سرّ الحياة المسيحية السعيدة ·إخفاقات

فصل 13 · قراءة 15 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

إخفاقات

قد يُفزِع عنوانُ هذا الفصل بعضَ القُرّاء. سيقولون: «إخفاقات! كنّا نظنّ أنه لا إخفاقات في حياة الإيمان هذه!» وجوابي على ذلك أنه لا ينبغي أن تكون، ولا ضرورة لأن تكون؛ ولكنّها، في الواقع، تحدث أحيانًا. وعلينا أن نتعامل مع الحقائق لا مع النظريات. ما من مُعلِّمٍ لهذه الحياة الداخلية يقول إننا لا نستطيع أن نُخطئ؛ إنما يُصِرّون فقط على أننا لسنا مُضطرّين إلى ذلك. فالفرصة للانتصار الدائم صارت الآن مُتاحة. وقليلون هم الذين يُنكرون أنهم، في بعض الأحيان، قد استسلموا للتجربة.

وبالطبع، حين أتكلّم هنا عن الخطية، فإنّي أعني الخطيّة الواعية المعروفة. ولا أتطرّق إلى خطايا الجهل.

ولا أبحث في ما يُسمّى الخطيّة الحتميّة الكامنة في طبيعتنا. فكلتاهما مشمولتان بالكفّارة ولا تُعكِّران شركتنا مع الله. وليست لي رغبة ولا قدرة على مناقشة عقائد الخطية؛ أترك ذلك لعلماء اللاهوت. سأتكلّم فقط عن اختبار المؤمن. وأريد أن يكون واضحًا أنني لن أشير إلا إلى ما هو داخل وعينا. إذًا، فإن سوء الفهم في هذه النقطة، نقطة الخطيّة المعروفة، خطِرٌ على الحياة المسيحية الأسمى. فالمؤمن الذي يثق أنه سائرٌ على طريق القداسة قد تُباغِته الخطية، فيُجرَّب حينئذٍ إمّا إلى الاستسلام واليأس، وإمّا إلى إخفاء خطيته. وحفاظًا على العقيدة، قد يدعوها «ضعفًا» ويرفض أن يكون صادقًا.

وكِلا هذين المسلكين مُهلِكٌ بالقدر نفسه لأيّ نموٍّ حقيقيٍّ وتقدُّمٍ في حياة القداسة. علينا أن نواجه الحقيقة المُحزنة. علينا أن نُسمّيها باسمها، وأن نجد، إن استطعنا، سببها ودواءها. فحياةُ الاتحاد بالله هذه تستلزم أقصى الصدق معه ومع أنفسنا. إن الخطية لا تُعكِّر الشركة إلا للحظة، أمّا أيّ خداعٍ حيالها فإنه يُدمِّرها حتمًا. وليس الإخفاق المفاجئ سببًا للتثبيط والتخلّي عن كل شيء كأنه ضاع. ولا تُمَسّ به سلامةُ تعليمنا. فنحن لا نبشّر بحالةٍ، بل بمسيرٍ. وطريق القداسة ليس مكانًا، بل سبيلًا. والتقديس ليس شيئًا يُنال في مرحلةٍ معيّنةٍ من اختبارنا ويُمتلَك إلى الأبد؛ بل هو حياةٌ تُعاش يومًا فيومًا وساعةً فساعة.

قد نحيد عن الطريق حينًا، لكنّ حَيْدَنا لا يمحو الطريق. ويمكننا أن نعود سريعًا. في حياة الإيمان هذه قد نُخفِق أحيانًا. وهذه الإخفاقات مُحزِنةٌ يُؤسَف لها. لكنّها، إن قوبِلت على النحو الصحيح، لا داعي لأن تُعكِّر ثقتنا الكاملة بالله، ولا ينبغي أن تقطع شركتنا السعيدة معه طويلًا.

