فرح الربّ
A. B. Simpson

عظة · قراءة 19 د

فرح الربّ

صورة A. B. Simpson A. B. Simpson

النص

نحميا 8:10

باختصار

الفرح، كما يرى سمبسون، هو أوضح فارق بين المسيحية وكلّ دين آخر — وكلمة نحميا تجعله سرّ القوّة. وهو يميّز بين البهجة التي تستند إلى الظروف وفرح المسيح الساكن في القلب، ويبيّن أنّ هذا الفرح قوّة للخدمة، واحتمال في المحن، وأشدّ شهادة جاذبة يحملها المؤمن.


«لِأَنَّ فَرَحَ ٱلرَّبِّ هُوَ قُوَّتُكُمْ». نحميا 8:10.

ليس ثمّة فارق أوضح بين المسيحية وسائر الأديان من عنصر الفرح.

الوجه الطبيعي للوثنية كئيب، وكثيرًا ما يكون حزينًا حزنًا عميقًا. أمّا التعبير الحقيقي عن الوجه المكرَّس فهو الإشراق والبهجة. صحيح أنّ هذا لا يتحقّق دائمًا كما ينبغي، ولكن متى أشرق الروح القدس في القلب المكرَّس عكس الوجه مجده، وصار كثيرًا، كوجه استفانوس، كأنّه وجه ملاك. وقد لاحظ مراسل إحدى الصحف الأسبوعية مرّةً، وهو يصف اجتماعات أحد مؤتمراتنا السعيدة: «أمر واحد ميز الوجوه كلها، وهو بهجتها العجيبة». ألا ليت هذا يصدق دائمًا! انظر إلى هاتين الأختين: وُلدتا من أمّ واحدة، وهُزّتا في مهد واحد، وتعلّمتا في مدرسة واحدة، ومع ذلك تفصل بينهما الآن مسافة أبعد بكثير ممّا تقيسه الفراسخ. الصغرى غنيّة ناجحة، يُعجب بها جمع واسع من الأصدقاء، ويحبّها كلّ فرد في عائلتها، وتُدلَّل بكلّ متعة يمكن أن تشتريها المكانة الاجتماعية أو الثروة الوافرة. والأخرى فقيرة؛ حياتها صراع مع الظروف، ووقتها مزدحم بالكدّ والهمّ؛ وكثيرًا ما يسيء أعزّ أصدقائها فهم موقفها الديني، ويلومونها بفظاظة على الأمور نفسها التي هي أسمى خدمات محبّتها وتضحياتها. ومع ذلك يشرق وجهها بفرح عميق صافٍ، تبدو الأخرى إلى جانبه باهتة فاترة. لقد اعتادت ابنة الثروة والرخاء ما يحيط بها حتى لم يعد يعني لها أكثر ممّا تعنيه للأخرى ظروفها المتواضعة. لقد أفسدت الكماليات الخارجية شهيّتها منذ زمن بعيد، ولم تنفجر في قلبها الفارغ ينابيع أعمق. انظر إليها حين تتغيّر الظروف! ليس لها موارد أخرى. يأتيها الثكل والموت فيجدانها بلا عزاء، وحين تخسر الأرض تخسر كلّ ما كان لها، ويكون الفراق أشدّ هولًا بقدر ما كانت لذّة الامتلاك. أمّا الأخرى فلها في داخلها مصدر سلام وسعادة لا تنال منه تقلّبات الخارج. إنّ محنها تلقيها بكلّيتها أكثر فأكثر على ذلك النبع الخفيّ للفرح، وحين يكتنف الظلام كلّ ما سواه، كثيرًا ما ترى وجهها كأنّه وجه ملاك، وحين تُسمع الشهقات والدموع من كلّ جانب حول فراش موتها، يكون صوتها عذبًا بالتسبيح، ووجهها مشرقًا بالمجد المنعكس من النهار الأبدي.

ولماذا لا يكون الأمر كذلك؟ «إِنَّ ٱللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ ٱلْبَتَّةَ». فالله المبارك لا بدّ أن يكون مصدر الغبطة. وابنه الحبيب، مثالنا ومخلّصنا، هو رئيس السلام والعريس الملكي الذي قيل له: «مَسَحَكَ ٱللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ ٱلِٱبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ»؛ ولا شكّ أنّ خلاصه ينبغي أن يكون خلاصًا مفرحًا، ولمسته ينبغي أن تجلب الفرح والنور، والذين يتبعونه ينبغي أن يكونوا أمناء لمثاله هو عن تلك الجماعة السعيدة من الذين «يَأْتُونَ إِلَى صِهْيَوْنَ بِتَرَنُّمٍ، وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ. ٱبْتِهَاجٌ وَفَرَحٌ يُدْرِكَانِهِمْ. وَيَهْرُبُ ٱلْحُزْنُ وَٱلتَّنَهُّدُ». وإذ ننظر في الأرض نجد أنّ الله قد وضع الجمال والبهجة حيثما استطاع. لقد خلقنا لنكون سعداء، وأرسل الفداء ليردّ فرحنا ويكمّله، ولذلك ارتبط خلاصه العظيم بروح متهلّلة ارتباطًا لا ينفصم. صحيح أنّه يستطيع أن ينحني إلى الحزن، وسيدخل أشدّ البيوت حزنًا وأحلك ساعات الليل، لكنّه لا يستطيع أن يسكن مع الكآبة. لا بدّ له أن ينفي الحزن كما ينفي الخطيّة، وأن يحيا في نور الفرح.

