فصل 19 · قراءة 7 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
يقين الإيمان
كنت ممتلئة حماسة لاكتشافي حتى لم يعد شيء آخر يبدو لي ذا أدنى أهمية؛ وكما سبق أن قلت، هاجمت كل صديق لي في هذا الموضوع، وألححت في أن أعرف هل اكتشفوا هم أيضًا تلك الحقيقة الفائقة: أن خطاياهم قد غُفرت كلها، وأنهم أولاد الله. وكنت ببساطة أرغمهم على الإصغاء، شاؤوا أم أبوا، لأنه كان يبدو لي أن أشد ما يمكن تصوره مدعاة للرثاء أن يفوت أحدًا أن يعرف هذا الأمر وأنا على قيد الحياة أستطيع أن أخبر به.
ولا بد لي أن أقول إن كل من كلمتهم تقريبًا — ربما لدهشتهم جزئيًّا من مهاجمتي إياهم بهذه القوة — أصغوا باهتمام متلهف، واعتنقوا عاجلًا أو آجلًا الآراء التي كنت أعلنها بذلك الحماس. وكثيرون جدًّا من أصدقائي كانوا بالطبع مسيحيين حقًّا بالفعل، لكنهم ما كانوا يكادون يجرؤون على أن يحسبوا أنفسهم كذلك؛ فحمل إليهم تعليمي يقين الإيمان الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه.
والحق أن الأمر بدا لي خبرًا سارًّا رائعًا إلى حد أني ظننت أني لو خرجت إلى الشارع ووقفت في النواصي وأخذت أذيعه، لفتح الجميع الأبواب والنوافذ ليصغوا إلى قصتي. وشعرت كأني منادٍ يسير في أروقة سجن، حاملًا من الملك إعلانًا بالعفو المجاني عن كل سجين. وكانت رسالة بولس في مجمع اليهود في أنطاكية، حين كلمهم عن يسوع وقال: «فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهَذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا، وَبِهَذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى»، هي رسالتي أنا. وكان العجب عندي ألا يسارع كل سجين، حال سماعها، إلى فتح باب زنزانته والخروج منها حرًّا طليقًا.
كان يبدو لي حماقة ما بعدها حماقة أن يتردد أحد لحظة واحدة أمام إعلان كهذا. فلماذا يقلقون بشأن خطاياهم، والله قد أعلن بكل وضوح أن المسيح قد حمل خطاياهم «فِي جَسَدِهِ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ» ورفعها إلى الأبد؟
ولماذا يخافون غضب الله، والكتاب المقدس قد أكد لنا أن «ٱللهَ كَانَ فِي ٱلْمَسِيحِ مُصَالِحًا ٱلْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ»؟ إن كل هذه الشكوك والمخاوف البائسة قد بدت لي حينئذ، وما زالت تبدو لي منذ ذلك الحين، ليست فقط منافية للتقوى وطعنًا في جدارة الله بالثقة، بل دليلًا أيضًا على نقص كبير في حسن الإدراك.
فإما أن يكون الله صادقًا، وإما أن يكون كاذبًا. فإن كنت أومن بأنه صادق، فإن حسن الإدراك يقتضي أن أقبل أقواله بوصفها تقريرًا لحقائق، وأن أستريح إليها بوصفها حقائق.
وكان من أعظم ما أعانني في ذلك الوقت كراسة بعنوان «صائد الثعالب» لسيزار مالان. فقد كانت أوضح عرض للتبرير بالإيمان وأكثره منطقية وقعت عليه في حياتي، وقد أثبتت لي بما لا يدع مجالًا للتساؤل أن «يقين الإيمان» هو الموقف الكتابي الوحيد الذي يمكن لأي أحد أن يقفه، وهو في الوقت نفسه الموقف الوحيد الذي يمليه حسن الإدراك أيضًا. وكانت الثعالب في هذه الكراسة هي الشكوك، وكان الصائد هو الواعظ الذي يمسكها ويقتلها. وكان تعليمها كله أن الله إن كان قد قال إن المسيح قد رفع خطايانا، فلا بد أنه قد فعل ذلك يقينًا، وأنها بالطبع قد زالت، وأن عدم تصديقنا ذلك ليس حماقة منا فحسب بل تجاسرًا أيضًا.
