عظة · قراءة 22 د

إمكانات الإيمان

صورة A. B. Simpson A. B. Simpson

النص

مرقس 9:23

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

باختصار

مسحٌ متصاعد لما يشمله فعلًا قول «كل شيء مستطاع للمؤمن»: الخلاص لأردأ الخطاة، والتقديس، وشفاء الجسد، والعَول اليومي، وتبشير العالم. ويشدّد سمبسون على التوازي المذهل — فما هو مستطاع عند الله معروضٌ على الإيمان — ويدعو القارئ أن يطالب به في صلاة الإيمان.


«إن كنت تستطيع أن تؤمن. كل شيء مستطاع للمؤمن» — مرقس 9:23.

إنّ هذه كلماتٌ جريئةٌ وهائلة. إنها تفتح خزائن الملك الأزلي أمام ديدانٍ خاطئة، وتعرض على بني الطين امتياز قدرة الله نفسه على كل شيء، وكل الإمكانات التي تنطوي عليها موارده التي لا حدّ لها. وها هما ذان التصريحان المذهلان يقفان جنبًا إلى جنب: «كل شيء مستطاع عند الله»؛ «كل شيء مستطاع للمؤمن».

أولًا: لنتأمل معًا في إمكانات الإيمان:

  1. الخلاص مستطاع للمؤمن. فمهما بلغت الخطية من الدناءة والرداءة، ومهما كثرت الخطايا أو عظمت، ومهما تفاقم الذنب واشتدّ، ومهما تعمّق الفساد وتأصّل، ومهما طال شوط القساوة والإجرام وامتدّ به الزمن، يبقى الأمر في كل مكان وإلى الأبد صحيحًا: «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية»، «آمن بالرب يسوع فتخلص». وبهذا الطريق وحده تستطيع أي نفس كانت أن تخلص، إذ يبقى صحيحًا إلى الأبد أيضًا، مهما تكن المؤهلات التي تملكها النفس، أبلغت أعلى درجات الاستقامة الأدبية أم انحدرت إلى أعمق دركات الفساد، أن «من لم يؤمن يُدَن». إنّ هذا النص المبارك يفتح أبواب الفردوس، ويفتح معها كل إمكانات النعمة، لأي خاطئ وكل خاطئ على وجه الأرض، فـ«من يرد فليأتِ ويأخذ ماء حياة مجانًا».
  2. التقديس مستطاع للمؤمن. فقول الرب «وميراثًا مع المقدَّسين بالإيمان بي» ما زال هو النقش المكتوب فوق أبواب ميراثنا الكامل. وقوله «مطهرًا بالإيمان قلوبنا» ما زال هو الطريقة الإلهية التي بها يتم الخلاص الكامل. وبهذا الطريق وحده، لا بطريق آخر البتة، تستطيع النفس أن تتقدس. فالتقديس ليس عملًا من الأعمال نصنعه بأيدينا، بل هو عطية من عطايا النعمة، وكل نعمة لا بد أن تكون بالإيمان. إنه غير مستطاع بالجهاد المضني ولا بكثرة المصارعة؛ وغير مستطاع بالتقشف ولا بتعذيب الذات؛ وغير مستطاع بالمرض ولا بالألم ولا بصلب النفس بأيدينا؛ وغير مستطاع بالإقناع الأدبي ولا بالتربية الدقيقة ولا بالتعليم القويم ولا بالقدوة الكاملة؛ بل هو غير مستطاع حتى بمياه الموت نفسه المظلمة الباردة. فالنفس التي تموت وهي غير مقدسة تبقى غير مقدسة إلى الأبد: «من هو مقدس فليتقدس بعد، ومن هو نجس فليتنجس بعد». غير أنه مستطاع للمؤمن. إنه عطية يسوع المسيح؛ إنه دخول يسوع المسيح إلى الداخل وسكناه هناك؛ إنه الحياة الباطنة والعطاء الإلهي الذي يمنحه الروح القدس، ولا بد أن يكون بالإيمان وحده لا بشيء سواه. وهو مستطاع لأي نفس تشاء أن تؤمن، مهما كانت دنسة فيما مضى، ومهما كانت معوجّة في حاضرها: قد تكون خسيسةً ملتويةً كيعقوب، وغليظةً كداود في أحلك خطاياه، وواثقةً بذاتها كسمعان بطرس، وعنيدةً بارّةً في عيني نفسها كبولس — ومع ذلك يمكن أن تُجعل، بل ستُجعل، بلا عيب كابن الله، مقدسةً بقداسة يسوع نفسه، ذاك الذي يأتي ليسكن فيها من الداخل، إن نحن آمنّا به وقبلناه فقط.
