الكل بالنعمة ·وا أسفاه! لا أقدر أن أفعل شيئًا!

فصل 11 · قراءة 17 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

وا أسفاه! لا أقدر أن أفعل شيئًا!

بعد أن يكون القلب القلِق قد قبل تعليم الكفّارة، وتعلّم الحقيقة العظيمة أن الخلاص هو بالإيمان بالرب يسوع، كثيرًا ما ينزعج انزعاجًا مُرًّا بإحساسٍ بالعجز نحو ما هو صالح. كثيرون يئنّون قائلين: «لا أقدر أن أفعل شيئًا». وهم لا يجعلون هذا عذرًا، بل يشعرون به عبئًا يوميًّا. كانوا يفعلون لو استطاعوا. ويستطيع كلٌّ منهم أن يقول بصدق: «إِنَّ ٱلْإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ ٱلْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ».

يبدو هذا الشعور وكأنه يُبطل الإنجيل كله ويُلغيه؛ فما نفع الطعام لجائعٍ إن لم يقدر أن يبلغه؟ وما جدوى نهر ماء الحياة إن لم يقدر المرء أن يشرب؟ نتذكّر قصة الطبيب وابن المرأة الفقيرة. أخبر الطبيب الحكيم الأمَّ بأن صغيرها سيتحسّن سريعًا تحت العلاج المناسب، لكن كان لا بد قطعًا أن يشرب ابنها بانتظام أجود الخمر، وأن يقضي فترةً في أحد المنتجعات الاستشفائية الألمانية. هذا، لأرملةٍ بالكاد تجد خبزًا تأكله! والآن، يبدو أحيانًا للقلب المضطرب أن الإنجيل البسيط، إنجيل «آمِنْ فتحيا»، ليس في نهاية المطاف بهذه البساطة؛ لأنه يطلب من الخاطئ المسكين أن يفعل ما لا يقدر عليه. أما لمن استيقظ حقًّا، لكنه لم يُعلَّم إلا نصف تعليم، فيبدو أن ثمة حلقةً مفقودة؛ فهناك خلاص يسوع، لكن كيف السبيل إليه؟ إن النفس بلا قوة، ولا تدري ماذا تفعل. إنها ترقد على مرأى من مدينة الملجأ، ولا تقدر أن تدخل بابها.

فهل رُوعي هذا العَوز إلى القوة في خطة الخلاص؟ نعم رُوعي. إن عمل الرب كامل. يبدأ من حيث نحن، ولا يطلب منا شيئًا لإتمامه. حين رأى السامري الصالح المسافر مطروحًا جريحًا نصف ميّت، لم يأمره أن يقوم ويأتي إليه، ويركب الحمار وينطلق إلى الفندق. كلّا، بل «جَاءَ إِلَيْهِ»، واعتنى به، ورفعه على الدابة وحمله إلى الفندق. هكذا يعاملنا الرب يسوع في حالتنا الوضيعة البائسة.

قد رأينا أن الله يبرّر، وأنه يبرّر الفاجر، وأنه يبرّره بالإيمان بدم يسوع الكريم؛ وعلينا الآن أن نرى في أي حالٍ يكون هؤلاء الفجّار حين يُتمّ يسوع خلاصهم. كثيرون ممن استيقظوا لا ينزعجون من جهة خطيتهم فحسب، بل من جهة ضعفهم الأخلاقي أيضًا. ليس لهم قوةٌ ينجون بها من الوحل الذي سقطوا فيه، ولا ليتحاشوا الوقوع فيه في الأيام الآتية. وهم لا ينوحون على ما فعلوه فحسب، بل على ما لا يقدرون أن يفعلوه. يشعرون بأنهم بلا حَولٍ ولا قوة، عاجزون، وأمواتٌ روحيًّا. قد يبدو غريبًا أن يُقال إنهم يشعرون بأنهم أموات، ومع ذلك فالأمر كذلك. إنهم، في نظر أنفسهم، عاجزون عن كل خير. لا يقدرون أن يسلكوا الطريق إلى السماء، لأن عظامهم مهشَّمة. «لَمْ يَجِدْ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي ٱلْبَأْسِ يَدَيْهِ»؛ بل هم في الحقيقة «بِلَا قُوَّةٍ». ولحسن الحظ، قد كُتب، إظهارًا لمحبة الله لنا:

إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ (رومية ٥: ٦).