ولذلك علينا أن نكفّ عن محاولة الجمع بين الدين والكآبة، لأنّ المسيح لا يرضى إلّا بشعب سعيد. حتى اليهودية القديمة كانت تلبس ثياب العرس كلّما استطاعت، وتخرج بأغاني الابتهاج. ففي ظلّ الناموس الموسوي كانت الأعياد يتلو بعضها بعضًا بلا انقطاع، وكانت الأمّة كلّها مطالَبة بين حين وآخر أن تخرج في نزهة دينية عظيمة، لئلّا تستقرّ في الأنانية والكآبة. وفي العيد الختامي من السنة المقدّسة كانوا مطالَبين أن يقضوا أسبوعًا كاملًا في أبهج الأفراح الدينية وأجملها، ساكنين في مظالّ ريفية، ومشتركين في خدمات احتفالية وأغانٍ وطقوس مقدّسة، لا بدّ أنّها كانت مشهدًا مهيبًا رائعًا لابتهاج أمّة بأسرها.

وكان هذا هو عيد المظالّ الذي كان نحميا والشعب يحفظونه حينئذ؛ غير أنّهم، كبعضنا، جاؤوا بوجوه عابسة، وظنّوا أنّ من اللائق أن يحتفلوا بالمناسبة ببعض الدموع التي تليق بها، إذ تذكّروا خراب صهيون الذي كان قد أُزيل لتوّه وأُعيد بناؤه. لكنّ نحميا قال لهم إنّ هذا ليس وقتًا للنوح، لسبب بسيط هو أنّه يوم مقدّس، والقداسة والدموع لا تتّفقان؛ وإنّ الأحزان قد مضت، فلم يعد هناك داعٍ للنوح، بل هذا يوم للبهجة والتسبيح، وروح التسبيح لازمة حتى لاستعدادهم وقوّتهم للأعمال التي كانوا منشغلين بها؛ وأعلن قائلًا: «لِأَنَّ فَرَحَ ٱلرَّبِّ هُوَ قُوَّتُكُمْ».

  1. وهذا يصدق علينا نحن أيضًا، حتى في واجبات الحياة اليومية العادية. ما أكثر ما يستطيع المرء أن يعمله حين يكون قلبه خفيفًا طليقًا، وما أطول أسهل المهامّ وأثقلها حين تكون مُضجرة! تلك الأمّ تستطيع أن تكدّ نصف الليل، وذلك الأب يستطيع أن يتصبّب عرقًا طوال النهار، فرحًا بأنّ ذلك من أجل الولد الذي يحبّه. أصغِ إلى أصوات البحّارة وهم يرفعون أحمالهم الثقيلة إلى عنبر تلك السفينة هناك، بلازمتهم المدوّية التي قد لا تزيد أحيانًا على مقطعين؛ ولكن وإن لم تكن إلّا هو-هاي، فإنّهم يغنّونها ويغنّونها بصوت واحد، فتبدو الطرود الضخمة كالريش في أيديهم. انظر إلى الجنود وهم يسيرون في الزحف الطويل أميالًا كثيرة! إنّ قرع الطبل أو لازمة أناشيد القتال تخفّف كلّ عناء الطريق.

    ويعبّر جون بنيان العجوز الطريف عن ذلك تعبيرًا جميلًا حين يخبرنا كيف كتب سياحة المسيحي في سجنه القديم في بدفورد. يقول: «فأعدت إلى السجن، وجلست وكتبت وكتبت، لأن الفرح جعلني أكتب». لقد كان ذلك السجن القديم، بأشعّة نوره الشحيحة، ومائدته الخشنة، ومقعده الخشبي، وفراشه من القشّ، سماءً له، لأنّ فرح الحاجّ وموطن الحاجّ وقصّة الحاجّ كانت تتفجّر في قلبه السعيد. آه، ما أحوجنا إلى هذا الفرح وسط الكدّ الرتيب والعمل الشاقّ في الساعات المئة والأربع والأربعين من كلّ أسبوع: في المصنع، وفي الدكّان، ووراء منضدة البيع، وفي المطبخ، وإلى المكتب، وفي الشارع، وفي المزرعة، ولنا أن نضيف: في ما كثيرًا ما يكون أصعب المواقع في الحياة العامّة، وفي رتابة الظهور المُملّة، وفي هذا العالم الكبير الصاخب القاسي القلب! ولكن، شكرًا لله! لن تُحدث الظروف فرقًا يُذكر حيث تتفجّر الينابيع الأبدية من البئر العميقة لفرحه في القلب.

