فصل 16 · قراءة 4 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
الصلاة الكثيرة ثمن المسحة
كل جهود الخادم ستكون باطلًا، بل أسوأ من الباطل، إن لم تكن له مسحة. المسحة يجب أن تنزل من السماء وتنشر عبيرًا وشعورًا وطعمًا على خدمته؛ ومن بين سائر وسائل تأهيل نفسه لوظيفته، يجب أن يحتلّ الكتابُ المقدس المكانَ الأول، والمكانُ الأخير أيضًا يجب أن يُعطى لكلمة الله والصلاة.—ريتشارد سيسِل
في المنظومة المسيحية، المسحةُ هي مسحُ الروح القدس، التي تفرز للعمل الإلهي وتُؤهِّل له. هذه المسحة هي التمكين الإلهي الوحيد الذي به يُتمِّم الواعظ غايات الوعظ الخاصة الخلاصية. بدون هذه المسحة لا تتحقّق نتائجُ روحيةٌ حقيقية؛ فالنتائج والقوى في الوعظ لا ترتفع فوق نتائج الكلام غير المُقدَّس. بدون المسحة يكون الأول بمِثل فاعليّة المنبر.
هذه المسحة الإلهية على الواعظ تُولِّد، بواسطة كلمة الله، النتائج الروحية المتدفّقة من البشارة؛ وبدون هذه المسحة لا تتحقّق هذه النتائج. قد تُصنَع انطباعاتٌ سارّةٌ كثيرة، لكنها جميعًا تقصُر كثيرًا عن غايات الوعظ الإنجيلي. هذه المسحة يمكن تقليدها. هناك أشياء كثيرة تُشبِهها، ونتائج كثيرة تُماثِل آثارها؛ لكنها غريبةٌ عن نتائجها وعن طبيعتها. الحرارة أو الرقّة التي تُثيرها عظةٌ مؤثِّرةٌ أو عاطفية قد تبدو كحركات المسحة الإلهية، لكن ليس لها قوّةٌ لاذعةٌ نافذةٌ كاسرةٌ للقلب. لا بلسمٌ شافيًا للقلب في هذه الحركات السطحية العاطفية المُتعاطفة؛ فهي ليست جذريّة، لا تفحص الخطية ولا تشفي منها.
هذه المسحة الإلهية هي السمة المميِّزة الوحيدة التي تفصل الوعظ الإنجيلي الحقّ عن سائر طرق تقديم الحق. إنها تُسنِد الحقّ المُعلَن وتتخلّله بكل قوة الله. تُنير الكلمة، وتُوسِّع العقل وتُثريه وتُمكِّنه من إدراك الكلمة وفهمها. تُؤهِّل قلب الواعظ، وتأتي به إلى تلك الحالة من الرقّة والنقاوة والقوة والنور اللازمة لإحراز أرفع النتائج. هذه المسحة تمنح الواعظ حرّيةً واتساعًا في الفكر والنفس—حرّيةً وامتلاءً ومباشرةً في التعبير لا يمكن إحرازها بأي عمليةٍ أخرى.
بدون هذه المسحة على الواعظ، ليس للبشارة من قدرةٍ على نشر نفسها أكثر من أي منظومة حقٍّ أخرى. هذه هي خاتم ألوهيّتها. المسحة في الواعظ تضع الله في البشارة. بدون المسحة يكون الله غائبًا، وتُترَك البشارة للقوى الوضيعة غير المُرضِية التي يمكن لبراعة الناس أو اهتمامهم أو مواهبهم أن تبتكرها لفرض تعاليمها وإيصالها.
في هذا العنصر بالذات يُخفِق المنبر أكثر مما يُخفِق في أي عنصرٍ آخر. عند هذه النقطة البالغة الأهمية بالضبط يتعثّر. قد يكون له علم، وقد يُبهِج اللمعانُ والبلاغةُ ويأسِران، وقد تجلب الإثارةُ أو الطرقُ الأقلّ إساءةً الجماهيرَ زُرافات، وقد تُؤثِّر القوة العقلية وتفرض الحقّ بكل مواردها؛ لكن بدون هذه المسحة، ستكون هذه كلها وكلٌّ منها كهجوم المياه الهائج على صخرة جبل طارق. قد يُغطّي الرذاذُ والزبَدُ ويُلمِّع؛ لكن الصخور ما زالت هناك، غير مُتأثِّرةٍ ولا قابلةٍ للتأثّر. القلب البشري لا يمكن أن تُكنَس منه قساوته وخطيّته بهذه القوى البشرية أكثر مما يمكن أن تُكنَس هذه الصخور بتدفّق المحيط الذي لا ينقطع.
