فصل 4 · قراءة 18 د
الحقيقة! الإيمان! الشعور!
تمثّل هذه الكلمات الثلاث ثلاثة عوامل من أهمّ العوامل في الخُلق والحياة. وكلّنا نتعامل معها بصورة أو بأخرى، غير أنّ الأمر الألزم فوق كلّ شيء أن نضعها في ترتيبها الصحيح.
يحاول أكثر الناس أن يضعوا الشعور أوّلًا، فيكون نصيبهم من النجاح كنصيب من يحاول أن يبني الطابق الأعلى من البيت قبل أن يضع أساساته. وترتيبهم هو —
الشعور، الحقيقة، الإيمان
أو
الشعور، الإيمان، الحقيقة
ويطلب آخرون الإيمان أوّلًا، من غير أن يلتفتوا إلى الحقائق التي عليها وحدها يمكن أن يستند الإيمان والشعور. إنّهم يشبهون رجلًا يريد أن يتدفّأ في ليلة شديدة الصقيع، ثمّ يأبى أن يقترب من النار المتّقدة ببهاء في الموقد.
والترتيب الوحيد الممكن الذي يجلب البركة والعزاء إلى القلب هو المشار إليه في عنواننا: —
حقائق الله، موضوعة كأساس من الصخر الذي لا يُكسر.
ثمّ إيماننا، يدركها ويستند إليها.
ثمّ مشاعر الفرح، تأتي، ربّما في الحال، أو بعد مضيّ أيّام وشهور، كما يشاء الله.
الحقيقة.
الحقائق التي يخبرنا بها الكتاب المقدّس أشبه بحجارة العبور المنصوبة في مجرى جدول. فقبل أن تبلغ المياه الضحلة حيث تقوم، تتساءل كيف ستعبر، ولكن ما إن تنزل إلى حافّة الماء حتّى تجدها تصل ما بين الضفّة والضفّة. فإذا بلغت حجرًا منها أمكنك أن تخطو إلى آخر، وهكذا حتّى تعبر. ومن السخف أن تستشير شعورك، أو تبحث عن الإيمان، وأنت لا تزال بعيدًا عن ضفّة الجدول، أو إن أصررت على أن تمضي أعلى ذلك الجسر البدائيّ من الحجارة أو أسفل منه. بل ينبغي أن تنزل إليها، وتتأمّلها، وترى كم هي راسخة في القاع الموحل، وتلاحظ كيف يعبر عليها أهل القرية ذهابًا وإيابًا بكلّ سهولة؛ عندئذ تشعر أنّك قادر على أن تثق بها، وأخيرًا تخطو من حجر إلى حجر بقلب خفيف وشعور عظيم بالارتياح.
فلنستذكر بعض الحقائق التي قد تعيننا أوّلًا على الإيمان، ثمّ على الشعور.
إنّها لحقيقة أنّ الله يحبّ كلّ واحد منّا بأرقّ محبّة وأخصّها. قد لا تصدّق ذلك ولا تشعر به؛ فقد تسطع شمس الصيف الدافئة على نافذتك المغلقة المسدلة الستائر دون أن يُرى نورها أو يُحسّ دفؤها في الداخل؛ لكنّ عجزك عن إدراك حقيقة محبّة الله لك وتقديرها لا يغيّر شيئًا من كونها قائمة.
إنّها لحقيقة أنّ كلّ عائق قد أُزيل في يسوع من طريق غفرانك وقبولك في الحال. كان الله في المخلّص المائت، يرفع الخطيّة، حاملًا خطايانا في جسده على الخشبة، مصالحًا العالم لنفسه. قد لا تصدّق هذا، أو لا تشعر بفرحه، لكنّ ذلك لا يغيّر الحقيقة أنّه هكذا.
بعد أن وُقّع الصلح بين الشمال والجنوب في الحرب الأمريكيّة الكبرى، كان هناك جنود مختبئون في الغابات، يتضوّرون جوعًا على ثمار التوت البرّيّ، وكان في وسعهم أن يعودوا إلى بيوتهم. فإمّا أنّهم لم يعرفوا الخبر السارّ، وإمّا أنّهم لم يصدّقوه، فظلّوا يتضوّرون جوعًا طويلًا بعد أن استقبلت الزوجات والأبناء رفاقهم. كانت الخسارة خسارتهم، لكنّ قصورهم في المعرفة أو في التصديق لم يغيّر حقيقة أنّ الصلح قد أُعلن، وأنّ الباب كان مفتوحًا على مصراعيه لعودتهم.
