عظة · قراءة 13 د

هو نفسه

صورة A. B. Simpson A. B. Simpson

النص

كولوسي 1:27

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

باختصار

أحبّ رسائل سمبسون إلى القلوب: إن أعمق ما تحتاج إليه النفس ليس بركةً من البركات — لا الشفاء، ولا التقديس، ولا ذلك «الشيء» الذي نجري وراءه — بل المسيح نفسه حياةً ساكنةً فينا. يتتبّع سمبسون طريقه هو، من طلب الاختبارات إلى قبول الشخص، ويبيّن أن كل عطية لا تُحفظ إلا ما دام المعطي محفوظًا، ثم يختم بالترنيمة التي وُلدت من هذا الاكتشاف: «كان فيما مضى البركة، وأما الآن فهو الربّ».

إني أريد أن أكلّمكم عن يسوع، وعن يسوع وحده لا عن سواه. وكثيرًا ما أسمع الناس يقولون: «ليتني أستطيع أن أمسك بالشفاء الإلهيّ، ولكني لا أستطيع». وأحيانًا يقولون: «قد نلتُه أنا». فإذا سألتُ الواحد منهم: «وماذا نلتَ؟» كان الجواب مرّةً: «قد نلتُ البركة»، وكان مرّةً أخرى: «قد نلتُ النظرية»؛ وكان مرّةً: «قد نلتُ الشفاء»؛ وكان مرّةً: «قد نلتُ التقديس». ولكني أشكر الله أننا قد تعلّمنا أنّ الذي تحتاج إليه النفس وتطلبه ليس هو البركة، وليس هو الشفاء، وليس هو التقديس، وليس هو الشيء، وليس هو ذلك «الأمر» الذي تجري وراءه، بل هو شيء أفضل من ذلك كلّه. إنه «المسيح»؛ إنه هو نفسه. وما أكثر ما يبرز هذا المعنى في كلمته — «هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا»، وهو نفسه «حمل خطايانا في جسده على الخشبة»! فشخص يسوع المسيح هو الذي نحتاج إليه ونريده. وكثيرون من الناس ينالون الفكرة وحدها ثم لا يخرجون منها بشيء البتة. يُدخلونها إلى رؤوسهم، ويُدخلونها إلى ضمائرهم، ويُدخلونها إلى إراداتهم؛ ولكنهم، على نحوٍ من الأنحاء، لا يُدخلونه هو نفسه إلى حياتهم وأرواحهم، وذلك لأنه ليس عندهم إلا ما هو التعبير الخارجيّ والرمز الظاهر للحقيقة الروحية. ولقد اتفق لي مرّةً أن رأيتُ صورةً لدستور الولايات المتحدة، قد حُفرت بمهارةٍ فائقة على لوحٍ من نحاس، حتى إذا نظرتَ إليها عن قربٍ لم تكن في عينك أكثر من قطعةٍ من الكتابة لا غير، وأما إذا نظرتَ إليها من بعيدٍ فإذا هي وجه جورج واشنطن. فقد كان الوجه يُشرق من بين ظلال الحروف حين تتنحّى عنها قليلًا، فرأيتُ الشخص، لا الكلمات ولا الأفكار؛ فقلت في نفسي: «هكذا ينبغي أن يُنظر إلى الأسفار المقدسة، وأن تُفهم أفكار الله: أن نرى فيها وجه المحبة يُشرق من خلالها كلها ومن خلال كل حرفٍ فيها؛ لا أفكارًا ولا عقائد، بل يسوع نفسه، الحياةَ والينبوعَ والحضورَ الذي يُقيم حياتنا كلها ويسندها».

