فصل 8 · قراءة 8 د

شهادة الروح القدس ليسوع المسيح

ولمّا كان ربّنا يسوع، في الليلة التي سبقت صلبه، يكلّم تلاميذه عن المعزّي، ذاك الذي كان مزمعًا أن يأتي إليهم بعد ذهابه عنهم ليقوم هو مقامه فيهم ويخلفه فيما بينهم، قال لهم هذا الكلام: «ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنّكم معي من الابتداء».

(يوحنا 15:26-27). ثمّ إنّ الرسول بطرس وسائر التلاميذ معه، لمّا أوصاهم مجمع اليهود وصيّةً شديدة وأمرهم أمرًا صارمًا ألّا يعلّموا البتّة باسم يسوع، أجابوهم بهذا الجواب، إذ قالوا: «ونحن شهودٌ له بهذه الأمور، والروح القدس أيضًا، الذي أعطاه الله للّذين يطيعونه» (أعمال الرسل 5:32).

ومن الظاهر البيّن من كلام يسوع المسيح هذا ومن كلام رسله أنّ من عمل الروح القدس أن يشهد ليسوع المسيح ويؤدّي عنه الشهادة. فنحن نجد شهادة الروح القدس ليسوع المسيح في الكتب المقدسة؛ وهو إلى جانب ذلك يشهد ليسوع المسيح شهادةً مباشرة في قلب كلّ فردٍ من الأفراد. فهو يأخذ كتبه هذه ويفسّرها لنا نحن ويجعلها واضحةً بيّنة عندنا لا لبس فيها. وكلّ حقٍّ إنّما هو من الروح، لأنّه هو «روح الحقّ»؛ غير أنّ من عمله على وجه الخصوص أن يشهد لذاك الذي هو الحقّ نفسه، أي ليسوع المسيح (يوحنا 14:6).

ولسنا نبلغ قطّ إلى معرفةٍ حقيقيةٍ حيّة بيسوع المسيح إلّا بشهادة الروح القدس المباشرة لقلوبنا نحن (1 كورنثوس 12:3). فمهما أكثرنا من مجرّد قراءة الكلمة المكتوبة في الكتاب المقدس، ومهما أكثرنا من الإصغاء إلى شهادة الإنسان لأخيه الإنسان، فلن يبلغ بنا ذلك أبدًا إلى معرفةٍ حيّة بالمسيح. وإنّما حين يأخذ الروح القدس نفسه الكلمة المكتوبة، أو يأخذ شهادة أخينا الإنسان، ويفسّرها لقلوبنا تفسيرًا مباشرًا، عندئذٍ وحينئذٍ فقط نصير نحن نرى يسوع ونعرفه كما هو في الحقيقة.

ففي يوم الخمسين أعطى بطرس سامعيه جميعًا شهادة الكتب المقدسة عن المسيح، ثمّ أعطاهم كذلك شهادته هو من عنده. فأخبرهم بما كان يعرفه هو وسائر الرسل بالمعاينة الشخصية من أمر قيامته من الأموات. ولكن لولا أنّ الروح القدس نفسه أخذ تلك الكتب التي جمعها بطرس وساقها إليهم، وأخذ شهادة بطرس وسائر التلاميذ، لَما رأى الثلاثة الآلاف في ذلك اليوم يسوع على ما هو عليه، ولا قبلوه ولا اعتمدوا باسمه هو.

فأضاف الروح القدس شهادته هو إلى شهادة بطرس وإلى شهادة الكلمة المكتوبة معًا. وكان السيّد مودي يقول بأسلوبه الموجز المصوِّر الذي عُرف به إنّه لمّا قال بطرس: «فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أنّ الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًّا ومسيحًا» (أعمال الرسل 2:36)، قال الروح القدس في إثر ذلك: «آمين»، فرأى الشعب حينئذٍ وآمن. ومن المؤكّد الذي لا ريب فيه أنّه لولا أنّ الروح القدس جاء في ذلك اليوم وأدّى شهادته المباشرة، بواسطة بطرس وسائر الرسل، إلى قلوب سامعيهم، لَما كانت للشعب رؤيةٌ مخلِّصة ليسوع البتّة.

فإن كنت تريد للناس أن ينالوا رؤيةً صحيحة ليسوع المسيح، رؤيةً له يؤمنون بها ويخلصون، فليس يكفي أن تعطيهم الكتب المقدسة التي تتكلّم عنه، ولا يكفي أن تعطيهم شهادتك أنت من عندك؛ بل يجب عليك أن تطلب لهم أنت شهادة الروح القدس نفسه، وأن تضع نفسك من الله في علاقةٍ من شأنها أن تجعل الروح القدس يؤدّي شهادته بواسطتك أنت. فلا شهادتك أنت، ولا شهادة الكلمة المكتوبة وحدها، تقدر أن تُتمّ هذا الأمر — وإن تكن شهادتك أنت أو شهادة الكلمة هي التي يستعملها الروح القدس. ولكن ما لم يأخذ الروح القدس شهادتك وشهادة الكلمة ويشهد هو بنفسه في القلوب، فلن يؤمنوا البتّة. وهذا يفسّر لنا أمرًا لا بدّ أن يكون كلّ عاملٍ محنَّك قد لاحظه في خدمته. فنحن نجلس إلى جانب طالب الحقّ، ونفتح أمامه كتبنا المقدسة، ونعطيه تلك الفصول التي تُعلن يسوع مخلّصًا له بكفّارته على الصليب، مخلّصًا له من ذنب الخطية، وتُعلنه مخلّصًا له قائمًا من الأموات، مخلّصًا له من سلطان الخطية.

وهذا هو عين الحقّ الذي يحتاج ذلك الرجل أن يراه ويؤمن به لكي يخلص؛ ولكنّه مع ذلك لا يراه. فنعيد عليه هذه الفصول، وهي عندنا نحن واضحةٌ وضوح النهار، مرّةً بعد مرّة، وطالب الحقّ جالسٌ هناك أمامنا في ظلمةٍ حالكة: لا يرى شيئًا، ولا يدرك شيئًا. وربّما كدنا نتساءل أحيانًا في أنفسنا: أيكون هذا الطالب بليدًا حتى لا يستطيع أن يراه؟ كلّا، ليس هو بليدًا، إلّا بذلك العمى الروحيّ الذي يستولي على كلّ ذهنٍ لم يُنِره الروح القدس (1 كورنثوس 2:14). فنعيد عليه الكلام مرّةً أخرى، ولا يزال لا يراه ولا يدركه. ثمّ نعيده عليه مرّةً أخرى، فإذا بوجهه يستنير فجأةً وهو يهتف: «قد رأيته! قد رأيته!»؛ فيرى يسوع ويؤمن ويخلص، ويعلم في تلك الساعة عينها أنّه قد خلص خلاصًا أكيدًا. فماذا حدث؟ إنّه ببساطةٍ هذا: أنّ الروح القدس قد أدّى شهادته، فصار ما كان قبلُ مظلمًا كجوف الليل واضحًا الآن كضوء النهار.

وهذا يفسّر لنا أيضًا كيف أنّ من طالت به الظلمة وامتدّت في أمر يسوع المسيح يأتي سريعًا جدًّا إلى رؤية الحقّ متى سلّم إرادته لله وطلب منه هو النور. فمتى سلّم إرادته لله، يكون قد وضع نفسه من الله في ذلك الموقف الذي يستطيع فيه الروح القدس أن يعمل عمله فيه (أعمال الرسل 5:32). ويقول يسوع في يوحنا 7:17: «إن شاء أحدٌ أن يعمل مشيئته يعرف التعليم، هل هو من الله، أم أتكلّم أنا من نفسي». فمتى شاء الإنسان أن يعمل مشيئة الله، تهيّأت عندئذٍ الشروط التي عليها يعمل الروح القدس عمله، فيُنير الذهن ليرى الحقّ في أمر يسوع، وليرى أنّ تعليمه هو كلمة الله بعينها لا كلام إنسانٍ من الناس.

ويكتب يوحنا الرسول في إنجيله، في يوحنا 20:31، هذا الكلام: «وأمّا هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أنّ يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمه». فقد كتب يوحنا إنجيله لهذا الغرض بعينه دون غيره: لكي يرى الناس يسوع بأنّه المسيح ابن الله من خلال ما دوّنه لهم وسجّله بيده، ولكي يؤمنوا بأنّه هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لهم بهذا الإيمان حياةٌ باسمه هو.

وخير كتابٍ في الدنيا كلِّها يوضع في يد من يشتهي أن يعرف شيئًا عن يسوع وأن يخلص هو إنجيل يوحنا. ومع ذلك، فكم من رجلٍ قد قرأ إنجيل يوحنا مرّةً بعد مرّة ولم يرَ ولم يؤمن أنّ يسوع هو المسيح ابن الله! ولكن ليُسلّم ذلك الرجل عينه إرادته لله تسليمًا مطلقًا، وليطلب من الله النور وهو يقرأ الإنجيل، وليَعِد الله أنّه سيقف موقفه على كلّ ما يُريه إيّاه في الإنجيل أنّه حقّ — فإنّه قبل أن يفرغ من الإنجيل سيرى رؤيةً واضحة جليّة أنّ يسوع هو المسيح ابن الله، وسيؤمن به وتكون له الحياة الأبدية؛ وذلك لأنّه قد وضع نفسه في ذلك الموضع الذي يستطيع فيه الروح القدس أن يأخذ الأمور المكتوبة في الإنجيل ويفسّرها له ويؤدّي شهادته.

ولقد رأيت هذا الأمر يُمتحن ويثبت صدقه مرّةً بعد مرّة في أنحاء العالم كلّه. فقد جاءني رجالٌ كثيرون وقالوا لي إنّهم لا يؤمنون بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله؛ بل مضى كثيرون إلى أبعد من ذلك فقالوا إنّهم غير مؤمنين، وإنّهم لا يعلمون أصلًا أثمّة إلهٌ شخصيّ في الوجود أم لا. فكنت أقول لهم عندئذٍ أن يقرأوا إنجيل يوحنا، ذلك الإنجيل الذي يقدّم البرهان على أنّ يسوع كان المسيح وابن الله.

