الامتلاء بالروح
A. B. Simpson

عظة · قراءة 16 د

الامتلاء بالروح

صورة A. B. Simpson A. B. Simpson

النص

أفسس 5:18

باختصار

«امتلئوا بالروح» — ويتوقّف سمبسون عند كلمة «امتلئوا»، أي الامتلاء التام الذي لا يبقى معه موضع فارغ. ويبيّن أنّ هذا الامتلاء ليس تأثيرًا ولا إحساسًا ولا مجموعة من الحقائق، بل شخص حيّ؛ فجوهر المسيحية كلّه هو المسيح الساكن في القلب. ويتتبّع طبيعته وشروطه ودوامه، داعيًا القلب الممتلئ إلى نصفه أن يُمتلك امتلاكًا كاملًا، لكي تجري من أعماق الكيان أنهار ماء حي.

الكلمة المشدَّد عليها في كلتا هاتين الآيتين «امتلئوا». وهي في اليونانية بليرو ومعناها أن يُملأ الشيء ملئًا تامًّا، ملئًا لا يبقى معه موضع فارغ. هذه هي الفكرة التي نرجو، بمعونة الروح القدس، أن نطبعها في القلوب في هذه العظة. فليس المقصود أن يكون لنا قدرٌ من الروح القدس، وأن نعرف عن المسيح شيئًا كثيرًا، بل أن نمتلئ بالروح القدس امتلاءً كاملًا ويمتلكنا كلّيًّا، وأن نغيب تمامًا في حياة يسوع وملئه. إنّ كمال الامتلاء هو ما يكوّن جوهر البركة الكاملة عينه. فالنافورة الممتلئة إلى نصفها لن تصير نبعًا أبدًا، والنهر الممتلئ إلى نصفه لن يصير قوّةً تدير الآلات، والقلب الممتلئ إلى نصفه لن يعرف السلام «ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ»، ولا القوّة التي تتدفّق من أعماق الكيان كأنها «أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ».

أولًا: طبيعة هذا الامتلاء.

  1. إنّه مرتبط كلّه بشخصٍ حيّ. فنحن لا نمتلئ بتأثيرٍ ما، ولا نمتلئ بإحساسٍ ما، ولا نمتلئ بمجموعة من الأفكار والحقائق، ولا نمتلئ ببركةٍ ما، بل نمتلئ بشخص. وهذا أمر عجيب لافت جدًّا، ومختلف تمامًا عن كل تعليم آخر. فأنظمة الفلسفة والدين البشرية كلّها تتناول في الغالب حقائق عقلية، أو أحوالًا أخلاقية، أو أعمالًا خارجية. كانت الفلسفة اليونانية نظامًا من الأفكار، والكونفوشيوسية نظام من الأخلاق، واليهودية نظام من الشرائع والطقوس؛ أمّا المسيحية فتتمركز كلّها في شخص حيّ، وجوهرها عينه هو حياة المسيح نفسه الساكنة في القلب. فهو لم يكن رأسها ومؤسّسها فحسب، بل هو إلى الأبد قلبها الحيّ وجوهرها، وما الروح القدس إلا الوسيط والقناة التي بها يدخل القلب المكرَّس ويمتلكه ويعمل فيه. وهذا يردّ الحياة المسيحية إلى بساطة عظيمة. فلا نحتاج إلى أن نمتلئ في خانات كثيرة، وباختبارات وأفكار وتأثيرات كثيرة مختلفة، بل أن نقبله في مركز كياننا بحياته الشخصية وملئه، وعندئذٍ يفيض هو إلى كل جزء، ويحيا حياته الخاصة في كل ما في حياتنا المتعدّدة الجوانب من اختبارات ونشاطات متنوّعة.

    في الحديقة الواحدة نزرع البذرة الحيّة، ونسقيها من الينبوع العظيم نفسه، فإذا بها تنبت من تلقاء ذاتها بكل ما للسوسنة والوردة، ولنبتة الزينة وشجرة الثمر، وللياسمين المتسلّق والكرمة المنبسطة، من جمال وخصب متنوّعين. وما علينا إلا أن نفتح النبع المخصِب، فتتفجّر حياة الطبيعة التلقائية بكل تنوّعها البديع.