وكنت أسائل نفسي باستمرار لماذا لا يذيع كل واعظ هذه الحقائق بوضوح وتمام بحيث لا يفوت أحدًا فهمها. وقد استبد بي هذا الشعور حتى إني كلما سمعت عظات بدت تترك الأمر غامضًا أو مشوشًا، لم أكن أتحرج من التقدم إلى الوعاظ بعدها ومعاتبتهم لأنهم لم يبشروا بإنجيل المسيح بوضوح.
وإني لعلى اقتناع، إذ أنظر الآن إلى الوراء، بأني لا بد أن أكون قد صرت مصدر إزعاج عام لوعاظنا الكويكرز الأعزاء، الذين أعترف بأن وعظهم لم يكن في تلك الأيام كثيرًا ما يكون من هذا النوع المحدد. لكن الحقيقة أن ما اكتشفته بدا لي من الأهمية الفائقة الطاغية بحيث لم يعد أي اعتبار آخر يستحق لحظة التفات واحدة. فأن أكون في عالم مملوء بالخطاة الذين لا يعرفون أن خطاياهم مغفورة وأنهم أولاد الله، والذين كان يمكن أن يعرفوا ذلك لو أخبرهم به أحد، بدا لي مسؤولية هائلة جعلتني أشعر أني مضطرة إلى أن أخبر به كل من أستطيع الوصول إليه.
ولم يستطع الأصدقاء الهادئون الأعزاء أن يفهموا مثل هذه الغيرة المفرطة، بل غير الحكيمة كما أجرؤ أن أقول، وصارت زياراتي لأي بيت من بيوتهم مما يُخشى حقًّا. حتى أزواج أخواتي كادوا يخافون من زيارتي لأخواتي أنفسهن، وقد مررت من نواح كثيرة بضرب من الاضطهاد، لا شك أني جلبته على نفسي إلى حد كبير بغيرتي غير المتبصرة، لكنه بدا لي في ذلك الوقت استشهادًا في سبيل الحق.
وليس كثيرًا، فيما أظن، أن تأتي قصة الإنجيل إلى أحد بمثل الحيوية التي أتتني بها. لكن لأني، بوصفي كويكرية، لم أكن قد تلقيت أي تعليم عقائدي، فقد جاءني كل ما كنت أتعلمه عن الخلاص الذي في المسيح في وهج كامل من الاستنارة. وبدا الكتاب المقدس متلألئًا حقًّا بـ«بشارة الفرح العظيم»، وعجبت كيف لا يراها الجميع.
ولأني لم أكن أعرف من اللاهوت شيئًا على الإطلاق، ولم أسمع قط أي مصطلح لاهوتي، فقد تلقيت قصة الإنجيل كلها بأبسط ما يكون من الإدراك السليم، وآمنت بها من غير أي تحفظ. وكثيرًا ما قلت إني مثل سجين خرج من زنزانة مظلمة تحت الأرض إلى نور عشرة آلاف شمس. وعلى الرغم من كل استنكار الشيوخ والنظّار بين الكويكرز ومعارضتهم، ومن عائلتي نفسها كذلك، فقد كسب لي حماسي آذانًا صاغية، وجاء كل صديق لي تقريبًا، عاجلًا أو آجلًا، إلى معرفة الحقائق التي كنت أنادي بها، وشاركني ابتهاجي بقدر أو بآخر.
وهكذا خمدت المعارضة شيئًا فشيئًا، وفي النهاية، مع أن «الأصدقاء الرصينين» لم يستطيعوا أن يؤيدوني تأييدًا تامًّا، فإنهم على الأقل تركوني حرة أواصل طريقي من غير مضايقة.
ولا شك أن فجاجة آرائي كانت واضحة كل الوضوح للمسيحيين الروحيين الأنضج من حولي، وأنا الآن على يقين من أن جانبًا كبيرًا من المعارضة التي لقيتها إنما نشأ من هذه الحقيقة.