لقد صلّيتُ زمانًا طويلًا لكي أنال التقديس، وكنت أحيانًا أظن أني قد نلته. وفي إحدى المرات أحسستُ بشيء، فتشبّثتُ به تشبّث اليائس مخافة أن يفلت مني، وسهرتُ الليل كله لم يأخذني نوم، خشية أن يذهب عني؛ وذهب بالطبع مع أول إحساسٍ جديد جاء، ومع أول حالٍ جديدة طرأت. نعم، فقدته لأني لم أتشبّث به هو. كنت آخذ قليلًا من الماء من الخزّان، مع أني كنت أستطيع أن أنال منه هو الملء كلّه في كل حين، من قنواتٍ مفتوحة لا تنقطع. وكنت أذهب إلى الاجتماعات فأسمع الناس يتكلمون عن الفرح، بل ظننتُ أني قد نلتُ الفرح، غير أني لم أحفظه لأنه لم يكن لي هو نفسه فرحًا. وأخيرًا قال لي — آهِ، بأيّ حنانٍ قالها! — : «يا بنيّ، خذني أنا، ودعني أكون فيك المعين الدائم لهذا كله: أنا نفسي». فلمّا رفعتُ أخيرًا عينيّ عن تقديسي وعن اختباري له، ووضعتهما على المسيح الذي فيّ، وجدتُ — بدلًا من اختبارٍ من الاختبارات — المسيحَ أوسعَ من حاجة اللحظة، المسيحَ الذي عنده كل ما سأحتاج إليه يومًا من الأيام، وقد أُعطي لي دفعةً واحدة وإلى الأبد! ولمّا رأيته هكذا، يا لها من راحة! كان كل شيء على ما يُرام، وعلى ما يُرام إلى الأبد. إذ لم يكن لي ما أستطيع أن أحمله في تلك الساعة القصيرة فحسب، بل كان لي فيه أيضًا كل ما سأحتاج إليه في الساعة التالية، وفي التي تليها، وهكذا دواليك، حتى إني ألمح أحيانًا ما سيكون عليه الأمر بعد ألف ألف سنة، حين «يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم» (متى 13:43)، ونمتلئ «إلى كل ملء الله».

وهكذا ظننتُ أن الشفاء أيضًا سيكون «شيئًا» من الأشياء، وأن الرب سيأخذني كما تُؤخذ الساعة القديمة التي وقفت، فيُدار زنبركها وتُطلق تدور كما تدور الآلة. وليس الأمر هكذا البتة. بل وجدتُ أنه هو نفسه الذي كان يدخل عوضًا عن ذلك كله، فيعطيني ما أحتاج إليه في حينه. كنت أشتهي أن يكون لي مخزونٌ عظيم أشعر معه بالغنى، وذخيرةٌ كبيرة مدّخرة لسنين كثيرة، حتى لا أكون معتمدًا عليه في الغد؛ ولكنه لم يعطني قط مثل هذه الذخيرة. وما كان لي في وقتٍ من الأوقات من القداسة أو من الشفاء أكثر مما أحتاج إليه في تلك الساعة وحدها. وقال لي: «يا بنيّ، لا بد أن تأتي إليّ لأجل النَّفَس التالي، لأني أحبك حبًّا شديدًا فأريدك أن تأتي إليّ في كل حين. فلو أعطيتك مؤونةً كبيرة لاستغنيتَ عني، ولما جئتَ إليّ كثيرًا؛ وأما الآن فعليك أن تأتي إليّ في كل ثانية، وأن تتّكئ على صدري في كل لحظة». لقد أعطاني ثروةً عظيمة، ووضع في رصيدي الألوف والملايين، لكنه أعطاني معها دفتر شيكاتٍ بهذا الشرط الواحد: «لا تستطيع البتة أن تسحب أكثر مما تحتاج إليه في حينه». على أنه كلما لزم شيكٌ من الشيكات، كان اسم يسوع مكتوبًا عليه، فكان ذلك يأتي بمجدٍ أوفر له، ويُبقي اسمه أمام العالم السماويّ، فيتمجّد الله في ابنه.

وكان عليّ أن أتعلّم أن آخذ منه حياتي الروحية في كل ثانية، وأن أستنشقه هو مع كل نَفَسٍ أستنشقه، وأزفر نفسي أنا. فهكذا، لحظةً فلحظةً للروح، ولحظةً فلحظةً للجسد، ينبغي لنا أن نأخذ. تقول: «أوليس هذا عبوديةً فظيعة، أن يكون المرء أبدًا في شدٍّ وجهدٍ لا ينقطع؟» وهل يكون الشدّ والجهد مع من تحبّ، ومع أعزّ أصدقائك إليك؟ كلا وألف كلا! بل يأتي الأمر طبيعيًّا عفويًّا، كما ينبع الينبوع، بغير شعورٍ ولا تكلّفٍ ولا مجهود، فإن الحياة الحقيقية سهلةٌ فائضةٌ دائمًا.

