فصل 13 · قراءة 9 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
خطابات في القداسة في قاعة إكستر (الخطاب الأول)
أظن أنه لا بد أن يكون بديهيا لكل حاضر هنا أن هذا هو أهم سؤال يمكن أن يشغل عقل الإنسان — إلى أي حد نستطيع أن نشبه الله، وإلى أي قرب من الله نستطيع أن نبلغ على الأرض استعدادا لأن نصير مشابهين له تماما، ولنحيا، إن جاز التعبير، في قلبه ذاته إلى أبد الآبدين في السماء. وكل من له أدنى قدر من روح الله لا بد أن يدرك أن هذه هي أهم مسألة نستطيع أن نركز فيها أفكارنا؛ وسر الأسرار عندي هو: كيف يمكن لإنسان، وفيه أدنى قدر من روح الله، أن يمتنع عن النظر إلى بركة القداسة هذه فيقول: «حسنا، حتى لو بدت أعظم من أن تنال على الأرض، فهي جميلة جدا ومباركة جدا. ليتني أنالها.» هذا، فيما يبدو لي، لا بد أن يكون موقف كل إنسان فيه روح الله — أن يجوع ويعطش إليها، وأن يشعر أنه لن يشبع أبدا حتى يستيقظ على شبه مخلصه البهي. ومع ذلك، وا أسفاه! لسنا نجد الأمر هكذا. ففي كثير جدا من الحالات، يكون أول ما يفعله المعترفون بالمسيحية هو مقاومة تعليم القداسة هذا ورفضه كأنه أقذر شيء على الأرض.
سمعت رجلا يقول، قبل أيام قليلة — وهو زعيم في إحدى الدوائر الدينية — إن كلام أي إنسان عن أن يكون قديسا يدل على أنه لا يعرف شيئا عن نفسه، ولا شيئا عن يسوع المسيح.
فقلت: «يا إلهي! لقد بلغ الأمر مبلغا عظيما إن كانت القداسة ويسوع المسيح على طرفي نقيض. كنت أحسب أنه هو مركز القداسة وينبوعها. كنت أحسب أنه فيه وحده ننال أي قداسة، وبه تصنع القداسة فينا.» ولكن هذا المسكين حسب هذه الفكرة سخيفة.
ليتكلم الله عن نفسه! ومنذ سمعت ذلك القول وأنا أصرخ من أعماق نفسي: «يا رب، تكلم أنت عن نفسك؛ اعمل بقوة في قلوب شعبك وأيقظهم. ارفع البرقع عن عيونهم، وأرهم ما هو قصدك من نحوهم في المسيح يسوع. لا تدعهم يحتارون ويخطئون الهدف؛ لا تتركهم، بل يا رب، أعلن ذلك في قلوبهم.» ليس من سبيل آخر يعلن به، وإن سمحت له، فإنه سيعلنه في قلبك.
خطر لي أن أقول كلمة أو كلمتين في ما قاله زوجي عن الضعفات، لأني ألتقي باستمرار أناسا يجعلون الضعفات خطايا. فهم يصرون على أن مطالب الناموس الآدمي لم تخفف قط؛ وأننا لسنا تحت ناموس المحبة الإنجيلي، أو ناموس المسيح كما يسميه الرسول، بل ما زلنا تحت الناموس الآدمي، وأن هذه النقائص والضعفات التي أشار إليها زوجي هي خطايا. وإني لأعجب كيف لا يتذكر هؤلاء موضعا معينا لا بد أن ينسف مثل هذه النظرية إلى الأبد، حيث يقول الرسول: «فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل علي قوة المسيح.»
لو كانت هذه الضعفات خطايا، لكان لدينا الشذوذ الفاضح: رسول ليسوع المسيح يفتخر بخطاياه! فأنتم ترون أن ضعفاته لم تكن إلا تلك النقائص في الذهن والجسد، التي كان في مقدور النعمة أن تغلبها وتسخرها، لمجد المسيح وتقدم ملكوته.
«فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل علي قوة المسيح» — أي أنه، بسبب هذه الضعفات عينها، تحل علي قوة المسيح حتى ترفعني فوقها، وتجعلني مستقلا عنها، متسلطا عليها، حتى إني بهذه الضعفات نفسها أمجد قوته ونعمته أكثر مما لو كنت إنسانا كاملا في الذهن والجسد. وفي موضع آخر يقول: «ولئلا أرتفع بفرط الإعلانات، أعطيت شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني.» يظن بعض الناس أن هذه كانت خطية؛ ولكن من المؤكد أن عبارة «ملاك الشيطان» تبين أن هذه الشوكة لم تكن عملا من أعمال بولس ولا ميلا من ميوله، بل تجربة أو ضيقة خارجية أوقعها الشيطان. ثم إن التأكيد الإلهي: «تكفيك نعمتي» لا بد أن يمنع فكرة الخطية. وقد طلب بولس إلى الرب ثلاث مرات أن تفارقه هذه الشوكة؛ ولو كانت خطية لكان الرب حريصا على إزالتها كحرص عبده! ولا شك أن هذه الشوكة كانت محنة جسدية — كما تدل عبارة «في الجسد» — ضيقة أو حزنا، باحتماله بصبر تتعظم قوة المسيح في ضعف بولس — واحدا من تلك الأمور التي كان يستطيع أن يحتملها «في المسيح الذي يقويه».
ولكن لاحظوا، كان هذا تأديبا سمح به الله ليحفظ بولس من السقوط في الخطية؛ وهو أمر مختلف كل الاختلاف عن الخطية نفسها. «الله لا يجرب أحدا بالشرور.» أرسل الرب هذا إلى بولس، لا ليجعله متواضعا، فقد كان متواضعا من قبل، بل ليحفظه متواضعا. أفلا يرسل شيئا إلى كل واحد منا؟ ألسنا نحتاج إلى تجارب وضيقات في الجسد لتحفظنا متواضعين؟ ولكن هل هذا دليل على أنه، لأننا نحتاج إلى هذه الأمور لتحفظنا متواضعين، فالكبرياء إذن ساكن فينا ومتسلط علينا؟ بل هو دليل على العكس تماما.
ليت الناس، في بحثهم عن بركة القداسة هذه، يبقون أمام أذهانهم هذا الأمر الواحد: أنها الخلاص من الخطية! — الخطية في الفعل، وفي القصد، وفي الفكر!
عندي رسالة جميلة وصلتني منذ وقت قصير من سيدة شابة، كتبت إلي بعيد خدماتي السابقة في حي وست إند. أخبرتني أنها كانت أمة مستعبدة، على ما أظن، مدة أربع أو خمس سنين، لخطية معينة محيطة بها، وكانت رسالتها الأولى نطقا باليأس عينه. لقد جاهدت وصارعت وصلت، وحاولت أن تغلب الخطية التي كانت متسلطة عليها.
كانت تنال الغلبة بين الحين والحين، ثم تسقط ثانية، وقالت: «إنه أمر خفي جدا، متصل بأفكاري وخيالي، حتى إني لا أظن أني أستطيع أن أخلص أبدا.» فأجبت على الرسالة، وحاولت أن أشجع إيمانها ورجاءها في يسوع المسيح. وأريتها كم كان عدم الإيمان هذا مهينا له، وأنها لو وثقت به فقط ليدخل ويملك في قلبها، لاستطاع أن يطهر الأفكار والخيال ذاتها وينقيها. فتقدمت قليلا، وكتبت إلي رسالة أخرى. فكتبت إليها ثانية، وشجعتها على أن تثق أكثر. قالت إنها لا تستطيع أن تبلغ إلى حد الظن بأنه قادر أن يطهر أفكارها. وقد بلغت إلى أن تؤمن بأنه قادر أن يخلصها من أن تضعها موضع التنفيذ، ولكنها لم تستطع أن تؤمن بأنه قادر أن يطهرها.