  3. الشفاء الإلهي مستطاع للمؤمن. فقوله «وصلاة الإيمان تشفي المريض» ما زال هو كلمة السيد التي لم تتغير ولن تتغير لكنيسته المتألمة. ولا بد أن يكون هذا الإيمان هو إيمان القابل نفسه لا إيمان غيره، لأنه قد قيل في الرسالة: «فلا يظن ذلك الإنسان المرتاب أنه ينال شيئًا من عند الرب». وما زال الأمر صحيحًا اليوم كما كان صحيحًا يوم لمس السيد عيني الأعميين وقال لهما: «بحسب إيمانكما ليكن لكما». ولا يهم البتة كم يكون المرض خطيرًا، ولا كم يكون مستعصيًا: فقد يكون ميؤوسًا منه كحال تلك المرأة المنحنية التي لم تكن تقدر أن تنتصب البتة؛ أو مزمنًا كذلك المريض الذي رقد ثماني وثلاثين سنة عاجزًا عند البركة؛ أو خاملًا محتقرًا كحال الأعميين المسكينين اللذين كانا يستعطيان على قارعة الطريق وحسبهما الجمع غير أهلٍ لالتفات المسيح؛ أو كتلك المرأة الخاطئة الفينيقية السورية التي دعاها المخلص نفسه كلبًا، ومع ذلك جاءها الشفاء كما جاء غيرها، حين استطاع أن يقول لها: «عظيم إيمانك! ليكن لك كما تريدين». فليس الإيمان في ذاته هو الذي يشفي المريض، بل الله هو الذي يشفيه، ذاك الذي يلمسه الإيمان؛ غير أنه لا سبيل لنا البتة إلى لمس الله إلا بالإيمان وحده، ولذلك إن أردنا أن ننال لمسته القادرة على كل شيء فلا بد لنا أن نؤمن.
  4. كل قوة للخدمة مستطاعة للمؤمن. فإن عطية الروح القدس إنما تُنال بالإيمان. وقد كانت قوة الرسل على قدر إيمانهم، لا أكثر من ذلك ولا أقل. وهذا استفانوس، وقد كان «مملوءًا إيمانًا وقوة»، استطاع وحده أن يواجه كل حكمة شاول الطرسوسي وكل حكمة مجمع الكيليكيين. والقصة البسيطة التي تُروى لنا عن برنابا هي أنه «كان رجلًا صالحًا وممتلئًا من الإيمان ومن الروح القدس، فانضم إلى الرب جمع غفير». وسرّ الكرازة المؤثرة ليس هو المنطق، ولا هو البلاغة، ولا هو حسن الإلقاء، بل هو القدرة على أن تقول من صميم القلب: «آمنت لذلك تكلمت». ونجاح بعض المبشرين والعاملين المسيحيين لا يتناسب البتة مع مواهبهم، ولا مع قدراتهم في أي اتجاه من الاتجاهات، لكن لهم عطية واحدة يمارسونها بأمانة، وهي أن ينتظروا من الله أن يعطيهم نفوسًا؛ ولذلك لا يخيب رجاؤهم قط ولا مرة واحدة. وما زالت الكنيسة في هذا الجيل لم ترَ بعدُ كل إمكانات الإيمان في عمل الرب. وما مثالا مودي وهاريسون إلا نموذجان لما هو مستطاع لأصغر عامل من العاملين وأحقره في عيني نفسه، إذا كانت عينه واحدة لمجد الله وحده، وأمانته بسيطة لإنجيل المسيح، فتجرأ عندئذ أن ينتظر أعظم النتائج وأبعدها. وكلا هذين الرجلين، وهما لعلهما أبرز نموذجين للثمر الواسع في هذا الجيل، رجلان بلا مواهب طبيعية عظيمة، وبلا حظوظ وافرة من التعليم، ولذلك هما أدعى إلى التشجيع وأبعث على عمل الإيمان. فيا أيها العامل المتواضع في كرم الرب، أتمضي أنت إلى كل إمكانات الإيمان في عملك الذي تعمله له، إذ تدرك قوة ضعفك وجبروت إلهك؟ فإنه «لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي، قال رب الجنود».

