كلّ الأشياء للخير ·امتحانات محبة الله

فصل 7 · قراءة 17 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

امتحانات محبة الله

لنمتحن أنفسنا بغير محاباة: هل نحن في عداد الذين يحبون الله؟ ولمّا كانت محبتنا تُعرَف خير ما تُعرَف بثمارها، سأذكر أربع عشرة علامةً، أو ثمرةً، لمحبة الله، ويحسُن بنا أن نفتّش بعناية هل ينبت شيءٌ من هذه الثمار في بستاننا.

١. الثمرة الأولى للمحبة هي تأمُّل الذهن في الله. فمن كان مُحِبًّا، فأفكاره أبدًا على المحبوب. ومن يحب الله يُؤخَذ ويُسبى في تأمُّل الله. «إذا استيقظتُ فأنا بعدُ معك» (مزمور ١٣٩: ١٨). الأفكار كمسافرين في الذهن؛ وأفكار داود كانت تسلك طريق السماء: «أنا بعدُ معك». الله هو الكنز، وحيث يكون الكنز هناك يكون القلب. بهذا نمتحن محبتنا لله. فيمَ تكون أفكارنا في الأغلب؟ أنقدر أن نقول إننا نُسبى بالبهجة حين نفكّر في الله؟ هل نبتت لأفكارنا أجنحة؟ أطارت في العلاء؟ أنتأمّل المسيح والمجد؟ آهِ، ما أبعدَ عن محبة الله أولئك الذين نادرًا ما يفكّرون في الله! «ليس الله في كل أفكاره» (مزمور ١٠: ٤). الخاطئ يُقصي الله عن أفكاره؛ فهو لا يفكّر في الله البتة إلا برعبٍ، كما يفكّر السجين في القاضي.

٢. والثمرة التالية للمحبة هي اشتياق الشركة. المحبة تشتهي الأُلفة والمعاشرة. «قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي» (مزمور ٨٤: ٢). فالملك داود، إذ مُنِع من بيت الله حيث كان المسكن، العلامة المنظورة لحضوره، تنفّس مشتاقًا إلى الله، وفي لوعةٍ مقدسةٍ من الشوق هتف بالإله الحي. المحبّون يودّون أن يتحادثوا معًا. إن كنا نحب الله فإننا نُثمِّن فرائضه، لأننا هناك نلتقي بالله. هو يكلّمنا في كلمته، ونحن نكلّمه في الصلاة. بهذا فلنفحص محبتنا لله. أنشتهي حميميّة الشركة مع الله؟ المحبّون لا يقدرون أن يطول بُعدهم بعضهم عن بعض. والذين يحبون الله لهم عاطفةٌ مقدسة، لا يعرفون كيف يكونون بعيدين عنه. يحتملون فقدان أي شيءٍ إلا حضور الله. يستطيعون العيش بلا صحةٍ ولا أصدقاء، ويسعدون بلا مائدةٍ عامرة، لكنهم لا يسعدون بدون الله. «لا تحجب وجهك عني فأشبه الهابطين في الجبّ» (مزمور ١٤٣: ٧). للمحبّين نوباتُ إغماء. وقد كاد داود أن يُغشى عليه ويموت حين لم تكن له رؤيةٌ لله. والذين يحبون الله لا يقنعون بمجرد امتلاك الفرائض، ما لم يتمتعوا بالله فيها؛ وإلا فذاك لعقُ الكأس لا العسل.

فماذا نقول لأولئك الذين يقدرون أن يقضوا حياتهم كلها بلا الله؟ يظنون أنه يمكن الاستغناء عن الله على أحسن وجه؛ يشكون أنهم يفتقرون إلى الصحة والتجارة، لا أنهم يفتقرون إلى الله! الأشرار لا يعرفون الله: وكيف يقدر أن يحبَّ من لا يعرف؟ بل، وهو الأدهى، لا يرغبون في أن يعرفوه. «فيقولون لله ابعُد عنا، وبمعرفة طرقك لا نُسَرّ» (أيوب ٢١: ١٤). الخطاة يتجنّبون معرفة الله، ويعدّون حضوره عبئًا؛ أفهؤلاء محبّون لله؟ أتحب تلك المرأة زوجها وهي لا تطيق أن تكون في حضرته؟

