فصل 6 · قراءة 7 د

التواضع في الحياة اليومية

«إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ ٱللهَ، وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لِأَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللهَ ٱلَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟» رسالة يوحنا الأولى 4: 20.

يا له من فكرٍ مهيب: أنّ محبّتنا لله تُقاس بمعاملاتنا اليوميّة مع الناس، وبالمحبّة التي تُظهرها تلك المعاملات. ستتبيّن محبّتنا لله وهمًا، ما لم يثبت صدقها في اجتياز امتحان الحياة اليوميّة مع إخوتنا في البشريّة. وهكذا الأمر أيضًا في تواضعنا. من السهل أن نظنّ أنّنا نتّضع أمام الله، لكنّ التواضع نحو الناس هو البرهان الكافي الوحيد على أنّ تواضعنا أمام الله حقيقيّ. وهذا يكشف أنّ التواضع قد اتّخذ فينا مسكنًا وصار طبيعتنا عينها، وأنّنا بالفعل، مثل المسيح، قد أَخْلَيْنا أنفسنا. فحين نكون في حضرة الله، لا يعود اتّضاع القلب هيئةً نصلّي بها إليه، بل يصير روح حياتنا نفسها، وسيُظهر ذاته في كلّ سلوكنا نحو إخوتنا.

الدرس عميق الدلالة: فالتواضع الوحيد الذي هو لنا حقًّا ليس ذاك الذي نحاول إظهاره أمام الله في الصلاة، بل ذاك الذي نحمله معنا ونُتَرْجِمه في سلوكنا الاعتياديّ.

إنّ صغائر الحياة اليوميّة هي عظائم الأبديّة وامتحاناتها، لأنّها تُثبت ما هي الروح التي تملكنا. ففي أشدّ لحظاتنا غفلةً نُظهر ونرى حقًّا ما نحن عليه.

لكي تعرف الرجل المتواضع، ولكي تعرف كيف يسلك المتواضع، عليك أن تتبعه في مجرى الحياة اليوميّة العاديّ. أليس هذا ما علّمه يسوع؟ فحين تجادل التلاميذ مَن يكون فيهم أعظم، وحين رأى كيف يحبّ الفرّيسيّون المتّكآت الأولى في الولائم والمجالس الأولى في المجامع، وحين أعطاهم المثال بغسل أرجلهم، عندئذٍ علّمهم دروسه في التواضع.

التواضع أمام الله لا شيء إن لم يثبت في التواضع أمام الناس. وهكذا الأمر أيضًا في تعليم بولس. فإلى أهل رومية يكتب: «مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي ٱلْكَرَامَةِ» (رومية 12: 10)؛ «غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِٱلْأُمُورِ ٱلْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى ٱلْمُتَّضِعِينَ. لَا تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ» رومية 12: 16.

«لَا تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ» أمثال 3: 7. وإلى أهل كورنثوس: «ٱلْمَحَبَّةُ» — ولا محبّة بغير التواضع أصلًا لها — «لَا تَحْسِدُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ» 1 كورنثوس 13: 4.

وإلى أهل غلاطية: «لَا نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا». وإلى أهل أفسس، بعد الأصحاحات الثلاثة العجيبة عن الحياة السماويّة مباشرةً: «بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَدَاعَةٍ وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي ٱلْمَحَبَّةِ»؛ «خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ ٱللهِ».

وإلى أهل فيلبّي: «لَا شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» فيلبي 2: 3. «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا» فيلبي 2: 5. «أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ» فيلبي 2: 7.

وإلى أهل كولوسّي: «فَٱلْبَسُوا كَمُخْتَارِي ٱللهِ ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى، كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا» كولوسي 3: 12-13.

في علاقتنا بعضنا ببعض، وفي معاملتنا بعضنا لبعض، يُرى اتّضاع الفكر الحقيقيّ وقلب التواضع. لا قيمة لتواضعنا أمام الله، لكنّه يُعِدّنا لأن نُظهر تواضع يسوع لإخوتنا من البشر. فلندرس التواضع في الحياة اليوميّة على ضوء هذه الكلمات.