قد يكون صديق لي قد وفّى كلّ ديوني في قريتي التي وُلدت فيها، والتي هربت منها خوفًا من القبض عليّ ومن العار. وقد يكون فعل ذلك بسرعة حتّى لم يتضرّر ائتماني قطّ، ولم أخسر سمعتي الطيّبة. وقد تكون كلّ المحبّة والكرامة القديمة في انتظاري لتحيّيني. وقد يكون أخبرني بذلك؛ لكنّي إن بقيت غائبًا، ورفضت أن أعود، فإنّ حماقتي في هذا لا تستطيع أن تنقض تلك الأفعال الكريمة، وإن كانت تُطيل شقائي.
إنّها لحقيقة أنّ النفس ما إن تثق بالمسيح حتّى تُولد في عائلة المسيح، وتصير ابنًا. لا شكّ في هذا. قد لا تشعر بأنّك صالح، أو غيور، أو مهتمّ؛ بل قد تكون واعيًا لإخفاق حديث؛ وقد تقضي أيّامك تحت غطاء من الكآبة القاتمة؛ لكن إن كنت قد قبلت المسيح، ووثقت به حقًّا، فقد وُلدت ثانية، لا من مشيئة رجل، ولا من مشيئة جسد، بل من الله (يوحنا 1:12). قد تكون ابنًا ضالًّا أو متقلّبًا، لكنّك ابن. ولو كنت حكيمًا لاتّخذت مكان الابن على مائدة الآب، وتمتّعت بابتسامته. إنّهما في انتظارك. أمّا إن بقيت خارجًا في البرد، كالابن الأكبر في المثل، فإنّك لا تغيّر حقيقة أنّ مكانك مُعدّ لك لتشغله متى شئت.
إنّها لحقيقة أنّ الله يأخذ ما نعطيه، وحالما نعطيه. ليست هناك فترة طويلة. حين نُفلت، يتسلّم هو. وحين نضع أنفسنا على مذبحه، نُختم في الحال خاصّة له. وحين نكرّس أنفسنا، يقبل. إنّ العمل الإلهيّ يتمّ في لحظة. قد لا تكون مدركًا لهذا، فتظلّ تقدّم نفسك يومًا بعد يوم. فإن فعلت، أثقلت نفسك بقلق لا داعي له؛ وظللت تقدّم ما لم يعد لك أن تعطيه، وفاتتك غبطة إدراك معنى أن تكون ملكًا مطلقًا ومقتنًى وعبدًا للسيّد المبارك؛ لكنّ خطأك لا يستطيع أن يغيّر حقيقة أنّ الله أخذك بكلمتك حين سلّمت نفسك إليه أوّل مرّة في عمل تكريس مهيب. «أفلعلّ قلّة إيماننا تُبطل أمانة الله؟»
إنّها لحقيقة أنّنا في يسوع المسيح جالسون في السماويّات.لا نستطيع أن نغيّر هذا. قد لا نصدّقه، أو لا ننتفع بكلّ الامتيازات التي يتضمّنها، أو لا نتمتّع بغبطة القرب من يسوع؛ لكنّ هذا، مع ذلك، هو موضعنا الحقّ في الترتيب الإلهيّ. فإن كنّا متّحدين بيسوع ولو بأدقّ خيط من الإيمان، فنحن واحد معه كأسمى القدّيسين؛ وحيث يكون الرأس هناك يكون الجسد أيضًا. فيه متنا على الصليب، وهكذا وفّينا مطالب الناموس المقدّس العادلة. وفيه رقدنا في القبر، وهكذا خرجنا من الدائرة التي يحكمها رئيس سلطان الهواء. وفيه قمنا وصعدنا فوق كلّ قوّة وسيادة، وكلّ رياسة وسلطان.
أليس الشيطان تحت قدمي المسيح؟ ففي قصد الله هو تحت أقدامنا نحن أيضًا. أليس الموت والقبر خلف المسيح إلى الأبد؟ فكذلك، في قصد الله، قد عبرنا إلى جانب الفصح منهما كليهما، وصرنا في مهبّ الريح بعد أن عبرت العاصفة. أمّا من جهة شوكتهما أو هولهما، فهما كالمصريّين أمواتًا على شاطئ البحر. أوَلم يجتز رئيس الكهنة العظيم السماوات إلى داخل الحجاب؟ فكذلك، في قصد الله، قد عبرنا نحن أيضًا من الدار الخارجيّة إلى القدس، حيث نقدّم قرابين وذبائح وطلبات وتوسّلات لأجل جميع الناس.