٣. وثمرةٌ أخرى للمحبة هي الحُزن. حيث تكون محبةٌ لله، يكون حزنٌ على خطايا جفائنا نحوه. الابن الذي يحب أباه لا يسعه إلا أن يبكي لأنه أساء إليه. القلب الذي يتّقد بالمحبة يذوب دموعًا. آهِ أن أسيء إلى محبة مخلّصٍ عزيزٍ هكذا! أما احتمل ربي ما يكفي على الصليب، حتى أجعله يتألم أكثر؟ أأسقيه مزيدًا من المرارة والخلّ؟ ما أشدّ خيانتي وجحودي! كم أحزنتُ روحه، وداستُ وصاياه الملوكية، واحتقرتُ دمه! هذا يفتح عِرقًا من الحزن التقويّ، ويجعل القلب ينزف من جديد. «فخرج بطرس إلى خارجٍ وبكى بكاءً مرًّا» (متى ٢٦: ٧٥). حين تذكّر بطرس كم أحبه المسيح محبةً غالية؛ وكيف رُفِع إلى جبل التجلّي حيث أراه المسيح مجد السماء في رؤيا؛ وأنه يُنكر المسيح بعدما نال منه محبةً بهذا الجلاء، هذا فطر قلبه حزنًا: فخرج إلى خارجٍ وبكى بكاءً مرًّا.

بهذا فلنمتحن محبتنا لله. أنذرف دموع الحزن التقويّ؟ أنحزن على جفائنا نحو الله، وإساءتنا استعمال الرحمة، وتفريطنا في الوزنات؟ ما أبعدَ عن محبة الله أولئك الذين يخطئون كل يوم ولا تبكّتهم قلوبهم قط! لهم بحرٌ من الخطية، ولا قطرةُ حزن. بل هم أبعدُ من أن ينزعجوا، حتى إنهم يمرحون بخطاياهم. «حينما تفعل الشر حينئذٍ تبتهجين» (إرميا ١١: ١٥). أيها الشقيّ! أنزف المسيح دمه لأجل الخطية، وأنت تضحك عليها؟ هؤلاء أبعدُ ما يكونون عن محبة الله. أيحب صديقَه من يحب أن يؤذيه؟

٤. وثمرةٌ أخرى للمحبة هي شهامة النفس. المحبة باسلة، تحيل الجُبن شجاعة. المحبة تحمل المرء على الإقدام على أعظم المصاعب والأخطار. الدجاجة الجبانة تنقضّ على كلبٍ أو حيّةٍ دفاعًا عن فراخها. المحبة تبثّ في المسيحيّ روح النبل والبسالة. من يحب الله يقف في قضيته، ويكون محاميًا عنه. «لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا» (أعمال ٤: ٢٠). من يخاف أن يجاهر بالمسيح، فمحبته له قليلة. جاء نيقوديموس متسلّلًا إلى المسيح ليلًا (يوحنا ٣: ٢). كان يخشى أن يُرى معه في وضح النهار. المحبة تطرد الخوف. وكما تبدّد الشمس الضباب والأبخرة، هكذا المحبة الإلهية تبدّد إلى حدٍّ بعيد الخوف الجسديّ. أيحب اللهَ من يقدر أن يسمع حقائقه المباركة يُطعَن فيها فيصمت؟ من يحب صديقه يقف في وجه من يعيّره وينتصر له. أيظهر المسيح لأجلنا في السماء، ونحن نخاف أن نظهر لأجله على الأرض؟ المحبة تنشّط المسيحيّ، تُشعِل قلبه بالغيرة، وتصلّبه بالشجاعة.