    فرح الربّ هو قوّتنا لأثقال الحياة،

    ويمنح كلّ واجب مذاقًا سماويًّا؛

    يجعل كدّ العامل لحنًا عذبًا،

    ويليّن للكادح فراش راحته.

    وقد عبّر داود تعبيرًا جميلًا عن هذا الامتزاج بين الحياة العادية والبهجة السماوية في أحد المزامير، حيث يقول: «تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ فِي بَيْتِ غُرْبَتِي». والفرائض ليست إلّا وصايا الواجب اليومي، وقد تمتّع بها داود إذ لحّنها وحوّلها إلى تسبيح لا ينقطع. وهذا، بكلمة واحدة، هو معنى المزمور المئة والتاسع عشر. إنّه كلّه عن الواجب، ومع ذلك فهو أروع ما صيغ بناءً في سفر المزامير العبري. وكما قيل بحقّ، إنّه الواجب مُلحَّنًا.

    هذه هي الطريقة التي تجعل الواجب سهلًا ومقبولًا عند الله. لقد عرفتُ خادمة كانت حياتها لا تُطاق، وكانت سيّدتها تُعدّ طاغية صغيرة، فصارت سعيدة جدًّا في البيت نفسه ومع المرأة نفسها بعد أن نالت معمودية الروح القدس، حتى إنّها ما كانت لتستبدل مكانها بأيّ مكان آخر؛ بل جاءتها سيّدتها فعلًا تسألها عمّا حدث، وصارت باحثة جادّة عن الحقّ بسبب تحوّلها الجميل.

    أيّها الأحبّاء، لنحمل فرح الربّ إلى الأماكن المظلمة والأماكن الصعبة والأماكن الوضيعة، وإلى شوارع الحياة وأزقّتها المغبرّة القذرة! لنغرس الزهور حول الكوخ الصغير كما حول القصر العظيم! ليكن لنا غناء الطيور على جانب الطريق، بل في الليل أيضًا، كما في القفص المذهّب في غرفة الاستقبال وفي ضياء النهار الساطع! لنفرح في النور على الدوام، ولنسِر في دروب الحياة العادية ممتلئين بالروح، حتى إنّنا، كرجال سكارى بخمر السماء، نُسمَع «مكلمين أنفسنا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين بنعمة في قلوبنا للرب»، وحينئذ يصدق القول: «كل ما عملنا بقول أو فعل»، نحن «نعمل الكل باسم الرب يسوع، شاكرين الله به».

  2. فرح الربّ هو قوّتنا لمحن الحياة. هناك طريقتان لاحتمال المحنة: الأولى روح الاحتمال الرواقي، والأخرى القوى المضادّة لفرح مقدّس منتصر. هكذا احتمل المسيح الصليب من أجل السرور الموضوع أمامه، وحينئذ استطاع أن يستهين بالخزي، وألّا يدع حتى رائحة النار تبقى على ثيابه. نقرأ في الأصحاح الأوّل من رسالة كولوسي صلاة الرسول من أجل جماعة من القدّيسين كانوا قد بلغوا من القداسة مبلغًا جعلهم شركاء ميراث القدّيسين في النور؛ ولكن كان لهم ما هو أسمى وأفضل، أي أن يكونوا «مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ، لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ». «الصبر» لاحتمال المحن الآتية من يد الله، و«طول الأناة» لاحتمال تلك التي تأتي من الناس، وكلاهما يُحتمل بفرح حقيقي. والواقع أنّه لا يبقى شيء يُحتمل حين يمتلئ القلب فرحًا. فهو يرفعنا بكلّيتنا فوق المحنة، فلا نشعر بأنّنا نُبتلى أو نُظلم. إنّ غبطة إنكار الذات الحقيقي هي أن نمتلئ بالله إلى حدّ ألّا تبقى لنا تضحية. يا لها من رفاهية النعمة أن نُرفع هكذا فوق كلّ ما يمكن أن يمتحن القلب! لا تُنزع الصخور من قاع النهر، بل ترتفع المياه المباركة عاليًا حتى تُبحر السفن فوقها بعيدًا في تيّار فرح الله العظيم. وهكذا يفسّر الرسول تضحياته من أجل أهل فيلبي: «وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضًا عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ».

    وقد هنّأ كاتب الرسالة المسيحيين العبرانيين لأنّ الله أعانهم، فقال لهم: «قَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ». وهذا ليس اختبارًا شائعًا جدًّا. فبعض النساء الصالحات يفقدن تقديسهنّ بسبب طقم صحون حطّمه خادم مهمل، أو قهوة انسكبت على مفرش المائدة الجديد أو على الثوب، أو بقع على ثياب الأطفال الصغار الغافلين؛ وبعض الرجال يغضبون غضبًا شديدًا من أخطاء الموظّفين أو الخدم أو إخفاقاتهم التي تضرّ بأعمالهم أو تُفقدهم مبالغ طائلة.

