سرّ الإرشاد
كيف نحتمل الحزن

فصل 7 · قراءة 11 د

كيف نحتمل الحزن

إنك تجتاز وقتًا من الحزن العميق. فالمحبة التي كنت تتكل عليها قد خذلتك فجأة، وجفّت كجدول في البرية — كانت أولًا مجرى يتضاءل، ثم بِرَكًا ضحلة، ثم أخيرًا جفافًا. إنك دائم الإصغاء لوقع خطوات لا تأتي، تنتظر كلمة لا تُقال، وتتحرّق إلى جواب تأخر عن موعده.

وربما ضاعت مدّخرات عمرك فجأة. فبدلًا من أن تعين غيرك، صرت أنت محتاجًا إلى العون؛ أو صار لزامًا عليك أن تغادر العشّ الدافئ الذي احتميت فيه من عواصف الحياة، لتمضي وحدك إلى عالم غير ودود؛ أو دُعيت فجأة إلى حمل عبء حياة أخرى، لا تعطي نفسك راحة حتى تقودها عبر بحار مظلمة عسيرة إلى المرفأ. وربما كانت صحتك أو بصرك أو قواك العصبية آخذة في الوهن؛ وأنت تحمل في نفسك حكم الموت، وعذاب ترقّب المستقبل يكاد لا يُحتمل. وفي حالات أخرى هناك الإحساس بفقدٍ قريب بالموت، كالفجوة في فسحة الغابة حيث كان الحطّاب يقطع الأشجار منذ قليل.

في مثل هذه الأوقات تبدو الحياة شبه لا تُطاق. أيكون كل يوم طويلًا كهذا اليوم؟ أتُسرع الساعات البطيئة خطاها مرة أخرى؟ أتلبس الحياة يومًا ثوبًا غير بقايا الخريف الممزقة من مجد صيف مضى؟ هل نسي الله رأفة؟ أو قفص برجزه مراحمه؟ هل انتهت إلى الأبد رحمته؟

هذا الطريق قد وطئته ربوات. — حين تفكر في الحروب المخرّبة التي اجتاحت كل بلد وأقفرت كل أرض؛ وفي حملات أمثال نمرود ونبوخذنصر وتيمورلنك ونابليون في التاريخ؛ وفي تجارة الرقيق القاسية التي لم تكفّ قط عن إفناء أهل أفريقيا؛ وفي كل ما قاساه الضعفاء والعزّل من طغيان وظلم وجور على أيدي بني جنسهم؛ وفي أحزان النساء والأطفال التي لا يُعبَّر عنها — لا بد أنك ترى أن الغالبية العظمى من جنسنا البشري قد اجتازت الأحزان المرّة نفسها التي تمزّق قلبك.

ويسوع المسيح نفسه سلك هذا الطريق الوعر، تاركًا آثار دمه على حصاه الصوّان؛ والرسل والأنبياء والمعترفون والشهداء عبروا الطريق نفسه. ومن المعزّي أن نعرف أن آخرين قد اجتازوا الوادي المظلم ذاته، وأن الجموع الكثيرة الواقفة أمام الخروف، وفي أيديها سعف النخل علامةً للغلبة، قد أتت من الضيقة العظيمة. فحيث كانوا نحن الآن؛ وبنعمة الله، حيث هم الآن سنكون.

لا تتحدث عن العقاب. — لك أن تتحدث عن التأديب أو التقويم، لأن أبانا يعاملنا كالبنين؛ أو أن تتحدث عن حصاد نتائج أخطاء وخطايا أُلقيت كالبذار في أتلام الحياة في سنين سالفة؛ أو قد يكون عليك أن تحمل عواقب خطايا الآخرين وأخطائهم؛ لكن لا تتحدث عن العقاب. فمن المؤكد أن كل ذنب الخطية وكل قصاصها قد وُضعا على يسوع، وقد نزعهما إلى الأبد. له كانت الحُبُر، وعليه كان تأديب سلامنا. فلو كان الله يعاقبنا على خطايانا، لبدا أن آلام المسيح ناقصة؛ ولو بدأ مرةً أن يعاقبنا، لكانت الحياة أقصر من أن تتسع لإيقاع كل ما نستحقه. ثم كيف نفسّر مفارقات الحياة، وآلام القديسين الثقيلة إذا قيست بحياة الأشرار اللاهية؟ لا شك أنه لو كانت آلامنا عقوبات، لانقلبت هذه الأنصبة.