٥. الثمرة الخامسة للمحبة هي الحساسية. إن كنا نحب الله، تتوجّع قلوبنا للهوان الذي يُلحقه الأشرار بالله. أن نرى، لا سدود الدين فحسب، بل الأخلاق أيضًا، تتهدّم، وطوفانًا من الشر يتدفّق داخلًا؛ أن نرى سبوت الله تُدنَّس، وعهوده تُنتهك، واسمه يُهان؛ إن كان فينا شيءٌ من محبة الله، فسنأخذ هذه الأمور إلى قلوبنا. نفسُ لوطٍ البارّة كانت «تتعذّب بمعاشرة الأردياء في الفجور» (٢ بطرس ٢: ٧). خطايا سدوم كانت كرماحٍ كثيرة تطعن نفسه. ما أبعدَ عن محبة الله الذين لا يتأثرون البتة بهوانه! ما داموا في سلامٍ وتجارة، لا يأخذون شيئًا إلى قلوبهم. الرجل السكران حتى الثمالة لا يبالي ولا يتأثر، وإن كان آخرُ إلى جانبه ينزف حتى الموت؛ هكذا كثيرون، إذ سكروا بخمر الرخاء، حين يُجرَح كرامة الله وتنزف حقائقه، لا يتأثرون. لو أحبّ الناس الله، لحزنوا إذ يرون مجده يتألم، والدين نفسه يصير شهيدًا.

٦. الثمرة السادسة للمحبة هي بُغض الخطية. النار تنقّي الخبث من المعدن. ونار المحبة تنقّي الخطية. «أفرايم يقول: ما لي بعدُ وللأصنام؟» (هوشع ١٤: ٨). من يحب الله لا يكون له شأنٌ بالخطية، إلا أن يحاربها. الخطية لا تطعن كرامة الله فحسب، بل كيانه. أيحب مليكَه من يؤوي خائنًا للتاج؟ أصديقٌ لله من يحب ما يبغضه الله؟ محبة الله ومحبة الخطية لا تسكنان معًا. العواطف لا يمكن أن تنجذب إلى نقيضين في آنٍ واحد. لا يقدر المرء أن يحب الصحة ويحب السمّ أيضًا؛ هكذا لا يقدر أحدٌ أن يحب الله والخطية معًا. من يُبقي في قلبه خطيةً خفيةً مرخّصةً، فهو بعيدٌ عن محبة الله بُعدَ السماء عن الأرض.

٧. وثمرةٌ أخرى للمحبة هي الصَّلب. من كان محبًّا لله فهو ميتٌ عن العالم. «قد صُلبتُ للعالم» (غلاطية ٦: ١٤). أنا ميتٌ عن كراماته ومَلذّاته. من كان عاشقًا لله فليس عاشقًا كثيرًا لأي شيءٍ سواه. محبة الله والمحبة المتّقدة للعالم لا تجتمعان. «إن أحب أحدٌ العالم فليست فيه محبة الآب» (١ يوحنا ٢: ١٥). محبة الله تبتلع كل محبةٍ أخرى، كما ابتلعت عصا موسى عِصيّ المصريين. لو استطاع المرء أن يعيش في الشمس، فكم تكون الأرض كلها نقطةً صغيرة؛ هكذا حين يرتفع قلب المرء فوق العالم في تعظيم الله ومحبته، ما أفقرَ وأتفهَ هذه الأمور السفلية! تبدو كلا شيءٍ في عينه. كان علامةً على أن مسيحيّي الصدر الأول أحبوا الله أن أملاكهم لم تكن قريبةً من قلوبهم؛ بل «وضعوا أموالهم عند أرجل الرسل» (أعمال ٤: ٣٥).

امتحن محبتك لله بهذا. فماذا نظنّ بمن لا يشبعون من العالم قط؟ بهم استسقاءُ الطمع، يتعطّشون بلا رِيٍّ إلى الغنى: «الذين يتهافتون على تراب الأرض» (عاموس ٢: ٧). لا تتحدّث عن محبتك للمسيح، يقول إغناطيوس، وأنت تؤثِر العالم على اللؤلؤة الكثيرة الثمن؛ أوَ ليس كثيرون هكذا، يُثمّنون ذهبهم فوق الله؟ إن كان لهم أرضٌ في الجنوب، لا يبالون بماء الحياة. يبيعون المسيح وضميرًا صالحًا بالمال. أفيهب الله السماء يومًا لمن يبخسون قدره بهذه الدناءة، مؤثِرين الترابَ اللمّاع على اللاهوت المجيد؟ ماذا في الأرض حتى نعلّق قلوبنا به هكذا؟ إنما الشيطان يجعلنا ننظر إليه بعدسةٍ مكبِّرة. ليس للعالم قيمةٌ حقيقيةٌ جوهرية، إنما هو دهانٌ وخداع.