    خسر السير إسحاق نيوتن مرّةً حسابات خمس وعشرين سنة حين احترقت كومة من أوراقه بسبب إهمال كلب صغير، والعالم يذكره بإعجاب يفوق إعجابه بكلّ اكتشافاته، لأنّه أجاب ببساطة: «أيها المسكين! إنك لا تدري ما الأذى الذي أحدثته».

    إنّ فرح الربّ يحسب دائمًا حساب شيء أفضل ممّا نخسره، ويذكر أنّ في الأعالي من هو المكافئ العظيم والمعوِّض، وأنّه سيعطي فيما بعد عن انتصار واحد للصبر والمحبّة أكثر بألف مرّة ممّا يساويه العالم كلّه اليوم.

    نعم، فرح الربّ هو قوّتنا لمحن الحياة،

    يرفع القلب المسحوق فوق الحزن والهمّ،

    وكتغريد العندليب، يستطيع أن يغنّي في الظلمة،

    ويبتهج حين تذبل التينة وتتعرّى.

  3. فرح الربّ هو قوّتنا في التجربة. «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ»، يقول يعقوب، «حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ». وأحد أسباب ذلك أنّها أفضل طريقة لمواجهة التجارب. فإبليس يتغلّب دائمًا على النفس الكئيبة. واليأس يجلب الاستسلام دائمًا. والشيطان قليل الاعتياد على الفرح في بيته، حتى إنّ الوجه السعيد يطرده دائمًا مذعورًا. لقد انقضّ عماليق على مؤخّرة محلّة إسرائيل، على الخائرين الذين كانوا يتلكّأون في الخلف متذمّرين من الحرّ ومن وعورة الطريق التي كان عليهم أن يقطعوها. ومثل هؤلاء يجدون الطريق دائمًا أصعب قبل أن يبلغوا نهايته. والحيّات المحرقة، وهي كشّافة إبليس، لدغت الجموع المتذمّرة، وكانت نظرة إلى فوق، إلى حيّة النحاس، هي التي شفتهم. وسارت جيوش يهوشافاط إلى القتال والنصرة بهتافات الإيمان وأغاني التسبيح، ولا يزال فرح الربّ هكذا أفضل عدّة للصراع العظيم. غير أنّ الرسول يقصد أيضًا، بلا شكّ، أنّ التجربة ليست داعيًا لليأس، بل هي بالحري فرصة عظيمة للتقدّم الروحي. إنّها امتحان لسلاحنا، ودليل بيّن على أنّ إبليس يرى فينا شيئًا يستحقّ أن يحاول سرقته، ولنا أن نوقن تمامًا أنّه حيث يعسكر جيش العدوّ يكون جيش الربّ قريبًا أيضًا. «امتحان إيماننا ينشئ صبرا، وأما الصبر فليكن له عمل تام». فلنجتز التأديب كلّه، ولنتعلّم كلّ ما يريد أن يعلّمنا إيّاه، و«إذا تزكينا ننال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه».

    فلنخرج إذن إلى المعارك التي تنتظرنا بلا خوف ولا غيم، وحين لا نشعر بالفرح، بل «نحزن بتجارب متنوعة»، فلنعمل بالقول: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ»، ولنقل: «فَرَحًا أَفْرَحُ بِٱلرَّبِّ. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلَهِي».

    فرح الربّ هو قوّتنا في التجربة،

    يحسبها امتحانًا للصبر والنعمة؛

    يزحف إلى القتال بهتافات الخلاص،

    ويعلو على أعدائه في مركبات التسبيح.

  4. فرح الربّ هو قوّتنا للجسد. «ٱلْقَلْبُ ٱلْفَرْحَانُ يُطَيِّبُ ٱلْجِسْمَ». هذه هي الوصفة الإلهية للجسد الضعيف. وعلى العكس من ذلك، فإنّ اليأس وانقباض النفس هما سبب العصبية والصداع وانكسار القلب وضعف الحيوية الجسدية. وكلمة تشجيع ودفعة من الرجاء والبهجة كثيرًا ما تكسر سلطان المرض.