والنقطة الجوهريّة هي العودة الفوريّة إلى الله. فليست خطيّتنا سببًا للكفّ عن الثقة، بل هي حجّةٌ لا رَدَّ لها على أنه يجب علينا أن نثق ثقةً أكمل من أيّ وقتٍ مضى. ومهما كان سبب إخفاقنا، فلن يُجدي التثبيط نفعًا. قد ييأس الطفلُ الذي يتعلّم المشي بعد سقطةٍ، فيرفض أن يحاول ثانيةً. لكنّ المؤمن الذي يتعلّم أن يحيا بالإيمان يجب ألّا يستسلم لأنه أخطأ. فالسبيل الوحيد في كلتا الحالتين هو أن ينهض من فوره ويحاول مجدَّدًا. بعد هزيمةٍ مُدمِّرة.

«فَمَزَّقَ يَشُوعُ ثِيَابَهُ وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى ٱلْأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلْمَسَاءِ، هُوَ وَشُيُوخُ إِسْرَائِيلَ، وَوَضَعُوا تُرَابًا عَلَى رُؤُوسِهِمْ. وَقَالَ يَشُوعُ: آهِ يَا سَيِّدُ ٱلرَّبُّ! لِمَاذَا عَبَّرْتَ هَذَا ٱلشَّعْبَ ٱلْأُرْدُنَّ تَعْبِيرًا لِكَيْ تَدْفَعَنَا إِلَى يَدِ ٱلْأَمُورِيِّينَ لِيُبِيدُونَا؟ لَيْتَنَا ٱرْتَضَيْنَا وَسَكَنَّا فِي عَبْرِ ٱلْأُرْدُنِّ. أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدُ: مَاذَا أَقُولُ بَعْدَمَا حَوَّلَ إِسْرَائِيلُ قَفَاهُ أَمَامَ أَعْدَائِهِ؟ فَيَسْمَعُ ٱلْكَنْعَانِيُّونَ وَجَمِيعُ سُكَّانِ ٱلْأَرْضِ وَيُحِيطُونَ بِنَا وَيَقْرِضُونَ ٱسْمَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ. وَمَاذَا تَصْنَعُ لِٱسْمِكَ ٱلْعَظِيمِ؟» (يشوع ٧: ٦-٩). يا له من عويل يأسٍ كان هذا! وكم يُكرّره كثيرون من أبناء الله اليوم. تذوب قلوبهم كالماء بسبب هزيمةٍ. فيصرخون: «وَقَالَ يَشُوعُ: آهِ يَا سَيِّدُ ٱلرَّبُّ! لِمَاذَا عَبَّرْتَ هَذَا ٱلشَّعْبَ ٱلْأُرْدُنَّ تَعْبِيرًا لِكَيْ تَدْفَعَنَا إِلَى يَدِ ٱلْأَمُورِيِّينَ لِيُبِيدُونَا؟

لَيْتَنَا ٱرْتَضَيْنَا وَسَكَنَّا فِي عَبْرِ ٱلْأُرْدُنِّ!» إنهم يتنبّأون بمزيدٍ من الإخفاقات، بل بهزيمةٍ على يد أعدائهم. لا شكّ أن يشوع ظنّ، كما نظنّ نحن الآن، أنه بعد إخفاقٍ كهذا لا يبدو غير التثبيط واليأس ردًّا آمنًا. لكنّ الله رأى غير ذلك. «فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِيَشُوعَ: قُمْ! لِمَاذَا أَنْتَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِكَ؟» فما كان ينبغي لهم أن يستسلموا لليأس، مهما بدا مُتّضِعًا. بل كان عليهم أن يواجهوا الشرّ ويتخلّصوا منه، وأن «يُقدِّسوا أنفسهم» في الحال.

«قُمْ قَدِّسِ ٱلشَّعْبَ» هو دائمًا أمر الله. أمّا «استلقِ وتثبّط» فهو دائمًا تجربة العدوّ. إننا نشعر أن من التجرّؤ، بل من الوقاحة، أن نذهب فورًا إلى الرب بعد أن أخطأنا إليه. ونحسب أنه ينبغي لنا أن نُقاسي عواقب خطايانا فترةً، وأن نحتمل ضمائرنا المُذنِبة. ويصعب علينا أن نُصدِّق أن الرب يرغب في أن يُرحِّب بعودتنا إلى شركته المُحِبّة. عبّرت لي فتاةٌ صغيرةٌ ذات مرّةٍ عن هذا الشعور بصراحة الأطفال الأمينة. سألتني إن كان الرب يسوع يغفر خطايانا دائمًا إذا طلبنا إليه. فقلت: «نعم، بالطبع يفعل».

