الكل بالنعمة ·لماذا نخلص بالإيمان؟

فصل 10 · قراءة 6 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

لماذا نخلص بالإيمان؟

لماذا اختير الإيمان قناةً للخلاص؟ لا شك أن هذا السؤال كثيرًا ما يُطرح. إن قول: «بِٱلنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ بِٱلْإِيمَانِ» هو بلا ريبٍ تعليم الكتاب المقدس وترتيب الله؛ لكن لماذا هو كذلك؟ لماذا اختير الإيمان دون الرجاء أو المحبة أو الصبر؟

يليق بنا أن نتواضع في الإجابة عن مثل هذا السؤال، فطرق الله ليست تُفهم دائمًا، ولا يُسمح لنا أن نسائلها بتجاسر. وبتواضعٍ نجيب أنه، بقدر ما نستطيع أن نقول، اختير الإيمان قناةً للنعمة لأن في الإيمان تهيّؤًا طبيعيًّا لأن يُستخدم قابِلًا. لنفترض أنني على وشك أن أعطي فقيرًا صدقة: أضعها في يده — لماذا؟ حسنًا، لا يليق أن أضعها في أذنه، أو على قدمه؛ فاليد تبدو مصنوعةً خصّيصًا للأخذ. وهكذا، في بنيتنا العقلية، خُلق الإيمان خصّيصًا ليكون قابِلًا: إنه يد الإنسان، وثمة ملاءمةٌ في قبول النعمة بواسطته.

دعني أضع هذا بمنتهى الوضوح. إن الإيمان الذي يقبل المسيح هو فعلٌ بسيط كبساطة قبول طفلك تفاحةً منك، لأنك تمدّها إليه وتعده بأن تعطيه التفاحة إن جاء إليها. الإيمان والقبول هنا لا يتعلّقان إلا بتفاحة؛ لكنهما يؤلّفان تمامًا الفعل نفسه الذي هو الإيمان المتعلّق بالخلاص الأبدي. فما تكونه يد الطفل للتفاحة، يكونه إيمانك لخلاص المسيح الكامل. إن يد الطفل لا تصنع التفاحة، ولا تحسّنها، ولا تستحقها؛ إنها فقط تأخذها؛ والإيمان اختاره الله ليكون قابِل الخلاص، لأنه لا يدّعي أنه يخلق الخلاص، ولا أنه يعين فيه، بل يقنع بأن يقبله بتواضع. «الإيمان هو اللسان الذي يستعطي الغفران، واليد التي تقبله، والعين التي تراه؛ لكنه ليس الثمن الذي يشتريه». إن الإيمان لا يجعل نفسه قطّ حجّته الخاصة، بل يسند كل دعواه إلى دم المسيح. ويصير خادمًا صالحًا يحمل غنى الرب يسوع إلى النفس، لأنه يعترف من أين استمدّها، ويُقرّ بأن النعمة وحدها ائتمنته عليها.

ثم إن الإيمان اختير بلا شك لأنه يعطي كل المجد لله. فهو من الإيمان لكي يكون بالنعمة، وهو بالنعمة لكيلا يكون افتخار؛ لأن الله لا يطيق الكبرياء. «أَمَّا ٱلْمُتَكَبِّرُ فَيَعْرِفُهُ مِنْ بَعِيدٍ»، وليست له رغبةٌ في أن يقترب منهم. ولن يعطي الخلاص بطريقةٍ توحي بالكبرياء أو تغذّيها. يقول بولس: «لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلَا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ». والآن، الإيمان يُقصي كل افتخار. فاليد التي تتلقّى الإحسان لا تقول: «ينبغي أن أُشكَر لأنني قبلت العطية»؛ فهذا سخف. وحين تنقل اليد الخبز إلى الفم لا تقول للجسد: «اشكرني، فأنا أطعمك». إنه لأمرٌ بسيط جدًّا ما تفعله اليد، وإن كان ضروريًّا جدًّا؛ وهي لا تنتحل لنفسها مجدًا قط على ما تفعله. وهكذا اختار الله الإيمان ليقبل عطية نعمته التي لا يُنطق بها، لأنه لا يقدر أن ينسب لنفسه أي فضل، بل عليه أن يسجد لله المتحنّن، واهب كل خير. إن الإيمان يضع التاج على الرأس الصحيح، ولذلك اعتاد الرب يسوع أن يضع التاج على رأس الإيمان قائلًا: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، فَٱذْهَبِي بِسَلَامٍ».