    أذكر رجلًا مشرفًا على الموت زرته في أولى سنوات خدمتي، كان أطبّاؤه قد يئسوا منه وأعلنوا أنّه يحتضر، حتى إنّهم تخلّوا عن حالته وتوقّعوا موته في تلك الليلة. ولكن إذ زرته، لآخر مرّة كما ظننت، وقدته بلطف إلى المخلّص، وقبل الإنجيل وامتلأ بسلام الله وفرح الخلاص، حلّت عليه معمودية مجد ونفخة من نشوة السماء نفسها، حتى إنّه أبقانا ساعات بجانب سريره وهو يهتف ويرنّم ما اعتقدنا جميعًا أنّه بداية أناشيد السماء، وودّعناه بعد منتصف الليل بوقت طويل، ونحن نتوقّع تمامًا أن يكون لقاؤنا التالي في الأعالي. ولكن عظمت النهضة في تلك النفس حتى إنّ جسده، من غير أن يشعر هو، طرح عنه سلطان المرض، وفي الصباح التالي كان قد بدأ يتماثل للشفاء، لدهشة أطبّائه، وفي أيّام قليلة شُفي تمامًا. لم أكن أعرف شيئًا، في ذلك الوقت، عن الشفاء الإلهي، بل شهدت فحسب، بدهشة وسرور، الفرح الإلهي يشفي المرض. ومرّات كثيرة منذ ذلك الحين رأيت شفاء يسوع وبهجته يأتيان معًا إلى النفس والجسد، ورأيت ليل البكاء يتحوّل إلى صباح فرح. ومرّات كثيرة رأيت الذهن المكفهرّ المريض يستنير بفرح الربّ، وينجو من الجنون بمعمودية من البهجة المقدّسة.

    صحيح أنّ هناك علّة أعمق وقوّة أسمى من مجرّد التأثير الطبيعي للفرح. فالمرض العضال لا يخضع إلّا للمسة الفعلية من القدرة الإلهية الكلّية، لكنّ الفرح هو القناة التي تجري فيها مياه الشفاء، وهو فيض حياة المسيح في النفس والجسد كليهما. إن أردت أن تحيا فوق أحوالك الجسدية، وإن أردت أن تجدّد قوّتك على الدوام وأن تكون ممّن قيل فيهم: «يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلَا يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلَا يُعْيُونَ»، وإن أردت أن تحمل في عروقك انتعاش الشباب الذي لا يكلّ ونضارته وحماسته، وإن أردت أن تعرف، حتى هنا، بكلّ ملئه، عربون حياة القيامة في جسدك، وإن أردت أن تتسلّح ضدّ سهام إبليس من الوهن والألم، وأن تطرح سهامه عن جسدك كما يطرد الحديد المحمّى الماء الذي لا يستقرّ عليه، فحينئذ، أيّها الحبيب، «اِفْرَحُوا فِي ٱلرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: ٱفْرَحُوا».

    ولنرجع إلى تشبيهنا: إنّ أبسط ربّة بيت تعرف أنّ الماء لا يستقرّ على غطاء موقد محمّى إلى الاحمرار، بل يقفز ويرقص فوقه مذعورًا، ويتطاير في فرقعات من الفوران العاجز. وهكذا سيحاول إبليس عبثًا أن يصبّ الماء البارد على حياتك وعملك، بل على بدنك أيضًا، إن حافظت دائمًا على الحرارة البيضاء للفرح السماوي.

  5. فرح الربّ هو قوّتنا للخدمة والشهادة. إنّه يجعل كلّ عملنا سهلًا ومبهجًا. ويمنح نشاطًا دائمًا في أصعب حقول الخدمة المسيحية. يرافق المرسَل في المدينة والعامل الساهر طوال الليل في الحانات والأحياء البائسة، وينزع عنه النفور الطبيعي من المنحطّين والنجسين، والاشمئزاز من القذارة والحشرات، والخوف من الرجال العنيفين الأشرار، وكلّ ما في المشاهد المحيطة من بشاعة ونفور؛ ويجعل العمل الذي كان بطبيعته منفّرًا فتنةً تامّة، ويمكّن القلب المكرَّس من أن يقول: «لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَٱلْخِدْمَةَ ٱلَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ ٱللهِ».

    وهو لا يعطي خدمتنا دافعًا قاهرًا فحسب، بل يعطيها أيضًا فاعلية وقوّة إلهيّتين. إنّه ينير الوجه بنور السماء، ويذيب القلب بنبرات الرقّة والمحبّة. ويعطي كلماتنا وزنًا وقوّة جاذبة لا يستطيع الناس أن يقاوموها. فهم يعلمون أنّنا نملك سرًّا هم عنه غرباء، وبهجتنا توقظ فيهم الشوق إلى مشاركتنا فرحنا. إنّ الوجه المشرق والروح المتألّقة يساويان طنًّا من المنطق والبلاغة والخطابة. وقدّيسة فقيرة كسيحة، تقف في اجتماع وتخبر بما صنعه الله لنفسها، بوجه جميل جمالًا إلهيًّا على كلّ بساطته، تربح للمسيح نفوسًا أكثر ممّا تربحه فصاحة دزينة من خرّيجي الجامعات بلا فرح الربّ.