فأعادت مُتشكِّكةً: «هكذا في الحال؟» أجبت: «نعم، في اللحظة عينها التي نطلب فيها، يغفر لنا».

فقالت مُتمهِّلةً: «حسنًا، لا أستطيع أن أُصدِّق ذلك. أظنّ أنه يجعلنا نشعر بالأسف يومين أو ثلاثة أولًا. ثم أظنّ أنه يجعلنا نطلب إليه مرّاتٍ كثيرةً، وبأسلوبٍ جميلٍ جدًّا أيضًا، لا بكلامٍ عاديٍّ فحسب. أعتقد أن هذا ما يفعله. فلا داعي لأن تحاولي إقناعي بأنه يغفر لي في الحال، مهما قال الكتاب المقدّس».

لم تقل إلا ما يظنّه معظم المسيحيين. والأسوأ أن معظمهم يتصرّفون بناءً عليه. فنَدَمُهم الآن يفصلهم عن الله أكثر مما تفعل خطيّتهم.

وهذا مُناقِضٌ تمامًا للطريقة التي نريد أن يتصرّف بها أولادنا، حتى إنني أعجب كيف تسنّى لنا أن نتصوّر عن الله فكرةً كهذه. إن الأمّ تحزن حين ينسحب طفلها المُشاغِب وحده في يأسٍ، شاكًّا في استعدادها للغفران. أمّا قلبها فيُرحِّب بالصغير الحبيب الذي يركض إليها ويستعطفها الصفح!

ولا شكّ أن إلهنا عرف هذه المحبّة حين قال: «ارجعوا أيها البنون الجاحدون، وأنا أشفي جحودكم.

ها قد أتينا إليك لأنك أنت الرب إلهنا» (إرميا ٣: ٢٢). إنّ اللحظة عينها التي تكشف الخطية ينبغي أن تكشف الغفران. وهذا أمرٌ حيويٌّ لمسيرٍ ثابتٍ على الطريق المقدّس. فهنا لا نحتمل لحظةَ انفصالٍ واحدةً عن الله. ولا نستطيع أن نسير في هذا الطريق إلا بالنظر إلى يسوع لحظةً فلحظة. فإن رفعنا عيوننا عنه لننظر إلى خطيّتنا وضعفنا، تركنا الطريق في الحال. والمؤمن الذي يثق أنه على هذا الطريق يجب أن يهرب إلى الرب إن غلبته الخطية. عليه أن يعمل بموجب (١ يوحنا ١: ٩): «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ». وعليه ألّا يُخفي خطيّته ويسعى إلى تلطيفها بالأعذار، أو دفعها من ذاكرته بمرور الزمن. بل عليه أن يفعل كما فعل بنو إسرائيل: أن ينهض «باكرًا في الصباح» ويُسرِع «راكضًا» إلى حيث الشيء الشرّير مخبَّأ. ثم يأخذه من مخبئه ويبسطه «أمام الرب».

عليه أن يعترف بخطيّته. ثم يرجمها ويحرقها ويُزيلها. ثم يُقيم رُجمةَ حجارةٍ عظيمةً ليخفيها إلى الأبد. وعليه، هناك وحينئذٍ، أن يؤمن بأن الله موجود. عليه أن يؤمن، بحسب كلمته، بأن الله أمينٌ وعادلٌ ليغفر له خطيّته، وأنه يفعل ذلك فعلًا. وعليه أيضًا أن يؤمن بأن الله يُطهِّره من كل إثم. وعليه أن يطالب بالإيمان بغفرانٍ وتطهيرٍ فوريَّين. ثم عليه أن يثق أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