وكثيرًا ما قالوا لي إنّهم قد قرأوه مرّةً بعد مرّة، ولم يقتنعوا مع ذلك كلِّه بأنّ يسوع هو المسيح وابن الله. فكنت أقول لهم عندئذٍ: «إنّكم لم تقرأوه على الوجه الصحيح»؛ ثمّ أحملهم على أن يسلّموا إرادتهم لله تسليمًا كاملًا (أو، في الحال التي لم يكونوا فيها على يقينٍ من وجود إله، أحملهم على أن يقفوا موقفهم إلى جانب الحقّ وأن يتبعوه إلى حيث يقودهم).

ثمّ كنت آخذ عليهم العهد أن يقرأوا إنجيل يوحنا قراءةً متأنّية متدبّرة، وأن ينظروا في كلّ مرّةٍ قبل أن يقرأوا إلى الله — إن كان ثمّة إله — سائلين إيّاه أن يعينهم على فهم ما هم مزمعون أن يقرأوه، وأن يعدوه بأنّهم سيقفون موقفهم إلى جانب كلّ ما يُريهم إيّاه أنّه حقّ، وأنّهم يتبعونه إلى حيث يقودهم. وفي كلّ حالةٍ من تلك الحالات، قبل أن يفرغوا من قراءة الإنجيل، كانوا قد صاروا يرون أنّ يسوع هو المسيح وابن الله، وقد آمنوا به وخلصوا. فقد وضعوا أنفسهم في ذلك الموضع الذي يستطيع فيه الروح القدس أن يشهد ليسوع المسيح، فشهد هو بالفعل، وبشهادته هذه رأوا الحقّ وآمنوا.

فإن كنت تريد للناس أن يروا الحقّ في أمر المسيح، فلا تتّكل البتّة على ما عندك من قوّة البيان والإقناع، بل ألقِ نفسك على الروح القدس واطلب لهم منه شهادته هو، واحرص كلّ الحرص على أن يضعوا هم أنفسهم في الموضع الذي يستطيع فيه الروح القدس أن يشهد. فهذا هو الدواء الشافي لعدم الإيمان وللجهل بالمسيح معًا. وإن لم تكن أنت على بيّنةٍ من الحقّ في أمر يسوع المسيح، فاطلب لنفسك أنت شهادة الروح القدس عن المسيح. اقرأ الكتب المقدسة، واقرأ إنجيل يوحنا منها على وجه الخصوص؛ ولكن لا تتّكل على مجرّد قراءة الكلمة، بل ضع نفسك قبل أن تقرأها من الله في موقفٍ يقوم على تسليم إرادتك له تسليمًا مطلقًا، حتى يشهد الروح القدس في قلبك أنت عن يسوع المسيح. فأشدّ ما نحتاج إليه كلَّ الحاجة هو رؤيةٌ واضحة تامّة ليسوع المسيح؛ وهذه إنّما تأتي بشهادة الروح القدس وحدها.

وفي ذات ليلةٍ رجع عددٌ من طلّابنا إلينا من إرسالية «باسيفيك غاردن» بمدينة شيكاغو وقالوا لي: «لقد كان لنا الليلة اجتماعٌ عجيب في الإرسالية. فقد تقدّم إلى الأمام كثيرون من السكارى والمنبوذين وقبلوا المسيح مخلّصًا لهم». وفي اليوم التالي لقيت في الشارع السيّد هاري مونرو، مدير الإرسالية، فقلت له: «يا هاري، يقول الفتيان إنّه كان لكم اجتماعٌ عجيب في الإرسالية ليلة البارحة».

فأجابني قائلًا: «أتحبّ أن تعرف كيف كان ذلك؟» فقلت له: «نعم». فقال: «حسنًا، إنّي لم أصنع شيئًا البتّة إلّا أنّي رفعت يسوع المسيح أمام الناس، فسُرّ الروح القدس أن يُنير وجه يسوع المسيح، فرأى الناس وآمنوا». وكانت هذه طريقةً فريدة في التعبير عن الأمر، ولكنّها كانت طريقةً بليغة معبّرة، صادقة تمام الصدق في جوهر الأمر ولبّه. فنصيبنا نحن أن نرفع يسوع المسيح أمام الناس، ثمّ ننظر إلى الروح القدس ليُنير وجهه، أو ليأخذ الحقّ الذي عنه ويجعله واضحًا في قلوب سامعينا؛ وهو سيفعل ذلك لا محالة، فيرى الناس ويؤمنون. وبالطبع، لا بدّ لنا نحن أن نسلك مع الله سلوكًا يجعل الروح القدس يتّخذنا آلاتٍ في يده يشهد بواسطتها.

صفحة 1 / 6 · 8 دقيقة متبقية في الفصل