والآن، الشكر لله، هو لي: لا بمقدار ما فيّ من سعةٍ فحسب، بل بما لا سعة لي له بعدُ، ولكن سيكون لي له سعةٌ يومًا، لحظةً فلحظةً، وأنا ماضٍ إلى الأبدية التي أمامي. إني كالقارورة الصغيرة في البحر، ممتلئةً إلى آخر ما تستطيع أن تحمل. فالقارورة في البحر، والبحر في القارورة؛ وهكذا أنا في المسيح، والمسيح فيّ. غير أنه، فوق ملء تلك القارورة الواحدة في البحر، هناك محيطٌ بأسره لا حدّ له من ورائها؛ والفرق أن القارورة لا بد أن تُملأ من جديد، كل يومٍ من الأيام، إلى الأبد.

والآن، إن السؤال المطروح على كل واحدٍ منا ليس هو: «ما رأيك في بيت شان؟ وما رأيك في الشفاء الإلهيّ؟» بل هو: «ماذا تظنون في المسيح؟» لقد جاء حينٌ من الدهر كان فيه شيء صغير من الأشياء قائمًا وحائلًا بيني وبين المسيح. وأنا أعبّر عنه بحديثٍ قصير جرى بيني وبين صديقٍ قال لي: «أنت شُفيتَ بالإيمان». فقلت: «كلا، بل أنا شُفيتُ بالمسيح». فما الفرق بين القولين؟ إن بينهما لفرقًا عظيمًا. لقد جاء حينٌ بدا لي فيه أن الإيمان نفسه قد صار حائلًا بيني وبين يسوع. فقد ظننتُ أن عليّ أن أستولد الإيمان في نفسي، فكددتُ وتعبتُ لكي أحصّل الإيمان. وأخيرًا ظننتُ أني قد نلته، وأني إن ألقيتُ عليه ثقلي كله حملني ولم ينكسر. فقلت، وأنا أحسب أني قد نلتُ الإيمان: «اشفني». وكنت في ذلك كله متكلًا على نفسي، وعلى قلبي أنا، وعلى إيماني أنا. كنت أسأل الرب أن يصنع لي شيئًا من أجل شيءٍ فيّ أنا، لا من أجل شيءٍ فيه هو. فسمح الرب لإبليس أن يجرّب إيماني، فالتهمه إبليس التهامًا «كأسدٍ زائر»، فوجدتُ نفسي منسحقًا مكسورًا حتى ما عدتُ أظن أن لي إيمانًا البتة. وسمح الله بأن يُنزع مني الإيمان كله حتى أحسستُ أنه لم يبقَ لي منه شيء البتة. وحينئذ بدا لي أن الله يكلمني بعذوبةٍ عجيبة قائلًا: «لا عليك يا بنيّ، ليس لك شيء. وأما أنا فالقدرة الكاملة، وأنا المحبة الكاملة، وأنا الإيمان، وأنا حياتك، وأنا الاستعداد للبركة، ثم أنا البركة أيضًا. أنا كل ما في الداخل وكل ما في الخارج، وأنا الكلّ إلى الأبد». فإنما الأمر كله أن «يكن لكم إيمانٌ بالله» (مرقس 11:22). و«ما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان» — لا بالإيمان بابن الله، بل بـ«إيمان ابن الله» (غلاطية 2:20). هذا هو الأمر بعينه. فليس هو إيمانك أنت. فليس فيك إيمانٌ البتة، كما أنه ليس فيك حياة ولا شيء آخر من الأشياء. ليس فيك إلا الفراغ والخلاء، وما عليك إلا أن تكون انفتاحًا واستعدادًا لتأخذه هو وحده ليصنع فيك الكلّ. فعليك أن تأخذ إيمانه هو كما تأخذ حياته وشفاءه، وأن تقول ببساطة: «أنا أحيا بإيمان ابن الله». أما إيماني أنا فلا يساوي شيئًا في شيء. ولو كان عليّ أن أصلّي لأجل أحدٍ من الناس، لما اتكلتُ على إيماني البتة، بل قلت: «ها أنذا يا ربّ. إن أردتني أن أكون قناة بركةٍ لهذا الإنسان فانفخ فيّ كل ما أحتاج إليه». إنه المسيح ببساطة، المسيح وحده.