    هذه، بتشبيه بسيط، هي نظرة المسيح إلى الحياة الأعمق: كياننا هو التربة، وهو البذرة، وروحه القدوس هو ينبوع المياه الحيّة، و«وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ».

    هناك في الغرب الكبير تمتدّ ملايين الأفدنة من الأرض القاحلة. إنها إمكان عظيم، لكنها في الواقع عقيمة خربة. وتحت تربة هذه الصحاري تكمن ثروات لم تُستثمر، ولا يلزمها إلا عنصر واحد يحوّلها إلى أرض مثمرة، وذلك العنصر هو الماء. فلْيُحوَّل مجرى جدول الجبل إلى ذلك الوادي، ولتنشر قنوات الري شبكتها فوق حقوله الشاسعة كلها، فإذا بك ترى فردوسًا بهيًّا كشوارع مدينة سولت ليك سيتي، أو كبعض قرى كاليفورنيا ومدنها العذبة، في بهاء زاخر لا تقدر أيٌّ من أراضينا الشرقية أن تُظهر مثله. كانت التربة فارغة قاحلة إلى أن امتلأت بالبذرة والينابيع، وعندئذٍ انبثق التحوّل في وفرة تلقائية. وكذلك القلب البشري: ليس قائمًا بذاته ولا مكتفيًا بذاته، بل هو إمكان عارٍ قاحل. قد يجاهد ما استطاع ليطوّر نفسه، لكنه لن يُنبت إلا ما تُنبته تلك الصحاري الغربية: شجيرات المريمية البرّية والنخيل القزم التي تكسوها اليوم. ولكن أعطه أمرين: ضع في تلك التربة المسيح الحيّ، وأغرقها بماء ملء الروح، فإذا به يبلغ تحقيق غايته الحقيقية، ويتمّ تمامًا وعد مثَله البسيط: «ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا».

    أفلا ندرك إذن، أيها الأحبّاء، أنّ الله لم يجعل كلًّا منّا عالمًا من القوّة والكمال قائمًا بذاته، بل مجرّد وعاء يتّسع لقبوله، وصدفةً تحمل ملأه، وتربةً تستقبل بذرته الحيّة وجداوله المخصبة، وتُخرج، في اتحاد به، ثمار النعمة؟ ثم أفلا ندرك، من الجهة الأخرى، أنّ الله قد جعل المسيح والروح القدس، الذي هو روح المسيح عينه، بحيث يوافقان طاقات كياننا وإمكاناته ويشبعانها تمامًا؛ فكما أننا لا شيء بدونه، كذلك تحتاج حياته ونعمته إلينا لكي تبلغا نموّهما الكامل؟ لقد سكب الله كل ملئه في ابنه الحيّ، حتى إنه «فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللَّاهُوتِ جَسَدِيًّا». وقد صار الروح القدس الآن الخزّان العظيم وشبكة الأنابيب والقنوات الموزِّعة التي يجري ملؤه عبرها إلينا، وليس من شيء يطلبه الله من الإنسان، أو يمكن أن يحتاج إليه الإنسان في ضرورات الحياة المتنوّعة، إلا وهو في المسيح لنا، ويمكننا أن ننال ما يوافق كل حاجة من حاجاتنا بدقّة، بمجرّد أن نقبله. هذا هو معنى تلك العبارة الجميلة: «وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لِأَنَّ ٱلنَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَبِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ صَارَا». لم تعطنا الأنظمة الأخرى كلّها إلا أفكار الأشياء، أو الوصايا والشرائع التي تطالبنا بها. أمّا المسيح فيأتي بالقدرة على تحقيقها، وهو نفسه الحقيقة والجوهر في قلوبنا وحياتنا. إنّه الإنسان النموذجي العظيم. لكنه أكثر من مثال أو نموذج يُظهر ما ينبغي أن نكون عليه ويطالبنا بالاقتداء به؛ إنّه أيضًا الرأس الحيّ والأصل لتلك الحياة عينها التي يُظهرها هو، يلدها في كل واحد منا بأن يمنحه من كيانه ذاته منحًا حيًّا، ويعيد إنتاج نفسه فينا بقوّة حياته الخاصة، ثم يغذّي هذه الحياة ويقوتها بالروح القدس من كيانه هو.