    لقد جاء اليوم الذي فيه يعلن الله ذاته من خلال ضعف أدواته عينه، واليوم الذي فيه يثبت مرة أخرى أنه قد اختار جهال هذا العالم ليخزي بهم الحكماء، واختار ضعفاء هذا العالم ليخزي بهم الأقوياء.

  5. لا بد أن تتراجع كل الصعاب وكل الأخطار أمام قدرة الإيمان التي لا تُقاوَم. فبالإيمان سقطت أسوار أريحا بعدما طيف حولها سبعة أيام، وما زال على أمنع حصون العدو وأقواها أن تتراجع أمام زحف الإيمان الثابت المنتصر. وبالإيمان سدّ دانيال أفواه الأسود ونجا من بينها، وقد قيل لنا صراحةً إن ذلك إنما كان «لأنه آمن بإلهه». فلم تكن استقامة حياته، ولا أمانته الشجاعة، هي التي خلّصته من الموت، بل كانت ثقته بيهوه وحدها. ومثل هذا الإيمان هو الذي حمل أرنوت الجسور عبر أدغال إفريقيا، وهو الذي أنقذ بايتون البطل من سَورة القتل عند متوحشي تانا، وهو الذي ردّ ضربة الموت والكارثة المتوقعة عن كثيرين منا في اختباراتنا الأقل شأنًا تحت عناية الله. وما زال إله الإيمان قريبًا وقادرًا وأمينًا كما كان يوم سار مع الفتية العبرانيين في وسط النار، ويوم حرس بولس البطل خلال كل أخطار حياته المتقلبة. فليس ثمة صعوبة صغيرة إلى حدّ أن يُستغنى فيها عن ممارسة الإيمان، وليس ثمة أزمة فظيعة إلى حدّ أن يعجز الإيمان عن الانتصار عليها. أفلا نمضي بهذا الترس وهذا المجن، ونجرّب كل إمكانات الإيمان؟ عندئذ حقًا نحمل حياة محروسة حتى في وسط جيوش الجحيم عينها، ونعلم أننا لا نموت حتى يكمل عملنا.
  6. كل انتصارات الصلاة من أولها إلى آخرها مستطاعة للمؤمن. «وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه.» «كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم.» فليست قوة الصلاة ولا طولها هي التي تغلب وتنتصر، بل بساطة ثقتها هي التي تغلب. وصلاة الإيمان هي التي تطالب بقوة الشفاء من المخلص الذي لا يتغير ولا يتبدل. وصلاة الإيمان هي التي تبلغ النفس التي لعله لا تستطيع يد بشرية واحدة أن تدنو منها، وهي التي تأتي أحيانًا بالجواب من السماء قبل أن يخمد صدى الطلبة. فهناك في مدينة كليفلاند زوجة مكسورة القلب تصلي مع واحد من المبشرين لأجل نفس زوجها. وفي تلك الساعة عينها يقوده تأثير خفي لا يعرفه هو نفسه إلى اجتماع صلاة في مدينة شيكاغو عند الظهيرة، وقبل أن تنتهي تلك الصلاة تكون أجواق السماء قد أخذت ترنم فرحًا على نفس تائبة، ويكون الروح القدس يهمس في قلبها هي أن العمل قد تمّ، بيقين لا يقل عن يقين الغد حين يحمل البريد السريع إليها البشرى مكتوبة بخط يده هو. وصلاة الإيمان هي التي أقامت تلك الصروح الباقية في آشلي داون، حيث يُطعَم ألفا يتيم كل يوم بيد الله وحده، استجابةً لصراخ خادم أمين متواضع مؤمن. وما هذه الأمور كلها إلا نماذج ورسوم مما كان الله مستعدًا دائمًا أن يصنعه، ولم يعقه عنه شيء البتة إلا عدم إيمان شعبه. أيها الأحباء، إن هذه الإمكانات مفتوحة لكل واحد منا. قد لا نُدعى إلى خدمة علنية، ولا نكون مؤهلين لكلام يعلّم غيرنا، ولا موهوبين ثروة ولا نفوذًا، لكن قد أُعطي لكل واحد منا أن يلمس يد القدير، وأن يخدم عند مذبح الذهب، مذبح الصلاة الغالبة. ومجمرة واحدة فقط هي التي علينا أن نأتي بها — كأس الذهب، كأس الإيمان — وإذ نملؤها من جمر نار الروح القدس ومن بخور رئيس الكهنة العظيم، إذا بسكوت يقع مرة أخرى في السماء، إذ يُسكت الله الكون كله ليصغي، ثم تُسكب النار الحية على الأرض في قوى العناية والنعمة الجبارة التي بها يُستقدَم ملكوت ربنا.
  7. كل سلام وكل فرح مستطاع للمؤمن. فصلاة الرسول لأجل أهل رومية هي أن يملأهم إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان. وإن إرادة الله وقصده أن تكون النفس غير المؤمنة نفسًا شقية، وأن يُحفظ سالمًا سالمًا من كان رأيه ممكَّنًا في الله ومتوكلًا عليه. أفتشتهي إذًا أن تعرف ذلك السلام الذي يفوق كل عقل؟ فلا تهتم بشيء البتة، وآمن ثابتًا راسخًا أن الرب قريب، متعالٍ فوق كل ظرف من الظروف، وأنه هو الذي يجعل كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبونه. أتشتهي أن تكون سعيدًا في أحلك ساعة من ساعات حياتك؟ إذًا اتكل على الرب واستند إلى إلهك. أتشتهي فيضان الفرح الدائم الذي لا ينقطع؟ إذًا تعلّم أن تقول: «ذلك وإن كنا لا نراه الآن، لكننا نؤمن به فنبتهج بفرح لا يُنطق به ومجيد». إن فرح الانفعال العارض إنما هو كزهرة مقطوفة في يوم قصير من أيام الشتاء، قد انفصلت عن أصلها فذبلت قبل أن تغيب شمس أخرى. أما فرح الإيمان فهو الثمر والزهر الدائم الذي يكسو الشجرة الحية، أو ينبت من النبتة المتأصلة في جنة مسقية.

    «لقد وجد أهل الإيمان

    أن المجد يبدأ ها هنا —

    ثمرًا سماويًا في أرض معادية

    من الإيمان والرجاء ينمو.»