يسعى الرجل المتواضع في كلّ حين أن يحيا بموجب القاعدة: «لَا شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» فيلبي 2: 3. وكثيرًا ما يُطرح هذا السؤال: كيف نحسب الآخرين أفضل من أنفسنا ونحن نرى أنّهم دوننا بكثير في الحكمة والقداسة، وفي المواهب الطبيعيّة، أو في النعمة التي نالوها؟ إنّ هذا السؤال عينه يُثبت في الحال كم قليلًا ندرك ما هو اتّضاع الفكر الحقيقيّ.

التواضع الحقيقيّ يأتي حين نكون قد رأينا أنفسنا، في نور الله، أنّنا لا شيء، ورضينا أن نتخلّى عن الذات ونطرحها بعيدًا، لكي يكون الله هو الكلّ. والنفس التي فعلت هذا، وتستطيع أن تقول: هكذا فقدتُ نفسي إذ وجدتُك، لم تعد تقارن نفسها بالآخرين. لقد تخلّت إلى الأبد عن كلّ فكر عن الذات في حضرة الله. إنّها تلتقي إخوتها من البشر كمن هو لا شيء، ولا يطلب شيئًا لنفسه. هذه النفس عبدٌ لله، ولأجله عبدٌ للجميع.

قد يكون العبد الأمين أحكم من سيّده، ومع ذلك يحتفظ بروح العبد الحقيقيّة وموقفه. والرجل المتواضع ينظر إلى كلّ ولدٍ لله، حتّى أضعفهم وأقلّهم استحقاقًا، فيُكرمه ويُقدّمه في الكرامة بوصفه ابن الملك. وروح ذاك الذي غسل أرجل التلاميذ تجعل من فرحنا أن نكون بالحقيقة الأصغر، وأن نكون خدّامًا بعضنا لبعض. والرجل المتواضع لا يشعر بغيرةٍ ولا حسد، بل يستطيع أن يسبّح الله حين يُقدَّم آخرون ويُبارَكون قبله.

ويستطيع أن يحتمل أن يسمع الآخرين يُمدَحون وهو يُنسى، لأنّه تعلّم في حضرة الله أن يقول مع بولس: «لَسْتُ شَيْئًا». لقد نال روح يسوع الذي لم يُرضِ نفسه ولم يطلب كرامته الخاصّة، فصارت تلك الروح روحَ حياته. وفي وسط ما يُحسَب تجاربَ إلى نفاد الصبر وسرعة التأثّر، وإلى الأفكار القاسية والكلمات الحادّة، ممّا يأتي من زلّات المؤمنين وخطاياهم، يحمل المتواضع في قلبه الوصيّة المكرّرة مرارًا ويُظهرها في حياته: «مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى، كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا». لقد تعلّم أنّه إذ لبس الربّ يسوع، فقد لبس أحشاء الرأفة واللطف والتواضع والوداعة وطول الأناة.

لقد أخذ يسوع مكان الذات، وصار ممكنًا أن نغفر كما غفر يسوع. وتواضعه لا يقوم على مجرّد أفكارٍ أو كلماتٍ في تحقير الذات، بل — كما يقول بولس — على «قلب التواضع»، محفوفًا بالرأفة واللطف والوداعة وطول الأناة، تلك الوداعة العذبة المتّضعة التي عُرفت علامةً لحمل الله.

وفي سعيه وراء الاختبارات الأعلى في الحياة المسيحيّة، كثيرًا ما يكون المؤمن في خطر أن يستهدف ويفرح بما قد يُدعى الفضائل الأكثر إنسانيّةً ورجولةً، كالجرأة والفرح واحتقار العالم والغيرة وبذل الذات. حتّى الرواقيّون القدماء علّموا هذه الفضائل ومارسوها.

أمّا النِّعَم الأعمق والأرقّ، الأكثر إلهيّةً وسماويّةً، تلك التي علّمها يسوع أوّلًا على الأرض لأنّه أتى بها من السماء، تلك التي ترتبط بأوضح صورةٍ بصليبه وبموت الذات — الفقر بالروح، والوداعة، والتواضع، واتّضاع القلب — فقلّما يُفكَّر فيها أو تُقدَّر. فلنلبس إذًا أحشاء رأفةٍ، ولطفًا، وتواضعًا، ووداعةً، وطول أناة، ولنُبرهن على مشابهتنا للمسيح، لا في غيرتنا لخلاص الهالكين فحسب، بل قبل كلّ شيء في معاملتنا للإخوة، محتملين بعضنا بعضًا ومسامحين بعضنا بعضًا، كما سامحنا الربّ أيضًا.