    فشخص المسيح إذن أكثر بكثير من مثال. إنّه قوّة، وبذرة، وينبوع ماء حيّ، بل هو جوهر الحياة التي يطلبها منا وسندها بعينه.

  2. هذا الشخص هو الملء الحقيقي لكل جزء من حياتنا. ففكرة الامتلاء تتضمّن الشمول والكمال في كل النطاق الذي يملؤنا فيه. ونحن لا نكون ممتلئين ما لم نمتلئ في كل جزء. وهذا بالضبط ما يعرض المسيح أن يعمله في خلاصنا الكامل.

    إنّه يملأ كل مطالب خلاصنا، وكل الشروط المتعلّقة بفدائنا ومصالحتنا وتبريرنا. فهو يأخذ لائحة الاتهام المرفوعة علينا ويملؤها بكفّارته الثمينة، ويكتب بدمه: «سوي الحساب إلى الأبد». ويأخذ الناموس المكسور، والسجلّ المحزن المذلّ لإخفاقاتنا وتقصيراتنا وتعدّياتنا، فيملؤه ببرّه الكامل، ويكتب فوق سجلّنا كله: «لِأَنَّ غَايَةَ ٱلنَّامُوسِ هِيَ: ٱلْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ»، «مقبولين في المحبوب»، «جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ».

    وهكذا صحّ فينا القول: «وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ». فإنّه «بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلْأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ»، ونحن مخلَّصون خلاصًا كاملًا كأنّنا لم نخطئ قطّ.

    والآن، أيها الأحبّاء، إنّ الأمر العظيم أن ندرك هنا بالذات أنّ هذا كامل، وأن نبدأ، عند العتبة نفسها، بالدخول إلى ملء المسيح، بأن نعترف بأنفسنا مبرَّرين تبريرًا كاملًا ومخلَّصين إلى الأبد من كل خطية وتعدٍّ سابقين، بالفداء الكامل الذي في يسوع المسيح. إنّ نقص الملء في اختبارنا اللاحق يرجع في معظمه إلى شكوك وحدود نسمح لها بالدخول هنا. لقد أُكمل عمل المسيح لفدائنا، ومتى قبلناه كان خلاصًا كاملًا أبديًّا.

    ثم إنّ المسيح يملأ الحاجة الأعمق إلى التقديس. فقد أعدّ له في كفّارته وفي موارد نعمته. إنه كله مطويّ فيه، ويجب أن يُقبل عطيّةً مجّانية كاملة به وحده. «وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي صَارَ لَنَا… قَدَاسَةً». هل التقديس هو موت الذات الخاطئة؟ حسنًا، لقد صُلبت هذه الذات معه على الصليب من قبل، وما علينا إلا أن نسلّمها إليه في تسليم لا تحفّظ فيه، فيذبحها ويدفنها في قبره إلى الأبد. وهل التقديس حياة جديدة من الطهارة والبرّ والسلام والفرح في الروح القدس؟ أفليس أصدق بكثير أنّ المسيح نفسه يجب أن يكون حياتنا وسلامنا وطهارتنا وفرحنا الكامل الفائض؟

    ثم إنّه ملء حياة قلوبنا. فليس من موضع أقدس عندنا من عواطفنا، ولا موضع يدّعيه خصم نفوسنا العظيم كما يدّعيه، ولا موضع يستحيل ضبطه بقوّتنا وإرادتنا مثله. لكنّ المسيح يعطينا قلبه كما يعطينا روحه، ويحبّ فينا بالمحبة التي تحبّ «الرب إلهنا من كل قلبنا ونفسنا وقدرتنا وفكرنا»، والتي تحبّ «بعضنا بعضا كما أحبنا هو». آه، ما أعظم البركة أنّ لنا مَن يملأ حقًّا كل المطالب الدقيقة، الصعبة إلى غير حدّ، المتنوّعة، لهذه المشاعر والعواطف التي تحمل في طيّاتها عالمًا كاملًا من الإمكانات لخيرنا أو لشقائنا، ولخير غيرنا أو لشقائهم.