لكن مع أني قد أتمنى لو كانت آرائي أنضج مما كانت، فلا يمكنني قط أن أندم على الحماس الذي جعلني بذلك الشوق كله إلى أن أذيع على الجميع أفضل ما أعرف.
بل حتى المعارضة كانت بركة لي، فقد علمتني بعض دروس لا تقدر بثمن. فقد وقعت في تلك الأيام على كتاب — يؤسفني أن أقول إني نسيت اسمه — أعانني عونًا عظيمًا. وكانت فكرته المحورية أن من أغنى العطايا التي يمكن أن ينالها المسيحي عطية الاضطهاد، وأن التشبه بالمعلّم في كونه مخذولًا من الناس هو أسمى كرامة يمكن أن يبلغها المسيحي. وكان يعلّم أن أعظم المسيحيين هو من يرضى أن يأخذ المكان الأدنى، وأن صيرورة المرء أول الكل لا تُنال إلا بأن يصير خادمًا للكل.
وقد تأثرت بهذا التعليم حتى حاولت أن أضعه موضع التطبيق؛ فكنت كلما توقعت في أي مقابلة أن ألقى توبيخًا أو معارضة، أصلي دائمًا قبلها بحرارة أن أتلقى ذلك بروح مسيحية حقة. كما أعانني كثيرًا قول لمدام غيون، وهو أنها تعلمت أن تشكر على كل إهانة وإذلال، لأنها وجدت أنهما يساعدانها على التقدم في الحياة الروحية؛ ومع الوقت تعلمت شيئًا من الدرس نفسه.
أما الفائدة الخاصة التي جنيتها من الاستنكار الذي لقيته فهي أنه نزع عني قدرًا كبيرًا من الغرور. فقد رُسِّخ في نفسي أني مخطئة حمقاء من كل وجه، وأني إنما أُحتمَل فقط بفضل لطف أصدقائي، حتى صار عندي أخيرًا ضرب من الشعور الغريزي بأني لا أستحق سوى الإهانات والتوبيخات، وأن أي جفاء قد يُبدى نحوي إنما هو جزائي العادل ليس إلا. بل صار من عادتي ألا أتوقع شيئًا غير ذلك، وكففت عن الظن بأن لي حقوقًا لا ينبغي للآخرين أن يدوسوها.
وقد منحتني عادة الذهن هذه أعظم حرية للروح طوال حياتي منذ ذلك الحين، إذ لم أضطر قط، كما يبدو أن كثيرين مضطرون، إلى الدفاع عن حقوقي، بل لم يكن عندي في الواقع تقريبًا قط من الفطنة ما أنتبه به حين يُستهان بي. فمن لا حقوق له لا يمكن أن تُداس حقوقه؛ ومن لا مشاعر له لا يمكن أن تُجرح مشاعره. وقد انحفر هذا الدرس في نفسي بما قاسيته في ذلك الوقت الذي أتحدث عنه انحفارًا عميقًا، حتى إني إلى هذا اليوم أُفاجأ دائمًا بأي لطف يُبدى نحوي كأنه شيء غير متوقع البتة وغير مستحق.
ولا أعرف درسًا تعلمته في حياتي كان من النفع العملي بمثل ما كان هذا الدرس الذي تعلمته من المعارضة التي لقيتها في السنوات الأولى من اختباري المسيحي؛ وإن كنت لا أشك، كما قلت، في أني جلبت تجاربي على نفسي إلى حد كبير بفجاجتي وجهلي.
لكني، على فجاجتي وجهلي، كنت، كما قلت، قد أمسكت إمساكًا وثيقًا بحقيقة أساسية واحدة رائعة لم يستطع شيء قط أن يزعزعها، وهي أن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم. كان كل شيء على ما يرام بين نفسي والله. كان هو أبي، وكنت أنا ابنته، ولم يكن عندي ما أخافه. ولم يكن يهم أني أمسكت به على نحو فج. المهم أني أمسكت به. فها هي ذي — حقيقة محبة الله وغفران الله المركزية العظمى — وقد استراحت نفسي من جهة هذا الأمر إلى الأبد.