وحالما انكشفت خطية إسرائيل وأُزيلت، جاءت كلمة الله. كانت رسالةَ تشجيعٍ عظيمٍ: «فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِيَشُوعَ: لَا تَخَفْ وَلَا تَرْتَعِبْ. خُذْ مَعَكَ جَمِيعَ رِجَالِ ٱلْحَرْبِ، وَقُمِ ٱصْعَدْ إِلَى عَايٍ. ٱنْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ مَلِكَ عَايٍ وَشَعْبَهُ وَمَدِينَتَهُ وَأَرْضَهُ» (يشوع ٨: ١). يجب أن ترتفع شجاعتنا أعلى من أيّ وقتٍ مضى، وأن نثق بالرب أكثر. حينئذٍ تستطيع قدرته الجبّارة أن تعمل فينا لتُتِمّ مشيئته. وفوق ذلك، علينا أن ننسى خطيّتنا حالما نعترف بها هكذا وتُغفَر. علينا ألّا نتوقّف عندها ونفحصها ونستغرق في تَرَفٍ من الكآبة والندم. علينا ألّا نُصنِّمها ثم ندور حولها ونتأمّلها؛ فذلك يجعلها جبلًا يحجب عنّا إلهنا. علينا أن نقتدي بمثال بولس: «ناسين ما هو وراء، ومُمتَدِّين إلى ما هو قُدّام»، ثم «نسعى نحو الغرض لأجل جائزة دعوة الله العليا في المسيح يسوع».

أودّ أن أورِد مثالين مُتباينَين عن هذه الأمور. كان أحدهما مسيحيًّا مُتّقِدًا، عاملًا نشيطًا في الكنيسة. وقد تمتّع أشهرًا عديدةً بالخلاص الكامل. ثم تغلّبت عليه فجأةً تجربةٌ إلى معاملة أخٍ بقسوة. كان قد ظنّ أن من المستحيل أن يُخطئ ثانيةً، فأصابه تثبيطٌ عميق. واستنتج أنه كان مُخطئًا، وأنه لم يثق قط ثقةً حقيقيّة. وتحوّل تثبيطه إلى يأس. فاستنتج أنه لم يُولَد ثانيةً قطّ، وسلّم نفسه للهلاك. وأمضى ثلاث سنواتٍ في بؤسٍ، مُبتعِدًا أكثر فأكثر عن الله، ساقطًا في خطيّةٍ بعد أخرى. فصارت حياته لعنةً على نفسه وعلى مَن حوله.

وانهارت صحّته تحت هذا الحِمل الرهيب، وثارت المخاوف على عقله. وفي نهاية السنوات الثلاث، التقى بسيّدةٍ مسيحيّةٍ كانت تفهم الحقيقة عن الخطية التي كنت أحاول شرحها. وبعد حديثٍ وجيزٍ، عرفت مشكلته. فقالت: «لقد أخطأتَ في ذلك الفعل، لا شكّ. فلا تحاول أن تعتذر عنه.

لكن، أما اعترفتَ به قط للرب وطلبت إليه أن يغفر لك؟» فصاح: «أعترف به! ما فعلت شيئًا سوى الاعتراف به. لقد توسّلت إلى الله أن يغفر لي طوال هذه السنوات الثلاث المُرعبة». فسألته السيدة: «وأما آمنتَ قط بأنه غفر لك؟» قال الرجل المسكين: «لا، وكيف لي ذلك وأنا لم أشعر قط بأنه فعل؟» فقالت: «لكن لنفترض أنه قال إنه غفر لك، أفما كان ذلك كافيًا مثل أن تشعر به؟»

أجاب الرجل: «آه، نعم، لو قال الله ذلك، لآمنتُ به طبعًا». فكان جواب السيدة: «حسنًا جدًّا، إنه يقول ذلك فعلًا»، والتفتت إلى الآية التي أوردناها أعلاه: «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (١ يوحنا ١: ٩)، وقرأتها بصوتٍ عالٍ. ثم تابعت: «الآن، طوال ثلاث سنواتٍ وأنت تعترف بخطيّتك. وطوال هذا الوقت كان سِجِلّ الله يُعلن أنه أمينٌ وعادلٌ ليغفر لك ويُطهِّرك. ومع ذلك لم تُصدِّق ذلك ولو مرّةً واحدة.