٨. الثمرة التالية للمحبة هي الخوف. في الأتقياء تتلاثم المحبة والخوف. وهناك خوفٌ مزدوج ينشأ من المحبة.

(١) خوفُ الإساءة. الزوجة تحب زوجها، فتنكر ذاتها أحرى من أن تسيئه. وكلما ازددنا محبةً لله، ازددنا خوفًا من أن نُحزن روحه. «فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟» (تكوين ٣٩: ٩). لمّا هدّدت الإمبراطورة أفدوكسيا بنفي ذهبيّ الفم، قال: قولوا لها إني لا أخاف شيئًا إلا الخطية. تلك محبةٌ مباركةٌ تُدخِل المسيحيَّ في نوبةٍ حارّةٍ من الغيرة، ونوبةٍ باردةٍ من الخوف، فتجعله يرتجف ويرتعد، ولا يجرؤ أن يُغضب الله عن قصد.

(٢) خوفٌ ممزوجٌ بالغيرة. «كان قلب عالي مضطربًا على تابوت الله» (١ صموئيل ٤: ١٣). لم يُقَل إن قلبه اضطرب على حفني وفينحاس ابنيه، بل اضطرب قلبه على التابوت، لأن التابوت لو أُخِذ لكان المجد قد ارتحل. من يحب الله يمتلئ خوفًا لئلا يصيب الكنيسةَ سوء. يخاف لئلا يزداد التجديف (الذي هو داء البرص)، لئلا تترسّخ البابويّة، لئلا يفارق اللهُ شعبه. حضور الله في فرائضه هو جمال الأمة وقوّتها. فما دام حضور الله مع شعبٍ، فهم في أمانٍ ما داموا كذلك؛ لكن النفس المتّقدة بمحبة الله تخاف لئلا تُنزَع العلامات المنظورة لحضور الله.

بهذا المِحكّ فلنمتحن محبتنا لله. كثيرون يخافون أن يذهب السلام والتجارة، لا أن يذهب الله وإنجيله. أهؤلاء محبّون لله؟ من يحب الله يخاف من فقدان البركات الروحية أكثر من الزمنية. إن ارتحلت شمس البرّ عن أفقنا، فماذا يعقب سوى الظلمة؟ أيّ عزاءٍ يقدر أن يمنحه أرغنٌ أو نشيدٌ إن ذهب الإنجيل؟ أليس ذلك كصوت بوقٍ أو رشقةِ رصاصٍ في جنازة؟

٩. إن كنا محبّين لله، فإننا نحب ما يحبه الله.

(١) نحب كلمة الله. داود ثمّن الكلمة، لحلاوتها، فوق العسل (مزمور ١١٩: ١٠٣)، ولقيمتها، فوق الذهب (مزمور ١١٩: ٧٢). سطور الكتاب أغنى من مناجم الذهب. حقًّا لنا أن نحب الكلمة؛ فهي النجم الهادي الذي يوجّهنا إلى السماء، وهي الحقل الذي فيه اللؤلؤة مخفاة. أما ذاك الذي لا يحب الكلمة، بل يحسبها صارمةً جدًّا، ويتمنّى لو مُزّق أيُّ جزءٍ من الكتاب المقدس (كما فعل زانٍ بالوصية السابعة)، فليس في قلبه أدنى شرارةٍ من المحبة.

(٢) نحب يوم الله. نحن لا نحفظ السبت فحسب، بل نحبّ السبت. «إن دعوت السبت لذّةً» (إشعياء ٥٨: ١٣). السبت هو الذي يُبقي للدين وجهًا بيننا؛ وهذا اليوم يجب أن يُقدَّس مجيدًا للرب. بيت الله هو قصر الملك العظيم، وفي السبت يُظهِر الله نفسه هناك من خلال الشُّبّاك. إن كنا نحب الله فإننا نُثمّن يومه فوق كل الأيام. لكان الأسبوع كله مظلمًا لولا هذا اليوم؛ وفي هذا اليوم ينزل المنّ ضِعفًا. الآن، إن كان في وقتٍ قط، يقف باب السماء مفتوحًا، وينزل الله في مطرٍ ذهبيّ. في هذا اليوم المبارك تشرق شمس البرّ على النفس. كم يُثمّن القلب المُنعَم عليه ذلك اليوم الذي صُنِع خصّيصًا للتمتع بالله فيه.