    ثم إنّ المسيح يملأ كل حاجات حياتنا الفكرية. فلن تعرف قدراتنا العقلية ملء غناها في القوّة والفاعلية الروحية حتى تصير مجرّد أوعية لحياته المحيية، وحتى توضع أدمغتنا هذه عند قدميه كمجامر تحمل ناره المقدّسة. إنّه يفكّر فينا، ويتذكّر فينا، ويحكم فينا، ويعطي تصوّراتنا للحق وضوحًا وتحديدًا، ويهبنا لسان النار، والمَثَل الذي يُنير ويُذيب معًا، ونبرة الإقناع والمشاركة الوجدانية ولهجتهما، وقدرة التعبير والنطق السريع، وكل العُدّة اللازمة لتجعل كل واحد منا «عَامِلًا لَا يُخْزَى، مُفَصِّلًا كَلِمَةَ ٱلْحَقِّ بِٱلِٱسْتِقَامَةِ». لا يكون ذلك طبعًا من دون انتباه مجتهد أمين لتعليمه الحكيم المقدّس، إذ يقودنا في عمله لنرى في آن واحد تقصيرنا وقصده الكامل لنا. يجب أن نكون متعلّمين من الله، والتعليم أحيانًا تدريجي جدًّا بل بطيء؛ ولكنه «يرشدنا إلى جميع الحق»، و«يكمل ما يخص» تعليمنا وإعدادنا لعمله ومشيئته؛ والعقل الذي يحييه الروح القدس ويستخدمه سيحقّق لله نتائج لا يمكن أن يدنو منها كل لمعان العبقرية البشرية ولا كل تبحّر العلم البشري.

    ثم إنّه يملأ حاجات أجسادنا، فإنّ جسده قد صار، بالقيامة من الأموات، مصدرًا دائمًا للطاقة الجسدية، يكفي كل عضو في جسده الذي هو الكنيسة، ويوافق كل وظيفة جسدية وكل امتحان يأتي تحت ضغط الحياة البشرية، واختبار عالم تحاصر فيه كلَّ خطوة عناصرُ المرض والألم والخطر الجسدي. المسيح هو الحياة الحقيقية للجسد المفديّ، وروحه القدوس قادر، وهو ساكن فينا، أن يحيي هذه الأجساد المائتة إحياءً تنال به نشاطًا فائقًا للطبيعة مستمَدًّا مباشرةً من رأسنا الممجَّد.

    ثم إنّ المسيح يملأ كل ظروف العناية الإلهية، وكل الحاجات التي تنشأ في أعمالنا الدنيوية وفي ملابسات حياتنا اليومية. فليس منها واحد إلا ويمكن أن نعرف أنه آتٍ منه، ومقصود به أن يُثبت كفايته الكاملة في اتجاه جديد. آه، لو كان لنا الإيمان لنرى الله في كل شيء يلاقينا يومًا بعد يوم، لكان كل فصل من تاريخ الحياة قصة جديدة من رواية المحبة السماوية وقدرتها العجيبة على تحويل الظلمة إلى نور، والصعوبة إلى انتصار، والحزن إلى فرح، والأرضي إلى سماوي؛ ولتمكّن المسيح من أن يُظهر نفسه في نعمته وقدرته لشهود لا يُحصَون، لا يسمعون عنه أبدًا من منبر، ولا يقرأون قصة نعمته إلا في حياة البشر، فيرونه فيهم على هذا النحو.

    ثم إنّ المسيح يملأ طاقاتنا على السعادة. إنّه ملء سلامنا وفرحنا. إنّه النصيب الحقيقي للنفوس التي خلقها؛ ومتى امتلأت به تمامًا لم يبقَ فيها موضع للهمّ ولا للخوف.

    وأخيرًا، إنّ المسيح يملأ تلك الحاجة الأساسية التي يتوقّف عليها كل اختبار آخر لملئه، أي الإيمان الذي يقبله. فهذا أيضًا ليس إلا حياة المسيح فينا، وأسمى نصيب لنا في حياة الإيمان أن نتخلّى حتى عن أسمى جهودنا وأشقّها لنثق بالله، وأن نُقدم بجرأة حتى نقبل إيمان الله عينه، ونطالب بـ«كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ».

