فصل 5 · قراءة 11 د
لماذا توقّع التعهّد؟
إنّ الشعور المؤيّد للامتناع التامّ عن المسكرات ينمو بسرعة. فبجهود عشرات الألوف وتضحياتهم يتكوّن رأي عامّ قويّ، أشبه بحاجز أمواج جبّار. وها إنّ زحف السُّكر قد بدأ يُوقَف، وكثير من القوارب التي حطّمها هيجان الشهوة والانغماس في الملذّات قد رسا آمنًا في الميناء، محميًّا من الخراب التامّ، وقادرًا على إصلاح ما لحق به من تحطّم رهيب. طوبى لنا نحن الذين نعيش في زمن كهذا! فلنبذل قصارى جهدنا لنبني حجارتنا القليلة في حاجز الأمواج العظيم هذا، الذي لا يتكوّن إلّا من العمل الصغير لبنّائين مجهولين سرعان ما يُنسون.
ومن الوسائل المهمّة التي أُنجز بها هذا القدر الكبير استعمال التعهّد. وبحسب الظاهر، لولا التعهّد لما أمكن أن يقوم الرأي الحاضر المؤيّد للامتناع التامّ. وسيكون خطأً عظيمًا لو أُهمل توقيع التعهّد يومًا، أو صار موضع ازدراء. ينبغي ألّا نركل السلّم الذي صعدنا عليه.
ومع ذلك، ففي بعض الأوساط ميل إلى التفكير في التعهّد والحديث عنه باستخفاف
يقول أحدهم: «آه، أستطيع أن أبقى ممتنعًا عن المسكر من غير أن أوقّع تعهّدك».
ويقول آخر: «نعم، ومن الصبيانيّة أن توقّع على التنازل عن حرّيّتك».
ويقول ثالث: «قد يكون ذلك حسنًا جدًّا لبعض الناس أن يفعلوه، لكنّه ليس كذلك لي».
فلماذا إذن ينبغي أن نوقّع تعهّد الامتناع التامّ؟
وقّع التعهّد: إنّه احتجاجك على المسكرات. — لقد آن لكلّ إنسان متبصّر أن يرفع احتجاجًا مهيبًا على المسكرات، التي تُنزل كلّ سنة مثل هذا الدمار الرهيب بجنسنا. من يستطيع أن يقف غير مبالٍ بالويلات التي تجلبها على القلوب والبيوت، وعلى القرى والمدن، وعلى البلدان والقارّات؟ وحسنًا يفعل الهندوس إذ يسمّونها «ماء العار». ليس هناك بيت لا تجد فيه قتلاها. وليست هناك جريدة لا تسجّل فظائعها الشيطانيّة. وليس هناك موظّف عامّ لا يستطيع أن يقدّم ضدّها شهادة دامغة.
لا نستطيع أن نفعل الكثير، لكن لنفعل ما نستطيع. لنا صوت، ولنا حقّ أن نقول نعم أو لا، ولنا قدرة على الموافقة أو الاحتجاج. فلنستعملها بكلّ وسيلة في الجانب الصحيح. وإن لم نستطع أن نعبّر عن مشاعرنا بأيّ طريقة أخرى، فلنوقّع على الأقلّ إقرارًا مهيبًا على الورق بأنّنا لن نمسّ أبدًا بعد اليوم أقسى عدوّ تلذّذ يومًا بدموع البشر ودمائهم.
وقّع التعهّد: إنّه يفيد صحّتك. — ليس الكحول ألزم للصحّة من أيّ عامل كيميائيّ أو دوائيّ آخر. إنّه يثير القلب، ويعيق الهضم، ويُربك الكبد، ويخدّر الدماغ. إنّه يعطي توهّجًا ونشاطًا لحظيّين، لكنّك تدفع ثمنهما بعد ذلك بنقص محتوم في الحرارة الحيويّة والقوّة البدنيّة والطاقة العقليّة. وحتّى بكمّيّات معتدلة يعمل كمهيّج وسمّ.
