم على عواطفِهم المُبهِجةِ ومشاعرِهم السامقةِ. ويظنُّونَ أنهم لا بدَّ أن يكونوا واحدًا معه، وإلا لما نالوا مثلَ هذه الاختباراتِ الغنيةِ المقدَّسةِ.
والحقيقةُ أنَّ أسبابًا أخرى قادرةٌ على إنتاجِ هذه العواطفِ. فهي ليست ناتجةً عن تأثيرٍ إلهيٍّ وحدَه.
إنَّ العواطفَ تتوقَّفُ إلى حدٍّ بعيدٍ على المزاجِ والحالةِ الجسديةِ. لذلك، من أشدِّ الأمورِ خطورةً أن نجعلَها معيارًا لاتحادِنا الروحيِّ بالمسيحِ. فقد يؤدِّي ذلك إلى خداعٍ للذاتِ فادحٍ، من النوعِ الذي حذَّرَ منه ربُّنا في (لوقا ٦: ٤٦-٤٩): «وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ، وَأَنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلَامِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. يُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ ٱلْأَسَاسَ عَلَى ٱلصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ ٱلنَّهْرُ ذَلِكَ ٱلْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى ٱلصَّخْرِ. وَأَمَّا ٱلَّذِي يَسْمَعُ وَلَا يَعْمَلُ، فَيُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ، فَصَدَمَهُ ٱلنَّهْرُ فَسَقَطَ حَالًا، وَكَانَ خَرَابُ ذَلِكَ ٱلْبَيْتِ عَظِيمًا!».
إنَّ نفسَنا تُسَرُّ بأن تدعوَه: «يا ربُّ، يا ربُّ». لكن هل نفعلُ ما قال؟ فهو يخبرُنا أنَّ هذه هي النقطةُ المهمةُ في النهايةِ.
إذا كنَّا، بدافعِ مشاعرِنا، ندَّعي أننا ثابتونَ فيه في الاجتماعاتِ، أو بين الأصدقاءِ، أو في قلوبِنا أمامَ الربِّ، فلنتأمَّلْ هذه الكلماتِ التي نطقَ بها الروحُ القدسُ: «مَن يقولُ إنه ثابتٌ فيه، ينبغي له أن يسلكَ هو أيضًا كما سلكَ ذاك». فما لم نكنْ نسلكُ كما سلكَ هو، فلا يمكنُنا أن نكونَ ثابتينَ فيه، مهما شعرْنا بأننا كذلك.
إن كنتَ واحدًا مع المسيحِ، فستكونُ لطيفًا مع الذين يغضبونَ عليك. ستحتملُ كلَّ شيءٍ من دونِ شكوى. وإذا شُتِمتَ، فلن تشتُمَ في المقابلِ. وستقبلُ أن يُداسَ عليك، كما دِيسَ على المسيحِ، ولا تشعرُ إلا بالمحبةِ في المقابلِ. ستطلبُ كرامةَ الآخرينَ لا كرامتَك. وستأخذُ المكانَ الأدنى وتخدمُ الجميعَ، كما فعلَ المسيحُ. وستحبُّ أعداءَك حقًّا، وتُحسِنُ إلى الذين يُسيئونَ إليك. وبالاختصارِ، ستحيا حياةً شبيهةً بالمسيحِ. ستُظهِرُ روحًا شبيهةً بالمسيحِ وتشعرُ بها، وتسلكُ بين الناسِ كما سلكَ هو. هذا، أيها الأحبَّاءُ، هو معنى أن تكونَ واحدًا مع المسيحِ. فإن لم تكنْ هذه هي حياتَك، فلستَ واحدًا معه. ومشاعرُك، مهما بلغتْ من النشوةِ، لا قيمةَ لها.
إنَّ الاتحادَ بالمسيحِ أمرٌ أعظمُ وأجلُّ من أن يُدرَكَ بمجرَّدِ المشاعرِ، واختبارٌ أقوى من ذلك بكثيرٍ. لقد كان قدُّوسًا، والذين هم واحدٌ معه سيكونونَ قدِّيسينَ أيضًا. ما من مهربٍ من هذه الحقيقةِ البسيطةِ الواضحةِ.