لقد كنت طوال هذا الوقت «تجعل الله كاذبًا» برفضك أن تُصدِّق شهادته».

رأى الرجل المسكين الأمر كلّه. ذُهِل وارتاع. ولمّا اقترحت السيدة أن يجثوا، أطاع كمن هو في متاهةٍ. أرادت أن يعترف بخطاياه الماضية، وأن يُطالب، هناك وحينئذٍ، بالغفران والتطهير. فكانت النتيجة مجيدة. في لحظاتٍ قليلةٍ انبثق النور، فانفجر بالتسبيح على هذا الخلاص العجيب. وفي ثلاث دقائق، عبرت نفسُه بالإيمان الرحلةَ الطويلة المُضنية التي دامت ثلاث سنوات. فوجد نفسه مستريحًا في يسوع، مبتهجًا بخلاصه الكامل.

أمّا المثال الآخر فكان عن سيّدةٍ مسيحيّة. كانت في الخلاص نحو أسبوعين، وكان لها اختبارٌ مُشرِقٌ منتصِر. ثم فجأةً، في نهاية تلك المدّة، تغلّبت عليها نوبةُ غضبٍ عنيفة. وللحظةٍ اجتاح نفسَها سيلٌ من التثبيط. قال العدوّ: «ها، الآن، هذا يُثبِت أن الأمر كلّه كان خطأً. بالطبع قد انخدعتِ في كل شيء، ولم تدخلي قط إلى حياة الثقة الكاملة البتّة.

فالأفضل لكِ أن تستسلمي. لا تستطيعين أن تُكرّسي نفسكِ أو تثقي أكثر مما فعلتِ هذه المرّة. فمن الواضح إذًا أن حياة القداسة هذه ليست لكِ!» ومضت هذه الأفكار في ذهنها في لحظة. لكنها كانت مُتعلِّمةً جيّدًا في طرق الله. فقالت: «نعم، لقد أخطأت، وهذا مُحزِنٌ جدًّا. لكن الكتاب المقدّس يقول إننا إن اعترفنا بخطايانا، فالله يغفر لنا. إنه أمينٌ وعادلٌ. وهو أيضًا يُطهِّرنا من كل إثم. وأنا أؤمن أنه سيفعل». ولم تتأخّر. وبينما كانت لا تزال تغلي غضبًا، ركضت، لا مشت، إلى غرفةٍ لتخلو بنفسها. وإذ جثت بجانب السرير قالت: «يا رب، أعترف بخطيّتي. لقد أخطأتُ، بل أنا في هذه اللحظة عينها أُخطئ.

أَكرهها، لكنني لا أستطيع التخلّص منها. أعترف بها بخجلٍ وخِزيِ وجهٍ أمام الله. والآن أؤمن أنه، بحسب كلمتك، أنت تغفر وأنت تُطهِّر». قالتها بصوتٍ عالٍ، لأن الاضطراب الداخلي كان أعظم من أن يُقال في الداخل. وما إن جازت كلمتا «أنت تغفر وأنت تُطهِّر» شفتيها حتى جاء الخلاص. قال الرب: «فَقَامَ وَٱنْتَهَرَ ٱلرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: ٱسْكُتْ! اِبْكَمْ! فَسَكَنَتِ ٱلرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ» (مرقس ٤: ٣٩)، وصار هدوءٌ عظيم. وانبثق على نفسها سيلٌ من النور والفرح، وهرب العدوّ، وصارت أكثر من مُنتصِرةٍ بالذي أحبّها. لم يستغرق الأمر سوى خمس دقائق، الخطية ودواؤها. والآن صارت قدماها تطآن أثبت من أيّ وقتٍ مضى على طريق القداسة المبارك. وهكذا صار وادي عخور بابًا للرجاء. فرنّمت ترنيمة خلاصها بمعنًى أعمق: «حِينَئِذٍ رَنَّمَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هَذِهِ ٱلتَّسْبِيحَةَ لِلرَّبِّ قَائِلِينَ: أُرَنِّمُ لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَظَّمَ. ٱلْفَرَسَ وَرَاكِبَهُ طَرَحَهُمَا فِي ٱلْبَحْرِ» (خروج ١٥: ١). في كل أزمةٍ، الدواء الوحيد هو أن نثق بالرب. وإذا كان هذا كل ما نقدر عليه، أفليس من الأفضل أن نفعله في الحال؟ كثيرًا ما أوقفني هذا السؤال: «حسنًا، ماذا أستطيع أن أفعل سوى أن أثق؟» فأدركت في الحال حماقة السعي إلى الخلاص بأيّ طريقةٍ أخرى. وفكّرت: «سأضطرّ إلى الثقة في النهاية. فلماذا لا أفعل ذلك الآن؟» لقد دخلنا حياة الإيمان. فإن أخفقنا، فلا بدّ أن يكون تعافينا الوحيد بزيادة الإيمان، لا بنقصانه.

فليَسُقْ كلُّ إخفاقٍ، إن حدث، إلى الرب. اطرح نفسك عليه وثِقْ به ثقةً تامّة. ومع أنها مُحزِنة، فإن هذه الإخفاقات لن تُنهي راحتك ولا شركتك الحلوة معه. لقد بيّنتُ سبيل الهروب من الإخفاق. والآن أودّ أن أبحث في أسباب الإخفاق في حياة الخلاص الكامل هذه.

ولا تكمن الأسباب في قوّة التجربة، ولا في ضعفنا، ولا، قبل كل شيء، في أيّ نقصٍ في قدرة مُخلِّصنا أو إرادته أن يُخلِّصنا. لقد كان الوعد لإسرائيل قاطعًا: «لَا يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ» (يشوع ١: ٥). والوعد لنا قاطعٌ بالقدر نفسه: «لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلَّا بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ ٱللهَ أَمِينٌ، ٱلَّذِي لَا يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ ٱلتَّجْرِبَةِ أَيْضًا ٱلْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (١ كورنثوس ١٠: ١٣). «فَصَعِدَ مِنَ ٱلشَّعْبِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَهَرَبُوا أَمَامَ أَهْلِ عَايَ». لم تكن قوّة عدوّهم، ولا الله أخفقهم. بل كان لهزيمتهم سببٌ آخر يُعلنه الرب: «قَدْ أَخْطَأَ إِسْرَائِيلُ، بَلْ تَعَدَّوْا عَهْدِي ٱلَّذِي أَمَرْتُهُمْ بِهِ.

بَلْ أَخَذُوا مِنَ ٱلْحَرَامِ، بَلْ سَرَقُوا، بَلْ أَنْكَرُوا، بَلْ وَضَعُوا فِي أَمْتِعَتِهِمْ».

«فَلَمْ يَتَمَكَّنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلثُّبُوتِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. يُدِيرُونَ قَفَاهُمْ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ». لقد كان شرٌّ خفيٌّ هو الذي قهرهم. ففي أعماق الأرض، في خيمةٍ من ذلك الجيش الهائل، كان شيءٌ للرب معه خصومة.

هذا الشيء الخفيّ جعل الجيش كلّه عاجزًا أمام أعدائه. «فِي وَسَطِكَ حَرَامٌ يَا إِسْرَائِيلُ، فَلَا تَتَمَكَّنُ لِلثُّبُوتِ أَمَامَ أَعْدَائِكَ حَتَّى تَنْزِعُوا ٱلْحَرَامَ مِنْ وَسَطِكُمْ».

والتعليم هو هذا: إن أيّ شرٍّ خفيٍّ في قلوبنا، مهما كان صغيرًا، سيجعلنا نسقط أمام أعدائنا. فأيّ مرارةٍ نُبقيها، أو أحكامٍ قاسية، أو تراخٍ في طاعة الرب، سيَشُلّ حياتنا الروحية. وكذلك أيّ عاداتٍ أو محيطٍ مشكوكٍ فيه. قد نكون أخفينا الشرّ في قلوبنا.

قد نكون سترناه، رافضين أن نراه، لكننا في السرّ ندري به.

قد نتجاهله ونُعلن ثقتنا الكاملة. وقد نزداد اجتهادًا في واجباتنا الدينية. وقد نرى مزيدًا من الحق والجمال في حياة الإيمان. وقد نبدو مُنتصِرين، في أعين أنفسنا والآخرين.

ومع ذلك قد نُقاسي هزائم مُرّة. قد نتعجّب ونتساءل ونيأس ونصلّي. لكن لن يُجدي شيءٌ حتى يُنبَش الشيء المُحرَّم، ويُؤتى به إلى النور، ويُبسَط أمام الله. فإن انهزم مؤمنٌ يحيا الحياة الداخلية، وجب عليه أن يبحث عن السبب. فليس هو قوّة العدوّ، بل نقصٌ خفيٌّ في التكريس في صميمه.

فالصداع ليس مرضًا، بل عَرَضٌ لمرضٍ كامنٍ في جزءٍ آخر من الجسد. كذلك، في المسيحي، ليست الخطية إلا عَرَضًا. إنها تكشف شرًّا يُرجَّح وجوده في جزءٍ آخر من كيانه.

وأحيانًا قد يُخفي المرء شرًّا حتى في ما يبدو، للوهلة الأولى، خيرًا. فوراء رغبةٍ قويّةٍ في الحق قد يكمن ميلٌ إلى إدانة الآخرين أو التحيّز لآرائنا. وقد تُخفي أمانةٌ مسيحيّةٌ واضحةٌ غيابَ المحبّة المسيحية. وتحت اهتمامٍ يبدو مُحِقًّا بشؤوننا، قد نُخفي نقصًا كبيرًا في الثقة بالله. أمّا مرشدنا المبارك، الروح القدس الساكن فينا، فيكشف لنا هذه الأمور سرًّا. يفعل ذلك عبر وخزاتٍ وطعناتٍ صغيرةٍ في الضمير. فنُترَك بلا عذر. ومن السهل أن نتجاهل صوته اللطيف، وأن نُقنِع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام. وهذا يُخفي بيننا شرًّا مُميتًا يُسبِّب هزائم غير مُتوقَّعة.

ومثالٌ بارعٌ على هذا حدث لي مرّةً في تدبيري المنزلي. انتقلت إلى بيتٍ جديد. وإذ كنت أتفقّده استعدادًا للسكن، وجدت في القبو برميلَ عصيرٍ نظيفًا جدًّا، مسدودًا من طرفيه. ترددت هل آخذه من القبو وأفتحه. بدا فارغًا وحسن المظهر، فقرّرت أن أتركه، إذ كان نقله عبر الدرج يتطلّب جهدًا كبيرًا. لم أشعر بارتياحٍ تام، لكنني نحّيت شكوكي جانبًا وتركته. وفي كل ربيعٍ وخريفٍ، في موسم تنظيف البيت، كنت أتذكّر ذلك البرميل. فتلحّ عليّ وخزةٌ من ضميري كربّة بيت. لم أكن أستطيع أن أطمئنّ في بيتٍ مُنظَّفٍ تمامًا وهو باقٍ مغلقًا. فكيف أعرف أنه لا يُخفي شرًّا ما تحت مظهره الجميل؟

ومع ذلك هدّأت شكوكي، إذ خشيت عناء فحصه. وطوال سنتين أو ثلاث ظلّ البرميل الذي يبدو غير ضارٍّ قابعًا في قبوي. ثم، على نحوٍ لا يُفسَّر البتّة، بدأ العثّ يملأ بيتي. اتّخذت كل احتياطٍ ممكنٍ ضدّه، وبذلت كل جهدٍ لاستئصاله، لكن دون جدوى. تكاثر بسرعةٍ وهدّد بإتلاف كل ما أملك.

ظننت أن سجّادي هو السبب، فأخضعته لتنظيفٍ شامل. وظننت أن خطبًا ما في أثاثي، فأعدت تجديده. وشككت في كل أنواع الأمور المستبعَدة.

وأخيرًا ومض في ذهني التفكير في البرميل. فأمرت بإحضاره من القبو، وكُسِر غطاؤه.

وأظنّ أنه من الآمن أن أقول إن آلاف العثّ تدفّقت منه. لا بدّ أن الساكن السابق ترك فيه شيئًا يُفرِّخ العثّ. فكان هذا هو سبب كل بلائي.

وأنا الآن أؤمن أن عادةً ما أو تساهلًا ما، شيئًا يبدو آمنًا وطفيفًا، يُسبِّب لنا وخزاتٍ صغيرةً في الضمير، ولم يُفحَص فحصًا عادلًا تحت عين الله الفاحصة. وأظنّ أنه يكمن في أصل معظم الإخفاقات في هذه الحياة الأسمى. فليس الكلّ مُسلَّمًا. إذ يُبقى ركنٌ سرّيٌّ مُقفَلًا في وجه دخول الرب. ولذلك لا نقدر أن نثبت أمام أعدائنا، بل نجد أنفسنا مصروعين في حضرتهم.

ولكي نمنع الإخفاق، أو نجد سببه إن وقعنا فيه، علينا أن نُبقي هذه الصلاة نُصب أعيننا: «اِفْحَصْني يا اللهُ واعرِفْ قلبي. امتَحِنّي واعرِفْ أفكاري، وانظُرْ إن كان فيَّ طريقٌ باطلٌ، واهدِني طريقًا أبديًّا».

وقد يكون في تألّمنا على إخفاقاتنا شيءٌ خادعٌ جدًّا. فقد نظنّ أننا مُنشغِلون بمجد الله، بينما نفوسنا لا تضطرب إلا من أجل الذات. فنحن لسنا في القداسة كما ظننّا، وهذا الاكتشاف يجرح حبّنا لذواتنا. وقد يكون إحباطنا خطأً أكبر من الخطأ الأصلي. والسبيل الآمن الوحيد لمعالجة إخفاقاتنا هو أن نتجنّب تبرير أنفسنا أو إدانتها.

بل علينا، عوض ذلك، أن نبسطها بهدوءٍ أمام الرب، وأن ننظر إليها بسلامٍ وبمحبّة.

يقول الكتّاب الصوفيّون القدماء إن التفاتةً بسيطةً هادئةً إلى الله تُعيننا أكثر من الأسف على ضلالنا عنه. يقولون: «كُنْ أمينًا فحسب. التفِتْ إليه وحده لحظةَ ترى خطيّتك. فحضوره يُحرِّرك من الأشراك التي أوقعتك». إن النظر إلى الذات يُغرِقك أعمق في الوحل، إذ إن هذا الوحل عينه ليس، في النهاية، إلا الذات؛ أمّا نظرةٌ بسيطةٌ نحو الله فتستطيع أن تُهدِّئ قلبك وتُعزّيه.

وأخيرًا، لا ننسَ قط، مهما كانت إخفاقاتنا، أن الرب يسوع قادرٌ، كما أُعلِن، أن يُخلِّصنا من أعدائنا. حينئذٍ يمكننا «أن نُنقَذَ مِن أيدي أعدائنا، فنعبده بلا خوفٍ، بقداسةٍ وبرٍّ أمامه كلَّ أيامنا» (لوقا ١: ٧٤-٧٥). فلنُصلِّ، كلٌّ منّا، ليلًا ونهارًا: «احفَظْ عبدَك أيضًا من الخطايا المُتكبِّرة؛ فلا تتسلَّطْ عليَّ» (مزمور ١٩: ١٣). «لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى ٱلْأَرْضِ» (أعمال ١: ٨). علينا أن نكون طيّعين هكذا في يديه، وأن نثق به. حينئذٍ «يُكَمِّلُكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلًا فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ. آمِينَ» (عبرانيين ١٣: ٢١).

المحتويات

سرّ الحياة المسيحية السعيدة Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 15 دقيقة متبقية في الفصل