فصل 6 · قراءة 7 د
القسم الثالث
فرح الشركة غير المنقطعة
نشيد الأنشاد 3:6 إلى 5:1
يا يسوع، يا أعجب الملوك،
أيها الغالب ذائع الصيت.
يا حلاوةً تفوق كل وصف،
فيك توجد كل الأفراح!
إياك يا يسوع لتبارك أصواتنا؛
وإياك وحدك لنحبّ؛
ولنُظهر في حياتنا على الدوام
صورة حياتك أنت.
لقد انشغلنا في القسمين الأول والثاني في الغالب بكلمات العروس واختباراتها؛ أما في هذا القسم، وعلى نقيض ذلك تمامًا، فيُوجَّه انتباهنا أولًا إلى العريس، ثم نسمع منه هو عن العروس، بوصفها موضوع محبته وبهجة قلبه. وبنات أورشليم هنّ أول من يتكلم.
مَنْ هَذِهِ ٱلطَّالِعَةُ مِنَ ٱلْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ،
مُعَطَّرَةً بِٱلْمُرِّ وَٱللُّبَانِ
وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ ٱلتَّاجِرِ؟
ثم يُجبن هنّ أنفسهن:—
اَلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ تَخْتًا
مِنْ خَشَبِ لُبْنَانَ.
عَمِلَ أَعْمِدَتَهُ فِضَّةً،
وَرَوَافِدَهُ ذَهَبًا، وَمَقْعَدَهُ أُرْجُوانًا،
وَوَسَطَهُ مَرْصُوفًا مَحَبَّةً (هدايا المحبة)
مِنْ بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ.
هُوَذَا تَخْتُ سُلَيْمَانَ
حَوْلَهُ سِتُّونَ جَبَّارًا
مِنْ جَبَابِرَةِ إِسْرَائِيلَ.
كُلُّهُمْ قَابِضُونَ سُيُوفًا وَمُتَعَلِّمُونَ ٱلْحَرْبَ.
كُلُّ رَجُلٍ سَيْفُهُ عَلَى فَخْذِهِ
مِنْ هَوْلِ ٱللَّيْلِ.
في هذه الأعداد لا تُذكر العروس؛ فقد احتجبت في عظمة عريسها الملكي وأبّهته؛ ومع ذلك فهي تتمتع بها وتشاركه فيها. فالهواء نفسه معطّر بدخان البخور الصاعد كالأعمدة إلى السحاب؛ وكل ما يحرس مقام العريس نفسه ويُظهر جلاله، يحرس أيضًا العروس المرافقة له، شريكةَ مجده. والتخت الذي يجلسان فيه مصنوع من أرز لبنان العطِر، وقد أُغدق في صنعه أجود الذهب والفضة. فالخشب العطِر يرمز إلى جمال البشرية المقدَّسة، أما الذهب فيذكّرنا بالمجد الإلهي لربنا، والفضة بطهارة كنيسته المفديّة التي لا نظير لها وبنفاستها. والأرجوان الملكي الذي بُطّن به يحدّثنا عن الأمم—فقد جاءت بنت صور إلى هناك بهديتها؛ بينما تتّفق هدايا المحبة من بنات أورشليم مع النبوة: «أَغْنَى ٱلشُّعُوبِ تَتَرَضَّى وَجْهَكِ».
هذه هي الأمور التي تسترعي انتباه بنات أورشليم، أما العروس فمنشغلة بالملك نفسه، فتهتف:—
اُخْرُجْنَ يَا بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَٱنْظُرْنَ ٱلْمَلِكَ سُلَيْمَانَ
بِٱلتَّاجِ ٱلَّذِي تَوَّجَتْهُ بِهِ أُمُّهُ فِي يَوْمِ عُرْسِهِ،
وَفِي يَوْمِ فَرَحِ قَلْبِهِ.
الملك المتوَّج هو كل شيء بالنسبة إليها، وهي تودّ لو يكون كذلك لبنات صهيون أيضًا. وتتأمل ببهجة في فرح قلبه في يوم عرسه، لأنها الآن لا تنشغل به من أجل نفسها، بل تفرح بفرحه هو إذ وجد فيها شبعه. فهل ننمّي بما يكفي هذه الرغبة غير الأنانية في أن نكون بجملتنا ليسوع، وأن نعمل كل شيء لمسرّته؟ أم أننا ندرك أننا نذهب إليه في الغالب من أجل أنفسنا، أو في أحسن الأحوال من أجل إخوتنا في البشرية؟ كم من الصلاة يبدأ بالمخلوق وينتهي به، ناسيًا امتياز إدخال الفرح إلى قلب الخالق! ومع ذلك فإنه حين يرى في محبتنا وتكريسنا غير الأنانيين له انعكاسَ محبته هو، عندئذ فقط يستطيع قلبه أن يشعر بالشبع الكامل، وأن يفيض بعبارات محبة نفيسة كتلك التي نجدها في الكلمات التالية:—
هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ!
عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ.
شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ
رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ.
أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ ٱلْجَزَائِزِ
ٱلصَّادِرَةِ مِنَ ٱلْغَسْلِ،
ٱللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ،
وَلَيْسَ فِيهِنَّ عَقِيمٌ.
شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ ٱلْقِرْمِزِ،
وَفَمُكِ حُلْوٌ، إلخ. (انظر الأعداد 3-5).
لقد وجدنا من قبلُ ما يفسّر العروس: أنها تعكس كالمرآة جمال العريس. فحقّ له أن يصف جمالها برضى وهي منشغلة به هكذا! فالشفتان اللتان لا تتكلمان إلا عنه هما كسلكة من القرمز؛ والفم، أي الكلام الذي ليس فيه كلمة عن الذات أو لأجل الذات، حلوٌ في عينيه.
ويمكننا أن نتصوّر جيدًا كم كانت كلمات تقديره ومدحه حلوة في نفس العروس؛ لكن فرحها كان أعمق من أن يُعبَّر عنه؛ فقد صمتت في محبتها. ولم تكن لتفكّر الآن في أن تصرفه إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال.
وأبعد من ذلك بكثير أن يفكّر العريس في أن يجد فرحه بمعزل عن عروسه. فهو يقول:—
إِلَى أَنْ يَفِيحَ ٱلنَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ ٱلظِّلَالُ،
أَذْهَبُ إِلَى جَبَلِ ٱلْمُرِّ
وَإِلَى تَلِّ ٱللُّبَانِ.
الانفصال لا يأتي أبدًا من جهته. فهو مستعد دائمًا للشركة مع قلب مُهيّأ، وفي هذه الشركة السعيدة تزداد العروس جمالًا على الدوام، وتزداد شبهًا بربها. إنها تتغيّر تدريجيًّا إلى صورته، من مجد إلى مجد، بعمل الروح القدس العجيب، إلى أن يستطيع العريس أن يعلن:—
كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي
لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ.
والآن صارت أهلًا للخدمة، وإليها يستميلها العريس؛ فلن تسيء الآن تمثيله:—
هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ يَا عَرُوسُ،
مَعِي مِنْ لُبْنَانَ!
ٱنْظُرِي مِنْ رَأْسِ أَمَانَةَ،
مِنْ رَأْسِ شَنِيرَ وَحَرْمُونَ،
مِنْ خُدُورِ ٱلْأُسُودِ،
مِنْ جِبَالِ ٱلنُّمُورِ.
«هَلُمِّي مَعِي». هكذا الأمر دائمًا. فإن قال مخلّصنا: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلْأُمَمِ»، فإنه يسبق ذلك بقوله: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ»، ويُتبعه بقوله: «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ». أو إن دعا عروسه، كما هنا، لتأتي، فالدعوة لا تزال «مَعِي»، وفي سياق هذه الدعوة المُحبّة يستبدل لأول مرة بكلمة «حَبِيبَتِي» كلمةً أكثر إعزازًا منها: «عَرُوسُ».
ما خدور الأسود إذا كان الأسد الذي من سبط يهوذا معنا؟ وما جبال النمور إذا كان هو إلى جانبنا! «لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي». ومن ناحية أخرى، فإنه فيما هي تواجه الأخطار هكذا وتتعب معه في الخدمة، يقول:—
قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي يَا أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ.
قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ،
بِقَلَادَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ.
أليس عجيبًا أن يُسبى قلب حبيبنا هكذا بمحبة من هو مستعد أن يقبل دعوته، ويخرج معه ساعيًا إلى إنقاذ الهالكين! إن القراءة الهامشية في الترجمة الإنجليزية المنقّحة ذات مغزى عميق: «قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي»، أو «لقد شجّعتِ قلبي». فإن كان قلب العريس يتشجّع بأمانة عروسه ورفقتها المُحبّة، فليس عجيبًا أن يستطيع بعضنا أن يشدّ عزيمة بعض ويشجّعه في خدمتنا المشتركة. لقد كان أمام القديس بولس جبل وعر من الصعوبات عليه أن يرتقيه حين كان يُساق أسيرًا إلى رومية، غير عالم بما ينتظره هناك؛ ولكن حين لاقاه الإخوة في فورن أبيّوس شكر الله وتشجّع. ليتنا هكذا نشدّد دائمًا أيدي بعضنا بعضًا بالله!