(٣) نحب شرائع الله. النفس المُنعَم عليها تفرح بالشريعة لأنها تكبح إفراطها الخاطئ. لكان القلب مستعدًّا أن يجمح في الخطية لولا بعض القيود المباركة التي تضعها عليه شريعة الله. من يحب الله يحب شريعته — شريعة التوبة، شريعة إنكار الذات. كثيرون يقولون إنهم يحبون الله لكنهم يبغضون شرائعه. «لنقطع قيودهم، ولنطرح عنا حبالهم» (مزمور ٢: ٣). وصايا الله تُشبَّه بالحبال، تربط الناس إلى حسن السلوك؛ لكن الأشرار يحسبون هذه الحبال ضيّقةً جدًّا، فيقولون: لنقطعها. يتظاهرون بمحبة المسيح مخلّصًا، لكنهم يبغضونه ملكًا. المسيح يحدّثنا عن نِيره (متى ١١: ٢٩). الخطاة يودّون أن يضع المسيح تاجًا على رؤوسهم، لا نِيرًا على أعناقهم. عجيبٌ ملكٌ يحكم بلا شرائع.

(٤) نحب صورة الله، نحب مثاله المتلألئ في القديسين. «وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضًا» (١ يوحنا ٥: ١). قد يمكن أن يحب المرء قديسًا، ومع ذلك لا يحبه كقديس؛ فقد نحبه لأمرٍ آخر، لكياسته، أو لأنه لطيفٌ سخيّ. الوحش يحب الإنسان، لكن لا كإنسان، بل لأنه يُطعمه ويقدّم له العلف. أما أن نحب قديسًا لكونه قديسًا، فهذه علامة محبةٍ لله. إن أحببنا قديسًا لقداسته، إذ فيه شيءٌ من الله، فإننا نحبه في هذه الأحوال الأربعة.

(أ) نحب القديس، وإن كان فقيرًا. من يحب الذهب يحب قطعة ذهبٍ، وإن كانت في خرقة: هكذا، وإن كان القديس في أطمار، نحبه، لأن فيه شيئًا من المسيح.

(ب) نحب القديس، وإن كانت له زلّاتٌ شخصيةٌ كثيرة. لا كمال هنا. في بعضهم يسود الغضب المتسرّع؛ وفي بعضهم التقلّب؛ وفي بعضهم فرطُ محبة العالم. القديس في هذه الحياة كالذهب في الخام، يلتصق به خبثٌ كثيرٌ من الضعف، ومع ذلك نحبه للنعمة التي فيه. القديس كوجهٍ جميلٍ فيه ندبة: نحب وجه القداسة الجميل، وإن كانت فيه ندبة. أنفسُ الزمرّد به عيوبه، وأسطعُ النجوم لها تلألؤها المتذبذب، وأفضل القديسين لهم زلّاتهم. أنت الذي لا تقدر أن تحب آخر بسبب ضعفاته، فكيف تريد الله أن يحبك؟

(ج) نحب القديسين وإن اختلفوا عنا في بعض الأمور الأقل شأنًا. ربما لم يكن لمسيحيٍّ آخر من النور ما لك، فيجعله ذلك يخطئ في بعض الأشياء؛ أفتنزع عنه القداسة فورًا لأنه لا يقدر أن يبلغ نورك؟ حيث تكون وحدةٌ في الأصول، ينبغي أن تكون وحدةٌ في العواطف.

(د) نحب القديسين، وإن كانوا مضطهَدين. نحب المعدن الثمين، وإن كان في الأتون. بولس القديس كان يحمل في جسده سماتِ الرب يسوع (غلاطية ٦: ١٧). وتلك السمات كانت، كندوب الجنديّ، مشرِّفة. علينا أن نحب القديس في القيود كما في الأرجوان. إن كنا نحب المسيح، فإننا نحب أعضاءه المضطهَدين.