ثم إن الله يختار الإيمان قناةً للخلاص لأنه طريقةٌ أكيدة، تربط الإنسان بالله. فحين يأتمن الإنسان الله، يكون بينهما نقطة اتّحاد، وذلك الاتّحاد يضمن البركة. إن الإيمان يخلّصنا لأنه يجعلنا نتشبّث بالله، فيدخلنا في اتّصالٍ به. كثيرًا ما استخدمت المثال التالي، لكن لا بد أن أكرّره، إذ لا أستطيع أن أفكّر في أفضل منه. يُقال لي إنه منذ سنين انقلب قاربٌ فوق شلالات نياغرا، وكان رجلان يُحملان مع التيار، حين تمكّن أناسٌ على الشاطئ من أن يُطلقوا إليهما حبلًا، فأمسك كلاهما به. تمسّك أحدهما به بشدة فسُحب إلى الضفّة سالمًا؛ أما الآخر، فإذ رأى جذعًا كبيرًا يطفو مارًّا، ترك الحبل بغير حكمةٍ وتشبّث بالجذع، لأنه كان الأكبر من الاثنين، وبدا أفضل ما يُتشبّث به. وا أسفاه! مضى الجذع والرجل عليه فوق الهاوية الشاسعة رأسًا، لأنه لم يكن ثمة اتّحادٌ بين الجذع والشاطئ. فلم ينفع حجمُ الجذع من تشبّث به؛ إذ كان يلزمه اتّصالٌ بالشاطئ لينتج الأمان. وهكذا حين يتّكل إنسانٌ على أعماله، أو على الأسرار، أو على أي شيءٍ من هذا القبيل، فلن يخلص، لأنه لا وصلة بينه وبين المسيح؛ أما الإيمان، وإن بدا كحبلٍ رفيع، فهو في يدَي الله العظيم من جهة الشاطئ؛ والقوة اللامتناهية تجذب الخيط الواصل، فتنتشل الإنسان من الهلاك. فيا لَبركة الإيمان، لأنه يوحّدنا بالله!

ويُختار الإيمان أيضًا لأنه يلمس ينابيع الفعل. فحتى في الأمور العادية، إيمانٌ من نوعٍ ما يكمن في أصل كل شيء. وأتساءل: هل أكون مخطئًا إن قلت إننا لا نفعل شيئًا قط إلا بإيمانٍ من نوعٍ ما؟ إن مشيتُ عبر مكتبي فلأنني أصدّق أن ساقيّ ستحملانني. الإنسان يأكل لأنه يؤمن بضرورة الطعام؛ ويذهب إلى عمله لأنه يؤمن بقيمة المال؛ ويقبل شيكًا لأنه يصدّق أن المصرف سيوفّيه. اكتشف كولومبوس أمريكا لأنه آمن بأن ثمة قارّةً أخرى وراء المحيط؛ واستوطنها الآباء الحُجّاج لأنهم آمنوا بأن الله سيكون معهم على تلك الشواطئ الصخرية. إن أعظم الأعمال وُلدت من الإيمان؛ فللخير أو للشر، يصنع الإيمان العجائب على يد من يسكن فيه. الإيمان في صورته الطبيعية قوةٌ غالبة على كل شيء، تدخل في كل ضروب الأفعال البشرية. وربما كان الذي يسخر من الإيمان بالله هو الإنسان الذي له، في صورةٍ شرّيرة، أوفر الإيمان؛ بل هو يقع عادةً في سذاجةٍ لتصديقٍ كانت ستكون مضحكة لو لم تكن مخزية. إن الله يعطي الخلاص للإيمان، لأنه بخلقه الإيمان فينا يلمس بذلك النابض الحقيقي لعواطفنا وأفعالنا. لقد استولى، إن جاز التعبير، على البطارية، فصار الآن قادرًا أن يرسل التيار المقدس إلى كل جزءٍ من طبيعتنا. فحين نؤمن بالمسيح، ويصير القلب في حوزة الله، عندئذٍ نخلص من الخطية، ونُدفع نحو التوبة والقداسة والغيرة والصلاة والتكريس وكل أمرٍ نعمويٍّ آخر. «ما الزيت للعجلات، وما الأثقال للساعة، وما الجناحان للطائر، وما الأشرعة للسفينة، فذلك هو الإيمان لكل الواجبات والخدمات المقدسة». فليكن لك إيمان، وستتبعه كل النعم الأخرى وتظل ماضيةً في مجراها.