ولكن لنعُد إلى موضوعنا. إن العريس يُبهج المرتقيات الشاقّة، ودروب الخطر الوعرة، بإعلانات عذبة عن محبته:—
مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ!
كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ ٱلْخَمْرِ!
وَكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ ٱلْأَطْيَابِ!
شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا.
تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ،
وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ.
أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ،
عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ.
أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ،
فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ.
نَارِدِينٍ وَكُرْكُمٍ.
قَصَبِ ٱلذَّرِيرَةِ وَقِرْفَةٍ، مَعَ كُلِّ عُودِ ٱللُّبَانِ.
مُرٌّ وَعُودٌ مَعَ كُلِّ أَنْفَسِ ٱلْأَطْيَابِ.
يَنْبُوعُ جَنَّاتٍ،
بِئْرُ مِيَاهٍ حَيَّةٍ،
وَسُيُولٌ مِنْ لُبْنَانَ.
وإذ تشترك مع العريس في السعي إلى إنقاذ الهالكين، تكون أقوال شفتيها عنده كالعسل والشهد؛ وتتراكم الصورة فوق الصورة للتعبير عن رضاه وفرحه. إنها جنة ملأى بالأثمار النفيسة والأطياب البهيجة، لكنها جنة مغلقة؛ قد يجلب الثمر الذي تحمله بركةً لكثيرين، لكن الجنة له وحده؛ إنها ينبوع، لكنها عين مقفلة، ينبوع مختوم. ثم إنها أيضًا ينبوع جنات، بئر مياه حية، وسيول من لبنان: تحمل الخصب وتمنح الانتعاش حيثما ذهبت؛ ومع ذلك فالكل منه وله.
والآن تتكلم العروس للمرة الثانية في هذا القسم. فكما كان كلامها الأول عنه، كذلك كلامها الثاني له؛ ولا مكان للذات في أيٍّ منهما.
اِسْتَيْقِظِي يَا رِيحَ ٱلشَّمَالِ، وَتَعَالَيْ يَا رِيحَ ٱلْجَنُوبِ!
هَبِّي عَلَى جَنَّتِي فَتَقْطُرَ أَطْيَابُهَا.
لِيَأْتِ حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ
وَيَأْكُلْ ثَمَرَهُ ٱلنَّفِيسَ.
إنها مستعدة لأي اختبار: فلتهبّ ريح الشمال وريح الجنوب على جنتها، إن كان ذلك فقط يجعل أطيابها تقطر فتُبهج ربها بعبيرها. لقد دعاها جنته، فردوس رمان وأثمار نفيسة؛ فليأتِ إليها ويأكل ثمره النفيس.
فيجيب العريس على هذا:—
قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ.
قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي.
أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي.
شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي.
والآن، حين تدعو، يجيب في الحال. وحين تكون لربها وحده، يؤكد لها أنه يجد فيها كل شبعه.
ويُختم القسم بدعوة العروس لأصدقائه وأصدقائها، وله هو أيضًا:—
كلوا أيها الأصحاب؛
اشربوا، نعم، اشربوا بوفرة أيها الحبيب.
إن تكريس الكل لسيدنا، بعيدًا عن أن يُضعف قدرتنا على العطاء، يزيد قدرتنا وفرحنا في الخدمة كليهما. فالأرغفة الخمسة والسمكتان التي كانت للتلاميذ، إذ سُلّمت أولًا للرب وباركها، صارت مددًا وافرًا للجموع المحتاجة، ونمت في أثناء التوزيع حتى صارت ذخيرة بقي منها اثنتا عشرة قفة مملوءة من الكسر بعد أن شبع الجميع تمامًا.
فلدينا إذن في هذا القسم الجميل، كما رأينا، صورة للشركة غير المنقطعة وثمارها البهيجة. ليت حياتنا توافقها! أولًا الاتحاد بالملك، ثم الكلام عن الملك؛ فرح الشركة يقود إلى الشركة في الخدمة، إلى أن نكون بجملتنا ليسوع، مستعدين لأي اختبار يؤهّلنا لمزيد من الخدمة، مسلّمين كل شيء له، وراغبين في أن نبذل كل شيء لأجله. لا مكان هنا لمحبة العالم، لأن الاتحاد بالمسيح قد ملأ القلب؛ ولا شيء هنا لإرضاء العالم، لأن الكل قد خُتم وحُفظ لاستعمال السيد.
يسوع، حياتي لك!
وستبقى إلى الأبد
مستترةً فيك.
فلا شيء يقدر أن يفكّ
حياتك من حياتي.
اكتمل الفصل 6
القسم الثالث