Amy Carmichael — السيرة
1867–1951
حياة الإرسالية ليست إلّا فرصةً للموت.
وُلدت إيمي بياتريس كارمايكل في 16 ديسمبر 1867 في قرية مِلِسل الساحلية الصغيرة بمقاطعة داون، في شمال أيرلندا، وهي كبرى سبعة أولادٍ في بيتٍ مشيخيٍّ تقيّ. كان أبوها ديفيد صاحب طاحونة؛ وقد عرفت الأسرة الرخاء، ثم عرفت — بعد موته المبكّر وإيمي بعدُ في سنّ المراهقة — ضيقًا ماليًّا حقيقيًّا. نشأت تصلّي صلوات الأطفال بجرأة الأطفال. وأشهرها لا يزال يُروى إلى اليوم: فقد كانت وهي صغيرة تسأل الله ليلةً بعد ليلة أن يبدّل عينيها البُنّيّتين بزرقاوين، ثم تركض كلّ صباحٍ إلى المرآة لترى أفعلها. ولم يفعل. ولم تفهم لماذا كانت العينان البُنّيّتان هما العطيّة الأفضل إلّا بعد ذلك بعقودٍ من السنين، وهي تصبغ بشرتها الأيرلندية البيضاء بالبنّ الداكن لتتسلّل من غير أن يلحظها أحدٌ إلى المعابد الهندوسية في جنوب الهند.
وتعمّق إيمانها في سنّ المراهقة والعشرينيات حتى صار شيئًا أبهظ ثمنًا بكثير من أمنية طفلة. ففي شوارع بلفاست، حيث انتقلت الأسرة، ابتدأت تجمع أفقر فتيات مصانع النسيج — «بنات الشال»، وسُمّين كذلك لأنّهنّ كنّ أفقر من أن يقتنين القبّعات، فكنّ يُلقين الشيلان على رؤوسهنّ — في صفوفٍ تعقدها لهنّ يوم الأحد. ونما العمل حتى احتاج إلى قاعةٍ خاصّة به، فبُنيت سنة 1887 أوّل «قاعة ترحيب» لتؤويه. وكانت سنو بلفاست تلك عينها مظلّلةً بالحزن والوجع — موت أبيها، وأوّل هجمات الألم العصبيّ المزمن الذي سيلازمها ويطاردها حياتها كلّها — وفي وسط ذلك الألم، لا بمعزلٍ عنه، أحسّت أوّل مرّةٍ بشيءٍ يتحرّك في قلبها نحو الخدمة الإرسالية في بلاد الخارج. وعبر مؤتمر كِزويك دخلت في تيّار تعليم القداسة الفكتوريّ الذي سيصوغ حياتها كلّها: دعوةٌ إلى التسليم التامّ الكامل، وإلى وضع كلّ شيءٍ بلا تحفّظٍ عند قدمَي المسيح.
الدعوة إلى الشرق
أمّا الدعوة إلى حقل الإرسالية، لمّا جاءت، فكانت لا تُخطئها العين، وكانت عند من حولها مثيرةً للقلق. فإذ حرّكتها كلمات هدسون تايلور، مؤسّس إرسالية الصين الداخلية، عرضت إيمي نفسها أوّلًا على تلك الإرسالية بعينها — لكنّها كانت عليلةً على الدوام، والألم العصبيّ قد يُقعدها أسابيع، فحُكم بأنّ صحّتها لا تحتمل ذلك. فأبحرت عوضًا عن ذلك إلى اليابان سنة 1893، واحدةً من أوائل المرسلين الذين خرجوا تحت راية كِزويك، تتعلّم اللغة وتلبس الثياب اليابانية. ومن تلك الشهور خرج كتابها الأوّل، من أرض مشرق الشمس (1895)، لكنّ المرض قطع المسعى بعد نحو خمسة عشر شهرًا. ثم تلته مدّةٌ قصيرة في سيلان — سريلانكا اليوم. ثم بلغت في نوفمبر 1895 جنوب الهند تحت جمعية الزنانة التبشيرية التابعة لكنيسة إنجلترا، وقد عزمت من أوّل الأمر على أن تعيش بين الناس، وتتعلّم لغتهم وعوائدهم — ومن هناك لم ترحل بعدُ أبدًا. وستخدم خمسًا وخمسين سنة من غير إجازةٍ واحدةٍ إلى الوطن.
وقد حطّمت الهند خدمتها ثم أعادت صوغها. فبينما كانت تجول في القرى التاميلية حول تِنّفيلي — تيرونلفيلي اليوم — تكرز من فوق عربةٍ تجرّها الثيران، ابتدأت تعلم بشرٍّ مستور: تقليد الديفاداسي، حيث كان الأطفال الصغار، وبعضهم رُضّع، «يُكرَّسون» من أهلهم للمعابد، وتُهيَّأ البنات للدعارة الطقسية تحت قناع الخدمة الدينية. وجاءت نقطة التحوّل في 7 مارس 1901، حين اهتدت إليها طفلةٌ في السابعة اسمها برينا، كانت قد هربت من معبدٍ حُبست فيه. وكانت يدا الطفلة لا تزالان تحملان أثر الكيّ بالحديد المحمى، كوَتها به نساء المعبد على محاولة هربٍ أولى. تسلّقت برينا إلى حِجر إيمي، فتحدّد مسار إيمي عندها. إذ لم يعد في وسعها أن تُنكر ما صارت تعرفه.
الأسرة في دوهنافور
من ذلك اللقاء نمت زمالة دوهنافور، المجتمعة حول قرية دوهنافور قرب الطرف الجنوبيّ من الهند. ولم تشأ إيمي أن تديرها مؤسّسةً؛ بل أصرّت أن تكون أسرة، وأن يناديها الأطفال — وقد أُنقذوا واحدًا واحدًا، في خطرٍ كثيرًا ما كان، وعلى حافّة القانون — لا «سيّدتي» بل أمّا، أي أمّي. فلبست الساري، وأخذت بالطعام الهنديّ والعادة الهندية، وأعطت الأطفال أسماءً هندية، وأبت أن تجعل العمل معرضًا يُستعرض. وتمسّكت بانضباطٍ ماليٍّ صارم تعلّمته من هدسون تايلور، ومن قبله من بيوت جورج مولر للأيتام: الحاجات تُرفع إلى الله في الصلاة، لا تُلتمس من المتبرّعين؛ فلا نداءات ولا جمع تبرّعات — بل صلاةٌ وطاعةٌ وانتظارٌ لله أن يُعيل. وتكاثر الأطفال — سبع عشرة فتاةً سنة 1904، ومئةٌ وثلاثون سنة 1913 — وفي سنة 1918 فتحت الزمالة أبوابها للأولاد أيضًا. وقامت في الحرم دورُ حضانةٍ ومدارسُ وورشٌ وأكواخٌ وأرضٌ زراعية، ثم مستشفى في النهاية، حتى صارت دوهنافور شبيهةً بقريةٍ مسيحيّةٍ نموذجية — وكلّ ذلك، كما ظلّت إيمي تقول، قائمٌ على صلاةٍ مستجابة.
التجارب، وكيف لقيها الإيمان
لم يكن في العمل شيءٌ هيّنٌ ولا آمن. فقد اتُّهمت إيمي بخطف الأطفال، وجُرّت إلى مساءلاتٍ قانونية، وقاومها الذين كانت تُنهي تجارتهم بالأطفال. ودفنت أطفالًا كافحت لتنقذهم. وكانت سنة 1912 من أشدّ سني حياتها حزنًا، إذ حملت موت زملاء مرسلين مقرّبين ثم موت أمّها هي؛ فمضت في طريقها، تجد عزاءها في نعمة المسيح وفي ضحك أسرتها النامية في دوهنافور وصلواتها. وقد كتبت عن ذلك كلّه من غير تلميعٍ ولا تجميل. حتى إنّ كتابها الأمور على حقيقتها، الصادر سنة 1903، أقلق قرّاءه الإنجليز بصورته الخالية من العاطفة التي رسمها لحقل الإرسالية، حتى اتّهمها بعضهم بالمبالغة — فقد رفضت الأكاذيب المريحة التي كان الأنصار يتوقّعونها، وأعانت صراحة الكتاب على إثارة إسنادٍ حقيقيٍّ للعمل. ولم تتظاهر قطّ بأنّ الثمن كان قليلًا.
حياة الإرسالية ليست إلّا فرصةً للموت.