والآن، هل جسدك أنت مسلَّم للمسيح ليسكن فيك ويعمل فيك على هذا النحو؟ إن الرب يسوع المسيح له جسدٌ كما لك أنت جسد، غير أن جسده هو جسدٌ كامل؛ وهو جسدٌ، لا لإنسانٍ من الناس فحسب، بل لابن الإنسان. أفتأمّلتَ يومًا من الأيام لماذا يُدعى ابن الإنسان؟ إن «ابن الإنسان» معناه أن يسوع المسيح هو الإنسان الواحد النموذجيّ الجامع الشامل الذي يحتوي الكلّ. فيسوع هو الإنسان الواحد الذي يحوي في نفسه كل ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وكل ما يحتاج الإنسان أن يكون له. فالكلّ إنما هو في المسيح. فإن «كل ملء اللاهوت»، وملء النوع البشريّ الكامل، قد تجسّد في المسيح، وهو قائمٌ الآن مُجمِلًا لكل ما يحتاج إليه الإنسان. فروحه هو كل ما تحتاج إليه روحك، وهو إنما يعطينا نفسه ببساطة. وجسده هو يملك كل ما يحتاج إليه جسدك. فله قلبٌ ينبض بكل القوة التي يحتاج إليها قلبك أنت. وله أعضاءٌ ووظائف فائضةٌ زائدةٌ بالحياة، لا لنفسه هو، بل للبشرية كلها. فهو لا يحتاج إلى قوةٍ لنفسه. وتلك الطاقة التي مكّنته أن يقوم وأن يصعد من القبر، فوق كل قوى الطبيعة، لم تكن لنفسه هو. إن ذلك الجسد العجيب إنما هو لجسدك أنت. فأنت عضوٌ من أعضاء جسده. ولقلبك حقٌّ أن يأخذ من قلبه كل ما يحتاج إليه. ولحياتك الجسدية حقٌّ أن تأخذ من حياته الجسدية سندها وقوتها؛ فليس هو أنت إذًا، بل هي حياة ابن الله الثمينة وحدها. أفتأخذه أنت هكذا اليوم؟ فحينئذ لا تكون قد شُفيتَ فحسب، بل تكون لك حياةٌ جديدة تكفي لكل ما تحتاج إليه، سيلٌ من الحياة يجرف المرض عنك، ثم يبقى بعد ذلك ينبوع حياةٍ لكل احتياجك في مستقبل أيامك. آهِ، خذه في كل ملئه.

ويخيّل إليّ أني ربما أستطيع أن أحمل إليكم اليوم طلسمًا صغيرًا، كأنما أعطاني الله سرًّا صغيرًا لكل واحدٍ من الحاضرين ههنا، ثم قال لي: «اذهب وقل لهم: إن هم أخذوه كان لهم طلسم قوةٍ أينما ذهبوا وحيثما ساروا، وحملهم عبر الشدة والخطر والخوف والحياة والموت والأبدية». ولو استطعتُ أن أقف على هذا المنبر فأقول لكم: «قد نلتُ من السماء سرَّ الغنى والنجاح، سرًّا يعطيه الله مجانًا، على يدي أنا، لكل من يريد أن يأخذه»، لأيقنتُ أنكم كنتم تحتاجون إلى قاعةٍ أوسع من هذه القاعة لكثرة الناس الذين كانوا يقبلون. ولكني، أيها الأحباء، إنما أدلّكم في كلمته على حقٍّ هو أثمن من ذلك كله. فإن الرسول بولس يخبرنا أن هناك سرًّا من الأسرار، سرًّا عظيمًا «مكتومًا منذ الدهور ومنذ الأجيال» (كولوسي 1:26)، سرًّا كان العالم يطلبه ويلتمسه باطلًا فلا يجده ولا يظفر به، ورجا حكماء المشرق أن يعثروا عليه يومًا، ويقول الله إنه «الآن قد أُظهر لقديسيه»؛ وقد جال بولس في العالم كله لا لشيءٍ إلا ليخبر به أولئك القادرين على قبوله؛ وذلك السرّ البسيط هو هذا لا غير: «المسيح فيكم رجاء المجد».