  3. أن نمتلئ بالمسيح لا يعني أن نمتلئ بالحياة الإلهية في كل جزء فحسب، بل أن نمتلئ في كل لحظة. أي أن نأخذه إلى اللحظات المتتابعة من وجودنا الواعي، وأن نثبت في ملئه. فهذا ليس خزّانًا بل نبع. إنه حياة متواصلة فاعلة، ماضية أبدًا في جريانها، يلزمها الفيض خارجًا كما يلزمها الدفق داخلًا، وإن لم نستمدّ بلا انقطاع المدد الجديد من الينبوع الحيّ ركدنا أو فرغنا. فليس الأمر إذن ملئًا دائمًا بقدر ما هو امتلاء دائم.

    صحيح أنّ هناك اختبارات دورية من السموّ الروحي هي جزء من خطة الله لحياتنا في المسيح، والقصد منها بلا شك أن ترفعنا إلى مستوى أعلى من الاتحاد الثابت به. فهناك أيام الخمسين، وأيام خمسين ثانية، والسيول العظيمة والمدّ الفائض، ولكلّها موضعها اللازم في التدبير الروحي. لكن هناك أيضًا القبول المتواصل، نفَسًا بعد نفَس ولحظة بعد لحظة، في ما بين هذه الفترات الطويلة والاختبارات الأبرز، وهو ألزم أيضًا للثبات الروحي والصحة الروحية. فالله يريدنا أن نكون متيقّظين لكل اقتراب منه، ومنفتحين لكل ما ينعم به علينا «بِنَفَائِسِ ٱلسَّمَاءِ بِٱلنَّدَى، وَبِاللُّجَّةِ ٱلرَّابِضَةِ تَحْتُ»، «وَنَفَائِسِ مُغَلَّاتِ ٱلشَّمْسِ، وَنَفَائِسِ مُنْبَتَاتِ ٱلْأَقْمَارِ»، و«نَفَائِسِ ٱلْأَرْضِ وَمِلْئِهَا». ومثل هذه الحياة تجد أنه ليس من لحظة في الوجود، ولا من جزء في كياننا، إلا ويمكن أن يكون خادمًا لله، وأن يستمدّ منه بركة ما.

ثانيًا: آثار الامتلاء الإلهي.

  1. إنّه سرّ القداسة. هناك قدر من حياة الروح القدس في كل نفس مولودة ثانية، ولكن حين يمتلئ كل جزء من كياننا بمحبته ويُمتلك لمجده، نكون مقدَّسين بالتمام، وهذا الملء الإلهي هو ما يُقصي قوّة الخطية والذات ويحجزها خارجًا، كما أنّ السحابة النازلة على المسكن لم تترك موضعًا لموسى في داخله.

    أتريد طهارة دائمة في القلب والفكر والشعور، ومطابقة كاملة لمشيئة الله؟ «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ»؛ «وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ». دع الماء السماوي يجري في كل قناة ري، وبجانب كل حوض وكل نبتة في الجنينة، حتى تتجدّد كل فضائل حياتنا المسيحية بنعمته، وتزهر كجنّة الرب. اثبت فيه فقط، واجعل ثباته فيك، فتأتي بكل ثمر الروح.

  2. إنّه سرّ السعادة. فالقلب الممتلئ إلى نصفه لا يمتلئ إلا بقدر ما يكفي ليشعر بنقصه. إنما حين تشبع الماشية تربض في المراعي الخضر. «كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ».
  3. إنّه سرّ القوّة. فالتيّار الكهربائي يستطيع أن يملأ سلكًا صغيرًا حتى يصير قوّة تدير عجلات المصنع الكبيرة، وقناة جدول القرية الفائضة لها من القوّة ما يكفي لتشغيل عشرين مصنعًا على امتداد ضفّتي النهر، ولكن ذلك لأنها فائضة فقط. القلوب الممتلئة وحدها تعمل لله عملًا فعّالًا، وفيض بركتنا وحده هو ما يبارك الآخرين.

ثالثًا: شروط الامتلاء.

