عظة · قراءة 4 د
قوّة السكون
A. B. Simpson النص
1 ملوك 19:12
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
من «الصوت المنخفض الخفيف» الذي سمعه إيليّا، يبيّن سمبسون أنّ الله إنّما يُلتقى في الهدوء لا في الضجيج: فأحلى بركة يحملها إلينا المسيح هي راحة السبت للنفس. ثمّ تتبع ذلك مشورة عمليّة — صلاة ساكنة، ولسان مكفوف، وروح هادئة تحت الضغط والاستفزاز — حتّى تصير الحياة نفسها تتكلّم بصوت السكون اللطيف.
كان «صوتًا منخفضًا خفيفًا»، أو صوت سكون لطيف. فهل في الجوقة كلّها نغمة من نغمات الموسيقى لها من الجبروت ما للوقفة الحاسمة؟ وهل في المزامير كلّها كلمة أبلغ من هذه الكلمة الواحدة: «سِلاه» (أي: قِف)؟ وهل من شيء أشدّ إثارةً للنفس وأهيب من ذلك السكوت الذي يجيء قبيل انفجار العاصفة، ومن ذلك الهدوء الغريب الذي يخيّل إليك أنّه يهبط على الطبيعة كلّها قبل ظاهرة من الظواهر الخارقة أو زلزلة من الزلازل؟ وهل من شيء يبلغ من قلوبنا مبلغ قوّة السكون؟
السكون العذب
إنّ أحلى بركة يحملها إلينا المسيح إنّما هي راحة السبت التي تنالها النفس، وقد كان سبت الخليقة رمزًا لها ومثالًا سابقًا يشير إليها. فإنّ ههنا، للقلب الذي يرضى أن يكفّ عن ذاته، «سلام الله الذي يفوق كلّ عقل»؛ وههنا هدوء وطمأنينة، وهما ينبوع كلّ قوّة من القوى؛ وههنا سلامة عذبة، قد قيل عن أهلها: «وليس لهم معثرة». وههنا أيضًا، في أعمق أعماق نفس المؤمن، مخدعُ سلام يسكن الله فيه، إن نحن دخلناه ليس إلّا، وأسكتنا فيه كلّ صوت آخر، قدرنا أن نسمع هناك «صوته المنخفض».
ومنذ نحو عشرين سنة وضع صديق لي في يديّ كتابًا صغيرًا، فصار من مفارق الطرق في حياتي كلّها. وكان اسمه «السلام الحقيقيّ»، وهو رسالة قديمة من رسائل القرون الوسطى. ولم يكن فيه إلّا فكرة واحدة لا غير، وهي هذه — أنّ الله كان منتظرًا في أعماق كياني أن يكلّمني، لو أنّي سكنتُ سكونًا يكفي لأن أسمع صوته.
حين يُقاوَم السكون
فظننتُ أنّ هذا أمر في غاية اليسر، فأخذتُ أسكن. ولكنّي ما كدتُ أبتدئ حتّى بلغت أذنيّ جلبة من الأصوات لا عهد لي بمثلها، وألف نغمة صاخبة من خارج ومن داخل، حتّى لم أعد أسمع شيئًا إلّا ضجيجها وصخبها. وكان بعضها أسئلتي أنا، وبعضها همومي أنا، وبعضها صلواتي نفسها. وكان سائرها من إيحاءات المجرّب، ومن أصوات هذا العالم المضطرب. وما بدا لي قطّ من قبلُ أنّ الأمور التي ينبغي أن تُعمل، والتي ينبغي أن تُقال، والتي ينبغي أن يُفكَّر فيها، هي بهذه الكثرة. وكنتُ من كلّ جهة أُدفع وأُجذب، ويُستقبَل وجهي بهتافات صاخبة وقلق لا يوصف. وقد خُيّل إليّ أنّه لا بدّ لي أن أصغي إلى بعضها وأن أجيب عنه؛ ولكنّ الله قال: «كُفّوا واعلموا أنّي أنا الله».