هنا نرى العجزَ المُدرَك مُغاثًا — مُغاثًا بتدخُّل الرب يسوع. إن عجزنا بالغ الحد. لم يُكتب: «إذ كنا ضعفاء نسبيًّا مات المسيح لأجلنا»؛ ولا: «إذ كان لنا شيءٌ يسير من القوة»؛ بل الوصف مطلقٌ غير مقيَّد: «إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ». لم يكن لنا أي قوةٍ البتّة تعين في خلاصنا؛ وكانت كلمات ربنا صادقةً كل الصدق: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا». بل قد أتجاوز النص، فأذكّرك بالمحبة العظيمة التي أحبنا بها الرب، «وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِٱلذُّنُوبِ وَٱلْخَطَايَا». وأن يكون المرء ميتًا فذلك أكثر من أن يكون بلا قوة.

إن الشيء الوحيد الذي على الخاطئ المسكين الذي لا قوة له أن يثبّت ذهنه عليه، ويتمسّك به بثبات، بصفته أساس رجائه الأوحد، هو التأكيد الإلهي بأنه «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». آمن بهذا، فيتلاشى كل عجز. وكما يُروى في الأسطورة عن ميداس أنه كان يحوّل كل شيءٍ إلى ذهبٍ بلمسته، هكذا يصحّ في الإيمان أنه يحوّل كل ما يلمسه إلى خير. حتى احتياجاتنا وضعفاتنا تصير بركاتٍ حين يتناولها الإيمان.

لنتأمّل في صورٍ معيّنة من هذا العَوز إلى القوة. بدايةً، سيقول أحدهم: «يا سيدي، يبدو أنني لا أملك قوةً لأجمع أفكاري، وأثبّتها على تلك الموضوعات الجليلة التي تخصّ خلاصي؛ حتى صلاةٌ قصيرة تكاد تفوق طاقتي. وذلك جزئيًّا، لعلّه، بسبب ضعفٍ طبيعي، وجزئيًّا لأنني أضررت بنفسي بالخلاعة، وجزئيًّا أيضًا لأنني أُقلق نفسي بهموم العالم، حتى إنني غير قادرٍ على تلك الأفكار السامية اللازمة قبل أن تخلص نفسٌ». هذه صورةٌ شائعة جدًّا من الضعف الخاطئ. لاحظ هذا! أنت بلا قوةٍ في هذه النقطة؛ وكثيرون مثلك. ما كانوا ليقدروا أن يتابعوا سلسلةً من الأفكار المتّصلة ولو كان في ذلك نجاة حياتهم. كثيرٌ من الرجال والنساء المساكين أُميّون غير مدرَّبين، وهؤلاء يجدون التفكير العميق عملًا ثقيلًا جدًّا. وآخرون خفيفون تافهون بطبعهم، حتى إنهم لا يقدرون أن يتتبّعوا مسارًا طويلًا من الحجة والاستدلال أكثر مما يقدرون أن يطيروا. ما كانوا ليبلغوا معرفة أي سرٍّ عميق ولو أنفقوا حياتهم كلها في المحاولة. فلا حاجة بك إذًا إلى اليأس: فإن ما هو لازمٌ للخلاص ليس التفكير المتواصل، بل اتّكالٌ بسيط على يسوع. تمسّك أنت بهذه الحقيقة الواحدة: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». لن تتطلّب منك هذه الحقيقة أي بحثٍ عميق أو استدلالٍ عويص أو حجةٍ مقنعة. ها هي قائمة: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». ثبّت ذهنك على ذلك، واسترح هناك.