إن كانت هذه محبةً لله، حين نحب مثاله المتلألئ في القديسين، فآهِ، ما أقلَّ محبّي الله الذين يُوجَدون! أيحبون الله وهم يبغضون من يشبهون الله؟ أيحبون شخص المسيح وهم مملوؤون روح الانتقام من شعبه؟ كيف يُقال إن تلك الزوجة تحب زوجها وهي تمزّق صورته؟ حقًّا إن يهوذا ويوليانوس لم يموتا بعد، بل روحهما لا يزال حيًّا في العالم. مَن المُدانون سوى الأبرياء! وأيّةُ جريمةٍ أعظم من القداسة، إن كان الشيطان يجوز أن يكون في هيئة المحلّفين الكبرى! الأشرار يبدون كأنهم يحملون احترامًا عظيمًا للقديسين الراقدين؛ يقدّسون القديسين الأموات، لكنهم يضطهدون الأحياء. باطلًا يقف الناس عند قانون الإيمان، ويخبرون العالم أنهم يؤمنون بالله، بينما يمقتون أحد بنود القانون، أي شركة القديسين. حقًّا، ليس ثمة علامةٌ على أن الإنسان قد نضج للجحيم أعظمَ من هذه: لا أن يُعوزه النعمة فحسب، بل أن يبغضها.

١٠. وعلامةٌ مباركةٌ أخرى للمحبة هي أن نُحسِن الظنّ بالله. من يحب صديقه يفسّر ما يفعله صديقه بأحسن معنى. «المحبة لا تظنّ السوء» (١ كورنثوس ١٣: ٥). الحقد يفسّر كل شيءٍ بأسوأ معنى؛ والمحبة تفسّر كل شيءٍ بأحسن معنى. إنها مفسِّرةٌ بارعةٌ للعناية الإلهية؛ فهي لا تظنّ السوء. من يحب الله يُحسِن الظنّ بالله؛ وإن أدّبه بقسوة، تقبّلت النفس كل ذلك بخير. هذه لغة الروح المُنعَم عليها: «إلهي يرى كم لي من قلبٍ قاسٍ، لذلك يدقّ إسفينًا من الضيق تلو إسفين، ليكسر قلبي. هو يعلم كم أنا مملوءٌ أخلاطًا رديئة، كم أنا مريضٌ بذات الجنب، لذلك يفصد دمي لينقذ حياتي. هذا التدبير الصارم إما لإماتة فسادٍ ما، أو لتمرين نعمةٍ ما. ما أصلح الله، إذ لا يتركني وشأني في خطاياي، بل يضرب جسدي لينقذ نفسي!» هكذا من يحب الله يأخذ كل شيءٍ على أحسن محمل. المحبة تُلبِس كل أعمال الله تفسيرًا حسنًا. أنت الذي تميل إلى التذمّر على الله، كأنه أساء معاملتك، اتّضع لأجل هذا؛ وقل هكذا في نفسك: «لو أحببتُ الله أكثر، لكانت لي عنه أفكارٌ أحسن.» إنما الشيطان يجعلنا نُحسِن الظنّ بأنفسنا، ونُسيء الظنّ بالله. المحبة تأخذ كل شيءٍ على أجمل معنى؛ فهي لا تظنّ السوء.

١١. وثمرةٌ أخرى للمحبة هي الطاعة.” «الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني» (يوحنا ١٤: ٢١). باطلٌ أن نقول إننا نحب شخص المسيح، إن استخففنا بوصاياه. أيحب ذاك الابن أباه وهو يأبى أن يطيعه؟ إن كنا نحب الله، فسنطيعه في تلك الأمور التي تناقض اللحم والدم. (١) في الأمور الصعبة، و(٢) في الأمور الخطِرة.

(١) في الأمور الصعبة. كإماتة الخطية. فهناك خطايا ليست فقط قريبةً منا كالثوب، بل عزيزةً علينا كالعين. إن كنا نحب الله، فسنقف ضدها، قصدًا وممارسةً. وأيضًا، في مغفرتنا لأعدائنا. الله يأمرنا، تحت طائلة الموت، أن نغفر. «متسامحين بعضكم بعضًا» (أفسس ٤: ٣٢). هذا صعب؛ إنه سباحةٌ ضد التيار. نحن ميّالون إلى نسيان الإحسانات وتذكّر الإساءات؛ لكن إن كنا نحب الله، فسنصفح عن الإساءات. حين نتأمّل بجدّية كم وزنةٍ غفرها الله لنا، وكم إهانةٍ واستفزازٍ احتمله من أيدينا؛ يحملنا هذا على أن ننسخ على مثاله، ونجتهد أن ندفن الإساءة أحرى من أن نجازي عليها.