إنّ الرياضيّ الذي يتدرّب لسباق قوارب، أو لمباراة ملاكمة، أو لسباق جري، لا بدّ أن يمتنع امتناعًا مطلقًا عن تناول الكحول؛ فإن كان الرجال لا يحتاجون إليه لمثل هذه المجهودات الاستثنائيّة، فلماذا تحتاج أنت إليه للمجهودات العاديّة؟ لقد أثبتت الحملات الإنجليزيّة الأخيرة في الحبشة والترانسفال ومصر أنّ القائد إن أراد أن يقوم جنوده بمسيرات قسريّة، أو أن يحتملوا إرهاقًا غير عاديّ، فعليه أن يستبدل القهوة بالخمر الممزوجة. وأقصى برد الدائرة القطبيّة وأقصى حرّ الشمس الاستوائيّة يُحتملان على أفضل وجه بالماء البارد، كما تثبت خبرة كثيرين من المستكشفين والرحّالة. وجداول شركات التأمين تبيّن أنّه مقابل كلّ ثلاثة وسبعين يموتون من الممتنعين، يموت مئة من الشاربين المعتدلين، وكثير من الشركات لها قسم خاصّ يمنح الممتنعين مزايا التأمين بسعر أقلّ.
سيكون الأمر كشفًا تامًّا لبعض من يقرأون هذه الكلمات لو أنّهم جرّبوا الامتناع التامّ. ستتحسّن شهيّتكم، وتصفو أذهانكم، وتقوى أعصابكم، وينال جسمكم كلّه لياقة وحيويّة.
وقّع التعهّد: إنّه يوفّر وقتك. — ليس لنا سوى حياة واحدة قصيرة نحياها، ولا نستطيع أن نرمي اللحظات الماسيّة في التيّار الجارف إلى جانبنا. كم من الأيّام في أوّل الأسبوع تقضيها طبقاتنا العاملة في الحانات، وهي خسارة صافية لهم ولعائلاتهم وللبلاد! وكم من الساعات يقضيها الكتبة والوكلاء التجاريّون المتجوّلون في غضون الأسبوع عند مشارب محطّات السكك الحديديّة والمطاعم، وكان يمكن أن تُزرع ببذار حصاد ذهبيّ! وكم من الأمسيات تُهدر، بل أسوأ من الهدر، في مجالس الشراب، وكان يمكن أن تُقضى في ترويح بريء صحّيّ، أو في تحصيل معرفة تفتح كثيرًا من الأبواب المغلقة! من هذا كلّه تنجو لو وقّعت التعهّد.
وقّع التعهّد: إنّه يوفّر مالك. — اجلس واحسب كم تنفق كلّ يوم على الشراب، لا لنفسك فحسب، بل أيضًا لمن تدعوهم إلى الشرب على حسابك. سيبلغ ذلك مبلغًا محترمًا على مدار السنة. أضف إلى هذا المال الذي كان يمكن أن تكسبه في الوقت الذي تضيّعه الآن. وأضف إليه كلّ المبالغ التي تُبدَّد هدرًا في الصحبة التي تقودك إليها عادات الشرب. وحين يُجمع الكلّ معًا، ألا يصنع مدّخرًا حسنًا ليوم عسير، أو للمرض والشيخوخة؟
كثيرًا ما أقول لمن يوقّعون بطاقات تعهّدي إنّ هناك ورقة نقديّة بخمسمئة دولار مخبّأة داخل الورق المقوّى المزدوج.
وقّع التعهّد: إنّه يحفظك من التجربة. — ليست عندك نيّة أن تصير سكّيرًا؛ بل تزدري الفكرة. لكنّ هناك خطرًا أن تصير واحدًا، ما دمت تعبث بالشراب. أنت تتناوله الآن مجاملةً للمجتمع، لكنّك ستصير تتناوله لأجله هو. لا يمكنك أن تكون متأكّدًا أنّ احتساء الكأس اليوميّة لن يفعل بك ما فعله بربوات، بإثارة عطش قد يكون الآن كامنًا، لكنّه متى استيقظ مرّة لا يُروى! إنّ رجالًا حكماء، ورجالًا صالحين، ورجالًا أقوياء، قد استعبدهم ذلك العطش الرهيب، ولم يكونوا يتوقّعون شيئًا كهذا أكثر ممّا تتوقّعه أنت. أفليس من الحماقة إذن أن تجازف أنت بإثارته؟ لماذا لا تتوقّف حالًا، قبل أن يستيقظ ذلك العطش؟
تقول لي إنّه يبدو صعبًا عليك أن تستغني عن الشراب. إذن فهذه علامة أكيدة على أنّ الشهوة الملعونة قد وجدت لها موطئ قدم فيك. اقفز من العربة قبل أن تندفع على المنحدر. أدخل القارب إلى خليج صغير قبل أن تمسكه الدوّامات فوق الشلّالات. ادفع القدم المشقوقة إلى خارج الباب قبل أن يجد الشيطان وقتًا ليُقحم جسده كلّه في قلبك وحياتك. افعل ذلك حالًا. افعله الآن. أنت تطلب ألّا تُدخَل في تجربة، فلا تدخلها إذن. إنّ الحانات تُسمّى بحقّ «الظلال» و«الأقبية». إنّها ظلال الموت، وأقبية لدفن كلّ ما هو أنبل وأفضل في الناس. تجنّبها. امضِ عنها. ارفض أن تدخلها ما لم يرسلك الراعي الصالح إليها لتجد خروفًا ضالًّا.
وقّع التعهّد: إنّه يصنع نقطة بداية واضحة في تاريخك.— في كلّ الجهود نحو حياة أفضل، يحسن أن يكون هناك معلم أو علامة زمنيّة، يُنظر إليها إلى الوراء ويؤرَّخ منها. وفي القدرة على الإشارة إلى كومة حجارة في الذهن، أو خطّ ثنية، أو عمود مطليّ بالأبيض، قائم بارز في براري الحياة، نوع من الرضا، حين يقول المرء:
«إلى تلك النقطة عشت حياة أنانيّة شرّيرة، لكنّي منذ ذلك الحين حاولت أن أجري جريًا مستقيمًا حسنًا، بمعونة الله».
عند بعضهم تكون عظة. وعند آخرين تكون يوم ميلاد، أو وفاة، أو تدوينًا في مذكّرات، أو ليلة رأس السنة. وعند آخرين تكون زيارة أحد دعاة الاعتدال الإنجيليّ إلى بلدتهم. لكنّ الغرض نفسه، في حالات كثيرة، يتحقّق بتوقيع التعهّد. فتاريخ بطاقة التعهّد يوم ميلاد، وبداية جديدة، وافتتاح عهد جديد في قصّة النفس؛ وكثيرًا جدًّا ما يقود إلى الخطوة الثانية، خطوة الإيمان بالمسيح.
وقّع التعهّد: إنّه يصنع التزامًا قويًّا. — حين يترك الإنسان الشراب، يجب أن يفعل كلّ ما يمكن فعله ليقوّي عزيمته. فإن اكتفى بأن يعزم، شعر أنّه حرّ في أن يتراجع عن عزمه إن شاء. أمّا إن أحكم عقد عزيمته عقدة مزدوجة بوعد مهيب وضع عليه توقيعه، فإنّه يشعر أنّه مقيّد بأقدس الالتزامات. لا يستطيع أن يفكّر في أن ينقض كلمته. ولا يجرؤ أن يخون عهده المقطوع. وفي لحظة التجربة، يكون احترامه لنفسه، ومحبّته للحقّ، ورغبته في أن يكون رجلًا عند كلمته، ونذره المكتوب، سببًا قويًّا ليقول: لا.
قال رجل فاضل وقّع بطاقة التعهّد مؤخّرًا إنّه طوال اليوم التالي كلّه حملها في جيبه، وأخرجها خمس عشرة مرّة ليذكّر نفسه بأنّه وضع توقيعه على وعد لا يجرؤ أن ينقضه، ولا يستطيع أن يتراجع عنه.
وقّع التعهّد: إنّه يعطي جوابًا كافيًا لمن يجرّبونك لتشرب. — ليس هناك جواب يستطيع الإنسان أن يعطيه أفضل من هذا. فإن رفض لأنّه يشعر بالحرّ، نُصح بأن يشرب ليبرد. وإن رفض لأنّه يشعر بالبرد، أُشير عليه بأن يشرب ليدفأ. وإن رفض لأنّه لا يقدر على ثمنه، دعاه رفيقه بسرور على حسابه. وإن رفض لأنّه متوعّك، فليس من علّة يرثها الجسد إلّا وتوصف لها المشروبات المسكرة علاجًا أكيدًا. الرجال الأصحّاء يشربون حتّى يمرضوا؛ ثمّ يشربون ليُشفوا ثانية. لا ينفع شيء من هذه الأعذار، لكن إن قال الرجل: «لقد وقّعت التعهّد»، فقد يحسبونه أحمق، لكنّهم لا يستطيعون أن يقولوا إنّه لم يعطِ سببًا كافيًا؛ وإن كانوا هم أنفسهم رجالًا صادقين، فلن يجرؤوا أن يطلبوا منه أن ينقض كلمته. وإن طلب منك إنسان أن تشرب بعد أن وقّعت التعهّد، فليس صديقًا حقيقيًّا؛ إنّه يعمل عمل إبليس. ولا بدّ أن يستدير ويهينك بعد أن تفعل مشيئته، لأنّه يكون قد فقد آخر ذرّة من احترامه لك.