فلتستقرّ هذه الحقيقة الواحدة العظيمة النعمويّة المجيدة في روحك حتى تعطّر كل أفكارك، وتجعلك تبتهج وإن كنت بلا قوة، إذ صار الرب يسوع قوتك وترنيمتك، بل صار خلاصك. فبحسب الكتب هي حقيقةٌ مُعلَنة، أن المسيح مات في الوقت المعيّن لأجل الفجّار إذ كانوا بعدُ بلا قوة. لعلّك سمعت هذه الكلمات مئات المرات، ومع ذلك لم تُدرك معناها من قبل قط. أليس فيها عبقٌ منعش؟ لم يمت يسوع لأجل برّنا، بل مات لأجل خطايانا. لم يأتِ ليخلّصنا لأننا كنا نستحق الخلاص، بل لأننا كنا بلا قيمةٍ البتّة، خربين هالكين. لم يأتِ إلى الأرض لأي سببٍ كان فينا، بل لأسبابٍ استمدّها وحدها فقط من أعماق محبته الإلهية. في الوقت المعيّن مات لأجل من يصفهم لا بالأتقياء بل بالفجّار، مطلقًا عليهم أشدّ نعتٍ يأسًا كان بإمكانه أن يختاره. إن كان عقلك ضئيلًا، فأثبِته على هذه الحقيقة، الملائمة لأصغر طاقة، والقادرة أن تُفرِّح أثقل قلب. فلترقد هذه الآية تحت لسانك كلقمةٍ حلوة، حتى تذوب في قلبك وتُكسِب كل أفكارك نكهتها؛ وعندئذٍ لن يهمّ كثيرًا لو كانت تلك الأفكار مبعثرةً كأوراق الخريف. إن أناسًا لم يلمعوا قط في العلم، ولم يُظهروا أدنى أصالةٍ في الفكر، قد قدروا مع ذلك تمامًا أن يقبلوا تعليم الصليب، فخلصوا به. فلماذا لا تفعل أنت؟

وأسمع رجلًا آخر يصرخ: «آهِ يا سيدي، إن عوزي إلى القوة يكمن أساسًا في هذا: أنني لا أقدر أن أتوب توبةً كافية!» يا للفكرة العجيبة التي عند الناس عن ماهيّة التوبة! يتوهّم كثيرون أنه لا بد من ذرف كذا وكذا من الدموع، وإطلاق كذا وكذا من الأنّات، واحتمال قدرٍ كبير من اليأس. من أين جاءت هذه الفكرة غير المعقولة؟ إن عدم الإيمان واليأس خطيتان، ولذلك لا أرى كيف يمكن أن يكونا من مقوّمات التوبة المقبولة؛ ومع ذلك فكثيرون يعدّونهما جزأين لازمين من الاختبار المسيحي الحقيقي. إنهم في ضلالٍ عظيم. ومع ذلك أعرف ما يعنونه، فإني في أيام ظلمتي كنت أشعر بالشعور نفسه. كنت أشتهي أن أتوب، لكني ظننت أني لا أقدر، بينما كنت طوال الوقت تائبًا. ومهما بدا هذا غريبًا، فقد كنت أشعر بأني لا أقدر أن أشعر. كنت أذهب إلى زاويةٍ وأبكي، لأني لم أقدر أن أبكي؛ وأسقط في حزنٍ مرير لأني لم أقدر أن أحزن على الخطية. يا لها من بلبلةٍ حين نبدأ، في حالة عدم إيماننا، نحكم على حالنا! إنه كأعمى ينظر إلى عينيه. لقد ذاب قلبي في داخلي من الخوف، لأني ظننت أن قلبي قاسٍ كحجر الماس. وانكسر قلبي إذ فكّرت أنه لن ينكسر. أما الآن فأرى أني كنت أُظهر الشيء عينه الذي ظننت أني لا أملكه؛ لكني حينئذٍ لم أكن أدري أين أنا.

فيا ليتني أستطيع أن أعين آخرين على الدخول إلى النور الذي أتمتّع به الآن! لَكم أودّ أن أقول كلمةً قد تُقصّر زمن حيرتهم. سأقول بضع كلماتٍ واضحة، وأصلّي إلى «ٱلْمُعَزِّي» أن يُنزلها على القلب.

تذكّر أن الإنسان الذي يتوب حقًّا لا يقنع أبدًا بتوبته هو. فنحن لا نقدر أن نتوب توبةً كاملة أكثر مما نقدر أن نحيا حياةً كاملة. ومهما كانت دموعنا نقية، فسيكون فيها دائمًا شيءٌ من الدنس: سيكون ثمة ما يُتاب عنه حتى في أفضل توبتنا. لكن اسمع! التوبة هي أن تغيّر فكرك في شأن الخطية والمسيح وكل أمور الله العظيمة. وفي هذا حزنٌ مضمَر؛ لكن النقطة الأساسية هي رجوع القلب من الخطية إلى المسيح. فإن وُجد هذا الرجوع، فلك جوهر التوبة الحقيقية، وإن لم يُلقِ فزعٌ ولا يأسٌ ظلّه على ذهنك قط.

إن كنت لا تقدر أن تتوب كما تريد، فمما يعينك على ذلك عونًا عظيمًا أن تؤمن بثباتٍ أنه «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». فكّر في هذا مرةً بعد مرة. كيف يمكنك أن تظلّ قاسي القلب وأنت تعلم أنه من محبةٍ عليا «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ»؟ دعني أُقنعك أن تحاجّ نفسك هكذا: مع أنني فاجرٌ، ومع أن هذا القلب الفولاذي لا يلين، ومع أني ألطم صدري عبثًا، فإنه مع ذلك مات لأجل من هم مثلي، إذ مات لأجل الفجّار. فيا ليتني أؤمن بهذا وأشعر بقوته على قلبي الصوّاني!

امْحُ من نفسك كل فكرٍ آخر، واجلس الساعات الطوال، وتأمّل بعمقٍ في هذا الإظهار الواحد الباهر لمحبةٍ غير مستحَقّة، غير متوقَّعة، لا نظير لها: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». اقرأ بعناية رواية موت الرب، كما تجدها في الأناجيل الأربعة. إن كان ثمة ما يذيب قلبك العنيد، فهو منظر آلام يسوع، والتأمّل في أنه احتمل كل هذا لأجل أعدائه.

يا يسوع! عذبةٌ هي الدموع التي أذرفها، وأنا جاثٍ عند قدميك،

أُحدّق في رأسك الجريح المُغمى عليه، وأشعر بكل أحزانك.

يذوب قلبي إذ أراك تنزف، هذا القلب الذي كان قبلًا قاسيًا جدًّا؛

أسمعك تشفع في المذنبين، فيفيض الحزن أكثر.

لأجل الخطاة مُتَّ أنت، وها أنا خاطئٌ واقف:

أقنعتني عينك المُحتضِرة، وأماتتني يدك المثقوبة.

حقًّا إن الصليب هو تلك العصا الصانعة العجائب التي تقدر أن تُخرج ماءً من صخرة. إن فهمت المعنى الكامل لذبيحة يسوع الإلهية، فلا بد أن تتوب عن كونك قد عاديت يومًا مَن هو مملوءٌ محبةً هكذا. مكتوبٌ: «وَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، ٱلَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ». إن التوبة لن تجعلك ترى المسيح؛ بل رؤية المسيح تمنحك التوبة. لا تقدر أن تصنع مسيحًا من توبتك، بل عليك أن تطلب التوبة من المسيح. إن الروح القدس، إذ يردّنا إلى المسيح، يردّنا عن الخطية. فالتفت إذًا بعيدًا عن الأثر إلى العلة، من توبتك أنت إلى الرب يسوع، المرتفع في العلاء ليمنح التوبة.

وسمعت آخر يقول: «إني أُعذَّب بأفكارٍ مروّعة. حيثما ذهبت تتسلّل إليّ التجاديف. وكثيرًا ما يفرض عليّ في عملي إيحاءٌ فظيع نفسه، بل على فراشي أُفزَع من نومي بهمسات الشرير. لا أستطيع أن أفلت من هذه التجربة المروّعة». يا صديقي، أعرف ما تعنيه، فقد طاردني أنا هذا الذئب. إن الإنسان قد يرجو أن يحارب سربًا من الذباب بسيفٍ بمثل ما يرجو أن يسيطر على أفكاره حين يهيّجها الشيطان. إن النفس المسكينة المُجرَّبة، إذ تهاجمها الإيحاءات الشيطانية، أشبه بمسافرٍ قرأت عنه، أحاط برأسه وأذنيه وجسده كله سربٌ من النحل الغاضب. لم يقدر أن يبعده عنه ولا أن يهرب منه. لسعه في كل مكان وكاد يقتله. لا عجب أن تشعر بأنك بلا قوةٍ لتوقف هذه الأفكار البشعة الكريهة التي يصبّها الشيطان في نفسك؛ ومع ذلك أذكّرك بالآية التي أمامنا: «إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». إن يسوع عرف أين كنا وأين سنكون؛ ورأى أننا لا نقدر أن نغلب رئيس سلطان الهواء؛ وعلم أننا سنتضايق منه كثيرًا؛ لكنه حتى حينئذٍ، إذ رآنا في تلك الحال، مات المسيح لأجل الفجّار. فألقِ مرساة إيمانك على هذا. إن الشيطان نفسه لا يقدر أن يقول لك إنك لست فاجرًا؛ فآمن إذًا بأن يسوع مات حتى لأجل من هم مثلك. تذكّر طريقة مارتن لوثر في قطع رأس الشيطان بسيفه هو. قال الشيطان لمارتن لوثر: «أنت خاطئ». فقال: «نعم، والمسيح مات ليخلّص الخطاة». هكذا ضربه بسيفه هو. اختبئ أنت في هذا الملجأ، والبث فيه: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». إن ثبتَّ على تلك الحقيقة، فإن أفكارك التجديفية التي ليست لك قوةٌ لطردها ستمضي من تلقاء نفسها؛ لأن الشيطان سيرى أنه لا يحقّق غرضًا بمضايقتك بها.

هذه الأفكار، إن كنت تكرهها، ليست منك، بل هي حقن الشيطان، وهو المسؤول عنها لا أنت. إن كنت تجاهدها، فهي ليست لك أكثر مما هي لك شتائم الشغب في الشارع وأكاذيبهم. وبهذه الأفكار يريد الشيطان أن يسوقك إلى اليأس، أو على الأقل أن يمنعك من الثقة بيسوع. إن المرأة المريضة المسكينة لم تقدر أن تأتي إلى يسوع بسبب الزحام، وأنت في حالٍ شبيهة جدًّا، بسبب اندفاع هذه الأفكار المريعة وازدحامها. ومع ذلك مدّت إصبعها، ولمست هُدب ثوب الرب، فشُفيت. فافعل أنت مثلها.

مات يسوع لأجل الذين هم مذنبون بـ«كُلِّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ»، ولذلك أنا واثقٌ أنه لن يرفض الذين هم مأسورون رغمًا عنهم للأفكار الشريرة. ألقِ نفسك عليه، بأفكارك وكل شيء، وانظر أليس هو قادرًا على الخلاص. إنه يقدر أن يُسكت تلك الهمسات المروّعة للشرير، أو يقدر أن يمكّنك من رؤيتها على حقيقتها، فلا تعود تتضايق بها. وبطريقته الخاصة يقدر أن يخلّصك وسيخلّصك، ويمنحك في النهاية سلامًا كاملًا. ثِق به فقط لأجل هذا ولأجل كل شيءٍ آخر.

ومما يُحيّر بأسفٍ تلك الصورة من العجز الكامنة في عوزٍ مفترض إلى القدرة على الإيمان. ولسنا غرباء عن هذه الصرخة:

آهِ لو أستطيع أن أؤمن،
لكان كل شيءٍ يسيرًا؛
أريد لكني لا أقدر؛ يا رب أغِثني،
فعوني لا بد أن يأتي منك.