فكتبت إليها مرة أخرى، وحاولت، والرب معيني، أن أريها كيف يستطيع يسوع، بإلهام روحه القدوس، أن يطهر أفكار قلوبنا ذاتها، والحمد لله، فقد خطت خطوة أخرى. وقد وصلتني منها رسالتان منذ ذلك الحين. قالت في أولاهما: «إني أفرح مع ارتعاد، خوفا من أن يكون الأمر وقتيا فقط، ولكني وثقت به أن يطهر الينبوع، ولا بد أن أقول: إنه قد فعل ذلك حقا، وعوضا عن التفكير بتلك الأفكار، صارت لي أفكار مقدسة، وإذا قدم الشيطان شيئا إلى ذهني، فإنه يكون كريها عندي حتى إني لا أستطيع أن أصف لك ما يملأني به من الحزن والرعب.» فكتبت إليها ثانية أشجعها، فوصلتني رسالة أخرى قالت فيها: «إنها حقيقة أنه قد طهر أفكار قلبي، وأنا الآن أدرك أن أفكاري ترضيه، وأنه قد خلصني من هذه الخطية التي كانت شقاء حياتي وعذابها كل هذه السنين الماضية.»
والآن، ما أريد أن أقوله لكم هو أن ما يستطيع أن يفعله لواحد، يستطيع أن يفعله لآخر. فإن كنت مخطئة هنا، فإني أتنازل عن المسألة كلها. إني مخطئة تمام الخطأ في قصد بشارة الإنجيل وغايتها ووصيتها، إن كان الله لا يريد شعبه أن يكونوا أطهارا. لا أن يحسبوا أنفسهم أطهارا وهم ليسوا كذلك. كلا! بل قد قيل لنا مرة بعد مرة إن الله يريد شعبه أن يكونوا أطهارا، وإن طهارة قلوبهم هي الفكرة المركزية عينها لإنجيل يسوع المسيح، وغايته وقصده؛ فإن لم يكن الأمر كذلك، فإني أتنازل عن المسألة كلها — وأكون قد خدعت خداعا تاما.
وتبريرا لهذا، اخترت نصين أو ثلاثة يبدو أنها تجمع الأمر كله في واحد؛ نصوصا جامعة، إن جاز التعبير. وسآخذ أولا، على سبيل المثال، ما كان زوجي يحاول أن يؤكده: «إرادة الله هي قداستكم.» على أن هناك معنى، ومعنى مهما، تكون فيه القداسة إرادة الإنسان. لا بد أن تكون إرادتي أنا أيضا، وإن لم تكن إرادتي، فلن تتم الإرادة الإلهية في داخلي أبدا. لا بد أن أريد أن أتقدس، كما أن الله يريد أن أتقدس. وفي الكتاب المقدس من الوصايا بأن تقدسوا أنفسكم ما يعادل مواعيد الله بأن يقدسكم بل يزيد عليها.
والنص التالي هو يعقوب 4:8: «اقتربوا الى الله فيقترب اليكم. نقوا ايديكم ايها الخطاة وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين.» وقد قيل هذا للمرتدين، لأناس كانوا يعترفون بالإيمان، ولكنهم رجعوا تحت سلطان شهوات الجسد وأهوائه. وهناك نصان أو ثلاثة أخرى يبدو أن الأمر كله يتلخص فيها، مثل تيطس 2:14: «الذي بذل نفسه لاجلنا لكي يفدينا من كل اثم ويطهر لنفسه شعبا خاصّا غيورا في اعمال حسنة.» — أي أن يطهرنا. ثم إن 1 تيموثاوس 1:5 يبين قصد الله وغايته في طريق الفداء كله: «واما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وايمان بلا رياء.» — مطهر ومحفوظ طاهرا، لأنه لو كان قد طهر ثم تنجس ثانية، لما كان ضميرا صالحا بل رديئا. ومرة أخرى، في 1 يوحنا 3:3: «وكل من عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر.» والآن أقول: هذه نصوص جامعة، وهناك أعداد أخرى منها بالمعنى نفسه، تبين أن غاية الفداء وقصده كلها هي هذه — أنه سيردنا إلى الطهارة؛ وأنه سيرجعنا إلى البر؛ وأنه سيطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي — لا أن يطهركم من الماضي فحسب، بل أن يحفظكم مطهرين لتخدموا الله الحي؛ وأن ذلك يتم بتطبيق الدم على الضمير، ثم يحفظ بقوة الروح القدس الذي يبقينا في حال من الطهارة والطاعة للبر.