هناك رجال لا بدّ لهم من سبب يقدّمونه للآخرين عمّا يفعلون. وهنا على الأقلّ سبب واضح مستقيم مفهوم، يضع حدًّا للجدل، ويحسم المسألة إلى الأبد — «لقد وقّعت التعهّد».
وقّع التعهّد: فهذا يمنعه من أن يصير شارة السكّير التائب. — لو لم يوقّع التعهّد إلّا رجال كانوا سكّيرين، لكنّهم يحاولون أن يعيشوا حياة جديدة، لصار شارة للسكّيرين التائبين، ولسرعان ما كفّ عن توقيعه هذا الصنف من الرجال الذين هم أحوج الناس إليه. وتلك تكون مصيبة عظيمة.
قال طبيب شابّ لصديق كان يحاول أن يحمله على التوقيع وسيلةً لإنقاذه من الخراب: «لا أجرؤ أن أوقّع التعهّد».
فأجابه صديقه: «ولمَ لا؟»
«لأنّ الناس لو سمعوا أنّي فعلت ذلك، لقالوا إنّه لا بدّ أن يكون في أخلاقي خلل، وإنّي سكّير تائب».
فقال صديقه: «كلّا، لن يستطيعوا أن يقولوا ذلك أبدًا، لأنّه قد وقّعه ألوف الألوف ممّن لم تمسّ أخلاقهم لطخة قطّ».
فطمأنه الجواب. فوقّع التعهّد، وهو الآن خادم مسيحيّ غيور في إحدى مدننا الكبيرة.
قد لا تحتاج أن توقّع التعهّد لأجل نفسك، لكن وقّعه لتمنحه نفع أخلاقك الأدبيّة، ووزنها، ومكانتها. فلو وقف كلّ من له سمعة حسنة وأخلاق لا شائبة فيها بعيدًا، لكان التعهّد إخفاقًا لا رجاء فيه. وكلّ مسيحيّ محترم يوقّعه هو كواحدة من قطع الفلّين الطافية على سطح البحر، تساعد على حمل الشباك الثقيلة المملوءة سمكًا.
وقّع التعهّد: إنّه يسهّل على الآخرين أن يفعلوا مثلك. — نحن كائنات تتبع العادة السائدة. لا حيلة لنا في ذلك. هكذا خُلقنا. ما يفعله واحد يميل الآخرون إلى فعله. وكثيرة هي العيون المترقّبة التي تنظر لترى ما سيفعله قارئ هذه السطور. فإن وقّع التعهّد، فعل مثله ذلك الصبيّ، وذلك الرفيق، وذلك الخادم؛ أمّا إن رفض، فربّما رفض ذلك المنتظر أيضًا، وقاد ذلك الرفض إلى الخراب.
عيون تراقبنا أكثر ممّا نظنّ. وحيوات أكثر ممّا نعرف معلّقة في الميزان، تنتظر ريشة قدوتنا لتميل بها إلى هذه الجهة أو تلك. أفنكون على صواب إن تركنا شيئًا دون أن نفعله ممّا قد يخلّص واحدًا مات المسيح لأجله؟ يجب أن نستعمل كلّ الوسائل لنخلّص قومًا، وإن اضطرّنا استعمال الوسائل إلى أن نتخلّى عن حرّيّة نتباهى بها، أو عن متعة نحبّها.
لا تقل إنّه ليس لك تأثير. إنّما هذا عذر فقط، فلك تأثير؛ وما كنت لتحبّ أن يقول لك آخر ذلك.
قال رجل لمن سأله أن يوقّع التعهّد لأجل الآخرين: «ليس لي تأثير».
فأقبلت زوجته في تلك اللحظة وقالت: «هذا صحيح، ليس لك من التأثير أكثر ممّا لقطّة».
فقال: «إن قلتِ ذلك ثانية يا امرأة، طرحتك أرضًا».
بالطبع لك تأثير. فأحسن استعماله.
وقّع التعهّد: إنّه يكسبك أصدقاء. — كلّنا نحتاج إلى أصدقاء، وإن كنّا قد تركنا الذين يلتفّون حول الشراب، فنحن نحتاج إلى غيرهم، وأرجح ما نجدهم حيث تكون بطاقات التعهّد متاحة للتوقيع. حسن جدًّا أن تعزم على ترك الشراب وأن تحفظ النذر سرًّا؛ لكنّ الأفضل بكثير أن توقّع التعهّد في حضور شخص أو أكثر، يشهدون بما رأوا، ويرتبطون بك برباط أخوّة جديدة مشتركة، لأنّهم فعلوا الشيء نفسه، وتعهّدوا للقضيّة نفسها.
اعتراضات.
لكنّي لا أحبّ أن أوقّع على التنازل عن حرّيّتي. — إذن، إن كنت غير متزوّج، فلن تتزوّج أبدًا؛ ولن تعد يقينًا أن تحبّ إنسانًا واحدًا بعينه وتكرمه، لأنّك قد تريد أن تغيّر رأيك. وما يصدق في هذه الحالة يصدق في غيرها، وهو جواب كافٍ على الاعتراض.
إن شئت، فوقّع التعهّد لمدّة قصيرة فقط، كما تستأجر بيتًا بعقد. ويمكنك بسهولة أن تجدّده مرّة بعد مرّة. أو، وهذا أفضل، عِد بأن تمتنع، بعون الله، عن كلّ المشروبات المسكرة، كمشروب، إلى أن تعيد بطاقة تعهّدك إلى الصديق الذي تسلّمتها منه. فهذا يعطيك فرصة للتخلّي عنه متى شئت، ويعطي صديقك فرصة ليحدّثك بجدّيّة حين يتعثّر عزمك.
لكنّي قد أُجبَر على الشرب. — إن أُجبرت، فلن تنقض تعهّدك. فأنت إنّما تعد بأن تمتنع عن المسكرات كمشروب. فإن صُبّ في حلقك بالقوّة، أو حين تكون مغشيًّا عليك؛ أو إن ألزمك الطبيب بتناوله؛ أو إن تناولته دون أن تدري في طبق من الطعام؛ فتعهّدك لم يُنقض. لست أنت من ينقضه.
لكنّي وقّعته، ونقضته أكثر من مرّة. — إذن فوقّعه ثانية، متّكلًا باتّضاع على المخلّص، «الذي أُظهر لكي ينقض أعمال إبليس».
أكثر تعهّدات الامتناع التامّ، إن لم يكن كلّها، تشدّد على هذه الكلمات — بعون الله. هذه الكلمات هي قلب الأمر كلّه. فإن لم يُشعَر بها في أعماق النفس، فلا يساوي التعهّد الكثير، لأنّه يستند إلى مجرّد قوّة بشريّة. أمّا حين يُستعان بالله، فالأمر يتغيّر. فالقوّة الإلهيّة تتدفّق في الروح المرفوعة إليه بالصلاة والثقة. وأيدي الملائكة تمتدّ لتمسك الأقدام الضالّة. وحامية مقدّسة توضع داخل الطبيعة الضعيفة المرتعدة لتحفظها من العدوّ. اطلب من الرب يسوع أن يغفر الماضي. اطلب منه أن يخلّصك من عدوّك. اطلب منه أن يحميك في يوم المعركة. اطلب منه، حين يكاد الباب يتحطّم، أن يضع قدمه عليه ويبقيه مغلقًا بإحكام. إنّه قادر أن يحفظك غير عاثر. وهو قادر أن يحفظ ما تودعه لديه. وهو قادر أن يجعلك أعظم من منتصر. سلّم نفسك إلى يديه قبل أن تغادر غرفتك في الصباح. وداوم على النظر إليه طوال النهار. وسبّحه على نعمته كلّ ليلة.
قال عامل لآخر على مقربة منه في الورشة نفسها: «ما هذا الذي تظلّ تتمتم به لنفسك؟»
فكان الجواب: «أظلّ أقول ‹يا رب، أعنّي›، أقولها ليلًا ونهارًا. إنّها الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأكبت عطشي إلى الشراب».
تشجّعوا يا أصدقائي. قد تكون المعركة حامية، لكنّ النصر أكيد. ومتى ثبتّم مرّة على الصخرة، فكونوا متيقّظين لتنقذوا آخرين من المياه الهائجة للمسكرات.
اكتمل الفصل 5
لماذا توقّع التعهّد؟