  8. تبشير العالم كله سيُعطى للإيمان. فإن أنجح الأعمال الإرسالية في أيامنا هذه إنما تُعال كليًا بالإيمان بالله وبقوة الصلاة وحدهما. وإن كانت الصين ستُبشَّر في هذا القرن الذي نحن فيه، فسيكون ذلك بفضل إيمان مرسل واحد متواضع، رجل تجرأ أن يحاول أمورًا عظيمة لأجل الله، وأن ينتظر أمورًا عظيمة من عند الله. فليس ثمة ميدان للإيمان أوسع ولا أسمى من ميدان الإرساليات اليوم، وليس ثمة حد البتة للإمكانات التي يستطيع الإيمان أن يطالب بها هناك. آهِ، ليت بعضًا منا يرتفع إلى مستوى عظمة هذه الفرصة الكبرى، فيصير عاملًا مع الله في أعظم إنجاز عرفته القرون المسيحية كلها منذ بدايتها.
  9. مجيء الرب سيُعطى بلا شك للإيمان في آخر الأمر. فسيكون هناك جيل من الأجيال يقول: «هوذا هذا إلهنا، قد انتظرناه». وهو إلى يومنا هذا رجاؤنا المبارك، لكنه سيصير يومًا ما أكثر من ذلك بكثير. وإذ تقرأ عروسه المنتظرة، في الأرض وفي السماء معًا، علامات مجيئه، ستسمع تلك الصرخة المفرحة: «قد جاء عرس الخروف». فقد أُعلن لسمعان الشيخ قديمًا أنه لن يموت قبل أن يرى مسيح الرب، وكذلك سيُعطى لبعضهم في الأزمنة الأخيرة أن يروا كوكب الصبح الذي يسبق فجر الملك الألفي. فليعنّا الرب أن نفهم أزمنتنا التي نحن فيها، وأن نفهم العمل الذي ينتظره منا السيد لنهيئ به مجيئه، حتى يُسمح لنا أن نشارك في مكافأة الإيمان المجيدة، بل أن نعجّل نحن بأنفسنا ذلك اليوم السعيد.
  10. لكن فوق كل ما قيل، يعني هذا الوعد أن كل شيء مستطاع للمؤمن. فقد ينال المرء واحدًا من هذه الإنجازات التي ذُكرت، بل قد ينال كثيرًا منها، ومع ذلك يفوته «كل شيء» الذي في مشيئة الله العليا. ومعنى هذا الوعد في ملئه هو أن الإيمان يستطيع أن يطالب بحياة كاملة، وببركة لا يعوزها شيء البتة، وبخدمة تامة مكمَّلة، وبإكليل لا تُفقَد منه جوهرة واحدة من جواهر المكافأة. فثمة حياة من الحيوات لم تضع كلها ضياعًا تامًا، ومع ذلك لم تخلص إلى التمام. وثمة أقواس قزح كثيرة قد انكسر قوسها ولم يكتمل، لكن حول العرش قوس قزح دائرته كاملة تامة، رمزًا لسجل مكتمل ولمكافأة لا نهاية لها. وكثيرون منا مقصّرون عن كل ما كان في فكر الله الأسمى لأجلهم. فحين وقف ملك إسرائيل عند سرير نبي الرب المحتضر، وضع أليشع يده على يدي يهوآش وأعانه أن يرمي تلك السهام التي كانت رمزًا للإيمان وللنصرة معًا؛ ثم طلب النبي بعد ذلك أن يُتبع الملكُ هذا العمل المشترك بينهما بتعبير آخر أكثر شخصية عن مقدار انتظاره هو نفسه. لكن، وا أسفاه، كحال أكثرنا نحن، تبخّر إيمانه قبل أن يتم عمله المطلوب منه بزمن طويل. ضرب الأرض ثلاث مرات ثم وقف. وحين فات الأوان على استرداد بركته الضائعة، وبّخه النبي حزينًا غاضبًا على إهماله وعلى ضيق قلبه، وأخبره بأسى شديد أن بركته ستُحَدّ ولن تتجاوز مقدار إيمانه الصغير. ولن أنسى قط تلك المهابة التي أحضر بها الله هذا المقطع إلى نفسي في أزمة من أزمات حياتي، وسألني كم آخذ من يده، وبأي قدر ضئيل يقنع إيماني ويكتفي. والشكر لله أنه أعانني أن أقول بقلب يكاد ينفطر: «لا شيء دون كل فكرك ومشيئتك العليا، بل كل شيء من أعظم إمكانات الإيمان». فليعنّا الرب أن نتطلع دائمًا إلى ذلك الوقت الذي تفلت فيه كل هذه الفرص من بين أيدينا، وأن نحيا كل يوم من أيامنا تحت سلطان تلك الأشواق المقدسة التي سنقدر حينئذ أن نفهم قيمتها الحقيقية، وأن نقول على الدوام مع ذاك الرجل الذي حمل الطموح السامي نفسه: «ولست أحتسب لشيء، ولا نفسي ثمينة عندي، حتى أتمم بفرح سعيي». أيها الأحباء، أيفوتكم شيء من حياتكم، من مداكم الأرضي الثمين الضيق الواحد، ذلك المحور الذي تدور عليه الأبدية كلها، تلك الإمكانية الأبدية الواحدة التي لن تعود إليكم أبدًا مرة أخرى؟ إن الله واقف منتظرًا أن يعطيكم كل شيء، وكل شيء مستطاع للمؤمن.