ثم إن للإيمان قوة العمل بالمحبة؛ فهو يؤثّر في العواطف نحو الله، ويجذب القلب وراء أفضل الأشياء. ومن يؤمن بالله فسيحبّ الله بلا أدنى شك. الإيمان فعلٌ من أفعال الفهم؛ لكنه ينبع أيضًا من القلب. «بِٱلْقَلْبِ يُؤْمَنُ لِلْبِرِّ»؛ ومن ثمّ يعطي الله الخلاص للإيمان لأنه يقيم بجوار العواطف، وهو قريب النسب من المحبة؛ والمحبة هي أمّ كل شعورٍ وفعلٍ مقدس ومربّيته. محبة الله هي الطاعة، ومحبة الله هي القداسة. وأن تحبّ الله وتحبّ الإنسان فذلك أن تتشبّه بصورة المسيح؛ وهذا هو الخلاص.

وفوق ذلك، يصنع الإيمان سلامًا وفرحًا؛ فمن له الإيمان يستريح، ويهدأ، ويبتهج ويفرح، وهذا إعدادٌ للسماء. إن الله يعطي كل المواهب السماوية للإيمان، لهذا السبب من بين أسبابٍ أخرى: أن الإيمان يعمل فينا الحياة والروح اللتين ستُعلَنان إلى الأبد في العالم الأعلى الأفضل. الإيمان يزوّدنا بسلاحٍ لهذه الحياة، وتربيةٍ للحياة الآتية. وهو يمكّن الإنسان من أن يحيا ويموت بلا خوف؛ ويعدّه للعمل وللتألّم معًا؛ ومن ثمّ يختاره الرب واسطةً بالغة الملاءمة لإيصال النعمة إلينا، وبذلك يحفظنا للمجد.

بالتأكيد يفعل الإيمان لنا ما لا يقدر عليه سواه؛ فهو يعطينا فرحًا وسلامًا، ويجعلنا ندخل إلى الراحة. فلماذا يحاول الناس أن ينالوا الخلاص بوسائل أخرى؟ يقول واعظٌ قديم: «الخادم الأحمق الذي يُؤمَر بأن يفتح بابًا يسند كتفه إليه ويدفع بكل قوته؛ لكن الباب لا يتحرّك، ولا يقدر أن يدخل مهما استخدم من قوة. ويأتي آخر بمفتاح، فيفتح القفل بسهولة، ويدخل في يُسرٍ تام. إن الذين يريدون أن يخلصوا بالأعمال يدفعون باب السماء بلا نتيجة؛ أما الإيمان فهو المفتاح الذي يفتح الباب في الحال». أيها القارئ، أفلا تستخدم ذلك المفتاح؟ إن الرب يأمرك أن تؤمن بابنه الحبيب، ومن ثمّ يجوز لك أن تفعل؛ وإذ تفعل تحيا. أليس هذا وعد الإنجيل: «مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ»؟ (مرقس ١٦: ١٦). فما عساه أن يكون اعتراضك على طريق خلاصٍ يزكّي نفسه بما فيه من رحمة إلهنا المتحنّن وحكمته؟

المحتويات

الكل بالنعمة Charles H. Spurgeon

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل