فصل 8 · قراءة 18 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
محروسون بقوة الله
الكلمات التي أتكلم منها تجدونها في رسالة بطرس الأولى ١: ٥. والأعداد الثالث والرابع والخامس هي: «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي... ولدنا ثانيةً لرجاءٍ حيٍّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات، لميراثٍ لا يفنى... محفوظٌ في السموات لأجلكم، أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمانٍ لخلاص.» وكلمات نصِّي هي: «بقوة الله محروسون بإيمان.»
لدينا هنا حقيقتان عجيبتان مباركتان عن هذا الحفظ الذي به يُحفَظ المؤمن للخلاص. الحقيقة الأولى هي: محروسون بقوة الله؛ والحقيقة الأخرى هي: محروسون بإيمان. علينا أن ننظر إلى الجانبين — إلى جانب الله وقوّته القادرة على كل شيء، المعروضة علينا لتكون حافظتنا كل لحظةٍ من النهار؛ وإلى الجانب البشري، إذ ليس علينا سوى أن ندع الله بالإيمان يقوم بعمل حفظه. لقد وُلِدنا ثانيةً لميراثٍ محفوظٍ في السماء لأجلنا؛ ونحن محروسون هنا على الأرض بقوة الله. فنرى أن هناك حفظًا مزدوجًا — الميراث محفوظٌ لي في السماء، وأنا على الأرض محفوظٌ للميراث هناك.
أما عن الجزء الأول من هذا الحفظ فلا ريب فيه ولا سؤال. الله يحفظ الميراث في السماء حفظًا عجيبًا كاملًا، وهو منتظرٌ هناك في أمان. والله ذاته يحفظني للميراث. هذا ما أريد أن أفهمه.
تعلمون أنه لمن الحماقة أن يتكبَّد الأب عناءً عظيمًا ليُعِدَّ ميراثًا لأولاده ويحفظه لهم، إن لم يحفظهم هم له. فماذا كنت تظنّ في إنسانٍ يقضي كل وقته ويقدِّم كل تضحيةٍ ليكدِّس المال، وإذ يبلغ عشرات الألوف، تسأله لماذا يضحّي بنفسه هكذا، فيكون جوابه: «أريد أن أترك لأولادي ميراثًا كبيرًا، وأنا أحفظه لهم» — ثم لو سمعت أن ذلك الرجل لا يتكبَّد عناءً في تربية أولاده، بل يتركهم يجرون في الشارع سائبين، ويمضون في سُبُل الخطية والجهل والحماقة، فماذا كنت تظنّ فيه؟ ألا تقول: «أيها المسكين! إنه يحفظ ميراثًا لأولاده، لكنه لا يحفظ أولاده ولا يعدّهم للميراث»؟ وما أكثر المسيحيين الذين يظنون: «إن إلهي يحفظ الميراث لي»؛ لكنهم لا يستطيعون أن يصدِّقوا: «إن إلهي يحفظني لذلك الميراث.» إنها القوة ذاتها، والمحبة ذاتها، والإله ذاته يصنع العمل المزدوج.
والآن، أريد أن أتكلم عن عملٍ يعمله الله فينا — حفظنا للميراث. قد قلت إن لدينا حقيقتين بسيطتين جدًّا: إحداهما الجانب الإلهي — نحن محروسون بقوة الله؛ والأخرى الجانب البشري — نحن محروسون بإيمان.
محروسون بقوة الله
انظروا إلى الجانب الإلهي: إن المسيحيين محروسون بقوة الله.
الحفظ يشمل كل شيء
فكِّروا، أولًا، أن هذا الحفظ شاملٌ لكل شيء.
ما الذي يُحفَظ؟ أنتَ تُحفَظ. وكم منك يُحفَظ؟ الكيان كله. أيحفظ الله جزءًا منك دون آخر؟ لا. عند بعض الناس فكرةٌ أن هذا نوعٌ من الحفظ المبهم العامّ، وأن الله سيحفظهم بطريقةٍ تجعلهم حين يموتون يبلغون السماء. لكنهم لا يطبِّقون كلمة «محفوظ» على كل شيءٍ في كيانهم وطبيعتهم. ومع ذلك فهذا ما يريده الله.
ها هي عندي ساعة. لنفترض أن هذه الساعة استعرتها من صديق، فقال لي:
«حين تذهب إلى أوروبا، سأدعك تأخذها معك، لكن احرص أن تحفظها بأمانٍ وتردّها.»
ولنفترض أني أتلفت الساعة، فكُسِرت عقاربها، وشُوِّه وجهها، وأُفسِد بعض تروسها ونوابضها، ورددتها بتلك الحالة، وسلّمتها لصديقي؛ فيقول:
«آه، لكني أعطيتك تلك الساعة على شرط أن تحفظها.»
«ألم أحفظها؟ ها هي الساعة.»
«لكني لم أُرِدك أن تحفظها بذلك المعنى العامّ، حتى تردّ إليّ قوقعة الساعة فقط، أو ما تبقّى منها. توقّعت أن تحفظ كل جزءٍ منها.»
وهكذا لا يريد الله أن يحفظنا بهذا المعنى العامّ، حتى نخلُص في النهاية بطريقةٍ ما كأنما بنار، ونبلغ السماء بالكاد. بل إن قوة الله الحافظة ومحبته تشملان كل تفصيلٍ من كياننا.
ثمة أناسٌ يظنون أن الله يحفظهم في الأمور الروحية، لا في الأمور الزمنية. فهذه، يقولون، خارج نطاقه. والآن، الله يرسلك لتعمل في العالم، لكنه لم يقل: «عليّ الآن أن أتركك لتذهب وتكسب مالك بنفسك، وتحصِّل معيشتك لنفسك.» إنه يعلم أنك لست قادرًا أن تحفظ نفسك. لكن الله يقول: «يا ولدي، ليس من عملٍ عليك أن تعمله، ولا عملٍ تجاريٍّ أنت مشتغلٌ فيه، ولا فلسًا تنفقه، إلا وأنا أبوك آخذه في حفظي.» فالله لا يهتم بالروحي فحسب، بل بالزمني أيضًا. إن القسم الأكبر من حياة كثيرين لا بدَّ أن يُقضى، أحيانًا ثماني أو تسع أو عشر ساعاتٍ في اليوم، وسط تجارب العمل ومشتّتاته؛ لكن الله سيعتني بك هناك. إن حفظ الله يشمل كل شيء.
وهناك آخرون يظنون: «آه! في وقت التجربة يحفظني الله، لكن في أوقات الرخاء لا أحتاج إلى حفظه؛ فحينئذٍ أنساه وأتركه يمضي.» وآخرون، على العكس تمامًا، يظنون: «في وقت الرخاء، حين تكون الأمور سلسةً هادئة، أقدر أن أتشبَّث بالله، لكن حين تأتي التجارب الثقيلة، تتمرّد مشيئتي بطريقةٍ ما، فلا يحفظني الله حينئذٍ.»
والآن، أحمل إليكم الرسالة أنه في الرخاء كما في الضيق، في نور الشمس كما في الظلمة، إلهكم مستعدٌّ أن يحفظكم طوال الوقت.
ثم إن آخرين يفكرون في هذا الحفظ هكذا: «سيحفظني الله من ارتكاب الشرّ العظيم، لكن هناك خطايا صغيرةٌ لا أنتظر من الله أن يحفظني منها. هناك خطية الانفعال. لا أنتظر من الله أن يقهرها.»
حين تسمع عن رجلٍ جُرِّب فضلَّ أو سقط في السُّكر أو القتل، تشكر الله على قوّته الحافظة.
«كان يمكن أن أفعل مثل ذلك الرجل،» تقول، «لولا أن الله حفظني.» وأنت تصدِّق أنه حفظك من السُّكر والقتل.
فلماذا لا تصدِّق أن الله يقدر أن يحفظك من نوبات الانفعال؟ لقد ظننت أن هذا أقلّ أهمية؛ ونسيت أن الوصية العظمى في العهد الجديد هي: «أحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا» (يو ١٣: ٣٤). وحين برز انفعالك وحكمك المتسرِّع وكلماتك الحادّة، أخطأت إلى أعلى ناموس — ناموس محبة الله. ومع ذلك تقول: «الله لن، الله لا يقدر» — لا، لن تقول الله لا يقدر؛ بل تقول: «الله لا يحفظني من ذلك.» وربما تقول: «هو يقدر؛ لكن فيّ شيئًا لا يبلغ ذلك، والله لا ينزعه.»
أريد أن أسألك: أيمكن للمؤمنين أن يحيوا حياةً أقدس مما يُحيا عمومًا؟ أيمكن للمؤمنين أن يختبروا قوة الله الحافظة طوال النهار، فتحفظهم من الخطية؟ أيمكن حفظ المؤمنين في شركةٍ مع الله؟ وأحمل إليكم رسالةً من كلمة الله، بهذه الكلمات: محروسون بقوة الله. ليس فيها أيّ قيدٍ مخصِّص. ومعناها أنك إن ائتمنت نفسك كليًّا ومطلقًا على قدرة الله على كل شيء، فإنه يُسَرُّ أن يحفظك.
يظنّ بعض الناس أنهم لا يمكن أن يبلغوا قط أن تكون كل كلمةٍ من أفواههم لمجد الله. لكن هذا ما يريده الله منهم، وما يتوقعه منهم. الله مستعدٌّ أن يجعل حارسًا على باب أفواههم، وإن فعل الله ذلك، أفلا يقدر أن يحفظ لسانهم وشفاههم؟ إنه يقدر؛ وهذا ما سيصنعه الله للذين يثقون به. إن حفظ الله شاملٌ لكل شيء، فليفكّر كل من يشتاق أن يحيا حياةً مقدسة في كل احتياجاته، وكل ضعفاته، وكل تقصيراته، وكل خطاياه، وليقل بتروٍّ: «أثمّة خطيةٌ لا يقدر إلهي أن يحفظني منها؟» وسيكون على القلب أن يجيب: «لا؛ الله يقدر أن يحفظني من كل خطية.»
الحفظ يتطلب قوة
ثانيًا، إن أردت أن تفهم هذا الحفظ، فتذكَّر أنه ليس حفظًا شاملًا لكل شيءٍ فحسب، بل حفظٌ قدير.
أريد أن تُطبَع هذه الحقيقة في نفسي طبعًا كالنار؛ أريد أن أعبد الله حتى يمتلئ قلبي كله بفكر قدرته على كل شيء. الله قادرٌ على كل شيء، والإله القدير يعرض ذاته ليعمل في قلبي، ليصنع عمل حفظي؛ وأريد أن أرتبط بالقدرة على كل شيء، أو بالأحرى أن أرتبط بالقادر على كل شيء، بالإله الحيّ، وأن يكون لي موضعي في راحة يده. اقرأ المزامير، وتأمل الأفكار العجيبة في كثيرٍ من العبارات التي يستخدمها داود؛ كقوله مثلًا عن الله إنه إلهنا، وحصننا، وملجأنا، وبرجنا الحصين، وقوّتنا وخلاصنا. كان لداود رؤًى عجيبةٌ جدًّا لكيف أن الإله الأزلي هو نفسه مخبأ النفس المؤمنة، وكيف أنه يأخذ المؤمن ويحفظه في راحة يده عينها، وفي سرّ مظلّته، تحت ظلّ جناحيه، تحت ريشه بالذات. وهناك عاش داود. وآه، نحن أبناء يوم الخمسين، نحن الذين عرفنا المسيح ودمه والروح القدس المُرسَل من السماء، لماذا نعرف القليل جدًّا عمّا هو أن نسلك بارتعادٍ خطوةً فخطوةً مع الإله القدير حافظًا لنا؟
هل فكّرت قط أن في كل فعلٍ من أفعال النعمة في قلبك قدرة الله كلها على كل شيءٍ مشغولةٌ في مباركتك؟ حين آتي إلى إنسانٍ فيهبني عطية مال، آخذها وأمضي بها. لقد أعطاني شيئًا من ماله؛ والباقي يحفظه لنفسه. لكن ليست هذه هي طريقة قوة الله. لا يستطيع الله أن يتخلى عن شيءٍ من قوّته الخاصة، ولذلك لا أقدر أن أختبر قوة الله وصلاحه إلا بمقدار ما أكون في اتصالٍ وشركةٍ معه هو ذاته؛ وحين أدخل في اتصالٍ وشركةٍ معه هو ذاته، أدخل في اتصالٍ وشركةٍ مع قدرة الله كلها على كل شيء، ويكون لي قدرة الله على كل شيءٍ لتعينني كل يوم.
ربما يكون لابنٍ أبٌ غنيٌّ جدًّا، وإذ يوشك الابن أن يبدأ عملًا تجاريًّا يقول الأب: «يمكنك أن تأخذ من المال ما تشاء لمشروعك.» فكل ما للأب موضوعٌ تحت تصرف الابن. وهكذا هي طريقة الله، إلهك القدير. بالكاد تستطيع أن تستوعب ذلك؛ تشعر بأنك دودةٌ صغيرةٌ إلى هذا الحدّ. قدرته على كل شيءٍ مطلوبةٌ لحفظ دودةٍ صغيرة! نعم، قدرته على كل شيءٍ مطلوبةٌ لحفظ كل دودةٍ صغيرةٍ تعيش في التراب، وأيضًا لحفظ الكون؛ ولذلك فقدرته على كل شيءٍ أشدّ لزومًا في حفظ نفسك ونفسي من سلطان الخطية.
آه، إن أردت أن تنمو في النعمة، فتعلَّم أن تبدأ من هنا. في كل أحكامك وتأملاتك وأفكارك وأعمالك وتساؤلاتك ودراساتك وصلواتك، تعلَّم أن تكون محفوظًا بإلهك القدير. ماذا لن يصنعه الله القدير للولد الذي يثق به؟ يقول الكتاب: «فوق كل ما نطلب أو نفتكر» (أف ٣: ٢٠). إنها القدرة على كل شيءٍ التي يجب أن تتعلم أن تعرفها وتثق بها، وحينئذٍ ستحيا كما ينبغي للمسيحي أن يحيا. كم تعلَّمنا قليلًا أن ندرس الله، وأن نفهم أن الحياة التقوية هي حياةٌ مملوءةٌ بالله، حياةٌ تحب الله وتنتظره وتثق به وتدعه يباركها! لا نقدر أن نصنع مشيئة الله إلا بقوة الله. يعطينا الله أول اختبارٍ لقوّته ليعدَّنا لنشتاق إلى المزيد، ونأتي لنطالب بكل ما يقدر أن يصنعه. ليعنّا الله على أن نثق به كل يوم.
الحفظ مستمرّ
فكرةٌ أخرى. هذا الحفظ ليس شاملًا لكل شيءٍ وقديرًا فحسب، بل هو أيضًا مستمرٌّ لا ينقطع.
يقول الناس أحيانًا: «حفظني الله أسبوعًا أو شهرًا حفظًا عجيبًا جدًّا: عشت في نور وجهه، ولا أستطيع أن أصف ما نلته من فرحٍ في الشركة معه. لقد باركني في عملي لأجل الآخرين. أعطاني نفوسًا، وشعرت أحيانًا كأني محمولٌ إلى السماء على جناحي نسر. لكنه لم يدُم. كان أعظم من أن يدوم؛ ما كان يمكن أن يستمرّ.» ويقول بعضهم: «كان لا بدَّ أن أسقط لأبقى متواضعًا.» ويقول آخرون: «أعرف أنه كان خطئي أنا؛ لكن لا يمكن للمرء أن يحيا دائمًا في الأعالي.»
آه أيها الأحباء، لماذا هذا؟ أيمكن أن يكون ثمة سببٌ يمنع حفظ الله من أن يكون مستمرًّا لا ينقطع؟ فكِّروا فقط. كل حياةٍ هي في استمرارٍ لا ينقطع. لو توقفت حياتي نصف ساعةٍ لكنت ميتًا، ولذهبت حياتي. الحياة أمرٌ مستمرّ، وحياة الله هي حياة كنيسته، وحياة الله هي قوّته القادرة على كل شيءٍ العاملة فينا. والله يأتي إلينا بصفته القادر على كل شيء، ودون أيّ شرطٍ يعرض أن يكون حافظي، وحفظه يعني أنه يومًا فيومًا، ولحظةً فلحظةً، سيحفظنا الله.
لو سألتك: «أتظنّ أن الله قادرٌ أن يحفظك يومًا واحدًا من التعدّي الفعلي؟» لأجبت: «لا أعرف أنه قادرٌ على ذلك فحسب، بل أظنّ أنه قد فعله. فقد كانت أيامٌ حفظ فيها قلبي في حضوره المقدس، حين، مع أنه كانت فيّ دائمًا طبيعةٌ خاطئة، حفظني من تعدٍّ واعٍ فعليّ.»
والآن، إن استطاع أن يفعل ذلك ساعةً أو يومًا، فلماذا لا يومين؟ آه! فلنجعل قدرة الله على كل شيءٍ كما أُعلِنت في كلمته مقياس توقّعاتنا. أفلم يقل الله في كلمته: «أنا الرب حارسها، أسقيها كل لحظة» (إش ٢٧: ٣)؟ فماذا يعني ذلك؟ هل تعني «كل لحظة» كلَّ لحظة؟ أوعد الله عن ذلك الكرم أو الخمر الأحمر أنه كل لحظةٍ سيسقيه حتى لا يجفِّفه حرّ الشمس ولا الريح اللافحة؟ نعم. في جنوب أفريقيا يصنعون أحيانًا طُعمًا للتطعيم، ويعلِّقون فوقه قنينة ماء، بحيث تكون بين حينٍ وحينٍ قطرةٌ تبلّل ما وضعوه حوله. وهكذا تُحفَظ الرطوبة هناك بلا انقطاع إلى أن يكون للطُّعم وقتٌ ليلتحم ويقاوم حرّ الشمس.
أفلا يحفظنا إلهنا، بمحبته الرقيقة القلب نحونا، كل لحظةٍ إذ وعد أن يفعل ذلك؟ آه! لو أمسكنا مرةً بهذه الفكرة: إن حياتنا الروحية كلها هي من صنع الله — «لأن الله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرّة» (في ٢: ١٣) — متى نلنا مرةً إيمانًا لننتظر ذلك من الله، فسيصنع الله كل شيءٍ لأجلنا.
الحفظ لا بدَّ أن يكون مستمرًّا. كل صباحٍ سيلقاك الله وأنت تستيقظ. ليست المسألة: إن نسيت أن أستيقظ في الصباح بفكرٍ فيه، فماذا يكون من ذلك؟ إن ائتمنت الله على استيقاظك، فسيلقاك الله في الصباح وأنت تستيقظ بنور محبته الإلهي، وسيمنحك إدراك أن لك، طوال النهار، إلهًا يتولّى العناية بك على الدوام بقوّته القادرة على كل شيء. وسيلقاك الله في اليوم التالي وكل يوم؛ ولا يهمّ إن حدث في ممارسة الشركة إخفاقٌ أحيانًا. إن حافظت على موقفك وقلت: «يا رب، أنا منتظرٌ منك أن تصنع أقصى ما تقدر، وأنا واثقٌ بك يومًا فيومًا أن تحفظني حفظًا مطلقًا»، فإن إيمانك سينمو أقوى فأقوى، وستعرف قوة الله الحافظة بلا انقطاع.
محروسون بإيمان
والآن الجانب الآخر — الإيمان. «بقوة الله محروسون بإيمان.» كيف يجب أن ننظر إلى هذا الإيمان؟
الإيمان يتضمّن العجز
دعني أقول، أولًا، إن هذا الإيمان يعني عجزًا ولا حيلةً تامّين أمام الله.
في أساس كل إيمانٍ شعورٌ بالعجز. إن كان عليّ أن أنجز معاملة، كأن أشتري بيتًا، فلا بدَّ للمحامي أن يقوم بعمل نقل الملكية باسمي وترتيب كل شيء. أنا لا أقدر أن أقوم بذلك العمل، وباتّكالي على ذلك الوكيل أعترف أني لا أقدر. وهكذا يعني الإيمان دائمًا العجز. في حالاتٍ كثيرة يعني: أقدر أن أفعله بعناءٍ كبير، لكن غيري يقدر أن يفعله أفضل. لكن في معظم الحالات يعني عجزًا تامًّا؛ لا بدَّ لغيري أن يفعله عنّي. وذلك هو سرّ الحياة الروحية. لا بدَّ للإنسان أن يتعلم أن يقول: «أتخلّى عن كل شيء؛ لقد حاولت واشتقت وفكّرت وصلّيت، لكن جاء الفشل. باركني الله وأعانني، لكن في نهاية المطاف كان هناك الكثير من الخطية والحزن.» يا له من تغيير يأتي حين يُكسَر الإنسان هكذا إلى عجزٍ تامٍّ ويأسٍ من الذات، فيقول: «لا أقدر أن أفعل شيئًا!»
تذكَّر بولس. كان يحيا حياةً مباركة، وقد اختُطِف إلى السماء الثالثة، ثم جاءت شوكةٌ في الجسد، «ملاك الشيطان ليلطمني.» وماذا حدث؟ لم يستطع بولس أن يفهم ذلك، فصلّى إلى الرب ثلاث مراتٍ أن ينزعها؛ لكن الرب قال ما معناه:
«لا؛ يمكن أن ترتفع، ولذلك أرسلت إليك هذه التجربة لأبقيك ضعيفًا متواضعًا.»
وحينئذٍ تعلَّم بولس درسًا لم ينسه قط، وهو أن يفتخر بضعفاته. قال إنه كلما ضعف كان ذلك أفضل له، لأنه حين كان ضعيفًا كان قويًّا في ربه المسيح.
أتريد أن تدخل ما يسمّيه الناس «الحياة العليا»؟ إذًا انزل درجةً أدنى. أذكر الدكتور بوردمان يحكي كيف دُعِي مرةً من رجلٍ ليذهب ويرى مصنعًا يصنعون فيه رصاص البنادق الدقيق، وأظنّ أن العمال كانوا يفعلون ذلك بصبّ الرصاص المذاب من ارتفاعٍ عظيم. أراد هذا الرجل أن يصعد بالدكتور بوردمان إلى قمة البرج ليرى كيف يُصنَع العمل. جاء الدكتور إلى البرج، ودخل من الباب، وبدأ يصعد الدرج؛ لكنه إذ صعد بضع درجاتٍ نادى الرجل:
«هذا هو الطريق الخطأ. عليك أن تنزل من هنا؛ ذلك الدرج مغلق.»
أخذه الرجل نازلًا درجاتٍ كثيرة، وهناك كان مصعدٌ جاهزٌ ليأخذه إلى القمة؛ فقال:
«لقد تعلمت درسًا: أن النزول كثيرًا ما يكون أفضل طريقٍ للصعود.»
آه، نعم، سيكون على الله أن ينزل بنا إلى أسفل جدًّا؛ لا بدَّ أن يحلّ بنا شعورٌ بالفراغ واليأس والعدم. حين نغرق في عجزٍ تامٍّ يعلن الإله الأزلي ذاته في قوّته، وتتعلم قلوبنا أن تثق بالله وحده.
ما الذي يمنعنا من أن نثق به ثقةً كاملة؟
يقول كثيرون: «أصدِّق ما تقول، لكن هناك صعوبةً واحدة. لو كانت ثقتي كاملةً وثابتةً دائمًا، لصار كل شيءٍ على ما يرام، لأني أعلم أن الله سيكرِّم الثقة. لكن كيف لي أن أنال تلك الثقة؟»
جوابي هو: «بموت الذات. إن العائق العظيم للثقة هو الجهد الذاتي. فما دامت لك حكمتك وأفكارك وقوّتك، فلا تقدر أن تثق بالله ثقةً كاملة. لكن حين يكسرك الله، حين يبدأ كل شيءٍ يغيم أمام عينيك، وترى أنك لا تفهم شيئًا، فحينئذٍ يقترب الله، وإن انحنيت في العدم وانتظرت الله، فإنه يصير كل شيء.»
ما دمنا شيئًا، فلا يقدر الله أن يكون الكلّ، ولا تقدر قدرته على كل شيءٍ أن تعمل عملها الكامل. تلك هي بداية الإيمان — يأسٌ تامٌّ من الذات، وكفٌّ عن الإنسان وعن كل ما على الأرض، ووجود رجائنا في الله وحده.
الإيمان هو راحة
ثم، بعد ذلك، علينا أن نفهم أن الإيمان هو راحة.
في بداية حياة الإيمان يكون الإيمان مجاهدًا؛ لكن ما دام الإيمان يجاهد، فهو لم يبلغ قوّته. أما حين يبلغ الإيمان في مجاهدته منتهى ذاته، ويلقي نفسه على الله ويستريح عليه، فحينئذٍ يأتي الفرح والنصرة.
لعلّي أستطيع أن أوضِّح ذلك إن رويت قصة كيف بدأ مؤتمر كيزيك. كان الكانون باترسبي قسًّا إنجيليًّا في كنيسة إنجلترا أكثر من عشرين سنة، رجلًا عميق التقوى رقيقها، لكنه لم يكن له إدراك الراحة والنصرة على الخطية، وكثيرًا ما كان يحزن حزنًا عميقًا لفكر العثرة والفشل والخطية. حين سمع عن إمكان النصرة، شعر أنها مرغوبة، لكن كأنه لا يقدر أن يبلغها. في مناسبةٍ ما، سمع خطابًا عن «الراحة والإيمان» من قصة خادم الملك الذي جاء من كفرناحوم إلى قانا ليطلب من المسيح أن يشفي ابنه. في الخطاب تبيّن أن خادم الملك آمن أن المسيح يقدر أن يعينه بطريقةٍ عامة، لكنه جاء إلى يسوع على سبيل التجربة إلى حدٍّ كبير. رجا أن المسيح سيعينه، لكن لم يكن له أيّ تأكيدٍ لتلك المعونة. لكن ماذا حدث؟ حين قال له المسيح: «اذهب، ابنك حيّ»، صدّق ذلك الرجل الكلمة التي قالها يسوع؛ استراح في تلك الكلمة. لم يكن لديه دليلٌ أن ابنه قد عُوفي، وكان عليه أن يسير راجعًا مسيرة سبع ساعاتٍ إلى كفرناحوم. سار راجعًا، وفي الطريق لقيه عبده، وأتاه أول خبرٍ بأن الولد قد عُوفي، وأنه في الساعة الواحدة بعد ظهر اليوم السابق، في الوقت عينه الذي كلّمه فيه يسوع، فارقته الحمّى. استراح ذلك الأب على كلمة يسوع وعمله، ونزل إلى كفرناحوم فوجد ابنه معافًى؛ وسبّح الله، وصار هو وكل بيته مؤمنين وتلاميذ ليسوع.
آه أيها الأحباء، ذلك هو الإيمان! حين يأتيني الله بوعد حفظه، وليس لي على الأرض شيءٌ أتّكل عليه، أقول لله: «كلمتك تكفي؛ بقوة الله محروسون.» ذلك هو الإيمان، وذلك هو الراحة.
حين سمع الكانون باترسبي ذلك الخطاب، ذهب إلى بيته تلك الليلة، وفي ظلمة الليل وجد راحة. استراح على كلمة يسوع. وفي الصباح التالي، في شوارع أكسفورد، قال لصديق: «لقد وجدتها!» ثم مضى وأخبر آخرين، وطلب أن يُبدأ مؤتمر كيزيك، وأن يشهد الحاضرون فيه معه ببساطةٍ بما صنعه الله.
إنه لأمرٌ عظيم حين يبلغ الإنسان أن يستريح على قدرة الله على كل شيءٍ في كل لحظةٍ من حياته، في مواجهة تجارب الانفعال والتسرّع والغضب وقلّة المحبة والكبرياء والخطية. إنه لأمرٌ عظيم في مواجهة هذه أن يدخل في عهدٍ مع يهوه القادر على كل شيء، لا بسبب شيءٍ يقوله أيّ إنسان، ولا بسبب شيءٍ يشعر به قلبي، بل على قوة كلمة الله: «بقوة الله محروسون بإيمان.»
آه، فلنقل لله إننا سنمتحنه إلى أقصى حدّ. لنقل: لا نطلب منك أكثر مما تقدر أن تعطي، لكننا لا نريد أقلّ. لنقل: يا إلهي، لتكن حياتي برهانًا على ما يقدر الإله القادر على كل شيءٍ أن يصنعه. فلتكن هاتان هما نزعتَي نفوسنا كل يوم — عجزٌ عميق، وراحةٌ بسيطةٌ كراحة الأطفال.
الإيمان يحتاج إلى شركة
وهذا يقودني إلى فكرةٍ واحدةٍ أخرى بخصوص الإيمان — الإيمان يتضمّن شركةً مع الله.
يريد كثيرون أن يأخذوا الكلمة ويصدِّقوها، فيجدون أنهم لا يقدرون أن يصدِّقوها. آه، لا! لا تقدر أن تفصل الله عن كلمته. لا صلاحٌ ولا قوةٌ يمكن أن يُنالا منفصلَين عن الله، وإن أردت أن تدخل في حياة التقوى هذه، فيجب أن تأخذ وقتًا للشركة مع الله.
يقول لي الناس أحيانًا: «حياتي مملوءةٌ باللهاث والاضطراب إلى حدٍّ لا يبقى لي معه وقتٌ للشركة مع الله.» قال لي مرسلٌ عزيز: «لا يعرف الناس كيف نُجرَّب نحن المرسلين. أستيقظ الساعة الخامسة صباحًا، فإذا الأهالي ينتظرون أوامر عملهم. ثم عليّ أن أذهب إلى المدرسة وأقضي فيها ساعات؛ ثم هناك عملٌ آخر، وتمرّ ست عشرة ساعةً كالسيل، وبالكاد أجد وقتًا لأخلو بالله.»