    ألقى قسّ عالِم مرّةً سلسلة محاضرات عن «براهين المسيحية»، بغرض خاصّ هو إقناع متشكّك غنيّ ذي نفوذ في رعيّته وهدايته. وحضر الرجل المحاضرات وتجدّد، وبعد أيّام قليلة تجرّأ القسّ وسأله أيّ المحاضرات هي التي أثّرت فيه تأثيرًا حاسمًا. فأجاب الرجل: «المحاضرات! يا سيدي العزيز، لست أذكر حتى موضوعات محاضراتك، ولا أستطيع أن أقول إنه كان لها أي تأثير حاسم في ذهني. لقد تجددت بشهادة امرأة سوداء عجوز عزيزة كانت تحضر تلك الاجتماعات، وكانت، وهي تعرج صاعدة الدرجات بقربي، بوجهها الفرح المشرق كالسماء، تقول: ‹يسوعي المبارك! يسوعي المبارك!› ثم تلتفت إلي وتسأل: ‹هل تحب يسوعي المبارك؟› وذلك، يا سيدي، كان برهاني على المسيحية».

    تبارك الربّ! نستطيع جميعًا أن نضيء هكذا، سرجًا «موقدة» و«منيرة» معًا، نُلهب القلوب بعدوى فرحنا. فالعالم يبحث عن السعادة، وإن وجد سرّها في صورة أصيلة فسيسعى إلى نيلها. ويخبرنا تشارلز فيني كيف كان الشمامسة الصالحون يسألونه في اجتماع الصلاة، حين كان يحضره في أيّام بُعده عن الله، ألا يريد أن يصلّوا من أجله. فقال: «لا، يؤسفني كثيرا أن تصلوا من أجلي. فأولا، لو تجددت بصلواتكم لصرت تعيسا مثلكم؛ وثانيا، لا أعتقد أن لصلواتكم أي قوة على إحداث تجديدي، وأظن أنكم أنتم أنفسكم ستندهشون كثيرا لو كانت لها، فإنكم تصلون من أجل نهضة بالطريقة الكئيبة نفسها منذ جئت إلى هذه البلدة، وأرى من نبراتكم ووجوهكم أنكم لا تتوقعون قط أنها ستأتي. حين أتجدد أريد دينا يجعلني سعيدا، وإلها يفعل ما أطلبه منه».

    أيّها الأحبّاء، ليخلّصنا الربّ من الكآبة الدينية، وليرسلنا لنعمل له بوجوه مشرقة، ونبرات منتصرة، وقلوب فائضة بفرح معدٍ. حينئذ نستطيع، كاستفانوس، أن ننظر في وجوه أعدائنا ونفحمهم بمجرّد ملامحنا، ونُلزم العالم بأن «يعرف عنا أننا كنا مع يسوع».

    «ليكن فرح الرب قوة خدمتنا،

    إذ يتكلم في وجوهنا ونبرات محبتنا،

    إذ يربح العالم الحزين إلى ملء يسوع،

    ويجذب القلوب الجائعة لتختبر خلاصه».

ثانيًا. سرّ هذا الفرح.

  1. إنّه ينبع من يقين الخلاص. إنّه فرح الخلاص. وأنشودته السعيدة هي:

    «يقين مبارك، يسوع لي،

    يا لها من نشوة مجد إلهي!

    وارث الخلاص، مقتنى من الله،

    مولود من روحه، مغسول بدمه.

    هذه قصتي، هذه أنشودتي،

    أسبح مخلصي طوال النهار».

    إن أردت أن تعرفه فعليك أن تقبل وعده بيقين الإيمان الكامل، وأن تستند إلى كلمته بلا تردّد ولا شكّ.

  2. إنّه فرح الروح القدس. «وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ». إنّه ليس نبتة أصيلة في تربة الأرض؛ بل هو غرسة سماوية المولد. إنّه يخصّ ملكوت الله، الذي هو «بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». ولكي نعرفه علينا أن ننال معمودية روح الخمسين بتسليم كامل وإيمان بسيط. ومن سمات جميع الذين ينالون هذه المعمودية أنّهم يعرفون فرح الربّ، وإلى أن نقبل هذا الينبوع الأبدي في قلوبنا، تبقى كلّ محاولاتنا للفرح آبارًا سطحية؛ مياهها كثيرًا ما تكون ملوّثة، وقاعها كثيرًا ما يكون جافًّا. أمّا هذا فهو النبع الارتوازي العظيم، «يَنْبُوعَ مَاءٍ» الذي يعطيه يسوع، «يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».
  3. إنّه فرح الإيمان. «وَلْيَمْلَأْكُمْ إِلَهُ ٱلرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلَامٍ فِي ٱلْإِيمَانِ». هناك حقًّا بهجة عميقة حين يستجيب الله الصلاة، ويفيض فرح التحقّق والامتلاك بالشكر، ولكن هناك فرحًا أشدّ إثارة حين يسلّم القلب نفسه أوّل مرّة إلى وعده المجرّد، ويقف على كلمته البسيطة في وجه ما هو بعيد الاحتمال في الطبيعة، بل ما يبدو مستحيلًا، ويعلن: «فَمَعَ أَنَّهُ لَا يُزْهِرُ ٱلتِّينُ، وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ فِي ٱلْكُرُومِ»، «فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي». إن كنت تشكّ في الله فلا عجب أن يكون فرحك متقطّعًا. فشهادة الروح تتبع دائمًا فعل الثقة. «ذُو ٱلرَّأْيِ ٱلْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لِأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ»، ولكن صحيح بالقدر نفسه: «إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلَا تَأْمَنُوا».
  4. وفرح الربّ يسنده كلامه، ويغذّيه أنّه «قَدْ وَهَبَ لَنَا ٱلْمَوَاعِيدَ ٱلْعُظْمَى وَٱلثَّمِينَةَ». يهتف المرنّم: «أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلَامِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً». آه، ما أغنى البهجة حين نرى في نور الروح القدس المشهد السماوي للحقّ منبسطًا أمام البصيرة الروحية، كأرض موعد تتلألأ في مجد ضوء الشمس، والكتاب المقدّس كلّه يبدو كالمنظر الذي رآه موسى من رأس الفسجة! لقد وجدنا غنيمة وافرة، وهي كلّها لنا. قد أخذنا «ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللهِ، لِنَعْرِفَ ٱلْأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللهِ»، ونستطيع حقًّا أن نقول مع المرنّم نفسه أيضًا: شهاداتك «هِيَ بَهْجَةُ قَلْبِي». ما أعذب الصوت الذي به يكلّم الروح القلب الحزين بالمواعيد، ويجعل هذه الكلمة الثمينة صوتًا حيًّا من حبيبنا!

