فصل 4 · قراءة 6 د

التواضع في تعليم يسوع

«تَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ» متى 11: 29. «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ» متى 20: 27.

قد رأينا التواضع في حياة المسيح؛ وإذ فتح لنا قلبه، فلنُصغِ الآن إلى تعليمه. هناك نسمع كيف يتكلم عنه، وإلى أي مدى ينتظر من الناس، ولا سيما من تلاميذه، أن يكونوا متواضعين كما كان هو. فلندرس بعناية هذه المقاطع التي لا أكاد أصنع بها أكثر من أن أقتبسها، لننال الانطباع الكامل عن كثرة ما علّم به هذا الأمر وعن حرارته فيه. وهذا يعيننا على إدراك ما يطلبه منا.

انظر إلى مستهلّ خدمته. ففي التطويبات التي تُفتتح بها الموعظة على الجبل يقول: «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ» (متى 5: 3، 5). إن أولى كلمات إعلانه لملكوت السماوات تكشف عن الباب المفتوح الذي وحده منه ندخل.

المساكين، الذين تركوا كل شيء من أجل المسيح، إليهم يأتي الملكوت. وقد يقول قائل: “ولكنّ بعض المسيحيين أغنياء حقًّا، يملكون الأراضي والسيارات وأعمالًا كثيرة.”

نعم، هذا ممكن جدًّا، ولا سيما لأولاد العلي؛ ولكنهم إن حسبوا ذلك باطلًا، سهُل عليهم أن يبذلوه في سبيل الإنجيل؛ فهم مساكين بالروح. والودعاء، الذين لا يطلبون شيئًا لأنفسهم، لهم تكون الأرض. فبركات السماء والأرض إنما هي للمتواضعين.

في الحياة السماوية والحياة الأرضية معًا، التواضع هو سرّ البركة.

«تَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ» (متى 11: 29). ها هو يسوع يقدّم نفسه معلّمًا. وهو يخبرنا ما هي الروح التي نجدها فيه بوصفه المعلّم، والتي نستطيع أن نتعلّمها منه وننالها. الوداعة والتواضع هما الشيء الواحد الذي يقدّمه لنا، وفيهما نجد راحة النفس الكاملة.

وفي العهد الجديد نرى التلاميذ يتجادلون مَن يكون الأعظم في الملكوت، وقد اتفقوا على أن يسألوا المعلّم (لوقا 9: 46؛ متى 18: 3-5). فأقام ولدًا في وسطهم وقال: «فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هَذَا ٱلْوَلَدِ فَهُوَ ٱلْأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ». «فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ؟» متى 18: 1. والسؤال في الحقيقة سؤال بعيد المدى: ما هو الامتياز الأول في الملكوت السماوي؟ إنه جواب ما كان ليعطيه أحد سوى يسوع: إن مجد السماء الأعظم، والذهن السماوي الحقيقي، ورأس مواهب النعمة، هو التواضع. «مَنْ قَبِلَ هَذَا ٱلْوَلَدَ بِٱسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي.

لِأَنَّ ٱلْأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا» لوقا 9: 48 .

وكان ابنا زبدي قد سألا يسوع مَن يجلس عن يمينه وعن يساره، أي أرفع مكان في الملكوت. فقال يسوع إن ذلك ليس له أن يعطيه، بل هو للآب الذي يعطيه للذين أُعِدَّ لهم. فما كان لهما أن يتطلّعا إليه أو يطلباه؛ بل ينبغي أن يكون فكرهما في الكأس وفي صبغة الاتّضاع. ثم أضاف: «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ» متى 20: 27 . والتواضع، إذ هو سمة المسيح السماوي، سيكون المقياس الأوحد للمجد في السماء. فالأشدّ تواضعًا هو الأقرب إلى الله.

والرئاسة في الكنيسة موعودة لأشدّ الناس تواضعًا. وإذ كان المسيح يكلّم الجموع والتلاميذ عن الفريسيين ومحبتهم للمتكآت الأولى، قال مرة أخرى (متى 23: 11): «وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ». فالاتّضاع هو السُّلَّم الوحيد إلى الكرامة في ملكوت الله.

وفي مناسبة أخرى، في بيت أحد الفريسيين، ضرب مثل الضيف الذي يُدعى أن يرتفع إلى فوق (لوقا 14: 1-11)، ثم أضاف: «لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ» لوقا 14: 11. والمطلب لا هوادة فيه؛ وليس هناك طريق آخر. فوضْعُ النفس وحده هو الذي يُرفَع.

وبعد مثل الفريسي والعشّار، قال المسيح مرة أخرى (لوقا 18: 14): «لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ». ففي الهيكل، وفي حضرة الله وعبادته، كل ما لا يتخلّله تواضع عميق صادق نحو الله والناس فهو عديم القيمة.

وبعد أن غسل أرجل التلاميذ قال يسوع (يوحنا 13: 14): «فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا ٱلسَّيِّدُ وَٱلْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ». إن سلطان الوصية وسلطان القدوة، وكل فكر عن الطاعة أو التشبّه، تجعل التواضع أول عناصر التلمذة وأشدّها ضرورة. وعلى مائدة العشاء المقدس كان التلاميذ لا يزالون يتجادلون مَن يكون الأعظم (لوقا 22: 26). فقال يسوع: «ٱلْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَٱلْأَصْغَرِ، وَٱلْمُتَقَدِّمُ كَٱلْخَادِمِ. أَنَا بَيْنَكُمْ كَٱلَّذِي يَخْدُمُ».