  1. لقد وعد أن يُشبع الجياع. «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ». كثيرون ممّن يقرأون هذه السطور يتوقون بلا شك إلى هذا الاختبار، ويفكّرون بفتور همّة في مدى تقصيرهم عنه. أيها الصديق العزيز، هذه الرغبة العميقة هي بداية البركة التي تطلبها، والروح القدس يعمل منذ الآن ليعدّ قلبك للاستجابة لصراخك. ما من نفس تجد ملء يسوع بأسرع ممّا تجده النفس الأعمق شعورًا بإخفاقها وحاجاتها. اشكر الله على تلك الرغبة الشديدة التي لا تدعك تستريح دون بركته.

    أدرك انقطاعُ الماء قافلةً شرقية مرّةً في الصحراء. فقد جفّت العيون المعتادة كلّها، وصارت الواحة قفرًا، وتوقّفوا قبل غروب الشمس بساعة ليكتشفوا، بعد يوم من الحرّ اللافح، أنهم يهلكون عطشًا. عبثًا فتّشوا الآبار المألوفة، فقد كانت كلّها جافّة. وكان الذعر على كل الوجوه واليأس في كل القلوب، حين تقدّم أحد الشيوخ المسنّين إلى شيخ القافلة، وأشار عليه أن يطلق أيّلين جميلين كان يحملهما إلى بيته هديةً لعروسه، ويدعهما يجوبان الصحراء بحثًا عن الماء. كانت ألسنتهما مدلاة من العطش، وصدورهما تعلو وتهبط من الضيق. ولكن ما إن اقتيدا إلى أطراف المخيّم ثم أُطلقا في السهل الذي لا حدّ له، حتى رفعا رأسيهما عاليًا، وتشمّما الهواء بمنخرين متّسعين، ثم انطلقا عبر الصحراء بغريزة لا تخطئ، في خطّ مستقيم كالسهم، وبسرعة كالريح. وتبعهما عن قرب فرسان سريعون، وبعد ساعة أو ساعتين عادوا مسرعين بالبشرى أنّ الماء قد وُجد، فارتحل المخيّم بهتاف الفرح إلى العيون التي اكتُشفت لحسن الحظّ.

    وهكذا ما زال هناك أيّل يستطيع دائمًا أن يجد ينابيع الماء الحيّ، وهو القلب الذي يجوع ويعطش إلى الله. اشكر الله، أيها الحبيب، إن كانت فيك هذه الغريزة الروحية العميقة! اتبعها وهي تقودك إلى عرش النعمة، لتنتظر وتصرخ وتقبل، حتى تستطيع أن تقول: «شبعان رضى، وممتلئ بركة من الرب».