(٢) في الأمور الخطِرة. حين يدعونا الله أن نتألم لأجله، سنطيع. المحبة جعلت المسيح يتألم لأجلنا، المحبة كانت السلسلة التي شدّته إلى الصليب؛ هكذا، إن كنا نحب الله، فسنكون مستعدين أن نتألم لأجله. للمحبة خاصيةٌ عجيبة، فهي أقلُّ النِّعم احتمالًا للألم، ومع ذلك هي أكثرها احتمالًا للألم. هي أقلّ النعم احتمالًا بمعنًى: فهي لا تحتمل أن تظلّ خطيةٌ معروفةٌ في النفس بلا توبةٍ عنها، ولا تحتمل الإساءات والمهانات المُلحَقة بالله؛ فبهذا هي أقلّ النعم احتمالًا. ومع ذلك هي أكثرها احتمالًا؛ فهي تحتمل التعييرات والقيود والسجون، لأجل المسيح. «لأني مستعدٌّ ليس أن أُربَط فقط بل أن أموت أيضًا لأجل اسم الرب يسوع» (أعمال ٢١: ١٣). صحيحٌ أن ليس كل مسيحيٍّ شهيدًا، لكن فيه روح الاستشهاد. يقول كما قال بولس: «أنا مستعدٌّ أن أُربَط»؛ فيه استعدادُ نفسٍ للتألم، إن دعا الله. المحبة تحمل الناس فوق قوّتهم الذاتية. يلاحظ ترتليان كم احتمل الوثنيون حبًّا لأوطانهم. فإن كان نبع الطبيعة يرتفع بهذا العلوّ، فحتمًا النعمة ترتفع أعلى. إن كانت محبة الوطن تجعل الناس يتألمون، فبالأحرى محبة المسيح. «المحبة تحتمل كل شيء» (١ كورنثوس ١٣: ٧). يتحدّث باسيليوس عن عذراء حُكِم عليها بالنار، عُرِض عليها حياتها ومالها إن سجدت للوثن، فأجابت: «فلتذهب الحياة والمال، أهلًا بالمسيح.» وكانت كلمةً نبيلةً غيورةً لإغناطيوس: «دعوني أُطحَن بأسنان الوحوش، إن كنتُ أصير حنطة الله النقيّة.» كيف حملت المحبة الإلهية قديسي الصدر الأول فوق محبة الحياة وخوف الموت! استفانوس القديس رُجِم، ولوقا القديس عُلِّق على شجرة زيتون، وبطرس القديس صُلِب في أورشليم منكوس الرأس. هؤلاء الأبطال الإلهيون كانوا مستعدين أن يتألموا، أحرى من أن يجعلوا اسم الله يتألم بجُبنهم. كم ثمّن بولس القديس قيده الذي حمله لأجل المسيح! افتخر به، كامرأةٍ تزهو بجواهرها، يقول ذهبيّ الفم. وإغناطيوس القديس لبس أغلاله كسوارٍ من الماس. «ولم يقبلوا النجاة» (عبرانيين ١١: ٣٥). أبَوا أن يخرجوا من السجن بشروطٍ خاطئة، فآثروا براءتهم على حريّتهم.

بهذا فلنمتحن محبتنا لله. أفينا روح الاستشهاد؟ كثيرون يقولون إنهم يحبون الله، لكن كيف يظهر ذلك؟ لا يتخلّون عن أدنى راحةٍ، ولا يحتملون أدنى صليبٍ لأجله. لو أن يسوع المسيح قال لنا: «إني أحبكم جدًّا، أنتم أعزّاء عليّ، لكني لا أقدر أن أتألم، لا أقدر أن أبذل حياتي لأجلكم»، لكنّا شكّكنا كثيرًا في محبته؛ أفلا يجوز للمسيح أن يرتاب فينا، حين ندّعي محبته، ومع ذلك لا نحتمل شيئًا لأجله؟