ثانيًا: معقولية الإيمان. لماذا يجعل الله كل شيء متوقفًا على إيماننا نحن؟

  1. لأن خراب الجنس البشري كله قد بدأ بفقدان الإيمان، ولا بد أن يأتي إصلاحه هو أيضًا عن طريق ممارسة الإيمان. فالسم الذي حقنه الشيطان في دم حواء إنما كان تشكيكًا في أمانة الله، والوصفة الوحيدة التي يقدمها الإنجيل للخطاة غير المخلَّصين هي هذه: «آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص».
  2. الإيمان هو ناموس المسيحية، وهو المبدأ الحيوي الذي يقوم عليه تدبير الإنجيل كله. وقد سماه الرسول «ناموس الإيمان» تمييزًا له عن «ناموس الأعمال». وقد عبّر عنه الرب يسوع بتلك الصيغة البسيطة التي صارت مقياس الصلوات المستجابة، ومقياس كل بركة من البركات ننالها باسم يسوع. فالله إذًا ملتزم أن يعمل بحسب إيماننا، وهو ملتزم أيضًا أن يعمل بحسب عدم إيماننا.
  3. الإيمان هو الطريق الوحيد المعروف لنا، وهو الطريق الذي نستطيع به أن نقبل عطية من عطايا الله من يده؛ وبما أن كل بركات الإنجيل إنما هي عطايا النعمة، فلا بد أن تأتينا بالإيمان، وبمقدار إيماننا لا أكثر من ذلك، إن هي أتتنا أصلًا.
  4. الإيمان ضروري كتأثير داخلي يهيئ قلوبنا نحن لقبول الله نفسه ولقبول نعمته. فكيف يستطيع الآب أن يوصل محبته إلى قلب خائف مرتجف؟ وكيف يقترب الله من ولد صغير مذعور؟ لقد رأيت بعيني طائرًا صغيرًا يموت رعبًا في يدي، وأنا لم أنوِ له أذى البتة، بل حاولت عبثًا أن أداعبه وأن أكسب وده لي. وهكذا القلب البشري الفرد بلا إيمان يموت في حضرة الله من الرعب المطلق، ويعجز عن أن يقبل محبة الآب الفائضة، تلك المحبة التي لا يقدر أن يفهمها.
  5. الإيمان قوة روحية حقيقية. ولا شك عندي أنه واحدة من صفات الله نفسه. ونحن نراه ماثلًا في يسوع في كل معجزة من معجزاته. وقد شرح لتلاميذه أنه كان هو القوة عينها التي بها أيبس شجرة التين، وهو القوة عينها التي بها يستطيعون هم أن يغلبوا أعتى العقبات القائمة في طريقهم وأن يذيبوها. ولا ريب أن النفس، إذ تمارس بقوة الله ذلك الإيمان الذي يأمر بما يأمر الله به، تكون في تلك اللحظة عينها قوة جبارة عاملة في تلك العقبة نفسها، وهي قوة حقيقية لا وهمية، كتيارات الكهرباء أو كقوة الديناميت. لقد وضع الله حقًا في أيدينا واحدة من أدوات قدرته المطلقة، وأذن لنا أن نستعملها باسم يسوع، وبحسب مشيئته، ولأجل تثبيت ملكوته.
  6. والسبب الأعظم في أن الله يطلب منا الإيمان هو أن الإيمان هو الطريق الوحيد الذي به يجد الله نفسه مجالًا مطلقًا ليعمل فيه، لأن الإيمان ليس إلا ذلك الموقف العديم اللون البسيط الذي به يكفّ الإنسان عن أعماله هو ويدخل في عمل الله. إنه الفرق بعينه بين البشري والإلهي، وبين الطبيعي وما فوق الطبيعي. والسبب إذًا في أن الإيمان قد بلغ هذه القوة، بل هذه القدرة على كل شيء، هو أنه ببساطة يفسح الطريق لقدرة الله وحدها. ولذلك تتوازى هاتان الجملتان توازيًا عجيبًا دقيقًا: «كل شيء مستطاع عند الله». «كل شيء مستطاع للمؤمن». فالقوة الواحدة عينها يملكها الله ويملكها المؤمن، والسبب في ذلك أن الثاني ضائع في الأول ومتحد به كل الاتحاد. فبماذا نصوّر تلك المسافة الهائلة بين الأرضي والسماوي، وبين البشري والإلهي، وبين المحدود وغير المحدود؟ لقد قال واحد من الناس: خذ أقوى قطعة من قطع المدفعية، واملأها إلى فوهتها بارودًا أو ديناميتًا، وضع فيها أتقن قذيفة من الفولاذ، واحرص أن تكون فيها كل أحدث التحسينات وأجودها، ثم أطلقها، فتنطلق قذيفتك في الفضاء بسرعة ستمائة قدم في الثانية الواحدة. لكن في تلك الثانية عينها، دع الله، بومضة نور واحدة وبلا جهد ولا صوت، يدفع شعاعًا من تلك الشمس أو من ذلك النجم أو من مصباح منتصف الليل، فإذا هو يطير ستمائة ألف ميل. ستمائة قدم، وستمائة ألف ميل! إن هذه لصورة ضعيفة للفرق بين البشري والإلهي. فذلك المدفع الثقيل بقوته البطيئة المدمرة إنما هو رمز لأعمال الإنسان. وذلك الشعاع اللطيف من الشمس ومن النور، بخدمته الصامتة السريعة المحسنة، إنما هو رمز لموارد الله غير المحدودة. وهذا هو العالم الذي يدخلنا الإيمان إليه ويقيمنا فيه. فإذ يسلّم الإيمان عدم كفايته الذاتية، يرتبط بكفاية الله الكاملة، ويمضي منتصرًا وهو يهتف: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني»، بينما ترجّع السماء المستحسنة الصدى من فوق: «كل شيء مستطاع للمؤمن».

