فصل 5 · قراءة 6 د

التواضع في تلاميذ يسوع

«ٱلْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَٱلْأَصْغَرِ، وَٱلْمُتَقَدِّمُ كَٱلْخَادِمِ.» لوقا 22:26.

لقد تأمّلنا التواضع في شخص يسوع وفي تعليمه. فلنبحث عنه الآن في دائرة رفقائه المختارين، الرسل الاثني عشر. وإن كان النقص الذي نجده فيهم يُبرز التباين بين المسيح والناس على نحو أوضح، فإن ذلك يعيننا على تقدير التغيير العظيم الذي أحدثه فيهم يوم الخمسين، ويُثبت كم يمكن أن تكون شركتنا حقيقيّة في الانتصار الكامل الذي أحرزه تواضع المسيح على الكبرياء التي نفخها الشيطان في الإنسان. وقد رأينا من قبلُ، في النصوص المقتبسة من تعليم يسوع، ما هي المناسبات التي أظهر فيها التلاميذ كم كانوا معوزين تمامًا إلى نعمة التواضع. فمرّةً تخاصموا في الطريق: مَن منهم يكون الأعظم.

وفي مرّة أخرى طلب ابنا زبدي مع أمّهما المكانَين الأوّلَين: الجلوس عن اليمين وعن اليسار. ثم بعد ذلك، على مائدة العشاء في الليلة الأخيرة، عادت المخاصمة من جديد: مَن منهم يُحسَب الأعظم. وليس أنه لم تكن هناك لحظات اتّضعوا فيها حقًّا أمام ربّهم. فهكذا كان بطرس حين صرخ: «ٱخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!» لوقا 5:8.

وهكذا أيضًا كان التلاميذ حين خرّوا وسجدوا لذاك الذي سكّن العاصفة. غير أنّ مثل هذه التعبيرات العارضة عن التواضع لا تزيد إلا في إبراز النبرة المعتادة لأذهانهم، كما تجلّت في ذلك الكشف الطبيعيّ التلقائيّ الذي أُعطي في أوقات أخرى عن مكانة الذات وسلطانها. ودراسةُ معنى هذا كلّه ستعلّمنا أهمّ الدروس.

أوّلًا: كم يمكن أن يوجد من تديّنٍ جادٍّ عامل، بينما التواضع لا يزال ناقصًا نقصًا مؤسفًا.

انظر إلى ذلك في التلاميذ. كان فيهم تعلّق حارّ بيسوع. تركوا كلّ شيء لأجله. وقد أعلن لهم الآب أنه مسيح الله. آمنوا به، وأحبّوه، وأطاعوا وصاياه. تركوا كلّ شيء ليتبعوه. ولمّا رجع آخرون إلى الوراء، تشبّثوا هم به. وكانوا مستعدّين أن يموتوا معه. لكن أعمق من هذا كلّه كانت قوّة مظلمة، بالكاد كانوا يعون وجودها وبشاعتها، قوّة كان لا بدّ أن تُقتل وتُطرَح خارجًا قبل أن يصيروا شهودًا لقدرة يسوع على الخلاص.

قد نجد معترفين وخدّامًا، ومبشّرين وعاملين، ومرسَلين ومعلّمين، فيهم مواهب الروح كثيرة ظاهرة، وهم قنواتُ بركةٍ للجموع؛ ولكنّهم، متى جاء وقت الامتحان، أو أتاحت المعاشرة الأقرب معرفةً أوفى، يتّضح فيهم بألمٍ شديد أنّ نعمة التواضع، بوصفها سمةً ثابتة، تكاد لا تُرى. وكلّ هذا يؤكّد الدرس: أنّ التواضع من أعظم النِّعم وأسماها، وأنه من أصعبها نوالًا، وأنه ما ينبغي أن تتّجه إليه أولى جهودنا وأعظمها، وأنه لا يأتي إلا بقوّة. فحين يجعلنا ملءُ الروح شركاء في المسيح الساكن فينا، يحيا هو في داخلنا.

ثانيًا: كم هو عاجز كلُّ تعليم خارجيّ وكلُّ جهد شخصيّ عن قهر الكبرياء أو عن منح القلب الوديع المتواضع. فقد قضى التلاميذ ثلاث سنوات في مدرسة يسوع، وقد أخبرهم ما هو الدرس الأعظم الذي شاء أن يعلّمهم إيّاه: «تَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ» متى 11:29. ومرّةً بعد مرّة كلّمهم، وكلّم الفرّيسيّين والجموع، عن التواضع باعتباره الطريق الوحيد إلى مجد الله. ولم يكتفِ بأن عاش أمامهم كحمل الله في تواضعه الإلهيّ، بل كشف لهم أكثر من مرّة سرّ حياته الدفين: «ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ» (متى 20:28)؛ «أَنَا بَيْنَكُمْ كَٱلَّذِي يَخْدُمُ.» لوقا 22:27. وقد غسل أرجلهم، وقال لهم إنّ عليهم أن يتبعوا مثاله. ومع هذا كلّه، لم يُجدِ ذلك إلا قليلًا.

وعلى مائدة العشاء المقدّس كانت المخاصمة لا تزال قائمة: مَن منهم يكون الأعظم. ولا شكّ أنهم حاولوا مرارًا أن يتعلّموا دروسه، وعزموا عزمًا أكيدًا ألّا يُحزنوه بعد، ولكن كلّ ذلك باطلًا. وكان هذا ليعلّمهم ويعلّمنا الدرس الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه: أنه ما من تعليم خارجيّ، ولا حتى تعليم المسيح نفسه؛ ولا حجّة مهما بلغت من الإقناع، ولا إدراك لجمال التواضع مهما بلغ من العمق، ولا عزم شخصيّ أو جهد مهما بلغ من الصدق والجدّيّة، يقدر أن يُخرج شيطان الكبرياء. ومتى أخرج الشيطانُ الشيطانَ، فما ذلك إلا ليدخل من جديد بقوّة أعظم، وإن كانت أخفى. ولا شيء يُجدي سوى هذا: أن تُعلَن الطبيعةُ الجديدة، في تواضعها الإلهيّ، بقوّةٍ لتحلّ محلّ القديمة، وتصير طبيعتَنا عينَها بحقّ كما كانت تلك من قبلُ.