قد يبدو هذا كلّه غير حقيقيّ ومستحيلًا، كما تبدو لسندريلا المسكينة فكرة أن تصير عروسًا لأمير، لكنّه مع ذلك موضعنا الحقيقيّ. هذه هي حقائق العالم الأبديّ، سواء انتفعت بها أم لا. وفي السجلّات حالات غير قليلة لعبيد ماتوا جوعًا في العبوديّة لأنّهم لم يشاؤوا أن ينتفعوا بالحرّيّة؛ ولنبلاء عاشوا حياة قاسية عسيرة لأنّهم لم يطالبوا بحقوقهم!
إنّها لحقيقة أنّ لكلّ عضو في المسيح نصيبًا في عطيّة يوم الخمسين ينتظره. لقد أخذ عطايا حتّى للمتمرّدين. ولكلّ واحد أُعطيت النعمة. وموعد الروح القدس هو لكلّ من يدعوه الرب إلهنا. ولا شكّ أنّ لك نصيبًا في ذلك الامتلاء، وتلك المسحة الإلهيّة، وتلك القوّة العجيبة في الخدمة، التي حوّلت الرسل من خراف خائفة إلى أسود في القتال. ربّما لم تتقدّم قطّ بطلب حقّك، لكن ليست هناك نعمة نالها غيرك لا يمكنك أن تنالها. كلّ شيء لكم. لقد نقل الله إليك غنى المسيح الذي لا يُستقصى. ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان، كلّ ما لك في المسيح من ذخائر النعمة والمحبّة والقوّة، المتراكمة لك في المصرف الإلهيّ للودائع. وإنّه لأمر يدعو إلى الأسف ألف مرّة أن تحيا حياة متسوّل، وهذا الغنى وهذه القوّة لك؛ لكن إن أصررت على ذلك، فإنّ حماقتك وعماك لا يغيّران حقيقة أنّ ملء الله لك في المسيح.
هذه بعض تلك الحقائق التي أعلنتها لنا كلمة الله، والتي تعبر بنا جدول المشاعر العكرة إلى أرض ثابتة نقف عليها. فلنكفّ عن القلق بشأن إيماننا، أو عن جسّ نبض مشاعرنا، ولنسترِح عليها، واثقين أنّها أثبت من السماء والأرض.
الإيمان.
إن أردت إيمانًا حقيقيًّا فلا تفكّر فيه، بل انظر بعيدًا إلى الحقائق التي كنّا نتحدّث عنها. نحن لا نجد صعوبة في الثقة بأصدقائنا، لأنّنا نفتح قلوبنا لمحبّتهم، كما تُفتح النوافذ الجنوبيّة للشمس. نستذكر كلّ ما تدخّلوا به لأجلنا. ونتذكّر كلّ ما وعدوا به وأنجزوه. فأين تكون صعوبتنا في الإيمان لو كففنا عن القلق بشأنه، وانشغلنا بموضوع الإيمان — يسوع المسيح ربّنا؟
الإيمان أكثر من العقيدة. في العقيدة نصدّق أمورًا عن شخص أو عن ظرف؛ أمّا في الإيمان فنلقي ثقتنا على شخص. ينبغي ألّا نصدّق أمورًا عن المسيح فحسب، بل أن نؤمن به، كما فعل ليفنغستون حين واجهه ذات مرّة عند هبوط الليل جيش من المتوحّشين الهائجين، وجُرِّب أن يتسلّل هاربًا في الظلام؛ لكنّ عينه وقعت على الوعد: «أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ»، فكتب: «ذهبت لأنام لأنّي عرفت أنّها كلمة سيّد نبيل كامل». لا تصدّق أمورًا عن المسيح، بل آمن به.
الإيمان يتعلّق بشخص. إنّنا نخلص ونتبارك بالإيمان الذي يعبر من خلال حقائق حياة مخلّصنا إليه هو نفسه. نحن لا نستند إلى الكفّارة، بل إلى الذي صنعها؛ ولا إلى الموت، بل إلى الذي مات؛ ولا إلى القيامة، بل إلى الذي قام، وصعد، وهو حيّ في كلّ حين ليشفع؛ ولا إلى أقوال عنه، بل إليه هو الذي قيلت فيه.