آه! هنا النقص. أرجوكم، تذكَّروا أمرين. لم أقل لكم أن تثقوا بقدرة الله على كل شيءٍ كشيء، ولم أقل لكم أن تثقوا بكلمة الله ككتابٍ مكتوب، بل قلت لكم أن تذهبوا إلى إله القدرة على كل شيءٍ وإله الكلمة. عاملوا الله كما عامل ذلك الخادم الملكي المسيح الحيّ. لماذا استطاع أن يصدِّق الكلمة التي قالها له المسيح؟ لأنه في عيني يسوع ابن الله بالذات ونبرات صوته، رأى وسمع شيئًا جعله يشعر أنه يقدر أن يثق به. وذلك ما يقدر المسيح أن يفعله لك ولي. لا تحاول أن تحرِّك الإيمان وتثيره من داخلك. كم حاولت أن أفعل ذلك، فجعلت من نفسي أحمق! لا تقدر أن تثير الإيمان من أعماق قلبك. اترك قلبك، وانظر إلى وجه المسيح، وأصغِ إلى ما يقوله لك عن كيفية حفظه لك. انظر إلى وجه أبيك المحبّ، وخذ وقتًا كل يومٍ معه، وابدأ حياةً جديدةً بفراغٍ عميقٍ وفقرٍ لإنسانٍ لا يملك شيئًا، ويريد أن ينال كل شيءٍ منه — براحةٍ عميقةٍ لإنسانٍ يستريح على الله الحيّ، يهوه القادر على كل شيء — وامتحن الله، وجرِّبه إن كان لا يفتح كوى السموات ويسكب بركةً لا يبقى موضعٌ لقبولها.
أختم بأن أسألكم إن كنتم راغبين أن تختبروا إلى التمام الحفظ السماوي للميراث السماوي؟ يقول روبرت موراي مكشين في موضعٍ ما: «يا الله، اجعلني مقدسًا بقدر ما يمكن أن يُجعَل خاطئٌ مغفورٌ له.» وإن كانت تلك الصلاة في قلبك، فتعالَ الآن، ولندخل في عهدٍ من جديد مع يهوه الأزلي القادر على كل شيء، وبعجزٍ عظيمٍ لكن براحةٍ عظيمة نضع أنفسنا في يديه. وحينئذٍ إذ ندخل في عهدنا، لتكن لنا الصلاة الواحدة — أن نصدِّق تصديقًا كاملًا أن الإله الأزلي سيكون رفيقنا، ممسكًا بيدنا كل لحظةٍ من النهار؛ حافظنا الساهر علينا دون لحظة انقطاع؛ أبانا المسرور بأن يعلن ذاته في نفوسنا دائمًا. له القدرة أن يجعل نور محبته الشمسي معنا طوال النهار. لا تخف، لأن لك عملك، أنك لا تقدر أن يكون الله معك دائمًا. تعلَّم الدرس: أن الشمس الطبيعية تشرق عليك طوال النهار، وأنت تتمتع بنورها، وحيثما كنت فالشمس معك؛ الله يعتني بأن تشرق عليك. والله سيعتني بأن يشرق نوره الإلهي عليك، وأن تثبت في ذلك النور، إن أنت وثقت به لأجله فحسب. فلنثق بالله ليصنع ذلك بثقةٍ عظيمةٍ كاملة.
ها هي قدرة الله على كل شيء، وها هو الإيمان يمتدّ إلى مقدار تلك القدرة. ألا نقول: «كل ما تقدر تلك القدرة على كل شيءٍ أن تصنعه، أنا واثقٌ به من إلهي»؟ أليس جانبا هذه الحياة السماوية عجيبين؟ قدرة الله على كل شيءٍ تغطّيني، ومشيئتي في صِغَرها تستريح في تلك القدرة، وتبتهج بها!
لحظةً فلحظةً، محفوظٌ في محبته؛
لحظةً فلحظةً، لي حياةٌ من فوق؛
ناظرًا إلى يسوع، يشرق المجد بهاءً؛
لحظةً فلحظةً، يا رب، أنا لك!