كثيرون يبقون في الظلمة سنين لأنه ليست لهم قوة، كما يقولون، ليفعلوا ما هو التخلّي عن كل قوة والاتّكاء على قوة آخر، أي الرب يسوع. حقًّا إن هذه المسألة برمّتها، مسألة الإيمان، أمرٌ عجيب جدًّا؛ فالناس لا ينالون عونًا كثيرًا بمحاولتهم أن يؤمنوا. الإيمان لا يأتي بالمحاولة. لو أن شخصًا أدلى بتصريحٍ عن أمرٍ حدث هذا اليوم، لما قلت له إني سأحاول أن أصدّقه. فإن كنت أومن بصدق الرجل الذي روى لي الحادثة وقال إنه رآها، لقبلت التصريح في الحال. وإن كنت لا أحسبه رجلًا صادقًا، فبالطبع لن أصدّقه؛ لكن لن تكون ثمة محاولةٌ في الأمر. والآن، حين يعلن الله أن ثمة خلاصًا في المسيح يسوع، فإما أن أصدّقه في الحال، أو أجعله كاذبًا. وأنت بالتأكيد لن تتردّد في أي الطريقين هو الصواب في هذه الحال. إن شهادة الله لا بد أن تكون صادقة، ونحن مُلزَمون أن نؤمن بيسوع في الحال.

لكن لعلّك كنت تحاول أن تؤمن أكثر مما ينبغي. فالآن لا تطمح إلى أمورٍ عظيمة. اقنع بأن يكون لك إيمانٌ يقدر أن يمسك بيده هذه الحقيقة الواحدة: «إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». لقد بذل حياته لأجل الناس بينما كانوا بعدُ لا يؤمنون به، ولا كانوا قادرين أن يؤمنوا به. مات لأجل الناس، لا كمؤمنين، بل كخطاة. جاء ليجعل هؤلاء الخطاة مؤمنين وقديسين؛ لكنه حين مات لأجلهم نظر إليهم كمن هم بلا قوةٍ البتّة. إن تمسّكت بالحقيقة القائلة إن المسيح مات لأجل الفجّار، وآمنت بها، فإيمانك يخلّصك، ولك أن تذهب بسلام. إن ائتمنت يسوع، الذي مات لأجل الفجّار، على نفسك، فحتى إن لم تقدر أن تؤمن بكل الأشياء، ولا أن تنقل الجبال، ولا أن تعمل أي أعمالٍ عجيبة أخرى، فأنت مع ذلك مخلَّص. ليس الإيمان العظيم هو الذي يخلّص، بل الإيمان الحقيقي؛ والخلاص لا يكمن في الإيمان، بل في المسيح الذي يثق به الإيمان. إن إيمانًا مثل حبة خردل سيأتي بالخلاص. ليست كمية الإيمان، بل صدق الإيمان، هي النقطة التي ينبغي أن تُعتبر. بالتأكيد يقدر الإنسان أن يؤمن بما يعرف أنه صادق؛ وإذ تعرف أن يسوع صادق، فأنت، يا صديقي، تقدر أن تؤمن به.

إن الصليب، الذي هو موضوع الإيمان، هو أيضًا، بقوة الروح القدس، علّته. اجلس وتأمّل المخلِّص المائت حتى ينبثق الإيمان تلقائيًّا في قلبك. ليس مكانٌ كالجلجثة لإنشاء الثقة. إن هواء ذلك التل المقدس يجلب العافية للإيمان المرتجف. وكم من متأمّلٍ هناك قال:

فيما أنظر إليك، جريحًا حزينًا، بلا نَفَسٍ على الشجرة الملعونة،

يا رب، أشعر بقلبي يؤمن أنك تألّمت هكذا لأجلي.