كثيرًا ما يسأل الباحث: «هل عندي النوع الصحيح من الإيمان؟» وهو سؤال ضروريّ، لأنّ هناك إيمانًا ميتًا زائفًا سيخذلنا في الأزمة العظمى، كما خذلت اللحوم الفاسدة التعليب بعثة الاستكشاف القطبيّة، إذ عاد رجالها إلى كومة مؤنهم فوجدوها لا تنفع، فماتوا جوعًا.
وهناك جواب واحد بسيط: «كلّ إيمان يتّجه نحو يسوع هو الإيمان الصحيح». قد لا يجلب نشوة محسوسة. وقد يكون ضعيفًا كلمسة المرأة لهدب ثوبه. وقد يكون صغيرًا زهيدًا كحبّة خردل. وقد يكون يائسًا كصرخة بطرس: «يا ربّ، نجّني وإلّا هلكت!» لكن إن كان أعمق أشواقه المسيح — المسيح — المسيح، فهو الخيط الرفيع الذي يُخرج النفس الضالّة من الممرّات الجوفيّة التي كادت تغمرها، إلى نور الحياة.
الإيمان الحقيقيّ يعتمد على أمانة الله. في أوّل حياتي كنت أطلب إيمانًا أعظم بأن أتأمّل كم هو الله عظيم، وكم هو غنيّ، وكم هو قويّ؛ فلماذا لا يعطيني مالًا لعمله، وهو الغنيّ هكذا؟ ولماذا لا يحمل عبء مسؤوليّاتي كلّه، وهو القدير هكذا؟ غير أنّ هذه الاعتبارات أعانتني أقلّ ممّا يعينني الآن يقيني الراسخ بأنّه أمين أمانة مطلقة؛ أمين لعهوده في المسيح، أمين لمواعيده، وأمين للنفس التي خرجت، تلبيةً لدعوته الواضحة، إلى أيّ مشروع لأجله. قد نفقد العزم والرجاء، وقد يدور رأسنا ويخور قلبنا، وقد يقف المحبّ والصديق من بعيد، وقد توحي أصوات أعدائنا الساخرة بأنّ الله قد نسي أو ترك؛ لكنّه يبقى أمينًا، لا يقدر أن ينكر نفسه، ولا يقدر أن يتبرّأ من الطفل العاجز الذي ولده لأنّه مريض، ولا يقدر أن يطرح جانبًا مسؤوليّات أخذها على عاتقه. هو صنع، وهو لا بدّ أن يحمل.
كثيرًا ما ذهبت إلى الله في حاجة قاسية، زادها سوءًا انهيار أعصابي وسقم قلبي، وقلت: «إنّ إيماني يخبو. يده تبدو مشلولة، وعينه عمياء، وأغنيته القديمة الفرحة قد صمتت إلى الأبد. لكنّك أنت أمين، وأنا أعتمد عليك!» إنّ النفس تحبّ أن تتخطّى مواعيد الله إليه هو الذي وعد بها، كما أنّ الزوجة لا تحتاج أن تستشهد بالعهود التي قطعها زوجها في مراسم الزواج حين تكون واثقة به، وتشعر بضغط يده.
لا تقلق بشأن إيمانك؛ بل اعتمد على أمانة الله. إن أمرك أن تخطو على الماء، فهو يعلم أنّه قادر أن يعيدك سالمًا إلى القارب. حين يقودك دليل جبال الألب فوق قطعة من الجليد الوعر، فإنّه ينظر هل هو قادر، إن انهرت تمامًا، أن يحملك إلى برّ الأمان بقوّة قبضته الحديديّة وجسده المفتول العضلات. وما الحديد للدم، هو ما تكونه فكرة أمانة الله للإيمان. «سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً…إِذْ حَسِبَتِ ٱلَّذِي وَعَدَ صَادِقًا»؛ وإبراهيم تقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا لله.
الإيمان يُثمر. لا يسعه إلّا أن يُثمر، لأنّه يربط النفس بالمسيح، فتنسكب فيها طاقة حياته عبر شريان الإيمان، وكما تدخل هكذا لا بدّ أن تشقّ لنفسها طريقًا إلى الخارج. فالثمر (إن جاز التعبير) يُدفع دفعًا من النفس المؤمنة. لماذا يغرّد القُبّر؟ لا يسعه إلّا أن يغرّد، لأنّ روح الربيع قد انسكب في قلبه. لماذا يحمل الغصن ثمرًا؟ لا يسعه إلّا ذلك، لأنّ قوى الحياة تتدفّق صاعدة من الجذر بلا انقطاع. لماذا يركض الطفل للقاء أمّه؟ لا يسعه إلّا ذلك، لأنّ قلبه قد تشرّب طبيعتها. وهكذا المؤمن، المتّحد بالمسيح، يأخذ نعمة فوق نعمة من قلبه، ومن فيض سكناه فيه تتكلّم حياته.