١٢. من يحب الله يجتهد أن يجعله يبدو مجيدًا في عيون الآخرين. الذين في المحبة يمدحون ويُظهِرون حُسنَ من يحبونهم. إن كنا نحب الله، فسننشر محاسنه، لكي نرفع صيته وتقديره، ونستميل آخرين إلى أن يقعوا في محبته. المحبة لا تقدر أن تصمت؛ سنكون كأبواقٍ كثيرة، تصدح بمجّانيّة نعمة الله، وسموّ محبته، ومجد ملكوته. المحبة كالنار: حيث تشتعل في القلب، تندلع عند الشفتين. ستكون بليغةً في إظهار تسبيح الله؛ فالمحبة لا بد لها من متنفَّس.

١٣. وثمرةٌ أخرى للمحبة هي أن نشتاق إلى ظهور المسيح.” «وأخيرًا قد وُضِع لي إكليل البرّ، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره» (٢ تيموثاوس ٤: ٨). المحبة تشتهي الاتحاد؛ ويعطي أرسطو السبب، لأن الفرح يفيض عند الاتحاد. حين يكتمل اتحادنا بالمسيح في المجد، حينئذٍ يكتمل فرحنا. من يحب المسيح يحب ظهوره. ظهور المسيح سيكون ظهورًا سعيدًا للقديسين. ظهوره الآن معزٍّ جدًّا، حين يظهر لأجلنا شفيعًا (عبرانيين ٩: ٢٤). لكن الظهور الآخر سيكون أعظم من ذلك إلى ما لا نهاية، حين يظهر لأجلنا عريسًا. في ذلك اليوم سيهبنا جوهرتين. محبته؛ محبةٌ عظيمةٌ مذهلةٌ حتى إنها تُحَسّ خيرًا مما تُوصَف. وشِبهه. «إذا أُظهِر نكون مثله» (١ يوحنا ٣: ٢). ومن هاتين، المحبة والشِّبه، سيتدفّق فرحٌ لا نهائيّ إلى النفس. فلا عجب إذًا أن من يحب المسيح يشتاق إلى ظهوره. «والروح والعروس يقولان تعالَ؛ آمين تعالَ أيها الرب يسوع» (رؤيا ٢٢: ١٧، ٢٠). بهذا فلنمتحن محبتنا للمسيح. الشرير الذي أدان نفسه يخاف من ظهور المسيح، ويتمنّى لو لا يظهر أبدًا؛ أما الذين يحبون المسيح، فيفرحون إذ يفكّرون في مجيئه في السحاب. حينئذٍ يتحرّرون من كل خطاياهم ومخاوفهم، ويتبرّرون أمام الناس والملائكة، ويُنقَلون إلى الأبد إلى فردوس الله.

١٤. المحبة تجعلنا ننحني إلى أحقر الخدمات. المحبة نعمةٌ متواضعة، لا تتبختر في أُبّهة، بل تزحف على يديها، تنحني وتخضع لأي شيءٍ تكون به نافعةً للمسيح. كما نرى في يوسف الرامي ونيقوديموس، وكلاهما شخصان جليلان، ومع ذلك أنزل أحدهما جسد المسيح بيديه، وطيّبه الآخر بأطيابٍ عطرة. قد يبدو أمرًا كبيرًا على شخصين برتبتهما أن يُستخدَما في تلك الخدمة، لكن المحبة جعلتهما يفعلانها. إن كنا نحب الله، فلن نحسب أي عملٍ أحقرَ من أن نقوم به، ما دمنا به نُعِين أعضاء المسيح. المحبة ليست شديدة التقزّز؛ فهي تعود المريض، تُغيث الفقير، تغسل جراح القديسين. الأم التي تحب طفلها ليست مدلّلةً ولا مترفّعة؛ تفعل لطفلها ما يأنف آخرون أن يفعلوه. من يحب الله يُذلّ نفسه إلى أحقر خدمات المحبة للمسيح وأعضائه.

هذه هي ثمار محبة الله. طوبى للذين يجدون هذه الثمار، الغريبة جدًّا عن طبائعهم، نابتةً في نفوسهم.

المحتويات

كلّ الأشياء للخير Thomas Watson

صفحة 1 / 1 · 17 دقيقة متبقية في الفصل