  2. الفارغون يمتلئون دائمًا. «أَشْبَعَ ٱلْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ ٱلْأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ». «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ». «كَأَنْ لَا شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ». هذه هي مفارقة النعمة. لا يمكن أن نمتلئ حتى يكون فينا متّسع لله. كل بركة عظيمة تبدأ بتضحية عظيمة، وانفصال عظيم، وتجرّد عظيم. «أخرجهم من هناك لكي يأتي بهم». كان على إبراهيم أن يترك للوط أن يختار قبل أن ينال ميراثه الكامل. وكان يجب أن يُقدَّم إسحاق على جبل المريّا قبل أن يجعله الله موضع هيكله الآتي. وكان على موسى أن يتخلّى عن كرامات إمارته المصرية وآمالها قبل أن ينال تكليفه العظيم، الكرامة الباقية لعمل حياته. ويجب أن يُفرغ القلب من الذات والعالم قبل أن يمتلئ بيسوع وبالروح القدس. ولعلّ كل واحد منا ممتلئ بقدر ما يستطيع أن يسع، لأنّ المواضع التي لا يملؤها الله محشوّة بشيء آخر، فلا يجد الله متّسعًا. أنرضى أن نُفرَغ؟ «ٱجْعَلُوا هَذَا ٱلْوَادِيَ جِبَابًا جِبَابًا» هي ما زالت وصية النبي، «وَهَذَا ٱلْوَادِي يَمْتَلِئُ مَاءً». هل نحن في وادي الاتضاع، وهل حفرنا في الوادي حُفَر الحاجة والشعور بعدم الكفاية، وهي أعمق بعد؟ فبقدر ما نستطيع أن نقول: «لست كفؤا»، نستطيع أن نضيف: «كفايتي من الله». هل أفرغنا لا القرصان القديم، أي إرادة الذات، وطاقمه من العالمية والخطية فحسب، بل أيضًا كل حمولة قوّتنا وإيماننا واختبارنا الديني، وأفسحنا المجال للمسيح ليكون الكل في الكل دائمًا؟ هل نكفّ عادةً عن أنفسنا في كل شيء، فنجعل من الضروري أن يتولّى الله المسؤولية ويمدّ بالكفاءة، وهل نحن، بروح إنكار الذات هذه والاتّكال المطلق، نزداد فقرًا وغنًى كل يوم؟
  3. القلب المفتوح يمتلئ. «أَفْغِرْ فَاكَ فَأَمْلَأَهُ». نحن نعرف كيف يُطبق كأس الزهرة بتلاته، وكيف ينفتح لنور الشمس والندى والمطر المنعش. وللقلب قابلياته وأحاسيسه المتقبّلة، لكنه كثيرًا ما يكون منقبضًا بعدم الإيمان والشك والخوف والانشغال بالذات، فلا يستطيع أن يقبل المحبة التي ينتظر الله أن يسكبها. أولا نعرف كيف يكون أن نلاقي أناسًا وقلوبنا ملآنة محبة، فنجدهم منقبضين منغلقي القلب؟ فنشعر في الحال بالصدّ، ونحسّ بكل ينابيع محبتنا وقد سُدّت وارتدّت على قلوبنا المتوجّعة. إنهم لا يستطيعون أن يقبلونا. إنّ الأمر كتلك الأم التي وجدت طفلها المفقود منذ زمن طويل بعد سنوات من الفراق، لكنّ الطفل لم يعرف أمّه، وإذ حاولت أن توقظ تجاوبه، وأن تسكب عليه فيض قلبها المتفجّر، فلم تجد منه معرفة، بل مجرّد نظرة باهتة من الغربة والريبة، ورُفضت كل مداعباتها وفيض حنانها وقوبلت ببرود وعدم اكتراث بل بنفور، انكسر قلبها حزنًا وخيبة، فبكت ونشجت في عذاب.

    إنّ قلب الله يسكب محبته على نفوس كثيرة لا تستطيع، بل لا تريد، أن تقبلها. إنها لا تعرف أباها، ووجهه غريب عنها. ويبدو أنه لا منفذ إلى القلب الأرضي الباهت، حتى إنّ محبة الله لها ما يدعوها أن تهتف: «كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلَادَكِ كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!». لقد رأيت رجلًا يموت أشهرًا لمجرّد أنه لم يكن يستطيع أن يبتلع أكثر من حبّة طعام واحدة أو رشفة ماء. وحنجرة كثيرين من المسيحيين الروحية ضامرة مثلها تمامًا، وملايين يموتون جوعًا وسط الوفرة، لأنّ قلوبهم ليست مفتوحة لقبول الله. لا بدّ من الثقة والاتّكال، والمحبة التي تقترب وتأخذ، والإيمان الذي يتقبّل ويقبل، وهدوء الروح الذي يبقى مفتوحًا وقتًا كافيًا ليمتلئ تمامًا.