ليس من الصعب الحصول على إيمان كهذا. ضع إرادتك في جانب المسيح — لا رغبة عابرة، بل كلّ شوق كيانك واختياره. كن راغبًا في أن تؤمن؛ أو كن راغبًا في أن تُجعل راغبًا في أن تؤمن. ارفع عينيك نحو المسيح. وإن لم تستطع أن تراه، فانظر نحو الموضع الذي تظنّه فيه. ذكّره بأنّه رئيس الإيمان، وبأنّ الإيمان عطيّته. اطلبه منه، واحسب أنّه، استجابة لطلبتك، يمنحك هذه العطيّة التي لا تُقدّر بثمن. قد لا تشعر بالإيمان، لكنّك ستجد نفسك، من غير أن تدري، تفكّر في المسيح، وتعتمد على المسيح، وتخرج نحو المسيح؛ وانشغال النفس هذا بالمسيح هو الإيمان.
اعتنِ بالنبتة الغضّة التي غُرست فيك على هذا النحو. أعطها وفرة من ضوء الشمس. عِش خارج نفسك متأمّلًا في ما هو المسيح. غذِّ الإيمان بطعامه الأصيل من المواعيد، ودعه يتنفّس هواءه الأصيل على تلال الشركة. عامل كلّ إيحاءات الشكّ كما تعامل أيّ تشكيك في وفاء أعزّ أصدقائك. تجنّب الريح الباردة التي تهبّ من الكتب والأحاديث المتشكّكة. واحرص على أن تحيا بحسب أسمى مفاهيمك عن الواجب نحو الله والإنسان. فإيمانك سيكون على قدر طاعتك تمامًا. والعجز عن الثقة يدلّ في الغالب على تقصير ما في الطاعة. فإن كان إيمانك يتعثّر، فاسأل نفسك ألم تُفلت خيط الطاعة، وارجع إلى الموضع الذي أضعته فيه. فالمسيحيّ، في «سياحة المسيحي»، لم يستطع أن يواجه الأسود حتّى رجع بحزن على خطاه إلى المظلّة التي نام فيها واستعاد درجه.
الإيمان هو قبل كلّ شيء الملَكة التي تتقبّل. إنّه لا يحسب فقط أنّ الله يعطي، بل يمدّ يده ليأخذ. «كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ» (يوحنا 1:12). إنّنا ننال المصالحة من الرب الذي مات، وننال فيض نعمة الله من الرب الحيّ إلى الأبد، حتّى نملك في هذه الحياة الفانية كما نرجو أن نملك حين تكون السماوات والأرض قد زالت، ولا يكون بحر بعد يفصلنا عن أحبّائنا (رومية 5:11، 17). الثياب البهيّة مُعدّة، والإيمان يتسربل بها.
السلاح معلّق على الجدار، والإيمان يتقلّده. وماء الحياة يتدفّق عند قدميه، لكنّ الإيمان يغرف منه بيده، كما فعل رجال جدعون الثلاث مئة. وهكذا يتعامل الإيمان مع الله تعاملًا محدّدًا. إنّه لا يكتفي بأن يرى عطاياه كما يرى العابر الجواهر في واجهة المتجر، بل يعلم أنّ كلّ شارات ملكوت الله الملكيّة له، فيأخذها كما يشاء. إنّه يسمع صوت أبيه قائلًا: «أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ».
لم يكن كافيًا أن يعطي الله أرض كنعان بالوعد والعهد للشعب المختار. بل كان عليهم أن يدخلوا ليمتلكوها، وأن يضعوا أقدامهم على ترابها، وأن يفلحوا حقولها، وأن يعيشوا من خيراتها الوفيرة. وهكذا يجب أن يكون الأمر مع المؤمن. فهو أوّلًا يتّحد بيسوع بإيمان حيّ يستقرّ فيه مخلّصًا وصديقًا وملكًا؛ ثمّ يحسب أنّ ابن الله قادر تمامًا أن يجعله وارثًا معه لكلّ غناه الذي لا حدّ له؛ وأخيرًا يتعلّم فنّ قبول الميراث الوافر واستعماله، وسنة بعد سنة يدفع أسيجة ملكه إلى الأمام، ضامًّا المزيد فالمزيد من تلك الرقعة الشاسعة التي خُصّصت له في يسوع.