حين حاولَ ربُّنا أن يُظهِرَ اتحادَه باللهِ، قال: «وَٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي ٱلْآبُ وَحْدِي، لِأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ» (يوحنا ٨: ٢٩). «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ ٱلِٱبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلَّا مَا يَنْظُرُ ٱلْآبَ يَعْمَلُ. لِأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ ٱلِٱبْنُ كَذَلِكَ. لِأَنَّ ٱلْآبَ يُحِبُّ ٱلِٱبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلْآبَ يُقِيمُ ٱلْأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذَلِكَ ٱلِٱبْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لِأَنَّ ٱلْآبَ لَا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلِٱبْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلِٱبْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلْآبَ. مَنْ لَا يُكْرِمُ ٱلِٱبْنَ لَا يُكْرِمُ ٱلْآبَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ» (يوحنا ٥: ١٩-٢٣). إذًا كان معيارُ الاتحادِ هو عملَ الأعمالِ نفسِها، وهو معيارُ الاتحادِ الآنَ أيضًا. فإن كان ربُّنا يقدرُ أن يقولَ ذلك، فكذلك يجبُ على تلاميذِه. لقد قال إنه لا يُؤمَنُ به إلا إن كان يعملُ أعمالَ أبيه، ولم يطلبْ إيمانًا مبنيًّا على مجرَّدِ ادِّعاءاتِه.
إنه لحقٌّ أبديٌّ أنه «هكذا كلُّ شجرةٍ جيدةٍ تصنعُ أثمارًا جيدةً، وأما الشجرةُ الرديةُ فتصنعُ أثمارًا رديةً. لا تقدرُ شجرةٌ جيدةٌ أن تصنعَ أثمارًا رديةً، ولا شجرةٌ رديةٌ أن تصنعَ أثمارًا جيدةً» (متى ٧: ١٧-١٨). فالأمرُ ليس أنها لن تفعلَ، بل أنها لا تقدرُ. والنفسُ المتحدةُ بالمسيحِ ستُثمِرُ يقينًا حياةً شبيهةً بالمسيحِ. فالكرمةُ تُثمِرُ عنبًا لا شوكًا. على أني لا أعترضُ على العواطفِ، بل على العكسِ، أؤمنُ أنها عطايا ثمينةٌ جدًّا متى كانت من اللهِ، وأنها موضعُ فرحٍ عظيمٍ. إنما أعترضُ على استخدامِها معيارًا للحالاتِ الروحيةِ، في أنفسِنا أو في غيرِنا. ولا أريدُ أن نبنيَ إيمانَنا عليها. فلتأتِ أو تذهبْ، كما يشاءُ اللهُ، ولا نُقِمْ لها وزنًا في الحالينِ. لكن لا بدَّ أن تكونَ لنا علاماتُ الاتحادِ بالمسيحِ الجوهريةُ. لا بدَّ أن نشتركَ معه في مشابهةِ الطبعِ والحياةِ والسلوكِ. فإن فعلنا، كان كلُّ شيءٍ على ما يُرامُ. لأنه «مَن قال: قد عرفتُه وهو لا يحفظُ وصاياه، فهو كاذبٌ وليس الحقُّ فيه. وأما مَن يحفظُ كلمتَه، فحقًّا في هذا قد تكمَّلتْ محبةُ اللهِ. بهذا نعرفُ أننا فيه: مَن قال إنه ثابتٌ فيه، ينبغي له أن يسلكَ كما سلكَ ذاك» (١ يوحنا ٢: ٤-٦). ولعلَّ حزنَ حياتِك، أيها القارئُ العزيزُ، هو أنك قليلُ المشاعرِ الطيبةِ.
إنك تبذلُ قصارى جهدِك لتستثيرَ المشاعرَ التي تسمعُ الآخرينَ يتحدَّثونَ عنها، لكنها لا تأتي.
وتُصلِّي لأجلِها بحرارةٍ، وكثيرًا ما تُجرَّبُ أن تُعاتِبَ اللهَ لأنه لا يمنحُها لك. فتمتلئُ بألمٍ لا يُحتَمَلُ. وتظنُّ أنَّ افتقارَك إلى العاطفةِ يعني أنَّ نفسَك ليست متحدةً بالمسيحِ. فتحكمُ بالكليةِ بحسبِ مشاعرِك، وتظنُّ أنه ما من سبيلٍ آخرَ للحكمِ.