«وا أسفاه!» يصرخ آخر، «إن عوزي إلى القوة يكمن في هذا الاتّجاه: أنني لا أقدر أن أترك خطيتي، وأعلم أني لا أقدر أن أذهب إلى السماء وأحمل خطيتي معي». يسرّني أنك تعلم ذلك، فهو صحيحٌ تمامًا. لا بد أن تُطلَّق من خطيتك، وإلا فلا تقدر أن تتزوّج بالمسيح. تذكّر السؤال الذي ومض في ذهن بنيان الشاب وهو في لهوه على المرج يوم الأحد: «أتريد أن تحتفظ بخطاياك وتذهب إلى الجحيم، أم تترك خطاياك وتذهب إلى السماء؟» فأوقفه ذلك وقوفًا تامًّا. وهو سؤالٌ سيتعيّن على كل إنسانٍ أن يجيب عنه: لأنه لا مضيَّ في الخطية ومضيَّ إلى السماء معًا. هذا لا يكون. لا بد أن تترك الخطية أو تترك الرجاء. أتجيب قائلًا: «نعم، إني راغبٌ كفاية. إن الإرادة حاضرةٌ عندي، وأما أن أفعل الحُسنى فلست أجد. الخطية تسودني، وليست لي قوة». تعالَ إذًا، إن لم تكن لك قوة، فهذا النص لا يزال صادقًا: «إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». أتقدر أن تصدّق ذلك بعد؟ ومهما بدت أمورٌ أخرى تناقضه، أتؤمن به؟ لقد قاله الله، وهو حقيقة؛ فتمسّك به تمسّك المستميت، فرجاؤك الوحيد هناك. آمن بهذا وثِق بيسوع، فستجد سريعًا قوةً تقتل بها خطيتك؛ لكن بمعزلٍ عنه، سيمسكك القويّ المدجَّج بالسلاح عبدًا رقيقًا له إلى الأبد. أما أنا شخصيًّا، فما كنت لأقدر قط أن أغلب فساد نفسي. حاولت فأخفقت. كانت ميولي الشريرة أكثر من أن أطيقها، حتى، إذ آمنت أن المسيح مات لأجلي، ألقيت نفسي المذنبة عليه، فنلت حينئذٍ مبدأً غالبًا به غلبت ذاتي الخاطئة. إن تعليم الصليب يمكن أن يُستخدم لقتل الخطية، كما استخدم المحاربون القدماء سيوفهم الضخمة ذات المقبضين، فحصدوا أعداءهم عند كل ضربة. ليس شيءٌ كالإيمان بصديق الخطاة: إنه يغلب كل شر. إن كان المسيح قد مات لأجلي، فاجرًا كما أنا، بلا قوةٍ كما أنا، فلا أقدر أن أحيا في الخطية بعد، بل عليّ أن أنهض لأحبّ وأخدم من فداني. لا أقدر أن أستهين بالشر الذي قتل أعزّ أصدقائي. لا بد أن أكون قدّيسًا لأجله. فكيف أحيا في الخطية وهو قد مات ليخلّصني منها؟

انظر ما أروع هذا العون لك أنت الذي بلا قوة: أن تعرف وتؤمن أن المسيح مات في الوقت المعيّن لأجل فجّارٍ مثلك. أفهمت الفكرة بعد؟ إنه، على نحوٍ ما، لَعسيرٌ جدًّا على عقولنا المظلمة المتحيّزة غير المؤمنة أن ترى جوهر الإنجيل. أحيانًا ظننت، حين أفرغ من الوعظ، أني قد بيّنت الإنجيل بوضوحٍ حتى إن الأنف في الوجه لا يكون أظهر منه؛ ومع ذلك أدرك أن حتى السامعين الأذكياء أخفقوا في فهم ما عُنِي بقول: «ٱلْتَفِتُوا إِلَيَّ تَخْلُصُوا». عادةً ما يقول المهتدون إنهم لم يعرفوا الإنجيل حتى يومٍ كذا وكذا؛ ومع أنهم سمعوه سنين. إن الإنجيل مجهول، لا لعوزٍ في الشرح، بل لغياب الإعلان الشخصي. وهذا الروح القدس مستعدٌّ أن يعطيه، وسيعطيه للذين يسألونه. ومع ذلك، حين يُعطى، فإن مجمل الحق المُعلَن كله يكمن في هذه الكلمات: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ».