  4. ثم إننا نمتلئ بانتظار الرب في الصلاة، ولا سيما في الصلاة المتواصلة المثابرة. فبعد أن انتظروا الرب امتلأ الجميع من الروح القدس. الصلاة ليست طلبًا فحسب بل هي أيضًا قبول. كثيرون منا لا ينتظرون أمام الرب وقتًا كافيًا ليمتلئوا. يمكنك أن تتناول فطورك في نصف ساعة، لكنك لا تستطيع أن تمتلئ بالروح القدس بهذه السرعة. ينبغي أن تكون هناك أوقات خاصة لانتظار الرب لهذا الغرض بعينه، ثم ينبغي أن يكون هناك ثبات في الرب لا ينقطع، لتجدّد هادئ لحظةً بعد لحظة. فالأول يمكن تشبيهه بالعواصف المطرية العظيمة التي تُفيض النهر، والثاني برطوبة الهواء التي لا تنقطع وبندى الصباح والمساء. ولن يخيب قطّ أيّ ابن لله ينتظر الله، بروح لائقة وبتسليم كامل للذات وثقة، طالبًا معمودية روحه القدس الكاملة، بل سنخرج حتمًا من مثل هذه الأوقات منتعشين فائضين بمحبة الله وحياته، وسنجد أنّ تأثيرات خاصة من القوّة والبركة تتبع مثل هذه الأوقات، في حياتنا وفي حياة الآخرين معًا.
  5. خدمة الله والآخرين هي ربما أنجع شرط لقبول ملء الروح على الدوام. فبقدر ما نسكب البركة، يسكبها الله فينا. في إحدى مؤسّساتنا مضخّة تعمل بالبخار، ولنا وسيلة نعرف بها دائمًا متى امتلأ الخزّان الذي على السطح: ففي الطابق السفلي أنبوب صغير كاشف يبدأ الماء يجري منه، وجرس صغير يبدأ يرنّ. عندئذٍ نعرف أنّ الفيض قد بدأ، وأنّ الإشارة قد دوّت. وما دامت المضخّة صامتة نعرف أنّ الخزّان لم يمتلئ، أمّا تلك الإشارة الصغيرة، والجدول المصاحب لها الجاري من الصنبور المفتوح، فهما خير من برقية تأتي من ذلك السطح البعيد. وهكذا نستطيع دائمًا أن نعرف في كنيسة الله متى لا تكون ممتلئة. فهناك مسيحيون لا يرنّ جرسهم إلا مرّة في زمن طويل جدًّا، وفيضهم ضعيف ونادر حتى إنه لا يكاد يكفي لشربة واحدة جيّدة لعابر سبيل فقير عطشان.

    أيها الأحبّاء، لنواصل سكب المزيد من بركة الله، ولنرَ إن كان لا يسكب فينا بأوفر فيضانات نعمته. ولنكن عمليّين جدًّا في هذا. فكل بركة نلناها من الله أمانة مقدّسة، ولن تدوم إلا بقدر ما نستخدمها له. خلاصنا ليس ملكًا لنا؛ إنه يخصّ كل نفس هالكة على وجه الأرض لم تُتَح لها بعد فرصة قبول يسوع. وتقديسنا وسرّنا العظيم، سرّ ملء يسوع، أمانة مقدّسة لكل مسيحي لم ينل بعد ملء الله، وإن لم ندع هذا النور يضيء، فسيخبو حتمًا، ولن نستطيع أن نروي قصة بركتنا. وشفاؤنا يخصّ متألّمًا ما. وكل اختبار لنا مهيّأ ليناسب قلبًا ما، وسيمكّننا من أن نسدّ حاجة أخ ما، إن كنّا أمناء لفرص عناية الله. آه، ما أوضح الحق لنا حين نحاول أن نخبر به الآخرين! آه، ما أحقّ معمودية الروح القدس حين نركع بجانب آخر لنطالب بها له! آه، كيف تجري ينابيع شفاء المسيح في أجسادنا عينها ونحن نقود متألّمًا مسكينًا إلى الحق! آه، كيف يفيض فرح خلاصنا ونحن نراه ينبع في القلب الذي قُدناه للتوّ إلى الينبوع! آه، ما أعظم الملء الذي يتوق الله أن يشارك به كل إناء فيه متّسع لقبوله واستعداد للعطاء! فإذ قد نلنا ملأه، لنمرّره إلى غيرنا، شاربين والمياه الحيّة تجري في أيدينا، حتى ندرك إلى حدّ ما سعة الوعد العظيم الذي قاله الرب وبركته: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ».

الشواهد الكتابية في هذه العظة أفسس 5:18
المواضيع الروح القدس

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.

استشهد بهذه العظة

انسخ الاستشهاد بالأسلوب الذي تحتاجه.

MLA
Simpson, A. B. “الامتلاء بالروح.” Sermon. Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/filled-with-the-spirit/.
Chicago
Simpson, A. B. “الامتلاء بالروح.” Sermon. Ochorus. https://ochorus.com/ar/sermons/filled-with-the-spirit/.
Chicago footnote
A. B. Simpson, “الامتلاء بالروح,” sermon, Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/filled-with-the-spirit/.
BibTeX
@misc{simpson, author = {Simpson, A. B.}, title = {{الامتلاء بالروح}}, howpublished = {Sermon}, publisher = {Ochorus}, url = {https://ochorus.com/ar/sermons/filled-with-the-spirit/} }