— إيمي كارمايكل
أمّا امتحانها الأعمق فجاء متأخّرًا. ففي سنة 1931 صلّت صلاةً خطرة — أن يصنع الله فيها أيّ شيءٍ يجعلها أهلًا لخدمته — وبعد ذلك بقليل، بينما كانت تزور قريةً تستطلع فيها أرضًا جديدةً للخدمة، سقطت سقطةً مروّعة، فكُسرت ساقها، وانخلع كاحلها، وأُصيب عمودها الفقريّ. فتركتها الإصابات، مع التهاب المفاصل والألم العصبيّ القديم، حبيسة الفراش في أكثر السنين العشرين الأخيرة من حياتها. ومن تلك الغرفة، في ألمٍ لا ينقطع، كتبت أكثر كتبها الخمسة والثلاثين، وسكبت مشورتها على الزمالة التي لم تعد تقدر أن تمشي بين أهلها، وصاغت ذلك الكتاب التعبّديّ الصغير الكلاسيكيّ لو، وهو سلسلة سطورٍ فاحصة، يقيس كلٌّ منها القارئ بالمحبّة التي ظهرت على الجلجثة.
لو لم أُشفق على رفيقي في الخدمة كما رحمني ربّي أنا، فأنا لا أعرف شيئًا عن محبّة الجلجثة.
— إيمي كارمايكل
ولم تُكتب تلك السطور من مسافةٍ مريحة. بل جاءت من امرأةٍ قضت ثلاثين سنة تسكب الشفقة على المنبوذين، ثم كتبتها أخيرًا من فراش الوجع، تفحص نفسها هي بمثل ما تفحص به نفس أيّ قارئ من قسوة. وتعود اللازمة مرّةً بعد مرّة، تُسمّي كلّ صيغةٍ منها إخفاقًا صامتًا آخر من إخفاقات المحبّة:
لو كان يسهل عليّ أن أخوض في نقائص أحدٍ وخطاياه؛ لو كنتُ أستطيع أن أتكلّم كلامًا عابرًا حتى عن زلّات طفل، فأنا لا أعرف شيئًا عن محبّة الجلجثة.
— إيمي كارمايكل
الموت والميراث
لم تعد إيمي كارمايكل إلى أيرلندا قطّ بعد إبحارها شرقًا سنة 1893. وماتت في دوهنافور في 18 يناير 1951، عن ثلاثٍ وثمانين سنة، وقد أوصت ألّا يُقام على قبرها حجر. فدفنها الأطفال ووضعوا فوق الموضع مسقاةً للطيور، وكلمةً واحدةً تذكارًا لها — أمّا. وقد عاشت حتى رأت بداية نهاية الشرّ الذي قضت عمرها تحاربه: ففي سنة 1948، قبل موتها بثلاث سنين، حُرّم في الهند تكريس البنات للمعابد — نظام الديفاداسي الذي قضت نصف قرنٍ في مقاومته — وهو إصلاحٌ تتبّع فيه كثيرون أثر شهادتها الطويل. أمّا الزمالة التي أسّستها فقد بقيت من بعدها، وما زالت إلى اليوم تواصل عملها في تاميل نادو، تُسند الأطفال والأسر بالتعليم والرعاية الصحّية والتلمذة المسيحية على الأرض التي صلّت حتى قامت عليها.
وخلّفت وراءها رفًّا من الكتب هي عن التسليم أكثر منها عن الهند: الحبل الذهبيّ (1932)، وهو قصّة الزمالة، وعنوانه صورتها للروابط التي لا تنفصم، روابطِ المحبّة والقصد المشترك التي تشدّ جماعةً إلى الله وإلى بعضها بعضًا؛ ولو؛ ومجلّداتٌ كثيرة من الشعر والرسائل وجدت فيها أجيالٌ من القرّاء بكتًا ونقاءً. وكانت تعلّم أنّ المسيحيّ الذي يطلب أن يتبع المسيح عن قربٍ لا ينبغي أن يُدهش إن حمل من هذا الاتّباع سِمات. وكانت سليقتها في كلّ تجربة أن تسكن وتنتظر الله قبل أن تتحرّك.
فانتظر أمام الربّ. انتظر في السكون، وفي ذلك السكون سيأتي إليك اليقين.
— إيمي كارمايكل
وكان ذلك هو نمط حياتها كلّها: صلاةُ طفلةٍ جريئةٍ عرف الله أنّ من الخير ألّا يستجيبها على الوجه الذي طُلبت به؛ وشابّةٌ عليلةُ الجسد أبت أن تبقى في بيتها؛ وأمٌّ لألوف الأطفال الذين رماهم العالم بعيدًا؛ ثم، في آخر الأمر، مُقعدةٌ ظلّت من فراشها تزن كلّ خالجةٍ من خوالج القلب بمحبّة الصليب. لم تسأل قطّ تلمذةً بلا ندوب، ولم تُعطَ واحدةً من ذلك القبيل. ولقالت هي إنّ تلك أصدق رحمةٍ نالتها في حياتها.
لا توجد كتب أو عظات في المكتبة بعد لهذا الكاتب.