    أيّها الأصدقاء الأعزّاء، هل تعرفون الفرح المخبّأ في هذه الصفحات المهملة، والعسل الذي يمكنكم أن ترتشفوه من جنّة الربّ هذه، وهذه الأزهار من الحقّ والوعد؟ آه، خذوا كتبكم المقدّسة كرسائل حبّ حيّة من قلبه إليكم، واطلبوا إليه أن يكلّمكم بها في فرح وإيمان واستنارة روحية، كالمنّ العذب لحياة أرواحكم، والعسل الخارج من صخر الدهور!

  5. إنّه فرح الصلاة. موطنه المخدع، ومصدره كرسيّ الرحمة. ما من حياة خالية من الصلاة يمكن أن تكون سعيدة. «وَأَمَّا مُنْتَظِرُو ٱلرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ». «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا».

    «هذا هو المكان حيث يسكب يسوع

    زيت البهجة على رؤوسنا؛

    المكان الأعذب من كل ما سواه،

    إنه كرسي الرحمة المشترى بالدم».

  6. إنّه فرح الوداعة والمحبّة. «لأن الودعاء يزدادون فرحا بالرب»، والروح المحبّة تجد دائمًا أنّه «مَغْبُوطٌ هُوَ ٱلْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ ٱلْأَخْذِ». الأنانية شقاء، والمحبّة حياة وفرح. والروح اللطيفة المتواضعة المؤدَّبة ستجد كلّ الأزهار متفتّحة والمياه جارية في أودية الاتّضاع. والقلب غير الأناني لن يخفق أبدًا في أن يختبر صدق الوعد: إن «أَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ ٱلنَّفْسَ ٱلذَّلِيلَةَ»، فإنّ الربّ «يُشْبِعُ فِي ٱلْجَدُوبِ نَفْسَكَ»، «فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لَا تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ».

    أيّها الأحبّاء، هل تعرفون البهجة التي تأتي من الخضوع لمشيئة الله، أو من احتمال الظلم بصبر، أو من الصمت أمام كلمة التعيير، أو من ردّ الخير عن الشرّ، أو من الكلمة التي تعزّي القلب الحزين، أو من كأس الماء البارد المقدَّمة لآخر، أو من التضحية بمتعتك الخاصّة لكي يُعطى ما وفّرته له؟ آه، حينئذ تُسمع كلّ أجراس الفرح ترنّ بهدوء، ويهمس السيّد للقلوب التي ترتعش ببهجتها: «فَبِي فَعَلْتُمْ».

  7. إنّه فرح الخدمة، ولا سيّما ربح النفوس. كلّ عمل حقيقي هو بهجة طبيعية، أمّا العمل لله بالروح الحقّ وبقوّة الروح القدس فهو عين الشركة في فرحه، هو الذي كان طعامه وشرابه أن يعمل مشيئة الذي أرسله ويتمّم عمله. إن أردت حياة مرفوعة فوق ألف تجربة وهمّ تافه، فانشغل بالعمل لسيّدك، ولتشهد كلّ لحظة

    «عمل محبة قد بدأ،

    وصنيع لطف قد تم،

    وضالا طلب فربح،

    شيئا من أجلك».