أما نصيحتي لك فهي أن تدعَ مشاعرَك تمضي، ولا تُعِرْها أيَّ اهتمامٍ البتةَ. فهي في الحقيقةِ لا شأنَ لها بالمسألةِ. وهي لا تعكسُ حالتَك الروحيةَ، بل تُظهِرُ فقط مزاجَك أو حالتَك الجسديةَ الراهنةَ. فكثيرًا ما يشعرُ أناسٌ في حالاتٍ متدنيةٍ جدًّا من النعمةِ بعواطفَ جيَّاشةٍ. وكلُّنا نعرفُ هذا من المشاهدِ التي سمعنا عنها أو رأيناها في اجتماعاتِ الخلاءِ وأوقاتِ التجديدِ الروحيِّ.
كان لديَّ ذاتَ مرةٍ خادمةٌ منغمِسةٌ انغماسًا عميقًا في اجتماعاتِ التجديدِ في كنيستِها. وكانت أحيانًا تبلغُ من التأثُّرِ بالاختبارِ حدَّ الإغماءِ. لكنها في أوقاتٍ أخرى كانت تُظهِرُ القليلَ من دلائلِ الالتزامِ الروحيِّ، ولم تكنْ تحيا حياةً أخلاقيةً.
يُعلِّمُ الكتابُ المقدَّسُ هذا، إن لم يُعلِّمْ شيئًا آخرَ: أنَّ حياةً شبيهةً بالمسيحِ لا بدَّ أن تُصاحِبَ أيَّ اختبارٍ حقيقيٍّ لروحِه. ولا يمكنُ أن يكونَ الأمرُ على غيرِ ذلك في طبيعةِ الأشياءِ نفسِها. لكني أخشى أنَّ بعضَ المسيحيينَ فصلوا بين الأمرينِ فصلًا شديدًا حتى صاروا الآنَ يُقدِّرونَ اختباراتِهم فوقَ سلوكِهم. فهم يهتمُّونَ بمشاعرِهم أكثرَ من طباعِهم. لقد كانت جماعةٌ من ذوي البشرةِ الملوَّنةِ في إحدى الولاياتِ الجنوبيةِ وبالًا على الحيِّ كلِّه. كانوا يستهينونَ علنًا حتى بقواعدِ الأخلاقِ العاديةِ. كانوا يسرقونَ ويكذبونَ ويغُشُّونَ من دونِ أدنى وخزةِ ضميرٍ. ومع ذلك كانت اجتماعاتُهم الليليةُ أوقاتِ أعظمِ انفعالٍ و«قوةٍ».
وأخيرًا تحدَّثَ أحدُهم إلى الواعظِ في الأمرِ، وتوسَّلوا إليه أن يعظَ عظةً عن الأخلاقِ ليرى شعبُه خطاياهم. فأجابَ: «آه يا سيدتي، أعرفُ أنَّ الحالَ سيئةٌ. لكنَّ الوعظَ عن هذه الأمورِ يجلبُ دائمًا بُرودةً على الاجتماعاتِ». أنت عاجزٌ إزاءَ مشاعرِك، لكن يمكنُك أن يكونَ لك طبعٌ إن أردتَ. يمكنُك أن تمتلئَ بالمسيحِ حتى تصيرَ شبيهًا به. وإن كنتَ شبيهًا بالمسيحِ، فأنت واحدٌ معه بالطريقةِ الوحيدةِ الحيويةِ الجوهريةِ. قد تقولُ لك مشاعرُك إنَّ ذلك مستحيلٌ، لكنها مخطئةٌ.
والآنَ وقد عرَّفنا الاتحادَ بالمسيحِ، علينا أن نكتشفَ كيف نبلغُه. علينا أولًا أن نعرفَ ما هي حقائقُ المسألةِ، وما هي علاقتُنا نحن بهذه الحقائقِ. فإن قرأتَ فقراتٍ مثلَ (١ كورنثوس ٣: ١٦): «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ ٱللهِ، وَرُوحُ ٱللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟»، ثم نظرتَ إلى مطلعِ الأصحاحِ، تبيَّنَ لك لمن قِيلتْ هذه الكلماتُ العجيبةُ. إنها قِيلتْ لأطفالٍ في المسيحِ، كانوا بعدُ جسديينَ ويسلكونَ بحسبِ الإنسانِ. فهذا الاتحادُ النفسيُّ، هذا السرُّ المجيدُ لسكنى اللهِ في الداخلِ، هو مُلكٌ حتى لأضعفِ المؤمنينَ بالمسيحِ وأكثرِهم سقوطًا.