والآن أقول: إن لم تكن هذه هي الفكرة المركزية للمسيحية، فأنا لا أفهمها. إن كان الله لا يستطيع أن يفعل هذا لي — إن كان يسوع المسيح لا يستطيع أن يفعل هذا لي، فما نفعي البتة من مجيئه؟
ففي هذه الرسائل من الخطاب الموجه إلى المسيحي الفرد أن يكون هذا وذاك وغيره، وأن يفعل هذا وذاك وغيره، أكثر بكثير مما فيها عما سيفعله الله له في النهاية!
ليست هذه مسيحية خارجية — ليس في هذه الرسائل جلوس واستغراق في العاطفة وتأمل في المسيح في السماوات؛ بل هي تنزله، بكل معنى الكلمة، إلى قلوبنا وحياتنا هنا، وهي من الوصايا المتصلة فيها: كن هذا، وافعل هذا وذاك.
تمثل هذه الرسائل تحولا حقيقيا عمليا يتم فينا، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يصلح أن نموت به. فإن لم يتم فيك، أقول لك إنك لن تستطيع أن تموت بسلام. ستحتاج إلى أن تطهر، كما قال لكم زوجي العزيز، قبل أن تجسر على الدخول إلى حضرة ملك الملوك. ستحتاج إلى شعور باستقامة أدبية جميلة وبر ينتشر على طبيعتك كلها، يمكنك من أن ترفع عينيك إلى وجه الله وتقول: «نعم، إني أحبك، وأعرفك، وأنت تعرفني وتحبني، ونحن واحد. أحب ما تحب، وأشتهي ما تشتهي. نحن روح واحد، ‹ملتصقون بالرب روح واحد›.» ستحتاج إلى ذلك، ولا شيء دونه يصلح أن تموت به. ولماذا لا تناله؟ أتناله؟ ولماذا لا تدع الله يعمله فينا؟ أتجربه؟ الناس يقولون على الدوام: «إنهم يشتاقون إليه، ويتمنون لو ينالونه.» أفتدع الله يفعله؟ أتطرح عنك أعماق عدم الإيمان التي هي في أصل كل صعوبتك؟ الناس في الحقيقة لا يؤمنون أن الله قادر أن يفعله لهم، وذلك هو أصل صعوباتهم. ولكنه قادر أن يفعله، وقد وعد أن يفعله. أفتنزل وتقول: «ليكن لي كقولك»؟
«ولد لنا — مخلص.»
يسوع مخلص قد ولد، في الخارج: خارج المنزل، مرفوضا بازدراء. مطروحا: مطروحا لأجلي، يا مخلصي وملكي، مطروحا ليدخل هذا الضال.
يسوع مخلص قد ولد، رجلا: رجل أوجاع، مضروبا، ممزقا بالجلدات: بالجلدات، يا رب، شفيت نفسي، وبالجلدات، بجلداتك، ختم غفراني.
يسوع مخلص قد ولد، الحمل: حمل الله قد نزف دمه واحتمل خطاياي: خطاياي قتلتها الذبيحة، وخطاياي يرفعها الحمل.
يسوع مخلص قد ولد ليخلص: ليخلص في الليل، وفي الظهيرة، وفي الصباح. وليحفظ: ليحفظ من الخطية، ومن الشك، ومن الخوف؛ ليحفظ، فانظر! الحافظ ها هنا.
يسوع مخلص قد ولد، ملكا: ملكا! ارفعوا قرنه المجيد، ورنموا: رنمي أيتها السماوات!
لقد شق قبره، فرنمي أيتها الأرض! إنه حي ليخلص!