ثالثًا: إمكانية الإيمان. «إن كنت تستطيع، فآمن.»

  1. بديهي أننا لسنا بحاجة إلى أن نقول إن الإيمان إنما يتوقف على الطاعة وعلى استقامة القلب والحياة معًا. فنحن لا نستطيع أن نثق بالله ونحن مقيمون في خطية متعمدة، بل إن الحالة غير المقدسة قاتلة لأي درجة عالية من درجات الإيمان، لأن القلب الجسداني ليس هو التربة التي يستطيع الإيمان أن ينمو فيها، بل الإيمان ثمر من ثمار الروح، وتعوقه أعشاب الخطية والانغماس المتعمد. والسبب في أن كثيرين جدًا من المسيحيين ليس لهم إلا إيمان ضئيل هو أنهم يعيشون في العالم وفي ذواتهم، منفصلين في جزء كبير من حياتهم عن الله وعن القداسة. فلما بُني مرصد ليك على ساحل المحيط الهادئ، كان لا بد من الصعود فوق أودية الساحل ومنخفضاته، حيث يجثم الضباب والسديم ثقيلًا على الأرض، ومن اختيار موقع على قمة جبل هاملتون، فوق ضباب الأرض وأبخرتها، وفي مشهد صافٍ غير محجوب للسماوات. وهكذا يقتضي الإيمان لرؤياه السماوية أن يكون في مرتفعات القداسة والانفصال، وتحت سماء حياة مكرسة صافية نقية.

    أيها الأحباء، عساكم تجدون في هذا تفسير كثير من شكوككم ومن مخاوفكم: أن مستواكم منخفض جدًا، وأن قلبكم مختلط جدًا، وأن حياتكم قريبة جدًا من هذا «العالم الحاضر الشرير».

  2. ويعوق الإيمانَ أيضًا ذلك الأسلوب الضعيف غير الكتابي الذي به يعتذر كثيرون عن عدم إيمانهم، ويستخفون في الفكر والكلام معًا بخطية الشك في الله. فإن أردنا إيمانًا قويًا فلا بد أن نعترف به التزامًا حتميًا مقدسًا، وأن نؤمن بالله ثابتين راسخين، وأن نأبى أن نشك فيه أبدًا. فلا نقولنّ إننا لا نستطيع أن نؤمن. حقٌّ أننا لا نستطيع من ذواتنا، لكن هذا أيضًا يهبه الله، وقد أعدّ لنا القدرة على الإيمان إن نحن اخترنا ذلك. فلا نعد إذًا نغضّ من شكوكنا ونلتمس لها العذر بوصفها ضعفات غير مؤذية ومصائب محزنة، بل «انظروا أيها الإخوة أن لا يكون في أحدنا قلب شرير بعدم إيمان في الارتداد عن الله الحي».
  3. ويعوق الإيمانَ كذلك الاتكال على الحكمة البشرية، سواء أكانت حكمتنا نحن أم كانت حكمة الآخرين. فأول طُعم ألقاه إبليس لحواء إنما كان عرض الحكمة عليها، وبهذا الطُعم باعت إيمانها. «تكونان كالله» قال لها، «عارفَين الخير والشر»، ومن تلك الساعة التي بدأت فيها تعرف كفّت عن أن تثق به. والجواسيس هم الذين أضاعوا أرض الموعد على إسرائيل قديمًا. فاقتراحهم الأحمق بتجسس الأرض، ومعرفة ما إذا كان الله قد قال الحق أم لم يقله، وذلك بالبحث والتحقيق، هو الذي أدى إلى ذلك الانفجار الرهيب من عدم الإيمان، الانفجار الذي أغلق أبواب كنعان في وجه جيل بأكمله. ومن اللافت جدًا أن أسماء هؤلاء الجواسيس كلها تقريبًا توحي بالحكمة البشرية وبالعظمة وبالشهرة. وهكذا في أيام المسيح أيضًا، كان استعباد اليهود لتقاليد الآباء ولآراء الناس هو وحده الذي منعهم من أن يقبلوه هو نفسه. «كيف تقدرون أنتم أن تؤمنوا» سألهم، «وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟» ولهذا الأمر في يومنا هذا علاقة كبيرة بمحدودية إيمان الكنيسة. فالكتاب المقدس يُقاس اليوم بمقياس النقد البشري، ووعود الله تُوزَن في ميزان الاحتمال الطبيعي وميزان العقل البشري. وحكمتنا نحن خطرة كذلك إن هي حلّت محل كلمة الله البسيطة، ولذلك إن أردنا أن «نتوكل على الرب بكل قلبنا» فلا بد لنا أن «لا نعتمد على فهمنا».
  4. والاكتفاء الذاتي والاتكال على قوتنا الذاتية هما أيضًا عائق لإيماننا.

    ولذلك يضطر الله أن يردّنا إلى العجز التام قبل أن تكون لنا ثقة كبيرة به. وساعة تدخّله الأعظم هي في العادة وقت ضيقنا الأشد.

    تروي إحدى المجلات الأسبوعية غير الدينية قصة ولد صغير يمثّل اختبارُه اختبار كثيرين ممن هم أكبر منه سنًا بكثير. فقد بلغ تلك الحقبة من حياة الصبي التي ينال فيها أول سروال له، فزعزع هذا الارتقاء الجديد توازنه الروحي كله. كان قبل ذلك مسيحيًا صغيرًا تقيًا، يشارك أخته الصغيرة كل صباح في طلب عون الرب وبركته لذلك اليوم، لكنه في هذا الصباح بعينه، إذ نظر إلى سرواله الجديد وأحسّ في نفسه أنه قد صار رجلًا، أوقف أخته الصغيرة حين بدأت تصلي لأجله كعادتها: «أيها الرب يسوع، اعتنِ بفريدي اليوم واحفظه من كل أذى»، وصاح، كسمعان بطرس المسكين في اكتفائه بذاته: «لا يا جيني، لا تقولي ذلك؛ فريدي يستطيع أن يعتني بنفسه هو الآن». فصُدمت تلك القديسة الصغيرة وارتاعت، لكنها لم تدرِ ماذا تفعل. وهكذا بدأ ذلك اليوم، لكن قبل الظهر تسلقا كلاهما شجرة كرز، وبينما كان فريدي يمد يده إلى الثمر المغري، هوى برأسه إلى زاوية ضيقة بين الشجرة والسياج، وبكل جهاده اليائس وجهاد أخته المذعورة عجز عجزًا تامًا عن أن يخلّص نفسه، وأخيرًا رفع عينيه إلى جيني بنظرة يمتزج فيها الخجل بالفهم، وقال لها: «يا جيني، صلّي؛ فريدي لا يستطيع أن يعتني بنفسه بعد كل شيء». وفي تلك اللحظة عينها كان رجل قوي مارًا في الطريق، فجاء جواب صلاتهما سريعًا، إذ أزالت تلك الذراعان القويتان السياج في دقائق قليلة، فتحرر فريدي، وخرج حاملًا درسًا يبقى معه كل عمره: أن يسلك كسمعان بطرس، مطأطئ الرأس، واثقًا باتضاع بقوة وعناية أعظم من قوته هو ومن عنايته.

    حقًا إن هذه وحدها هي تربة الإيمان! وما أحسن ما قاله حبقوق منذ قرون طويلة، إذ قابل بين الكبرياء وبين الثقة: «هوذا منتفخة غير مستقيمة نفسه فيه، أما البار فبإيمانه يحيا».

    أيها الأحباء، هل أوصلكم الله إلى نهاية قوتكم وآخرها؟ إذًا افرحوا وتهللوا جدًا، فإن هذه هي بداية قدرته المطلقة، إن سقط الإيمان فقط بين ذراعيه القويتين، وصرخ كما صرخ القدماء: «أيها الرب، ليس فرقًا عندك أن تساعد الكثيرين أو من ليس لهم قوة. ساعدنا أيها الرب إلهنا، لأننا عليك اتكلنا، وباسمك قد أتينا على هذا الجمهور».

  5. ويعوق الإيمانَ العيان والحس، ويعوقه اتكالنا الأحمق على البراهين الخارجية.

    فالبرهان الذي فيه يجب أن نحيا وأن ننمو إنما هو البرهان غير المنظور، ولذلك لا بد أن تُنزع عنا كل الأمور الخارجية قبل أن نستطيع أن نؤمن حقًا؛ وإذ ننظر لا إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا تُرى، تصير تلك الأشياء حقيقية، بل أكثر حقيقية من أمور الحس، ثم يجعلها الله حقيقية في تحقيق فعلي. لكن على الإيمان أولًا أن يخطو إلى المجهول العظيم، وأن يمشي على الماء ليأتي إلى يسوع، بل أن يمشي في الهواء؛ وحيث لم يكن هناك إلا فراغ سيجد الصخر تحته، كذلك المسافر في جبال الألب الذي بلغ نهاية درب الجبل حين اختفى الدرب فجأة تحت كتلة عظيمة من الجليد والثلج وصار سيلًا جوفيًا، بينما ارتفع الجبل صارمًا أمامه، وامتدت خلفه أميال القفر التي كان قد قطعها. فماذا يصنع؟ وفجأة صاح دليله: «اتبعني!» وألقى بنفسه في السيل المنحدر ثم غاب عن ناظريه تحت الجبل العظيم الذي كان السيل ينفق فيه. كانت مغامرة مرعبة، لكن لم يكن له إلا أن يتبع أو أن يموت، فألقى بنفسه، فإذا بصدمة مفاجئة، ودوامة مياه، وظلمة دامسة، ثم انفجار من النور، وإذا هو مضطجع على ضفة جدول هادئ في الجانب الآخر من الجبل، في الوادي العذب أسفل. لقد قاد الطريقُ غير المنظور إلى الحياة وإلى النور.

    وهكذا ما زال الإيمان يسلك في دروب السر كثيرًا من الأحيان، لكن الله سيوضحها له دائمًا في النهاية. أفليس هذا هو عائق إيمانك أنت، أنك تتردد أن تؤمن قبل أن تغامر على كلمة الوعد المجردة؟ إن إيمانك وحده هو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى. فليعنّا الله أن نسلك بالإيمان لا بالعيان!