حتى إنَّ الأمرَ ليس شيئًا جديدًا تطلبُه، بل هو فقط أن تُدرِكَ ما تملكُه أصلًا. إنه حقٌّ مطلقٌ لكلِّ مؤمنٍ بالربِّ يسوعَ. فجسدُه «هو هيكلٌ للروحِ القدسِ الذي فيه، الكائنِ من اللهِ».
ويبدو لي الأمرُ هكذا تمامًا. كأنَّ المسيحَ يسكنُ في بيتٍ، محبوسًا في مخدعٍ، وسكانُ البيتِ لا يعرفونَه ولا ينتبهونَ إليه. وهو يشتاقُ أن يعرفوه، وأن يشاركَهم حياتَهم اليوميةَ واهتماماتِهم. لكنه لن يفرضَ نفسَه عليهم. فلا تُرضي محبتَه إلا رفقةٌ طوعيةٌ. وتمرُّ الأيامُ على ذلك البيتِ المُنعَمِ عليه، وهم لا يزالونَ غيرَ مدركينَ لامتيازِهم العظيمِ. يذهبونَ ويجيئونَ في كلِّ شؤونِهم اليوميةِ من دونِ أن يخطُرَ ببالِهم ضيفُهم العجيبُ.
تُرسَمُ خططُهم من دونِ الرجوعِ إليه. وتضيعُ عليهم حكمتُه الهاديةُ وقوتُه الحاميةُ كلُّها. وتُقضى أيامٌ وأسابيعُ وحيدةٌ في حزنٍ، كان يمكنُ أن تمتلئَ بحلاوةِ حضورِه. لكن فجأةً يُعلَنُ الخبرُ: «الربُّ في البيتِ!». فكيف يتلقَّى صاحبُ البيتِ هذا النبأَ؟
أيُطلِقُ تحيةَ شكرٍ ويفتحُ كلَّ بابٍ لضيفِه المجيدِ؟ أم ينكمِشُ خائفًا من حضورِه، ويلتمِسُ ركنًا خفيًّا ليختبئَ من عينِه التي ترى كلَّ شيءٍ؟
أيها الصديقُ العزيزُ، يسرُّني أن أُعلِنَ لك أنَّ الربَّ في قلبِك. فمنذُ ارتدادِك وهو هناك، لكنك عشتَ جاهلًا بذلك. كان يمكنُ أن تُقضى كلُّ لحظةٍ في شمسِ حضورِه العذبِ، وأن تُخطى كلُّ خطوةٍ بمشورتِه. لكن لأنك لم تعرفْ ذلك، ولم تبحثْ عنه قطُّ، كانت حياتُك وحيدةً مملوءةً بالفشلِ. أما الآنَ وقد أعلنتُ لك، فكيف ستتلقَّى الخبرَ؟ أفرحانٌ أنت به؟ أتفتحُ كلَّ بابٍ على مصراعيه لترحِّبَ به داخلًا؟ أتُسلِّمُ زمامَ حياتِك إلى يديه بفرحٍ وشكرٍ؟
أتستشيرُه في كلِّ شيءٍ، وتدعُه يُقرِّرُ كلَّ خطوةٍ من خطواتِك ويرسمُ كلَّ طريقٍ؟ أتدعوه إلى أعمقِ مخادعِك، وتجعلُه شريكًا في أخفى حياتِك؟ أتقولُ «نعم» لكلِّ شوقِه إلى الاتحادِ بك، وبتسليمٍ فرحٍ متلهِّفٍ تُسلِّمُ نفسَك وكلَّ ما يخصُّك إلى يديه؟ إن فعلتَ، فحينئذٍ تبدأُ نفسُك تعرفُ شيئًا من فرحِ الاتحادِ بالمسيحِ.
ومع ذلك، فإنَّ هذا كلَّه ليس إلا صورةً باهتةً للحقيقةِ المباركةِ. فهي أمجدُ بكثيرٍ من أن يكونَ المسيحُ في القلبِ أو في البيتِ. إنها أن نتَّحِدَ به حتى نصيرَ واحدًا معه: إرادةً واحدةً، وقصدًا واحدًا، ومصلحةً واحدةً، وحياةً واحدةً. لا تقدرُ كلماتُ البشرِ أن تُعبِّرَ عن مجدٍ كهذا.