    لا نستطيع أن نحمل الماء الحيّ إلى قلب آخر دون أن نرتوي نحن في الطريق. ولا فرح أرقّ من فرح قيادة نفس إلى المسيح. إنّه كنشوة الأمّ الغريبة الغريزية بطفلها المولود حديثًا. منذ أيّام عبرت صديقة عزيزة الأبواب بعد لحظات من ولادة طفلها، ولكنّ أوّل كلمة لها في ساعة مخاضها كانت: «كيف حال طفلي؟». كانت تلك الرعشة الأولى لتلك البهجة الغريبة التي هي لمسة المحبّة ذاتها التي سيعطينا إيّاها الروح القدس من أجل النفوس التي يأذن لنا أن نربحها للمسيح. إنّها حقًّا أمومة روحية، ولها كلّ فرح محبّة الأمّ وكلّ ألمها.

    أيّها الأحبّاء، هل تعرفون نشوة الإحساس بالحياة الجديدة لروح خالدة تسري في عروقكم ذاتها، حين تجثون بجانب من وُلد لتوّه ولادةً لا موت بعدها، وتضعونه، كطفل مولود حديثًا، في حضن مخلّصكم؟ يمكنكم أن تعرفوا هذا الفرح، وكلّ مسيحي ينبغي أن يعرفه مئة ضعف. إنّه فرح الملائكة، الذي يجعل كلّ قيثارات السماء ترنّ، ومن الغريب حقًّا ألّا يكون فرحًا أسمى للقدّيسين المفديّين.

  8. إنّه فرح العبد الأمين. وحتى هنا، بمعنى من المعاني، كلّما كنّا أمناء لله وأوفياء لدعوة الواجب والفرصة، يعطينا روحه مكافأة حاضرة ومعمودية فرح، ويهمس للقلب الأمين: «نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ وَٱلْأَمِينُ!» «اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ».
  9. إنّه فرح الرجاء. «نفرح على رجاء مجد الله». إنّه النور المنعكس من الشروق الآتي ومن اليوم الألفي. وما عدا موت يسوع وقيامته ومعمودية الروح القدس، ليس ما يسكب في القلب بهجة أسمى، وعلى الجبين نورًا أقدس، من الرجاء المبارك بمجيء الربّ. إنّه حقًّا بمنزلة «سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ»، بل هو كوكب الصبح الذي يبشّر بطلوع الشمس. فلنرفع إذن، في هذا الرجاء المبارك، «رؤوسنا لأن نجاتنا تقترب».
  10. وأخيرًا، إنّه فرح المسيح نفسه فينا. «كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ». هذا أعمق أسرار الفرح الروحي؛ إنّه المسيح الساكن فينا نفسه متهلّلًا في القلب كما تهلّل على الأرض حتى في أحلك ساعات حياته، وكما يختبر الآن، في السماء، تحقيق كلماته المسيانية في المزمور السادس عشر: «لِذَلِكَ فَرِحَ قَلْبِي، وَٱبْتَهَجَتْ رُوحِي. جَسَدِي أَيْضًا يَسْكُنُ مُطْمَئِنًّا. لِأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي ٱلْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا. تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ ٱلْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى ٱلْأَبَدِ». إنّه يملك الآن في ملء الفرح، ومدّه يتعاظم ويرتفع إلى المستوى نفسه في كلّ قلب يسكن فيه.

    إن سرت على شاطئ المحيط على بعد مئات الأقدام من الماء، فقد تحفر حفرة صغيرة في الرمل الجافّ، فتمتلئ ماءً. فتحت الرمل تجري المياه وتملأ البركة إلى مستوى مصدرها. وهكذا الحياة المستترة مع المسيح في الله هي على اتّصال دائم بينبوع الحياة، ومع أنّ العالم قد لا يرى الفيض دائمًا، فإنّ أعماق القلب تمتلئ على الدوام، وليس علينا إلّا أن نفسح المجال، وإذا الفراغ، كبيرًا كان أو صغيرًا، ممتلئ إلى قياس ملء الله. لهذا، أيّها الأحبّاء، نتوسّل إليكم أن تقبلوا المسيح الساكن فيكم. إنّه مصدر نهر ماء الحياة الخارج من عرش الله والخروف، والذين قلوبهم هيكله يستطيعون أن يرنّموا، مهما هاجت العواصف وذبلت التينة،

    «الله كنز نفسي،

    ومصدر الفرح الدائم؛

    فرح لا يضعفه الزمان،

    ولا يهلكه الموت نفسه».

الشواهد الكتابية في هذه العظة نحميا 8:10
المواضيع الحياة الأعمق

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.

استشهد بهذه العظة

انسخ الاستشهاد بالأسلوب الذي تحتاجه.

MLA
Simpson, A. B. “فرح الربّ.” Sermon. Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/the-joy-of-the-lord/.
Chicago
Simpson, A. B. “فرح الربّ.” Sermon. Ochorus. https://ochorus.com/ar/sermons/the-joy-of-the-lord/.
Chicago footnote
A. B. Simpson, “فرح الربّ,” sermon, Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/the-joy-of-the-lord/.
BibTeX
@misc{simpson, author = {Simpson, A. B.}, title = {{فرح الربّ}}, howpublished = {Sermon}, publisher = {Ochorus}, url = {https://ochorus.com/ar/sermons/the-joy-of-the-lord/} }