وكلمة «سرّ» في الكتاب إنما معناها المكتوم الذي لا يُعرف إلا بإعلانٍ من الله؛ وهذا هو السرّ العظيم. وأنا أقول لكم اليوم، بل أستطيع أن أعطيكم — إن أخذتموه منه هو لا مني أنا — أستطيع أن أعطيكم سرًّا كان لي، آهِ، ما أعجبه وما أبدعه! فمنذ سنين خلت جئتُ أنا إليه مثقلًا بالذنب والخوف؛ فجرّبتُ ذلك السرّ البسيط فنزع عني كل خوفي وكل خطيتي. ثم مضت السنون، فوجدتُ الخطية تغلبني وتقهرني، وتجاربي أقوى مني. فجئتُ إليه مرةً ثانية، فهمس لي: «المسيح فيكم»، فكان لي الظفر والراحة والبركة.

ثم انهار الجسد بعد ذلك من كل ناحيةٍ من نواحيه. فقد كنت دائمًا كثير الكدّ والتعب، ومنذ الرابعة عشرة من عمري وأنا أدرس وأكدّ ولا أوفّر قوّةً من قواي. وتوليتُ رعاية جماعةٍ كبيرة وأنا ابن إحدى وعشرين سنة؛ وانهرتُ انهيارًا تامًّا نحو ستّ مراتٍ من المرات، وفي آخرها كانت بنيتي كلها قد استُنفدت. وكم من مرةٍ خفتُ أن أسقط ميتًا في منبري. وما كنت أستطيع أن أصعد مرتفعًا من المرتفعات دون أن يأخذني الاختناق، من أجل قلبٍ منهوك وجهازٍ عصبيّ مستنزَف. وسمعتُ بشفاء الرب فقاومته وجاهدته، بل كنت أخاف منه. فقد كنت قد تعلّمتُ في كليات اللاهوت أن زمان الخوارق قد انقضى، وما كنت أستطيع أن أرجع عن تعليم نشأتي الأولى وتربيتي القديمة. كان عقلي هو الحائل القائم في طريقي؛ ولكني حين سيق بي أخيرًا إلى أن أحضر «جنازة لاهوتي العقائديّ»، كما يقول السيد شرنك، همس لي الرب بذلك السرّ الصغير: «المسيح فيكم»؛ ومن تلك الساعة قبلتُه لجسدي كما كنت قد قبلتُه لنفسي من قبل. فصرتُ من القوة والعافية بحيث صار العمل كله لذّةً كاملة. وسنين طوالًا قضيتُ عطلة الصيف كلها في مدينة نيويورك الحارّة، أكرز وأعمل بين الجموع، عملًا ما عملتُ مثله قط من قبل؛ فوق عمل دارنا وكليتنا، وكتلةٍ هائلة من العمل الأدبيّ وأشياء كثيرة غير ذلك أيضًا. على أن الرب لم ينزع عني آلامي فحسب، بل كان الأمر أكثر من مجرد شفاءٍ بسيط. فقد أعطاني ذاته هو حتى فقدتُ كل ذلك الشعور المؤلم بأعضاء جسدي. وهذا هو أفضل ما في العافية التي يعطيها. وأنا أشكر الرب أنه يحفظني من كل شعورٍ جسديّ مَرَضيّ، ومن جسدٍ يكون موضع قلقٍ وعنايةٍ دائمة، ويعطيني حياةً بسيطة هي لذّةٌ وخدمةٌ للسيد، وهي راحةٌ وفرح.