ثالثًا: إنما بسكنى المسيح فينا، في تواضعه الإلهيّ، نصير متواضعين حقًّا.

لقد أخذنا كبرياءنا من آخر، من آدم؛ فلا بدّ إذًا أن نأخذ تواضعنا من آخر أيضًا. الكبرياء لنا، وتسود فينا بهذه القوّة الرهيبة لأنها نحن أنفسنا، لأنها ذاتُ طبيعتنا.

وينبغي أن يصير التواضع لنا بالطريقة نفسها؛ ينبغي أن يكون ذاتنا وطبيعتنا عينَها. وبمقدار ما كان طبيعيًّا سهلًا أن نكون متكبّرين، هكذا ينبغي أن يكون، بل هكذا سيكون، أن نكون متواضعين. والوعد هو: «حَيْثُ»، حتى في القلب، «كَثُرَتِ ٱلْخَطِيَّةُ ٱزْدَادَتِ ٱلنِّعْمَةُ جِدًّا» رومية 5:20.

إنّ كلّ تعليم المسيح لتلاميذه، وكلّ جهودهم الباطلة، كانت الإعداد اللازم لدخوله فيهم بقوّة إلهيّة، ليعطيهم ويكون فيهم ما علّمهم أن يشتهوه. ففي موته أبطل قوّة إبليس، وأزال الخطيّة، وأتمّ فداءً أبديًّا. وفي قيامته نال من الآب حياةً جديدة كلّ الجدّة، حياةَ الإنسان في قوّة الله، حياةً يمكن أن تُوهَب للناس، فتدخل حياتهم وتجدّدها وتملأها بقوّته الإلهيّة.

وفي صعوده نال روح الآب، الذي به يستطيع أن يفعل ما لم يكن يستطيع فعله وهو على الأرض: أن يجعل نفسه واحدًا مع الذين أحبّهم، وأن يحيا حياتهم عوضًا عنهم، حتى يقدروا أن يحيوا أمام الآب في تواضعٍ كتواضعه، لأنّ الذي كان يحيا ويتنفّس فيهم هو نفسه. وفي يوم الخمسين جاء وامتلك. أمّا عمل الإعداد والتبكيت، وإيقاظ الشوق والرجاء الذي أحدثه تعليمه، فقد كمّله التغييرُ العظيم الذي صنعه يوم الخمسين. وحياةُ يعقوب وبطرس ويوحنّا ورسائلهم تشهد أنّ كلّ شيء قد تغيّر، وأنّ روح يسوع الوديع المتألّم قد امتلكهم حقًّا. فماذا نقول لهذه الأمور؟ إنّني على يقين أنّ بين قرّائي أكثر من فئة.

فقد يكون بينهم من لم يفكّروا قطّ في هذا الأمر تفكيرًا خاصًّا، ولا يستطيعون أن يدركوا للحال أهمّيته البالغة بوصفه مسألة حياةٍ للكنيسة ولكلّ عضو فيها. وآخرون شعروا بالدينونة لأجل تقصيرهم، وبذلوا جهودًا جادّة جدًّا، فلم يجنوا إلا الفشل والإحباط. وآخرون قد يستطيعون أن يشهدوا بفرح ببركة روحيّة وقوّة، ومع ذلك لم يبلغوا قطّ التبكيت اللازم على ما يراه مَن حولهم ناقصًا فيهم بعدُ. وآخرون بعدُ قد يستطيعون أن يشهدوا في أمر هذه النعمة أنّ الربّ قد أعطاهم نجاةً وغلبة، وعلّمهم في الوقت نفسه كم لا يزالون محتاجين، وكم يمكنهم أن يتوقّعوا من ملء يسوع.

وأيًّا كانت الفئة التي ننتمي إليها، فإنّني أُلحّ على الحاجة الماسّة لدى كلّ واحد منّا إلى أن يطلب اقتناعًا أعمق بالمكانة الفريدة التي يحتلّها التواضع في علاقتنا بالمسيح، وباستحالة أن تكون الكنيسة أو المؤمن على ما يريده المسيح لهما، ما دام تواضعه لم يُعترَف به مجدَه الأعظم، ووصيّته الأولى، وأسمى غبطةٍ لنا. فلنتأمّل عميقًا كم كان التلاميذ في حالٍ بدائيّة بينما كانت هذه النعمة مفقودة فقدانًا مريعًا، ولنصلِّ إلى الله ألّا تُشبعنا المواهب الأخرى إلى حدّ أن نعجز أبدًا عن إدراك هذه الحقيقة: أنّ غياب هذه النعمة هو السبب الخفيّ في أنّ قوّة الله لا تقدر أن تعمل عملها الجبّار. فليس ذلك إلا حيث نعرف ونُظهر حقًّا، كما فعل الابن، أنّنا لا نقدر أن نفعل شيئًا من ذواتنا، بل الله يفعل الكلّ. وحين تأخذ حقيقةُ المسيح الساكن فينا المكانةَ التي تطالب بها في اختبار المؤمنين، حينئذٍ تلبس الكنيسة ثيابها الجميلة، ويُرى التواضع في معلّميها وأعضائها كزينة القداسة.

صفحة 1 / 4 · 6 دقيقة متبقية في الفصل