هذه المسحة هي قوة التكريس، وحضورها هو الاختبار المستمر لذلك التكريس. إنه هذا المسحُ الإلهي على الواعظ هو الذي يضمن تكريسه لله ولعمله. قد تدعوه قوىً ودوافعُ أخرى إلى العمل، لكن هذا وحده هو التكريس. الفرزُ لعمل الله بقوة الروح القدس هو التكريس الوحيد الذي يعترف الله بشرعيّته.
المسحة، المسحةُ الإلهية، هذا المسحُ السماوي، هي ما يحتاجه المنبر ولا بدّ أن يناله. هذا الزيت الإلهي السماوي الذي يُوضَع عليه بوضع يد الله يجب أن يُليّن الإنسان كلّه ويُرطّبه—قلبًا ورأسًا وروحًا—حتى يفرزه فرزًا جبّارًا عن كل الدوافع والغايات الأرضية والدنيوية والعالمية والأنانية، فارزًا إياه لكل ما هو نقيٌّ وشبيهٌ بالله.
إن حضور هذه المسحة على الواعظ هو الذي يُحدِث الاضطراب والاحتكاك في كثيرٍ من الجماعات. الحقائق نفسها قِيلت في حرفيّةٍ صارمة، لكن لم يُرَ اضطراب، ولم يُشعَر بألمٍ أو نبضة. كلٌّ ساكنٌ سكونَ المقبرة. ثم يأتي واعظٌ آخر، وهذا التأثير الخفيّ عليه؛ حرفُ الكلمة قد أُضرِم بالروح، ويُشعَر بمخاض حركةٍ جبّارة، إنها المسحة التي تتخلّل الضمير وتُحرّكه وتكسر القلب. الوعظ الخالي من المسحة يجعل كل شيءٍ قاسيًا جافًّا لاذعًا ميتًا.
هذه المسحة ليست ذكرى أو حقبةً من الماضي فحسب؛ بل هي حقيقةٌ حاضرةٌ مُتحقِّقةٌ واعية. إنها تنتمي إلى اختبار الإنسان كما تنتمي إلى وعظه. إنها التي تُحوِّله إلى صورة سيّده الإلهي، كما أنها التي بها يُعلِن حقائق المسيح بقوة. إنها من القوة في الخدمة إلى حدٍّ يجعل كل ما عداها يبدو ضعيفًا باطلًا بدونها، وبحضورها تُعوِّض عن غياب كل القوى الأخرى الأضعف.
هذه المسحة ليست هبةً غير قابلةٍ للفقدان. إنها هبةٌ مشروطة، وحضورها يدوم ويتزايد بالعملية نفسها التي بها نِيلت أول مرة؛ بالصلاة الدائمة لله، وبالأشواق المتّقدة نحو الله، وبتقدير قيمتها، وبطلبها بحرارةٍ لا تكِلّ، وباعتبار كل ما عداها خسارةً وفشلًا بدونها.
كيف تأتي هذه المسحة ومن أين؟ من الله مباشرةً استجابةً للصلاة. القلوب المُصلِّية وحدها هي القلوب الممتلئة بهذا الزيت المقدس؛ والشفاه المُصلِّية وحدها هي المَمسوحة بهذه المسحة الإلهية.
الصلاة، الصلاةُ الكثيرة، هي ثمن مسحة الوعظ؛ والصلاة، الصلاةُ الكثيرة، هي الشرط الوحيد الأوحد لحفظ هذه المسحة. بدون صلاةٍ لا تنقطع لا تأتي المسحة إلى الواعظ البتة. وبدون مواظبةٍ على الصلاة، تُدوِّد المسحةُ كالمنّ الذي أُبقِي أكثر من اللازم.