إله السكون
ثمّ جاء بعد ذلك صراع الأفكار في شأن الغد وما فيه من واجبات وهموم. ولكنّ الله قال: «كُفّوا». فلمّا أصغيتُ، وتعلّمتُ رويدًا رويدًا أن أطيع، وسددتُ أذنيّ عن كلّ صوت، وجدتُ بعد حين أنّ الأصوات الأخرى لمّا سكتت — أو لمّا كففتُ أنا عن سماعها والالتفات إليها — كان في أعماق كياني صوت منخفض خفيف قد ابتدأ يتكلّم بحنان وقوّة وتعزية لا يبلغها وصف. وكلّما أصغيتُ إليه صار لي صوت الصلاة، وصوت الحكمة، وصوت الواجب؛ فلم أعد محتاجًا أن أُجهد فكري ذلك الإجهاد كلّه، بل كان ذلك «الصوت المنخفض الخفيف»، صوت الروح القدس في قلبي، هو صلاة الله في سرّ نفسي؛ وهو جواب الله عن أسئلتي كلّها؛ وهو حياة الله وقوّته للنفس والجسد جميعًا؛ وقد صار جوهر كلّ معرفة، وكلّ صلاة، وكلّ بركة؛ لأنّه كان الله الحيّ نفسه، حياتي وكلّ شيء لي.
إنّنا لا نستطيع أن نجتاز الحياة كلّها أقوياء منتعشين ونحن في قطارات سريعة لا تقف أبدًا، وليس لنا سوى عشر دقائق للغداء؛ بل لا بدّ لنا من ساعات هدوء، ومن الأستار التي عند العليّ، ومن أوقات ننتظر فيها الربّ انتظارًا، فنجدّد فيها قوّة، ونتعلّم فيها أن نرفع أجنحةً كالنسور، ثمّ نرجع فنركض ولا نتعب، ونمشي ولا نُعيي.
طريق السكون
وأفضل ما في هذا السكون أنّه يعطي الله فرصةً لكي يعمل. «لأنّ الذي دخل راحته استراح هو أيضًا من أعماله، كما الله من أعماله». فحين نكفّ عن أعمالنا يعمل الله فينا؛ وحين نكفّ عن أفكارنا تدخل إلينا أفكار الله؛ وحين نسكن عن نشاطنا القلق، يصدق فينا قوله: «الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرّة»، فلا يبقى علينا نحن إلّا أن نخرجه إلى حيّز العمل.
أيّها الأحبّاء! هلمّوا نأخذ لأنفسنا هذا السكون الذي هو له؛ ولنسكن نحن «في ستر العليّ»؛ ولندخل إلى الله نفسه وإلى راحته الأبديّة التي لا تزول؛ ولنُسكت عنّا سائر الأصوات، فحينئذ نقدر نحن أيضًا أن نسمع «الصوت المنخفض الخفيف».
ثمّ إنّ ههنا ضربًا آخر من السكون: هو السكون الذي يدع الله يعمل لأجلنا ونحن صامتون؛ السكون الذي يكفّ عن الجدال، وعن الانتصار للنفس، وعن حيل الحكمة وبُعد النظر، ويدع الله يدبّر ويجيب عن الكلمة القاسية والضربة الغاشمة، بمحبّته هو الأمينة التي لا تخيب. وما أكثر ما نخسر تدخّل الله لأجلنا بأن نتولّى قضيّتنا بأنفسنا ونضرب دفاعًا عن أنفسنا!
وما في الكتاب المقدّس كلّه منظر أجلّ من منظر المخلّص الصامت، لا يجيب بكلمة واحدة أولئك الرجال الذين كانوا يفترون عليه، وقد كان في وسعه أن يطرحهم صرعى عند قدميه بنظرة واحدة من قوّته الإلهيّة، أو بكلمة واحدة من التوبيخ الناريّ. ولكنّه تركهم يبلغون من الشرّ أقصى ما عندهم، ووقف هو في قوّة السكون — حَمَل الله القدّوس.
فليعطنا الله نحن هذه القوّة الصامتة، وهذا التسليم العظيم للنفس، وهذه الروح المقهورة المغلوبة، حتّى «يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا». وليكن صوتنا وحياتنا كلاهما ناطقَين كذلك «الصوت المنخفض الخفيف» الذي كان في حوريب، وكذلك صوت السكون اللطيف. وحينئذ، متى انقضى عن الأرض كلّ ما فيها من حرّ وخصام، يذكر الناس ندى الصباح، والنور الرقيق وضياء الشمس، ونسيم المساء، وحمل الجلجثة، والحمامة الوديعة القدّوسة السماويّة.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.