فصل 2 · قراءة 4 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
كفايتُنا من الله
لكنه فوق كل شيءٍ تفوَّق في الصلاة. فباطنيّةُ روحه ورجاحتُها، ووقارُ حديثه وسلوكه وهيبتُهما، وقلّةُ كلماته مع امتلائها، كثيرًا ما أثارت الإعجاب حتى في الغرباء، كما كانت تبلغ الآخرين بالتعزية. وإني لأقول إن أروع هيئةٍ حيّةٍ جليلةٍ شعرتُ بها أو رأيتُها قط كانت صلاته. وحقًّا كانت شهادة. لقد عرف الرب وعاش أقربَ إليه من سائر الناس، لأن أكثر الناس معرفةً به هم الذين يرون أعظمَ سببٍ للاقتراب إليه بخشوعٍ وخوف.—وليم بِن عن جورج فوكس
إن أعذبَ النِّعَم قد تحمل، بانحرافٍ يسير، أمرَّ الثمار. الشمس تهب الحياة، لكن ضربات الشمس موت. الوعظ لأجل أن يهب الحياة؛ لكنه قد يقتل. المبشِّر يمسك المفاتيح؛ فهو قادرٌ أن يُغلق كما هو قادرٌ أن يفتح. الوعظ هو مؤسسة الله العظمى لغرس الحياة الروحية وإنضاجها. فمتى أُدّي على وجهه الصحيح، كانت منافعه لا تُحصى؛ ومتى أُسيء أداؤه، لم يكن ثمة شرٌّ يفوق نتائجه المُدمِّرة. من اليسير أن يُهلَك القطيع إن كان الراعي غافلًا أو أُتلِف المرعى، ومن اليسير أن تُؤخَذ القلعة إن نام الحُرّاس أو سُمِّم الطعام والماء. وإذ أُنيطت بالوعظ امتيازاتٌ سنيّة كهذه، وعُرِّض لشرورٍ عظيمة كهذه، وانطوى على مسؤولياتٍ جِسام كهذه، لكان مسخرةً بمكر إبليس وطعنًا في شخصه وسمعته لو لم يُطلق أعظم مؤثراته ليُفسد المبشِّر والوعظ. وفي وجه هذا كله، لا يكون سؤال بولس التعجُّبي «مَن هو كفوءٌ لهذه الأمور؟» في غير موضعه أبدًا.
يقول بولس: «كفايتُنا من الله، الذي جعلنا كفاةً لأن نكون خدّامًا لعهدٍ جديد، لا للحرف بل للروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي». الخدمة الحقيقية ملموسةٌ من الله، مُمكَّنةٌ من الله، مصنوعةٌ من الله. روح الله على المبشِّر بقوة المسحة، وثمر الروح في قلبه، وقد بثَّ روح الله الحياة في الإنسان وفي الكلمة؛ فوعظُه يهب الحياة، يهبها كما يهب الربيعُ الحياة؛ ويهبها كما تهب القيامةُ الحياة؛ ويهب حياةً متّقدة كما يهب الصيفُ الحياة المتّقدة؛ ويهب حياةً مُثمِرة كما يهب الخريفُ الحياة المُثمِرة. المبشِّر الواهب للحياة هو رجل الله، الذي قلبه أبدًا ظمآنُ إلى الله، ونفسُه أبدًا تسعى حثيثًا وراء الله، وعينُه بسيطةٌ نحو الله، والذي به قد صُلِب الجسد والعالم بقوة روح الله، وخدمتُه كفيضٍ سخيٍّ لنهرٍ واهبٍ للحياة.
الوعظ الذي يقتل هو وعظٌ غير روحي. قدرةُ هذا الوعظ ليست من الله. بل منحته مصادرُ أدنى من الله طاقةً ومُحرِّضًا. الروح غير ظاهرٍ في المبشِّر ولا في وعظه. قد يُطلِق الوعظ القاتل ويُحرِّض ضروبًا كثيرة من القوى، لكنها ليست قوًى روحية. قد تُشبه القوى الروحية، لكنها ليست إلا الظلَّ والزيفَ؛ قد تبدو ذات حياة، لكنها حياةٌ مغناطيسية مصطنعة. الوعظ الذي يقتل هو الحرف؛ قد يكون حسنَ الصورة منظَّمًا، لكنه يبقى الحرف، الحرفَ الجافّ اليابس، القِشرةَ الفارغة الجرداء. قد يكون في الحرف بذرة حياة، لكن ليس فيه نسمةُ ربيعٍ تستدعيها؛ إنها بذور شتاءٍ، صلبةٌ كتربة الشتاء، جليديةٌ كهواء الشتاء، لا ذوبان بها ولا إنبات. هذا الوعظ الحرفي يملك الحقّ. لكن حتى الحق الإلهي ليست له وحده طاقةٌ واهبة للحياة؛ بل يجب أن يُشحَن بالروح، وكل قوى الله من ورائه. فالحق الذي لم يُحيِه روح الله يُميت بقدر ما يُميت الضلال، بل أكثر. قد يكون الحق صافيًا بلا شائبة؛ لكنه بلا الروح يكون ظلُّه ولمستُه مُميتين، وحقُّه ضلالًا، ونورُه ظلامًا. الوعظ الحرفي بلا مسحة، لم يُليِّنه الروح ولم يمسحه بالزيت. قد تكون هناك دموع، لكن الدموع لا تُدير آلة الله؛ فقد لا تكون الدموع إلا نَفَسَ صيفٍ على جبلٍ جليديٍّ مكسوٍّ بالثلج، لا شيء سوى وحلٍ سطحي. قد يكون هناك شعورٌ وحرارة، لكنها عاطفة المُمثِّل وحماسة المحامي. قد يشعر المبشِّر من وهج شرره هو، ويكون بليغًا في تفسيره هو، حارًّا في إلقاء نتاج دماغه هو؛ وقد يغتصب المُعلِّم المكانَ ويُحاكي نار الرسول؛ وقد تخدم العقولُ والأعصابُ في المكان وتُزيِّف عمل روح الله، وبهذه القوى قد يتوهَّج الحرف ويتلألأ كنصٍّ منير، لكن التوهُّج والتلألؤ سيكونان عقيمين من الحياة كحقلٍ زُرِع لآلئ. إن العنصر المُميت يكمن وراء الكلمات، ووراء العظة، ووراء المناسبة، ووراء الأسلوب، ووراء الأداء. العائق الأعظم هو في المبشِّر نفسه. ليست فيه القوى الجبّارة الخالقة للحياة. قد لا يكون في عقيدته أو أمانته أو نقائه أو حماسته أيُّ نقص؛ لكن الإنسان، الإنسان الباطن، في مواضعه الخفية، لم ينكسر قط ولم يُسلِّم نفسه لله، وحياته الداخلية ليست طريقًا عظمى لنقل رسالة الله وقوة الله. فبطريقةٍ ما، الذات لا الله هي التي تملك في قدس الأقداس. وفي موضعٍ ما، دون أن يشعر هو، لمس كِيانَه الباطن عازلٌ روحيٌّ ما، فانقطع التيار الإلهي. لم يشعر كِيانُه الباطن قط بإفلاسه الروحي الكامل وعجزه المُطبِق؛ ولم يتعلَّم قط أن يصرخ صرخةً لا تُوصَف من اليأس من الذات والعجز عن الذات، حتى تأتي قوة الله ونار الله فتملأ وتُطهِّر وتُمكِّن. إن تقدير الذات والثقة بقدرة الذات، في صورةٍ خبيثةٍ ما، قد شوَّها الهيكل الذي ينبغي أن يُصان مقدَّسًا لله وانتهكاه. إن الوعظ الواهب للحياة يُكلِّف المبشِّر كثيرًا—موتًا للذات، وصلبًا للعالم، ومخاض نفسه. الوعظ المصلوب وحده يقدر أن يهب الحياة. والوعظ المصلوب لا يصدر إلا عن إنسانٍ مصلوب.