إن الطريق الذي سلكه يسوع وفتحه لنا، والقوة والروح اللتين بهما أتمّ خلاصنا وإليهما يخلّصنا، هو دائمًا ذلك التواضع الذي يجعلني خادمًا للجميع. فما أقلّ ما يُكرَز به بهذا! وما أقلّ ما يُمارَس! وما أقلّ ما يُحَسّ بفقدانه أو يُعترَف به! ولست أقول كم قليلون هم الذين يبلغونه، أي قدرًا ملموسًا من الشبه بيسوع في تواضعه؛ بل ما أقلّ الذين يفكّرون أصلًا في أن يجعلوه هدفًا متميّزًا لشوق دائم أو صلاة دائمة. ما أقلّ ما رآه العالم منه! بل ما أقلّ ما رُئي منه حتى في الدائرة الداخلية للكنيسة! «ٱلْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَٱلْأَصْغَرِ، وَٱلْمُتَقَدِّمُ كَٱلْخَادِمِ». وكلنا نعرف ما ينطوي عليه خُلُق الخادم الأمين أو العبد الأمين: التفاني لمصالح سيده، والتفكير المتأمّل والاهتمام بإرضائه، والابتهاج بنجاحه وكرامته وسعادته. وقد وُجد على الأرض خدّام ظهرت فيهم هذه الصفات، ولم يكن اسم الخادم لهم قط سوى مجد.

وكم منا لم يكن فرحًا جديدًا في الحياة المسيحية أن يعرف أننا نستطيع أن نبذل أنفسنا خدّامًا، بل عبيدًا لله، وأن يجد أن خدمته هي أسمى حرية لنا! تلك الحرية من الخطية ومن الذات؟ وعلينا الآن أن نتعلّم درسًا آخر: أن يسوع يدعونا لنكون خدّامًا بعضنا لبعض، وأننا متى قبلنا ذلك من كل القلب، كانت هذه الخدمة أيضًا خدمة مباركة جدًّا، وحرية جديدة أكمل من الخطية ومن الذات.

وقد يبدو الأمر في البداية عسيرًا، ولكن هذا إنما هو بسبب الكبرياء التي لا تزال تحسب نفسها شيئًا.

فإن تعلّمنا مرة أن نكون لا شيء أمام الله هو مجد المخلوق، وروح يسوع، وفرح السماء، رحّبنا بكل قلوبنا بالتأديب الذي قد ننالُه في خدمة حتى أولئك الذين يجتهدون في إغاظتنا. ومتى تعلّق قلبنا بهذا، أي بالتقديس الحقيقي، درسنا كل كلمة قالها يسوع عن وضْع النفس بشوق جديد؛ فلا يكون موضعٌ أدنى من أن نقبله، ولا انحناءٌ أعمق من أن نطيقه، ولا خدمةٌ أحقر أو أطول من أن نحتملها، إن كنا به نشترك ونختبر الشركة مع ذاك الذي قال: «أَنَا بَيْنَكُمْ كَٱلَّذِي يَخْدُمُ» (لوقا 22: 27).

أيها الإخوة، ها هنا الطريق إلى الحياة الأعلى: إلى أسفل، إلى أسفل أكثر! هذا ما كان يسوع يقوله دائمًا للتلاميذ الذين كانوا يفكّرون في أن يكونوا عظماء في الملكوت، وأن يجلسوا عن يمينه وعن يساره. لا تطلبوا الارتفاع ولا تسألوه؛ فذلك عمل الله. بل انظروا إلى أن تأخذوا المكان الأدنى وتضعوا أنفسكم، ولا تتّخذوا أمام الله ولا أمام الناس مكانًا سوى مكان الخادم؛ فذلك عملكم أنتم؛ وليكن هذا قصدكم الأوحد وصلاتكم. والله أمين. وكما أن الماء يطلب دائمًا الموضع الأخفض ويملأه، هكذا في اللحظة التي يجد الله فيها المخلوق متضعًا فارغًا، يتدفّق مجده وقدرته ليرفعاه ويباركاه. مَن يضع نفسه — وهذا وحده ما ينبغي أن نعتني به — يرتفع؛ وذلك هو عناية الله، وبقدرته العظيمة وبمحبته الكبيرة سيفعله.

يتكلّم الناس أحيانًا كأنّ التواضع والوداعة يسلباننا ما هو نبيل وجريء ورجولي. ليت الجميع يؤمنون أن هذا هو نُبل ملكوت السماوات، وأن هذه هي الروح الملوكية التي أظهرها ملك السماء، وأن هذا هو ما يشبه الله: أن يضع الإنسان نفسه، وأن يصير خادمًا للكل! هذا هو الطريق إلى بهجة حضور المسيح ومجده فينا على الدوام، وإلى قوته الحالّة علينا دائمًا. إن يسوع، الوديع المتواضع، يدعونا لنتعلّم منه الطريق إلى الله.

فلندرس الكلمات التي قرأناها حتى يمتلئ قلبنا بهذا الفكر: حاجتي الواحدة هي التواضع. ولنؤمن أن ما يُظهره يهبه، وأن ما هو عليه يمنحه إيّانا. وهو، الوديع المتواضع، سيأتي ويسكن في القلب المشتاق.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل