صورة Thomas Watson

Thomas Watson — السيرة والكتب

1620–1686·1 كتاب

لقد مارستُ خدمتي بينكم الآن ما يقارب ستّ عشرة سنة؛ وإنّي لأفرح وأبارك الله إذ لا أستطيع أن أقول: كلّما ازددتُ لكم محبّةً نقصت محبّتكم لي؛ بل قد نلتُ منكم آياتٍ كثيرةً بيّنةً على المحبّة.
توماس واطسون، عظة الوداع في كنيسة القدّيس إستفانوس بوالبروك (17 أغسطس 1662)
جديد على Thomas Watson؟ ابدأ بـ كلّ الأشياء للخير كل الأعمال · قراءة 2 س 22 د

من الرجال من يُذكرون بما صنعوا؛ أمّا توماس واطسون فيُذكر بما قال. سجلّ حياته نحيل — فنحن لا نعلم على اليقين أين وُلد ولا متى، بل إنّ سنة موته ظلّت زمنًا طويلًا تُخمَّن على غير وجهها. أمّا الذي بقي عوضًا عن ذلك فصوته: دافئٌ موجز، حيٌّ حياةً تكاد تُدهش، صوت واعظٍ يُودع في الجملة الواحدة أكثر ممّا يُودعه أكثر اللاهوتيّين في صفحةٍ كاملة. وبعد ثلاثة قرونٍ ونصف القرن، هو من أوسع البيوريتان جميعًا انتشارًا بين القرّاء، وكلّ ما نحبّه فيه تقريبًا إنّما هو على الورق.

حياةٌ لم يُدوَّن منها إلّا القليل

وُلد واطسون نحو سنة 1620 — والتاريخ تقدير، وموضع مولده غير مؤكّد، وإن كانت يوركشير كثيرًا ما تُذكر. أمّا أبواه وطفولته واهتداؤه فلا نعلم عنها شيئًا البتّة. وليس هذا تقصيرًا من كاتب السيرة، بل هي حال السجلّ؛ فتشارلز سبرجن، الذي حقّق كتب واطسون بعده بمئتَي سنة وفتّش عن التفاصيل، انتهى صراحةً إلى أنّ زمان مولده وزمان موته «لم يُذكرا في أيّ موضع».

ويظهر أوّل ما يظهر في كليّة إيمانويل بكامبردج — مَشتل البيوريتانية الكبير، وهي التي أخرجت، كما لاحظ واحدٌ من معاصريه، من البيوريتان وغير الممتثلين أكثر ممّا أخرجته سبعٌ من الكليّات الأخرى مجتمعةً. نال درجة البكالوريوس سنة 1639 والماجستير سنة 1642، وترك وراءه سمعة الطالب المكدود. وهي سمعة جديرةٌ بأن نقف عندها. فإنّ ما في كتابته المتأخّرة من تكثيفٍ وسلاسة — ذلك الإحساس بأنّه يحدّثك لا يُلقي عليك محاضرة — لم يكن ثمرة ذهنٍ خفيف. بل كان علمًا انتُزع انتزاعًا ثم حُمل في خفّة، وعبريّةً ويونانيّةً وآباءَ كنيسةٍ هُضمت حتى خرجت إنجليزيّةً بسيطة. وأقام حينًا في بيت الليدي ماري فير، أرملة السير هوراس فير، وكان مأوًى معروفًا للتقوى البيوريتانية.

ستّ عشرة سنة في والبروك

في سنة 1646 جاء واطسون إلى كنيسة القدّيس إستفانوس في والبروك، في قلب مدينة لندن، محاضرًا أوّلًا ثم راعيًا. فمكث فيها ما يقارب ستّ عشرة سنة، وكانت الكنيسة لا تكاد تخلو من غاصّيها. وتزوّج نحو سنة 1647 أبيجيل بيدل، ابنة جون بيدل الخادم البيوريتانيّ في إسكس؛ فرُزقا سبعة أولادٍ على الأقلّ في ثلاث عشرة سنة، مات منهم أربعةٌ صغارًا. وقد سُجّلت تلك التفصيلة في جملةٍ واحدة ثم انطبق عليها السجلّ — غير أنّ رجلًا كتب عن الضيق أنّه يعمل للخير بمثل تلك الرقّة كان قد دفن أربعةً من أولاده قبل أن يخطّ في ذلك سطرًا.

كان سامعوه يُثمّنون كرازته. أمّا معاصروه فكانوا — وهذا لافت — يُثمّنون صلاته أكثر. فقد وصفه إدموند كالامي، في سجلّه عن الخدّام المطرودين، بأنّه ذو علمٍ غير قليل وواعظٌ سديد الرأي، ثم أفرد موهبةً واحدةً فوق سائرها: كان «فذًّا في موهبة الصلاة». وساق كالامي حكايةً برهانًا على ذلك.