أيّها الإخوة المسيحيّون، لندرس صورة الرجل المتواضع كما يرسمها الكتاب المقدّس. ولنسأل إخوتنا ولنسأل العالم: هل يرون فينا شبهًا بالأصل؟ ولا نقنع بأقلّ من أن نأخذ كلّ نصٍّ من هذه النصوص وعدًا بما سيعمله الله فينا، وإعلانًا بالكلمات لما سيهبه روح يسوع ولادةً في داخلنا. ولتدفعنا كلّ إخفاقةٍ وكلّ نقصٍ إلى أن نرجع بتواضعٍ ووداعةٍ إلى حمل الله الوديع المتواضع القلب، واثقين أنّه حيث يتربّع على عرش القلب، سيكون تواضعه ووداعته أحد أنهار الماء الحيّ الجارية من داخلنا.

«عرفتُ يسوع، وكان ثمينًا جدًّا لنفسي، لكنّي وجدتُ فيّ شيئًا يأبى أن يبقى عذبًا صبورًا لطيفًا. فعلتُ ما استطعت لأُخضعه، لكنّه ظلّ هناك. فتضرّعتُ إلى يسوع أن يصنع لي شيئًا، وحين أعطيتُه إرادتي، جاء إلى قلبي، وأخرج منه كلّ ما كان يأبى أن يكون عذبًا ولطيفًا وصبورًا، ثمّ أغلق الباب». جورج فوكس.

أكرّر ما قلتُه من قبل. أشعر بعمقٍ أنّ تصوّرنا ضئيل جدًّا لما تُعانيه الكنيسة من فقدان التواضع الإلهيّ، ذلك التلاشي الذي يُفسح المكان لله لكي يُبرهن على قوّته. فمنذ زمنٍ غير بعيد عبّر مسيحيّ متواضع القلب محبّ الروح، على معرفةٍ بغير قليلٍ من محطّات الإرساليّات التابعة لهيئاتٍ شتّى، عن حزنه العميق لأنّ روح المحبّة والاحتمال كانت في بعض الحالات ناقصةً على نحوٍ مؤسف. فرجالٌ ونساءٌ كان بإمكان كلٍّ منهم في أوروبا أن يختار دائرة أصدقائه، إذ جُمعوا معًا في قربٍ شديدٍ مع آخرين لا توافق بين أذهانهم، يجدون صعوبةً في الاحتمال والمحبّة وفي حفظ وحدانيّة الروح برباط السلام. والذين كان ينبغي أن يكونوا مُعينين بعضهم لفرح بعض، صاروا عائقًا وثِقلًا. وهذا بسبب فقدان التواضع الذي يحسب نفسه لا شيء، ويفرح بأن يصير الأصغر وأن يُحسَب كذلك، ولا يطلب إلّا أن يكون، مثل يسوع، الخادم والمعين والمعزّي للآخرين، حتّى أدناهم وأقلّهم استحقاقًا.

ثمّ، لماذا يجد رجالٌ بذلوا أنفسهم بفرحٍ لأجل المسيح صعوبةً بالغةً في أن يبذلوا أنفسهم لأجل إخوتهم؟ أليست الكنيسة ملومةً في ذلك؟ فقد علّمت أبناءها القليل جدًّا أنّ تواضع المسيح هو أوّل الفضائل، وأفضل كلّ نِعَم الروح وقوّاته.

وقلّما برهنت الكنيسة على أنّ التواضع الشبيه بتواضع المسيح هو ما تضعه وتكرز به أوّلًا، مثلما فعل المسيح، بوصفه ما تشتدّ الحاجة إليه حقًّا، والممكن أيضًا. لكن لا نَخُرْ. فلتُحرّكنا معرفةُ نقص هذه النعمة إلى توقّعاتٍ أعظم من الله. ولننظر إلى كلّ أخٍ يُجرّبنا أو يُضايقنا بوصفه واسطة نعمةٍ من الله، وأداةً في يده لتطهيرنا، ولتمريننا على التواضع الذي ينفخه فينا يسوع حياتُنا. ولتكن لنا ثقةٌ بأنّ الله هو الكلّ وأنّ الذات لا شيء، حتّى إذ نكون لا شيء في أعيننا، نطلب فقط، بقوّة الله، أن نخدم بعضنا بعضًا بالمحبّة.

صفحة 1 / 5 · 7 دقيقة متبقية في الفصل