أيّها المستوطن في قارّة ملء الله التي لا حدّ لها في يسوع، اصعد إلى الجبل العالي. انظر شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، إلى عرض محبّة الله وطولها وعمقها وعلوّها. إنّها كلّها لك، من نهر الزمن الذي ينبع عند قدميك إلى أقصى بحر الأبديّة. لا تتوانَ عن أن تصعد وتمتلك الأرض، وترث كلّ ما وهبه الله لك مجّانًا في ابن محبّته.
الشعور.
مشاعرنا خدّاعة جدًّا، لأنّها تتأثّر من الخارج بسهولة. إنّها تتأثّر بحالة صحّتنا، وبتقلّبات الطقس، وبصحبة من يحبّوننا أو غيابهم. فحين يكون الهواء خفيفًا، والشمس مشرقة، وقد نمنا جيّدًا، نكون أميل إلى الشعور بالقرب من الله ممّا نكون حين يُغرق ضباب نوفمبر المتقاطر الغابات. والآب الذي صنعنا ويعرف جبلتنا يفهم هذا؛ حتّى إنّه حين ألقى إيليّا بنفسه تحت الرتمة وطلب لنفسه موتًا سريعًا، بعد إجهاد الكرمل وهربه المسرع وخيبته من استمرار إيزابل في عنادها، أرسل الله له نومًا لجهازه العصبيّ المنهك، وطعامًا لجوعه.
في العادة، يُثمر الإيمان شعورًا. «فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِٱلْإِيمَانِ لَنَا سَلَامٌ مَعَ ٱللهِ… وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِٱللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». «مؤمنين نبتهج بفرح لا يُنطق به ومجيد». وحين رجع الابن الضالّ، أمر الأب بأن يذبحوا العجل المسمّن، قائلًا: «فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ». هناك راحة من حمل الخطيّة الثقيل، ونشوة الغفران، ونور وجه الآب، والإحساس بالاستقامة، والنظرة الهادئة إلى المستقبل. وحين يأتي الملك إلى خاصّته، تُطلق الأجراس رنينها في الهواء المترقّب، كأنّها سكرى من البهجة!
الشعور السعيد المبارك هو أثر عمل الروح في النفس.«وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ…» إنّه عربون ميراثنا، ومع أنّنا في قصورنا لا نتوقّع أن ندخل ملء ميراثنا، فإنّنا نحظى بامتياز التمتّع بباكورته. هناك رشفات مسبقة من نهر نِعَمه، ونغمات شاردة من جوقة الغبطة الكاملة. وحين يُعلن الروح القدس العريس، يفرح القلب المحبّ، وإن لم يكن العرس قد أُقيم بعد.
لكنّ غياب الشعور لا يدلّ دائمًا على أنّنا على خطأ. قد تكون هناك أسباب، كما رأينا، تفسّر انقباضنا. وربّما أراد المسيح أن يعلّمنا أن نميّز بين المحبّة وعاطفة المحبّة، وبين الفرح ونشوة الفرح، وبين السلام والإحساس بالسلام. أو ربّما أراد أن يتحقّق هل نتعلّق به لأجل ذاته أم لأجل عطاياه.
يحيّي الأطفال أباهم من النافذة، حين ينعطف عند الزاوية وينزل في الشارع. ويسمع اندفاع أقدامهم في الممرّ وهو يُدخل مفتاحه في الباب. لكنّه يبدأ يومًا يتساءل: هل يحيّونه للمحبّة التي يحملونها له، أم للهدايا التي لا ينسى أبدًا أن يملأ بها جيوبه؟ فذات يوم ينبّههم مسبقًا بأنّه لن تكون هناك هدايا حين يعود في المساء. فتكتئب وجوههم، لكن حين تأتي ساعة العودة يكونون عند النافذة كالعادة، ويكون الوقع نفسه للأقدام الصغيرة وهي تسرع إلى الباب. فيقول: «آه، أولادي يحبّونني لأجل ذاتي»، ويفرح.
أبونا أحيانًا يقطع عنّا مدد الفرح، ويدعنا نجوع، ليعرف ما في قلوبنا، وهل نحبّه لأجل ذاته. فإن بقينا متعلّقين به كما فعل أيّوب، فرح، وردّ التعزيات إلى نائحيه بكلتا يديه.