الحزن بوتقة المُمحِّص. — قد يكون سببه إهمال إنسان آخر أو قسوته، أو ظروفًا لا سلطان للمتألم عليها، أو قد يأتي نتيجة مباشرة لساعة مظلمة ما في الماضي البعيد؛ لكن بما أن الله قد سمح بمجيئه، فيجب أن يُقبَل على أنه من تعيينه، وأن يُعدّ الأتون الذي به يفحص النفس ويمتحنها ويسبر غورها وينقّيها. فالألم يفحصنا كما تفحص النار المعادن. نظن أننا لله بالتمام، إلى أن نتعرّض لنار الألم المطهِّرة. حينئذ نكتشف، كما اكتشف أيوب، كم من الزغل فينا، وكم هو قليل ما لنا من الصبر الحقيقي والتسليم والإيمان. لا شيء مثله يفصلنا عن أمور هذا العالم، وعن حياة الحواس، وعن دِبق العواطف الأرضية. وليس هناك على الأرجح طريق آخر يُوقَف به سلطان حياة الذات، لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت.

لكن الله يُبقي تأديب الحزن دائمًا في يديه هو. — قال ربنا: «أَبِي ٱلْكَرَّامُ». يده تمسك سكين التقليم. عينه تراقب البوتقة. لمسته الرقيقة على النبض ما دامت العملية جارية. إنه لا يسمح حتى لإبليس أن يفعل بنا ما يشاء. كما كان الأمر مع أيوب، هكذا هو دائمًا. اللحظات موزّعة بعناية. وشدة الامتحان محدّدة بدقة على قدر مخزون النعمة والقوة الكامن فينا دون أن نعرفه، والذي سنطلبه ونستعمله تحت ضغط الألم الشديد. إنه يجمع الريح في حفنتيه، ويكيل المياه بكفّه. ولا يجرؤ أن يخاطر بخسارة ما كلّفه دم ابنه. «ٱللهَ أَمِينٌ، ٱلَّذِي لَا يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ».

في الحزن يكون المعزّي قريبًا. — «عَوْنًا فِي ٱلضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا». إنه يجلس عند البوتقة، كممحِّص للفضة، يضبط الحرارة، ويلاحظ كل تغيّر، وينتظر بصبر حتى يطفو الزبد ويزول، وتنعكس صورة وجهه في المعدن الصافي الشفاف. قد لا يدوس معك المعصرة صديق أرضي، لكن المخلّص هناك، وثيابه ملطخة بدم عناقيد حزنك. تجرّأ أن تردد مرارًا، وإن كنت لا تشعر بذلك، وإن أصرّ الشيطان على أن الله قد تركك: «أَنْتَ مَعِي». اذكر اسمه مرة بعد مرة: «يسوع، يا يسوع، أَنْتَ مَعِي». هكذا تصير واعيًا أنه هناك.

حين يأتي الأصدقاء ليعزّوك يتحدثون عن لمسة الزمن الشافية، كأن أفضل بلسم للحزن هو النسيان؛ أو يقترحون، بلطفهم الحسن النية، السفر والتسلية والترفيه، فيكشفون عجزهم عن إدراك الليل الأسود المخيّم على نفسك. فتنصرف عنهم وقلبك عليل، مستعدًا أن تقول كما قال أيوب لأصحابه: «مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ». لكن يسوع طوال الوقت أقرب إليك منهم، يفهم كيف يُتعبونك، ويعرف كل خفقة ألم، ويرثي لك بشعور المشارك، صامتًا في محبة أفيض من أن تتكلم، منتظرًا أن يعزّيك ساعة بعد ساعة كما تعزّي الأم طفلها المتعب المتألم.

احرص على أن تدرس فنّ هذه التعزية الإلهية، لكي تقدر أن تعزّي «ٱلَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِٱلتَّعْزِيَةِ» التي تعزّيت أنت نفسك بها من الله (كورنثوس الثانية 1:4). فلا ريب أن بعض التجارب يُسمح لها أن تأتي علينا، كما أتت على ربنا، لا لسبب آخر إلا لكي نصير بها قادرين على أن نقدّم العطف والإغاثة للآخرين. وينبغي أن نراقب بكل عناية كل عَرَض من أعراض الألم، وكل وصفة من وصفات الطبيب العظيم، إذ على الأرجح سنُدعى في وقت ما في المستقبل لنخدم الذين يجتازون اختبارات مشابهة. هكذا نتعلم مما نتألم به، وإذ نُكمَّل نصير سببًا لعون ثمين أبدي لنفوس في النزع.

لا تنعزل مع حزنك. — كتب إليّ صديق، في أول لوعة الثُّكل، يقول إنه لا بد أن يتخلى عن الخدمات المسيحية التي كان يبتهج بها؛ فأجبته في الحال أحثّه ألا يفعل ذلك، لأنه لا عزاء لألم القلب مثل الخدمة. إن تجربة الألم العظيم تنزع نحو العزلة، والانسحاب من حياة الناس، والجلوس وحيدًا، والتزام الصمت. فلا تستسلم لها. حطّم قيود التحفّظ الجليدية إن كانت قد تجمّعت عليك. قم، ادهن رأسك واغسل وجهك؛ واخرج إلى واجبك بخطى راضية وإن كانت مؤدَّبة.

الأنانية بكل أنواعها، في نشاطها أو في انكفائها على ذاتها، أمر مؤذٍ، وهي تحجب عون الله ومحبته. والحزن ميّال إلى الأنانية. فالنفس المنشغلة بأحزانها، والتي تأبى التعزية، تصير بعد قليل بحرًا ميتًا، مملوءًا بالملح والأجاج، لا تطير فوقه الطيور، ولا ينمو بجانبه شيء أخضر. وهكذا يفوتنا الدرس نفسه الذي يريد الله أن يعلّمنا إياه. فحربه الدائمة هي على حياة الذات، وكل ألم يوقعه إنما هو ليُرخي قبضتها علينا. لكننا قد نُحبط قصده ونستخلص السمّ من عطاياه، كما يستخرج الناس الأفيون والكحول من نباتات بريئة.

تحكي لنا الأسطورة الشرقية الجميلة أن امرأة هندوسية فقدت طفلها الوحيد. فتوسّلت، وقد أذهلها الحزن، إلى نبيّ أن يردّ صغيرها إلى حضن حبها. فنظر إليها طويلًا بحنان، وقال:

«اذهبي يا ابنتي، وأحضري لي حفنة من الأرز من بيت لم يدخله الموت قط، وأنا أفعل ما تشتهين».

فبدأت المرأة بحثها في الحال. وانتقلت من مسكن إلى مسكن، ولم تجد صعوبة في الحصول على ما طلبه النبي؛ لكنهم حين كانوا يعطونها إياه كانت تسأل:

«هل أنتم جميعًا هنا حول الموقد — الأب والأم والأولاد — لا يغيب منكم أحد؟»

فكان الناس يهزّون رؤوسهم دائمًا، بتنهدات ونظرات حزينة. وحيثما جالت، بعيدًا أو قريبًا، كان هناك دائمًا مقعد شاغر بجانب الموقد. وشيئًا فشيئًا، وهي تمضي في طريقها، كما تقول الأسطورة، هدأت أمواج حزنها أمام مشهد الحزن في كل مكان؛ وكفّ قلبها عن الانشغال بوخزته الأنانية، وفاض بأشواق قوية من التعاطف مع الألم الذي يعمّ الجميع؛ فلانت دموع اللوعة وصارت دموع شفقة، وذاب الهياج في الرأفة، ونسيت نفسها في همّ الناس جميعًا، ووجدت فداءها في أن تفدي غيرها.

لا تلُم نفسك على شدة شعورك. — الدموع أمر طبيعي. بكى يسوع. العاصفة الرعدية بلا مطر محفوفة بالخطر؛ أما قطرات المطر المتساقطة فتلطّف الهواء وتخفّف الجو المشحون. والجداول الفائضة تدل على أن الثلوج تذوب على التلال وأن الربيع قريب. «يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ»، قال ربنا، «ٱبْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلَادِكُنَّ».

أن تحتمل الحزن بعينين جافتين وقلب متبلّد قد يليق برواقيّ، لكنه لا يليق بمسيحي. لا حاجة بنا إلى أن نوبّخ الطبيعة الحنون وهي تبكي على رفيقها، وعلى فرحها المفقود، وعلى لمسة اليد التي توارت، ورنين الصوت الذي سكت، بشرط واحد هو أن تكون الإرادة مسلِّمة. هذا هو الاعتبار الوحيد للذين يتألمون — هل الإرادة مستقيمة؟ إن لم تكن كذلك، فالله نفسه لا يستطيع أن يعزّي. وإن كانت، فالطريق سيقود حتمًا من وادي ظل الموت إلى المائدة المُعَدّة والكأس الريّا.

كثيرون يقولون: «لا أستطيع أن أشعر بالتسليم. يكفيني ما أحمله من حزن، لكن عندي هذا الهمّ الإضافي، أنني لا أستطيع أن أشعر بالتسليم».

وجوابي الذي لا يتغير هو: «ربما لن تستطيع أبدًا أن تشعر بالتسليم، لكنك تستطيع أن تريده».

لقد أرانا الرب يسوع، في بستان جثسيماني، كيف نتألم. لقد اختار مشيئة أبيه. ومع أن يهوذا، بتحريض من الشيطان، كان الأداة التي مزجت الكأس ووضعتها على شفتي المخلّص، فقد نظر إلى ما وراءه، إلى الآب الذي سمح له أن يمضي في طريقه القاسي، وقال: «ٱلْكَأْسُ ٱلَّتِي أَعْطَانِي ٱلْآبُ أَلَا أَشْرَبُهَا؟». وقال مرارًا: «إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ ٱلْكَأْسُ إِلَّا أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». لقد تخلّى عن طريقه ومشيئته قائلًا: «أريد مشيئتك يا أبي. لتكن مشيئتك لا مشيئتي».

فليعتزل كل المتألمين الذين يقرأون هذه السطور، وليجرؤوا أن يقولوا الكلمات نفسها: «مشيئتك لا مشيئتي. لتكن مشيئتك في أرض حياتي كما في سماء قصدك. إني أختار مشيئتك». قل هذا بتأمل وتروٍّ، لا لأنك تستطيع أن تشعر به، بل لأنك تريده؛ لا لأن طريق الصليب مُبهج، بل لأنه لا بد أن يكون صوابًا. قله مرارًا، كلما اجتاحتك موجة الألم، وكلما بدأ الجرح ينزف من جديد. «لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». تجرّأ أن تقول لله: نعم. «نَعَمْ أَيُّهَا ٱلْآبُ، لِأَنْ هَكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ».

وهكذا تُقاد إلى أن تشعر بأن كل شيء صائب وحسن. سيحلّ على قلبك هدوء عظيم، سلام يفوق كل عقل، وإحساس بالراحة لا يتعارض مع الألم، بل يسير في وسطه كما سار الفتية الثلاثة في أتون النار، الذين لا بد أن الجمر المتّقد كان لهم كالعشب النديّ في فسحة غابة.

«أخبرنا الطبيب أن طفلتي الصغيرة تحتضر. فصرت كالحجر. لكن في لحظة بدا لي أنني أرخيت قبضتي عنها. لم تعد تبدو لي ملكي، بل ملك الله».

احرص على أن تتعلم دروس الله. — كل حزن يحمل في قلبه بذرة من حق مقدس، إن أخذتها وزرعتها في تربة قلبك أتت بمحاصيل من الثمر، كما تثمر في التربة الإنجليزية حبوب القمح المأخوذة من توابيت المومياوات. لله قصد في كل ضربة من إزميله، وكل شقّ من مِبضعه. إنه يعرف الطريق الذي يسلكه. لكن غايته ليست دائمًا واضحة لنا.

في الألم والحزن يلمس الله الأوتار الشجية، وينمّي فضائل الاحتمال، ويكشف للعيان ذخائر الظلمة، وكواكب الوعد، وقوس الرجاء، ونور العهد الفضي. ما قيمة الخُلق بغير العطف والخضوع والصبر والثقة، والرجاء الذي يتشبث بغير المنظور كمرساة؟ لكن هذه الفضائل لا تكون ممكنة إلا بالحزن. الحزن بستان، أشجاره مثقلة بثمر البر للسلام؛ فلا تغادره دون أن تحمل منه معك. الحزن منجم، جدرانه تتلألأ بالحجارة الكريمة؛ فاحرص ألا ترجع أدراجك إلى ضوء النهار بغير بعض النماذج منها. الحزن مدرسة. أنت مُرسَل لتجلس على مقاعدها القاسية، وتتعلم من صفحاتها ذات الحروف السوداء دروسًا تجعلك حكيمًا إلى الأبد؛ فلا تبدّد فرصتك في التخرّج منها. وكانت الآنسة هافرغال تتحدث عن «الدروس المردودة»!

ترقّب ما يأتي أخيرًا. — لن يبقى الله يُحزن على الدوام. إنه يجوب الحقول البنية الكالحة بمحراثه، يشقّ الأرض الليّنة ليستطيع أن يلقي فيها الحَبّ الثمين. آمن بأنه في أيام الحزن يزرع نورًا للصدّيق وفرحًا للمستقيمي القلب. تطلّع إلى الحصاد. ترقّب السرور الموضوع أمامك، الذي سيغمر قلبك بأنغام الترنيم حين يكون للصبر عمل تام.

ستعيش حتى تدرك حكمة اختيار الله لك. سترى يومًا أن الشيء الذي كنت تريده لم يكن إلا دون الأفضل. ستندهش حين تتذكر أنك كدت مرة تحطّم قلبك وتسكب خمر حياتك من أجل ما لم يكن ليشبعك لو أمسكت به، كالطفل الذي يطارد الفراشة أو فقاعة الصابون. ستلتقي حبيبك من جديد. وسيعود إليك حبك. وستقتني عمقًا في الخُلق، وسعة في العطف، ورصيدًا من الصبر، وقدرة على فهم الآخرين وعونهم، وهذه كلها، إذ تضعها عند قدمي المسيح ليستخدمها، ستجعلك تفرح بأنك تذلّلت. سترى خطة الله وقصده؛ ستحصد حصاده؛ ستنظر وجهه، وتشبع. سيكون لكل جرح لؤلؤته؛ وستحوي كل جثة دَبرًا من النحل؛ وكل عدوّ، كمديان لجدعون، سيُسلم غنيمته الحسنة.

إن طريق الصليب، إذا احتُمل كما ينبغي، هو الطريق الوحيد إلى النور الأبدي. فالمسلك الذي يخترق بستان جثسيماني ويتسلّق تلة الجلجثة هو وحده الذي يوصل إلى رؤى صباح القيامة وأمجاد جبل الصعود. إن كنا لا نريد أن نشرب من كأسه، أو أن نصطبغ بصبغته، أو أن نكمّل نقائص آلامه، فلا يمكننا أن نتوقع أن نشاركه أفراح عرسه ونشوة انتصاره. أما إذا تمّت هذه الشروط، فلن تفوتنا نغمة واحدة من الترنيمة الأبدية، ولا عنصر واحد من الغبطة الممكنة للبشر.

تذكّر أن الألم المحتمل كما ينبغي يُغني البشرية ويعينها بطريقة ما. — كان موت هالام يوم ميلاد قصيدة تينيسون «في الذكرى». وسحابة الجنون التي خيّمت على كاوبر أعطتنا الترنيمة «الله يعمل بطرق غامضة». وعمى ميلتون علّمه أن يتغنّى بـ«النور المقدس، سليل السماء البكر». وكان ريست يقول: «لقد عصر الصليب مني ترانيم كثيرة». ومن المرجّح أنه لا أحد يتألم كما ينبغي في أي مكان دون أن يسهم بشيء في تخفيف الحزن البشري، وفي انتصار الخير على الشر، والمحبة على البغضاء، والنور على الظلمة.

إن كنت تؤمن بهذا، أفلا تستطيع أن تحتمل الألم؟ أليس أعظم ما في الألم من بؤس هو وحدته، وربما ما يبدو من عبثه؟ إذن فتجرّأ أن تؤمن بأنه لا أحد يموت لذاته. اسقط في الأرض، بشجاعة وبشاشة، لتموت. إن رفضت هذا، فستبقى وحدك؛ أما إن استسلمت له، فستأتي بثمر يحلّي نصيب الآخرين ويقوّي حياتهم، وهم ربما لن يعرفوا اسمك أبدًا، ولن يتوقفوا ليشكروك على عونك.

صفحة 1 / 1 · 11 دقيقة متبقية في الفصل