ومع ذلك أريدُ أن أُعبِّرَ عنه. أريدُ أن أجعلَ نفوسَكم جائعةً إليه جوعًا لا يُوصَفُ، حتى لا تستطيعوا، ليلًا أو نهارًا، أن تستريحوا من دونِه. أتفهمونَ هذه الكلماتِ: واحدٌ مع المسيحِ؟ أتلمحونَ ولو أدنى لمحةٍ من معناها العجيبِ؟ ألا تبدأُ نفوسُكم كلُّها تبتهجُ بمثلِ هذا المصيرِ المدهشِ؟ فإنه حقيقةٌ. إنه يعني ألا تكونَ لك حياةٌ سوى حياتِه. ألا تكونَ لك إرادةٌ سوى إرادتِه. ألا تكونَ لك مصالحُ سوى مصالحِه. أن تشاركَ غناه. أن تدخلَ إلى أفراحِه. أن تشتركَ في أحزانِه. أن تُظهِرَ حياتَه. أن يكونَ لك فكرُه. أن تفكِّرَ وتشعرَ وتعملَ وتسلكَ كما فعلَ هو. آهِ، مَن كان يحلمُ أنَّ مصيرًا كهذا يمكنُ أن يكونَ لنا!
أتقبلُه، أيتها النفسُ العزيزةُ؟ إنَّ ربَّك لن يفرضَه عليك. فهو يريدُك صديقًا له. واتحادٌ مفروضٌ يُفسِدُ هذا. لا بدَّ أن يكونَ اختيارَك أنت. فعلى العروسِ أن تقولَ «نعم» طوعًا لعريسِها، وإلا فإنَّ فرحَ اتحادِهما ينعدمُ تمامًا. أفلا تقدرُ أن تقولَ «نعم» طوعًا لربِّك؟ إنها معاملةٌ بسيطةٌ جدًّا، ومع ذلك حقيقيةٌ جدًّا! والخطواتُ ثلاثٌ. أولًا، تيقَّنْ أنَّ الكتبَ المقدَّسةَ تُعلِّمُ هذه السكنى المجيدةَ لإلهِك. ثم سلِّمْ كيانَك كلَّه له ليمتلكَك.
وأخيرًا، آمِنْ أنه قد امتلكَك وأنه ساكنٌ فيك. وابدأْ أن تحسبَ نفسَك ميتًا، وأن تحسبَ المسيحَ حياتَك الوحيدةَ. وحافِظْ على هذا الموقفِ النفسيِّ من دونِ تزعزُعٍ.
كرِّرْ، ليلَ نهارَ: «مع المسيحِ صُلِبتُ، فأحيا لا أنا، بل المسيحُ يحيا فيَّ».
افعلْ هذا حتى يصيرَ نفَسَ نفسِك. اخلعْ حياةَ ذاتِك بالإيمانِ وبالفعلِ على الدوامِ، والبَسْ عمليًّا حياةَ المسيحِ. ودعْ هذا الفعلَ يصيرُ، بتكرارِه المستمرِّ، موقفَ كيانِك كلِّه. وبقدرِ ما تفعلُ هذا يوميًّا، ستجدُ جسدَك حاملًا على الدوامِ إماتةَ الربِّ يسوعَ.
حينئذٍ تُظهَرُ حياةُ يسوعَ في جسدِك المائتِ. فعليك أن تتعلَّمَ ما يعنيه الخلاصُ. وسترى، بدهشةٍ، أسرارَ الربِّ التي قلَّما حلمتَ بها.
كم أخطأتُ! اللهُ هو موطني. اللهُ نفسُه ها هنا. فلماذا بحثتُ عنه في البعيدِ، وهو ليس في مكانٍ إلا قريبًا؟ بل إنَّ اللهَ ليس بعيدًا قطُّ، حتى إنه أقربُ من أن يُقالَ إنه قريبٌ؛ فهو في الداخلِ، وروحُنا هي الموطنُ الأعزُّ لديه. حسبتُ نفسي بلا مأوى، مهجورًا مُتعَبًا. أضعتُ فرحي. مشيتُ على الأرضِ، نفسًا مُتعَبةً، وأنا في قدسِ اللهِ.