البرج، وصديقٌ على منصّة الإعدام

كان واطسون مشيخيًّا، وملكيّ الهوى. فاحتجّ على إعدام تشارلز الأوّل، ثم جُرّ سنة 1651 إلى المؤامرة التي قادها كريستوفر لاف لإعادة تشارلز الثاني إلى العرش. فسُجن من أجلها إلى جانب لاف ووليم جنكن. وقُطع رأس لاف. أمّا واطسون فالتمس الرحمة، وأُطلق سراحه في 30 يونيو 1652، ثم أُعيد رسميًّا قسًّا على كنيسة القدّيس إستفانوس.

وتلك من أشدّ مفارقات حياته حدّة. فالرجل الذي خاطر بالسجن في سبيل قضيّة آل ستيوارت، ورأى صديقًا يموت من أجلها، سيُطرد من منبره بعد عشر سنين على يد الملك عينه الذي تألّم ليردّه إلى عرشه.

برثلماوس الأسود

اقتضى قانون التوحيد الصادر سنة 1662 من الخدّام امتثالًا لم يستطع واطسون أن يعطيه، وفي 24 أغسطس — يوم القدّيس برثلماوس — طُرد نحو ألفين منهم من رعاياهم ومعايشهم. ولم يُغنِ ولاؤه عنه شيئًا. وكما قال سبرجن، إنّه احتجّ على إعدام الملك وشارك في مؤامرة لاف لإعادة تشارلز الثاني، «ومع ذلك لم يُجدِ هذا كلّه نفعًا، فقد كان بيوريتانيًّا».

وقد بقيت لنا ثلاثٌ من عظات وداعه، وعظ بها جماعةً كانت تعلم أنّها تفقده. وفي الثانية منها، على نصّ كورنثوس الثانية 7: 1، تكلّم عن ستّ عشرة سنة قضاها بينهم بصراحةٍ لم يبلَ جِدّتها الزمن.

لقد مارستُ خدمتي بينكم الآن ما يقارب ستّ عشرة سنة؛ وإنّي لأفرح وأبارك الله إذ لا أستطيع أن أقول: كلّما ازددتُ لكم محبّةً نقصت محبّتكم لي؛ بل قد نلتُ منكم آياتٍ كثيرةً بيّنةً على المحبّة.

— توماس واطسون، عظة الوداع في كنيسة القدّيس إستفانوس بوالبروك (17 أغسطس 1662)

ولم يشأ أن يَعِدهم بأن يبقى كارزًا لهم، ولا أن يَعِدهم بأن يكفّ: «إنّي أرغب أن أُقاد بالخيط الفضّيّ، خيطِ كلمة الله وعنايته». ولمّا لاحظ ما في نصّ القانون من أنّ المطرودين يُعدّون كأنّهم ماتوا موتًا طبيعيًّا، قال إنّه إن كان لا بدّ أن يموت فسيترك لهم ميراثًا — ثم أعطاهم عشرين وصيّة، وحضّهم أن يكنزوها «كأنّها جواهر كثيرة في خزانة صدوركم». ثم أخبرهم أنّ قوّته قد كادت تنفد.

الكرازة في الأنقاض

ولمّا طُرد، صار واطسون يعظ حيثما أمكنه في أمان — في الحظائر والمطابخ والملاحق، وفي الأودية والغابات، لجماعاتٍ صغيرةٍ غير مشروعة، تحت طائلة الغرامة والسجن. ثم في سنة 1666 التهم الحريق الكبير المدينة، وأتى على كنيسة القدّيس إستفانوس معها. وإذ احترقت كنائس الأبرشيات، هيّأ واطسون وغيره من غير الممتثلين قاعاتٍ واسعةً لكلّ من شاء أن يأتي. وفي الأمر ما يليق: فالرجل الذي أُغلقت كنيسته دونه عاش بعد المبنى، ومضى يعظ في أنقاضه.

وبموجب إعلان التسامح الصادر سنة 1672 رخّص القاعة الكبرى في دار كروسبي بشارع بشوبسجيت، وكان صاحبها، السير جون لانجهام، مناصرًا لقضيّة غير الممتثلين. فوعظ هناك سنين، وشارك من سنة 1675 ستيفن تشارنوك في المنبر حتى مات تشارنوك سنة 1680 — عقلان من أرقى عقول ذلك العصر في رعايةٍ واحدة.

ترياقٌ لأيّام الشدّة

في سنة 1663، وهي السنة التي تلت فقدانه كلّ شيء، نشر الترياق الإلهيّ — المعروف اليوم باسم كلّ الأشياء للخير — وهو شرحٌ لرومية 8: 28. ويحسن أن نتذكّر التوقيت. فليست هذه تعزيةً من موضعٍ مريح؛ بل خادمٌ أُسكت لتوّه يقول لشعبه إنّ العناية التي حطّمت حياته لم تكن خارجةً عن الزمام.

إنّ عدّة موادّ سامّة، إذا جُمعت ومُزجت بحذق الصيدلانيّ، صارت دواءً ناجعًا شافيًا، وعملت معًا لخير المريض. فكذلك عنايات الله كلّها، إذ تُمزَج مزجًا إلهيًّا وتُقدَّس، تعمل معًا لأفضل ما يكون للقدّيسين.

— توماس واطسون، الترياق الإلهيّ (1663)

وهذا هو واطسون كلّه: صورةٌ من صور البيت، مرصودةٌ بدقّة، تحمل من الثقل أكثر ممّا تحمله حُجّة. فهو لا يطلب إليك قطّ أن تتظاهر بأنّ الموادّ ليست سُمًّا. بل أن تثق بالصيدلانيّ.

الله يُحلّي الألم الخارجيّ بسلامٍ داخليّ. … وبعد الحبّة المرّة يعطي الله السكّر. وقد كان لبولس تسابيحه في السجن. إنّ لعصا الله عسلًا في طرفها.

— توماس واطسون، الترياق الإلهيّ (1663)

أمّا في الصلاة — وهي الموهبة التي لاحظها فيه معاصروه — فكان محسوسًا ملموسًا كذلك. فهي عنده «مفتاحٌ يفتح خزانة مراحم الله»؛ وهي «بندقيّة المسيحيّ التي يُطلقها على أعدائه»؛ وهي «الدواء الشافي للنفس». وأبسط من ذلك كلّه قوله: «الصلاة تُبقي القلب مفتوحًا لله، مغلقًا دون الخطية».

بارنستن

ثم خارت صحّته في آخر الأمر، فاعتزل إلى بارنستن في إسكس، وهي بلد أهل زوجته ومنشؤهم. وهناك مات فجأةً سنة 1686، ودُفن في 28 يوليو في قبر جون بيدل، حَميه.

الحياة الطويلة بعد الموت

لم يظهر أعظم أعمال واطسون إلّا بعد موته: مجموع اللاهوت العمليّ، وهو مئةٌ وستٌّ وسبعون عظةً على التعليم المسيحيّ الوستمنستريّ المختصر، نُشر سنة 1692 بتزكية خمسةٍ وعشرين من كبار الخدّام. فصار لاهوت العامّة، ظلّ أجيالًا يوجد في أكواخ الفلّاحين الإسكتلنديّين — سِفرًا ضخمًا علّم غير المتعلّمين أن يفكّروا.

وقد بلغ أثره أبعد ممّا كان له أن يعلم. فيروي فيليب دودريدج أنّه في يوليو 1719 فتح جنديٌّ شابٌّ فاسد السيرة اسمه جيمس جاردنر — يقتل ساعةً قبل موعدٍ آثمٍ في منتصف الليل — لاهيًا كتابًا دسّته أمّه في متاعه: فإذا هو كتاب واطسون الجنديّ المسيحيّ، أو السماء تُؤخذ عنوةً. أمّا الذي رواه جاردنر بعد ذلك — وميضُ نورٍ، ورؤيا المسيح مصلوبًا، وصوتٌ يسأل: «أيّها الخاطئ، أهذا احتملتُه لأجلك، وهذا جزائي منك؟» — فمن شهادة جاردنر لا من سيرة واطسون. لكنّ المطرود، وقد مضى على دفنه ثلاثون سنة، كان لا يزال يعظ.

أمّا سبرجن، الذي بذل في ردّه إلى الناس أكثر من كلّ أحد، فحكم عليه بأنّه «موجزٌ، حيويّ، غنيٌّ بالصور، مُوحٍ»، جامعًا بين «العقيدة السليمة، والاختبار الذي يفحص القلب، والحكمة العمليّة». وقالها عميد كليّته، جورج روجرز، أصرحَ من ذلك: «لا أعرف عملًا فيه من مادّة العظات هذا القدر في مثل هذا الحيّز». فحيث يُنقَّب في أوين وهاو وتشارنوك كما يُنقَّب في المحاجر، يناولك واطسون الحجر منحوتًا.

لا نستطيع أن نخبرك أين وُلد، ولا كيف جاء إلى المسيح، ولا كيف كان شكله لو جلستَ إليه إلى مائدة. فالرجل قد ذهب في أكثره. لكن افتح كلّ الأشياء للخير تجده بتمامه — غير مستعجل، ودودًا، يمدّ يده إلى العسل والعِصيّ والحبوب المرّة، عازمًا على ألّا تقتل نفسك بالهمّ. ومن حياةٍ سُجّل منها هذا النزر، لَرحمةٌ عجيبة أن يبقى أفضل ما فيها.