    ولذلك يضطر الله أن يدربنا في طريق الإيمان بالصعاب وبالتجارب وبالرفض الظاهري، حتى نثبت على الثقة ونستمر عليها كما فعلت تلك المرأة الفينيقية السورية، ونأبى أن نُرفض. وهو دائمًا منتظر أن يكافئ ثقتنا به بتلك الكلمات المفرحة: «عظيم إيمانك! ليكن لك كما تريدين».

  6. وأخيرًا، يعوق هذا الإيمانَ أكثر من كل شيء آخر ما نسميه نحن «إيماننا»، وتعوقه جهودنا العقيمة لنصنع لأنفسنا إيمانًا ليس هو في النهاية إلا تظاهرًا ومحاولة يائسة للثقة بالله، لا بد أن تقصّر دائمًا عن وعوده الشاسعة المجيدة. والحق أن الإيمان الوحيد الذي يوازي وعود الله الهائلة، ويوازي حاجات حياتنا التي لا تُقاس، إنما هو «إيمان الله» نفسه، تلك الثقة عينها التي ينفخها هو في القلب الذي ينتظره بفهم، لتكون له قدرته على الإيمان، كما هي قدرته على المحبة وعلى الطاعة وعلى كل ممارسة أخرى من ممارسات الحياة الجديدة.

مبارك اسمه! فهو لم يعطنا سلسلة تقف على بُعد حلقة واحدة من قلبنا المسكين العاجز — وتلك الحلقة الأخيرة وحدها لو نقصت من السلسلة لأفسدتها كلها. كلا، بل إن الحلقة الأخيرة، تلك التي تُشبك من الجانب البشري، هي إلهية تمامًا كتلك الحلقة التي تربط سلسلة الوعد بعرش وعده في السماوات. «ليكن لكم إيمان الله» هي وصيته العظيمة لنا. و«أحيا في الإيمان، إيمان ابن الله» هي الشهادة المنتصرة لرجل قد اختبر صدق ذلك وأثبته.

أيها الأحباء، في ضوء هذا التدبير الإلهي العظيم، أصغوا الآن إلى هذا الوعد الجبار، وقوموا بإيمانه هو لتطالبوا به: «إن كنت تستطيع، فآمن. كل شيء مستطاع للمؤمن»، ثم اصرخوا: «أومن يا سيد، كلا، لست أنا بل أنت! فأعن عدم إيماني».

والآن أيها الأحباء، إن هذه الآلة الجبارة من آلات القوة الروحية قد وُضعت في أيدينا بمحبة القادر على كل شيء. أفلا نطالب بها، ونرتقي بعون الله إلى أقصى إمكاناتها، وأفلا نوجهها من هذه الساعة، كأنها سلاح سماوي، إلى ميدان الحياة المسيحية وصراعها، ونستعملها لكل ما دعانا الله إليه في صراعات هذا العصر العظيمة، ولأجل ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح؟ لقد وقع نصيبنا نحن في أزمنة خطيرة؛ فالعقد الأخير من هذا القرن الهائل قد ابتدأ لتوّه، وهو يجد كنيسة الله مستيقظة إلى أعظم حملة في القرون المسيحية كلها، وهي حملة تبشير العالم، بقصد الاستعداد لمجيء ربنا الوشيك. فيا لها من إمكانية مجيدة! إنها واحدة من إمكانات الإيمان.

في الليلة الماضية، إذ جلست عند نافذتي المفتوحة بعيدًا في هزيع الليل الأخير، سمعت من أحد تلك الأكواخ هناك صوت الصلاة يرتفع الليل كله بلا انقطاع. كان صراخًا دائمًا جبارًا أن يعمل الإله القدير بكل قوته وبكل مجده، ومع أن الكلمات عينها كانت تتكرر مرارًا كثيرة وبالصوت عينه، لم يبدُ قط أنها تصير مملة، لأنه كان في تلك الصلاة من المعاني ما تعجز اللغة البشرية عن التعبير عنه، فلمس ذلك قلبي بالحنو وبالمهابة معًا، وبدا لي كأنه نبوءة عن ذلك الذي أثق أنه سيخرج من هذا المحفل العظيم ويلتقطه العالم كله من بعدنا، حتى يُستجاب بأصوات السماء في العلاء، وهي تعلن: «قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه. هللويا! قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء». آهِ، أفلا نأخذ هذه الآلة، آلة القدرة المطلقة، أعني صلاة الإيمان، فنوجهها نحو السماوات، ونوجهها على الأرض، ونوجهها ضد كل عدو من الأعداء، حتى نجد ونختبر أنه صحيح كل الصحة أن «كل شيء مستطاع للمؤمن»؟

لقد اقتُرح علينا أن نؤلف في هذا اليوم بعينه «حلف صلاة» لأجل تبشير العالم في هذا القرن الحاضر، ولأجل مجيء ربنا يسوع السريع. أيها الأحباء، هل تكون هناك فرصة أعظم من هذه للتطبيق العملي لهذا الموضوع الكبير، وأفلا نتضافر بقلب واحد، ونتشابك بالأيدي في صلاة مؤمنة حول العالم كله، حتى ذلك اليوم السعيد الذي فيه نتشابك بالأيدي مرة أخرى حول عرش الملك الألفي ونسبّحه على التتميم المجيد؟

الشواهد الكتابية في هذه العظة مرقس 9:23

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.