وأسمع آخر يندب نفسه هكذا: «آهِ يا سيدي، إن ضعفي يكمن في هذا: أنني يبدو أني لا أثبت طويلًا على رأيٍ واحد! أسمع الكلمة يوم الأحد، فأتأثّر؛ لكن في أثناء الأسبوع ألتقي رفيقًا شرّيرًا، فتذهب كل مشاعري الصالحة. إن زملائي في العمل لا يؤمنون بشيء، ويقولون أمورًا فظيعة، ولا أعرف كيف أردّ عليهم، فأجد نفسي مطروحًا». أعرف هذا الليّن المطواع جيدًا، وأرتعد عليه؛ لكن في الوقت نفسه، إن كان صادقًا حقًّا، فإن ضعفه يمكن أن تقابله النعمة الإلهية. إن الروح القدس يقدر أن يطرد الروح الشرير، روح الخوف من الناس. ويقدر أن يجعل الجبان شجاعًا. تذكّر يا صديقي المتذبذب المسكين، لا يجوز أن تبقى في هذه الحال. لن يصلح أبدًا أن تكون حقيرًا وضيعًا في عيني نفسك. قِف منتصبًا، وانظر إلى نفسك، وتأمّل: هل قُصِد بك يومًا أن تكون كضفدعٍ تحت المِحراث، خائفًا على حياتك أن تتحرّك أو أن تثبت مكانك؟ ليكن لك رأيك الخاص. ليست هذه مسألةً روحية فحسب، بل مسألة تخصّ الرجولة العادية. إني أفعل أمورًا كثيرة لأُرضي أصدقائي؛ أما أن أذهب إلى الجحيم لإرضائهم فهو أكثر مما أُجازف به. قد يكون حسنًا جدًّا أن أفعل هذا وذاك من أجل حسن العشرة؛ لكن لن يصلح أبدًا أن أخسر صداقة الله لأبقى على وفاقٍ مع الناس. يقول الرجل: «أعلم ذلك، لكن مع علمي به، لا أقدر أن أستجمع الشجاعة. لا أقدر أن أُظهر انتمائي. لا أقدر أن أثبت». حسنًا، لك أنت أيضًا النص عينه أسوقه: «إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». لو كان بطرس هنا، لقال: «إن الرب يسوع مات لأجلي حتى حين كنت مخلوقًا ضعيفًا مسكينًا إلى حدٍّ جعلت الجاريةُ التي تحرس النار تدفعني إلى الكذب، وإلى أن أحلف أني لست أعرف الرب». نعم، مات يسوع لأجل الذين تركوه وهربوا. فأمسك بثباتٍ بهذه الحقيقة: «مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ إِذْ كَانُوا بَعْدُ ضُعَفَاءَ». هذا هو مخرجك من جبنك. اجعل هذا يتغلغل في نفسك: «مات المسيح لأجلي»، فتصير سريعًا مستعدًّا أن تموت لأجله. آمن بذلك، بأنه تألّم في مكانك وبدلًا عنك، وقدّم لأجلك كفّارةً كاملة حقيقية مُرضية. إن آمنت بتلك الحقيقة، فستُضطرّ أن تشعر: «لا أقدر أن أخجل بمن مات لأجلي». إن اقتناعًا تامًّا بأن هذا صحيح سيمنحك شجاعةً لا تعرف الوهن. انظر إلى القديسين في عصر الشهداء. في الأيام الأولى للمسيحية، حين كان هذا الفكر العظيم، فكر محبة المسيح الفائقة، متلألئًا بكل نضارته في الكنيسة، لم يكن الناس مستعدّين للموت فحسب، بل صاروا يطمحون إلى التألّم، حتى إنهم قدّموا أنفسهم بالمئات أمام كراسي قضاء الحكّام، معترفين بالمسيح. ولا أقول إنهم كانوا حكماء في التماس موتٍ قاسٍ؛ لكن ذلك يبرهن قصدي، أن إدراك محبة يسوع يرفع الذهن فوق كل خوفٍ مما يقدر الإنسان أن يفعله بنا. فلماذا لا يُحدث الأثر نفسه فيك؟ فيا ليته يُلهمك الآن عزمًا شجاعًا أن تخرج إلى جانب الرب، وتكون تابعًا له إلى المنتهى!

فليُعِنّا الروح القدس أن نبلغ إلى هذا الحد بالإيمان بالرب يسوع، فيكون كل شيءٍ بخير!

المحتويات

الكل بالنعمة Charles H. Spurgeon

صفحة 1 / 1 · 17 دقيقة متبقية في الفصل