اطلب الشعور فيفوتك؛ واقنع بأن تعيش بدونه، فيكون لك كلّ ما تحتاج إليه. إن كنت تراقب نبضات قلبك دائمًا، جلبت على نفسك مرض القلب. وإن كنت تتدثّر دائمًا خوفًا من البرد، صرت عرضة جدًّا لنزلات البرد. وإن كنت تفكّر في صحّتك بلا انقطاع، استجلبت المرض. وإن كنت تستشير مشاعرك دائمًا، عشت في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء. من يخلّص نفسه يهلكها.
كن غير مكترث بالعاطفة. إن كانت حاضرة، فاشكر؛ وإن غابت، فامضِ في عمل مشيئة الله، معتمدًا عليه، متكلّمًا عنه حسنًا في غيابه، وفوق كلّ شيء، غير مُظهر أيّ علامة لما تقاسيه، لئلّا تكون حجر عثرة للآخرين. عندئذ يُدركك الفرح كالطوفان. سيُجلسك إلى مائدته، ويتمنطق ويتقدّم ليخدمك.
تحذيرات.
ثمّة خمسة تحذيرات أخيرة لتنمية الحياة التقيّة، والعناية بها تُثمر في الغالب فرحًا مقدّسًا وسلامًا.
1. يجب أن نسكت أمام الله. إنّ الحياة من حولنا، في هذا العصر، هي قبل كلّ شيء حياة عجلة وجهد. إنّه عصر القطار السريع والتلغراف الكهربائيّ. تُحشر السنون في شهور، والأسابيع في أيّام. وهذه العجلة المحمومة تهدّد الحياة الدينيّة. وقد دخل التيّار كنائسنا بالفعل، وحرّك برَكها الهادئة. الاجتماعات تتزاحم على الاجتماعات. والنفوس النشيطة نفسها تجدها فيها كلّها، منشغلة بالإضافة إلى ذلك بأعمال صالحة كثيرة. لكن يجب أن نحذر من أن نستبدل الحياة العاملة بالحياة المتأمّلة، والوادي بقمّة الجبل. فلا يمكن أن يُفصل أحدهما عن الآخر بأمان. الخراف يجب أن تدخل وتخرج. والدم يجب أن يرجع إلى القلب ليُشحن من جديد، ويتهيّأ ليُدفع ثانية إلى الأطراف.
يجب أن نخصّص وقتًا لنكون فيه وحدنا مع الله. المخدع والباب المغلق لا غنى عنهما. يجب أن نفقد وهج الرواق المشمس لنرى هيئات الملائكة الهادئة المنحنية فوق المذبح. ويجب أن نهرب من ضجيج العالم لنعتاد نبرات الصوت المنخفض الخفيف. يجب أن نجلس أمام الرب، كما فعل داود. طوبى للذين لهم في بيت قلوبهم مرصد يستطيعون أن يلجؤوا إليه كثيرًا تحت قبّة الأبديّة العظيمة، موجّهين منظارهم إلى الأبراج الجبّارة التي تدور بعيدًا عن حمّى الحياة، وبالغين أقاليم لا تستطيع أن تتبعهم إليها أنفاس المديح أو اللوم البشريّ!
في مثل هذه اللحظات وحدها تلوح لأبصارنا أفضل المواهب الروحيّة، أو تكون لنا نعمة لنقبلها. من المستحيل أن نندفع إلى محضر الله، فنخطف أيّ شيء يروق لنا، ونمضي به هاربين. فمحاولة ذلك تنتهي إلى مجرّد وهم وخيبة. إنّ الطبيعة لا تكشف أندر جمالها للسائح العابر. واللوحات التي هي ثمرة عمر من العمل لا تبوح بجمالها الخفيّ لمن يتجوّل على مهل في قاعة العرض. ولا يمكن قراءة وثيقة في لمحة. وأفضل ما عند الله لا يمكن أن يكون لنا بمعزل عن الانتظار الصبور في محضره القدّوس. قد يُكتفى للسطحيّين بمثل، بقصّة جميلة، لكن لم يُعطَ لأمثالهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات.
2. يجب أن تمتلكنا رغبة متّقدة. هناك فرق بين أن نتمنّى الشيء وأن نريده. ففي ساعة واحدة قد نتمنّى مئة شيء مختلف، ثمّ ننساها. لكن ما أبعد الفرق بين هذا وبين العزم الثابت، والقصد الراسخ لـالإرادة!
يلمح الفتى عدّة لرياضته، والطالب كتابًا نفيسًا، والمحبّ حليةً نادرة مرصّعة بالجواهر يشتهيها لمن يحبّ — وفي كلّ حالة تتأثّر الإرادة حتّى تعزم على الحصول عليه مهما كلّف الأمر. عندئذ يُقبل المرء على الحرمان وإنكار الذات والانتظار بسرور. لا شيء يستطيع أن يطفئ العزم الذي يتبع مطلبه بشدّة أو أن يفتره. وهكذا الأمر معنا. يجب أن نجوع ونعطش؛ ويجب أن تمتلكنا رغبة قويّة متّقدة؛ ويجب أن نعزم حتّى على استعمال الغصب لنختطف ملكوت السماوات. إنّ تعبيرات الكتاب المقدّس كلّها شديدة القوّة — الإيّل يشتاق إلى جداول المياه؛ ويعقوب لا يُطلق الملاك؛ والأرملة تزعج قاضي الظلم نهارًا وليلًا. ونحن أيضًا يمكن أن تكون لنا هذه الرغبة القويّة إن سمحنا لروح الله أن ينشئها في قلوبنا. لكن يجب أن يكون التاجر مصمّمًا على أن يطلب اللؤلؤة الحسنة ويجدها. يجب أن نجتهد أن ندخل من الباب الضيّق. يجب أن نجاهد (لنستعمل كلمة الرسول) كما يجاهد المصارع لأجل الإكليل.
3. يجب أن يكون في يدنا وعد. هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الله. فتّش الكتاب المقدّس عن كلمة مقدّسة توافق حالتك تمامًا. لن يكون من الصعب أن تجد واحدة، لأنّه يفيض بالحوادث الشخصيّة، المقتطفة من كلّ نوع يمكن تصوّره من أنواع الحياة. ثمّ، متى وجدتها، وربّما طبعها الروح الإلهيّ في نفسك، فخذها معك إلى محضر الله، أو ضع إصبعك عليها وأنت تدخل إلى قاعة الحضرة بخطوة صامتة خاشعة. فالمواعيد هي قائمة ممتلكاتنا، وحاجتنا ينبغي أن تجعلنا نرفع أعيننا ونطالب بالبركة المقصود بها أن تسدّها.
4. اعتمد على الله. إن كنت تشتهي مواهب روحيّة، لا لإرضاء نفسك، بل لمجد المسيح؛ وإن كان قلبك، على قدر ما تعلم، قد تخلّص من الشرّ، وحياتك من العادات الخاطئة؛ وإن كنت ترى أنّ الوعد لك، لأنّك لست ابنًا فحسب، بل وارث لله، ووارث مع المسيح؛ وإن كنت تشعر برغبة متّقدة أودعها الله فيك ليقودك إلى هذه النقطة بالذات — عندئذ افغر فاك، وآمن أنّ الله يملؤه؛ افتح كلّ نافذة، وآمن أنّ النور يدخل؛ أشرع كلّ منفذ، وآمن أنّك قد نلت ما كنت تحتاج إليه وتطلبه. بحسب إيمانك يكون لك.
وفي لحظة من لحظات الحاجة، أو حين لا تتوقّع ذلك، أو وأنت منشغل بأعمالك المعتادة، سيكون وعيٌ فرحٌ بالبهجة، أو بالسلام، أو بالقرب من المسيح، أو بالقوّة في التأثير في الآخرين، هو البرهان على أنّك قد نلت.
5. يجب أن نهتمّ بالآخرين. لا يمكن أن تكون مباركة حياةٌ متمركزة حول ذاتها، منغلقة، كالبحر الميت، بأسوار شاهقة. سرّ الامتلاك هو العطاء؛ وسرّ التعلّم هو التعليم؛ وسرّ الصعود إلى العرش هو الانحناء لغسل أرجل التلاميذ. فكّر في الآخرين أكثر من نفسك، فتصير حياتك أغنى ما تكون وأوفرها ازدهارًا. «أريد — أريد — أريد مسيحيّين يذهبون إلى العالم كلّه، وينشرون الإنجيل». هذه الكلمات، التي نُطقت بأنفاس متقطّعة، كانت من آخر ما قاله خادم مسيحيّ محبوب.
اكتمل الفصل 4
الحقيقة! الإيمان! الشعور!