ثم إنه كان لي بعد ذلك عقلٌ رديء، ثقيلٌ بطيء، لا يفكر ولا يعمل بسرعة. وكنت أشتهي أن أكتب وأتكلم للمسيح، وأن تكون لي ذاكرةٌ حاضرة، حتى يكون ما حصّلتُه من العلم القليل تحت يدي وفي متناولي في كل حين. فذهبتُ إلى المسيح في هذا الأمر أيضًا، وسألته: أعندك لي شيءٌ في هذا الباب؟ فأجاب: «نعم يا بنيّ، أنا قد صرتُ لك حكمةً من الله». وكنت أقع في الأغلاط دائمًا فأندم عليها، ثم أعزم ألا أعود إليها مرةً أخرى؛ ولكن حين قال لي إنه هو يكون حكمتي، وإنه يمكن أن يكون لنا فكر المسيح، وإنه قادرٌ أن يهدم الظنون وأن يستأسر كل فكرٍ إلى طاعة المسيح، وإنه قادرٌ أن يقوّم الدماغ والرأس ويصلحهما، عندئذ أخذتُه أنا لذلك كله. ومنذ ذلك الحين حُفظتُ من هذا العجز الذهنيّ، وصار العمل راحةً لي. كنت فيما مضى أكتب عظتين في الأسبوع، وكانت العظة الواحدة تستغرق مني ثلاثة أيام حتى أتمّها. وأما الآن، فمع عملي الأدبيّ، عليّ أن أكتب صفحاتٍ لا تُحصى من المادة على الدوام، فوق إدارة اجتماعاتٍ كثيرة جدًّا في الأسبوع، وكل ذلك سهلٌ عليّ كل السهولة، سهولةً لذيذة. لقد أعانني الرب في عقلي وذهني، وأنا أعلم أنه مخلّص أذهاننا كما هو مخلّص أرواحنا.

ثم إنه كانت لي بعد ذلك إرادةٌ متردّدة لا تحسم أمرًا. فسألته: «أما تستطيع أنت أن تكون لي إرادة؟» فقال: «نعم يا بنيّ، فإن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا». ثم علّمني بعد ذلك كيف ومتى أثبت، وكيف ومتى أتنازل وأتراخى. فإن كثيرين من الناس لهم إرادةٌ حازمة ماضية، ولكنهم لا يعرفون كيف يتشبّثون بها في اللحظة المناسبة بعينها. وهكذا أيضًا جئتُ إليه أنا لأنال قوةً لعمله وكل الموارد اللازمة لخدمته، فما خيّب رجائي قط ولا مرةً واحدة.

ولذلك أقول: إن كان هذا السرّ الصغير الثمين، «المسيح فيكم»، ينفعكم في شيء، فهو لكم تأخذونه. وليتكم تُحسنون استعماله أكثر مما أحسنتُه أنا! فإني أشعر أني ما زلتُ في أول تعلّمي كم هو بديع العمل وحسن الأثر. فخذوه وامضوا تعملون به، في الزمان وفي الأبدية: المسيح للكلّ، ونعمةً فوق نعمة، ومن قوةٍ إلى قوة، ومن مجدٍ إلى مجد، من الآن وإلى الأبد.

كان فيما مضى البركة، وأما الآن فهو الربّ؛

كان فيما مضى الشعور، وأما الآن فهي كلمته.

كنت فيما مضى أطلب عطاياه، وأما الآن فالمعطي نفسه؛

كنت فيما مضى أطلب الشفاء، وأما الآن فهو نفسه وحده.

كان فيما مضى جهادًا موجعًا، وأما الآن فثقةٌ كاملة؛

كان فيما مضى خلاصًا ناقصًا، وأما الآن فالتمام.

كان فيما مضى إمساكًا لا ينقطع، وأما الآن فهو يمسكني بقوة؛

كان فيما مضى جرفًا دائمًا، وأما الآن فقد أُلقيت مرساتي.

كان فيما مضى تدبيرًا مشغولًا، وأما الآن فصلاةٌ واثقة؛

كان فيما مضى همًّا قلقًا، وأما الآن فالهمّ همّه.

كان فيما مضى ما أريده أنا، وأما الآن فما يقوله يسوع؛

كان فيما مضى سؤالًا لا ينقطع، وأما الآن فتسبيحٌ لا ينقطع.

كان العمل فيما مضى عملي، وأما من الآن فيكون عمله؛

كنت فيما مضى أحاول أن أستعمله، وأما الآن فهو يستعملني.

كنت فيما مضى أطلب القوة، وأما الآن فالقديرُ نفسه؛

كنت فيما مضى أكدّ لنفسي، وأما الآن فله وحده.

كنت فيما مضى أرجو في يسوع، وأما الآن فأعلم أنه لي؛

كانت مصابيحي فيما مضى تنطفئ، وأما الآن فتضيء بهيّة.

كنت فيما مضى أنتظر الموت، وأما الآن فأحيّي مجيئه؛

وقد أُرسي رجائي، آمنًا في ما وراء الحجاب.

الشواهد الكتابية في هذه العظة كولوسي 1:27
المواضيع الحياة الأعمق

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.