فصل 9 · قراءة 9 د

عمل الروح القدس التجديديّ

يكتب الرسول بولس في رسالته إلى تيطس 3:5 هذا الكلام: «لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته — خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس». وهذه الآية تعلّمنا أنّ الخلاص إنّما يأتي بعمل الروح القدس المجدِّد وحده، لا بأعمالنا نحن ولا باستحقاقنا. ويردّد يسوع هذا الحقّ عينه في يوحنا 3:5: «الحقّ الحقّ أقول لك: إن كان أحدٌ لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله». وحديثه مع نيقوديموس يجعل الأمر واضحًا بيّنًا: أنّ الولادة الروحية الثانية بالروح القدس أمرٌ لا غنى عنه البتّة لدخول ملكوت الله.

فما هو التجديد؟ إنّ التجديد هو منح الحياة، أي الحياة الروحية، لأولئك الذين هم أمواتٌ من جهة الروح بذنوبهم وخطاياهم (أفسس 2:1). والروح القدس هو الذي يمنح هذه الحياة ويفيضها. وأمّا الكلمة المكتوبة فهي حقًّا الآلة التي يستعملها الروح القدس في عمل التجديد. فنحن نقرأ في 1 بطرس 1:23: «مولودين ثانيةً، لا من زرعٍ يفنى، بل ممّا لا يفنى، بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد». ونقرأ في يعقوب 1:18: «شاء فولدنا بكلمة الحقّ لكي نكون باكورةً من خلائقه». وهذان الفصلان يجعلان الأمر واضحًا لا لبس فيه: أنّ الكلمة هي الآلة المستعملة في التجديد؛ ولكن إنّما حين يستعمل الروح القدس هذه الآلة بيده تنتج الولادة الثانية. «الروح هو الذي يحيي» (يوحنا 6:63).

ويُقال لنا في 2 كورنثوس 3:6 هذا الكلام: «لأنّ الحرف يقتل ولكنّ الروح يحيي». وهذا الكلام يُفسَّر عند بعضهم أحيانًا بأنّ التفسير الحرفيّ للكتاب المقدس، أي التفسير الذي يأخذه بمعناه النحويّ الدقيق ويجعله يعني ما يقوله بعينه، هو الذي يقتل؛ وأنّ تفسيرًا روحيًّا ما من التفاسير، تفسيرًا «يعطي روح الفصل» بأن يجعله يعني شيئًا لا يقوله البتّة، هو الذي يحيي؛ ويُدعى الذين يُصرّون على أنّ الكتاب المقدس يعني تمامًا ما يقوله «حرفيّين قاتلين».

وهذا تحريفٌ للكتاب المقدس أثيرٌ عند أولئك الذين لا يحبّون أن يأخذوا الكتاب المقدس على أنّه يعني ما يقوله بعينه، والذين يجدون أنفسهم قد حوصروا في زاويةٍ ضيّقة فيلتمسون لأنفسهم مخرجًا سهلًا يخرجون منه. فلو أنّ المرء قرأ الكلام في سياقه الذي ورد فيه لرأى أنّ هذا الفكر كان بعيدًا كلَّ البعد عن ذهن بولس. بل إنّ من يدرس رسائل بولس درسًا متأنّيًا يجد أنّه كان حرفيًّا من الحرفيّين.

فإن كانت الحرفية قاتلةً مميتة، فتعاليم بولس إذًا من أشدّ ما كُتب قتلًا على الإطلاق. فبولس يبني الحجّة كلَّها على تصريف كلمةٍ واحدة، أو على عددٍ من الأعداد، أو على صيغة زمنٍ من الأزمنة. فما معنى هذا الفصل إذًا حقًّا؟ إنّ السبيل الوحيد إلى معرفة معنى أيّ فصلٍ من الفصول هو أن تدرس الألفاظ المستعملة فيه في سياقها الذي وردت فيه. فبولس إنّما يعقد ههنا مقابلةً بين كلمة الله التي هي خارجٌ عنّا، مكتوبةً بحبرٍ على رقٍّ أو منقوشةً على ألواحٍ من حجر، وبين كلمة الله المكتوبة في داخلنا نحن في ألواحٍ هي قلوبٌ لحمية، مكتوبةً بروح الله الحيّ (العدد 3). ثمّ يقول لنا إنّنا إن كانت عندنا كلمة الله خارجًا عنّا فقط، في كتابٍ أو على رقٍّ أو على ألواح حجر، فإنّها تقتلنا، ولا تأتينا هي إلّا بالدينونة والموت؛ وأمّا إن كانت عندنا كلمة الله وقد صارت شيئًا حيًّا في قلوبنا، مكتوبةً على قلوبنا بروح الله الحيّ، فإنّها تأتينا بالحياة.

فلن يخلّصنا عددٌ من الأناجيل على موائدنا ولا في مكتباتنا مهما كثر؛ وإنّما الذي يخلّصنا هو حقّ الكتاب المقدس مكتوبًا بروح الله الحيّ في قلوبنا. وإذا شئنا أن نضع أمر التجديد في صورةٍ أخرى قلنا: إنّ التجديد هو منح طبيعةٍ جديدة، هي طبيعة الله نفسه، للذي يولد ثانيةً (2 بطرس 1:4).

فكلّ إنسانٍ من بني آدم إنّما يولد في هذا العالم بطبيعةٍ فاسدة معوجّة، قد أفسدت الخطية طبيعته كلَّها: عقله وعواطفه وإرادته جميعًا. ومهما يكن نسبنا البشريّ كريمًا رفيعًا، فإنّنا نأتي إلى هذا العالم بذهنٍ أعمى عن حقّ الله لا يبصره.

(«ولكنّ الإنسان الطبيعيّ لا يقبل ما لروح الله لأنّه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنّما يُحكَم فيه روحيًّا» 1 كورنثوس 2:14.) ونأتي كذلك بعواطف قد انقطعت عن الله، تحبّ الأمور التي ينبغي لنا أن نبغضها، وتبغض الأمور التي ينبغي لنا أن نحبّها. («وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي: زنًى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزّب، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سكر، بطر، وأمثال هذه».

غلاطية 5:19-21) وبإرادةٍ فاسدة قد عقدت العزم على إرضاء نفسها لا على إرضاء الله.

(«لأنّ اهتمام الجسد هو عداوةٌ لله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنّه أيضًا لا يستطيع» رومية 8:7.) وفي الولادة الثانية تُمنَح لنا نحن طبيعةٌ جديدة في العقل والعاطفة والإرادة معًا. فننال الذهن الذي يرى كما يرى الله، ويفكّر أفكار الله في إثره ويتبعه فيها (1 كورنثوس 2:12-14)؛ وننال عواطف منسجمةً كلَّ الانسجام مع عواطف الله. («وأمّا ثمر الروح فهو: محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفّف. ضدّ أمثال هذه ليس ناموس» غلاطية 5:22-23.) وننال إرادةً منسجمةً مع إرادة الله، تلتذّ بعمل الأمور التي تُرضيه وتسرّه. (فنقول نحن كما قال يسوع: «طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّم عمله» يوحنا 4:34؛ يوحنا 6:38؛ غلاطية 1:10.) والروح القدس هو وحده الذي يخلق فينا هذه الطبيعة الجديدة، أو يمنحنا إيّاها منحًا. فلا كثرة الوعظ، مهما يكن مستقيم العقيدة سليمها، ولا كثرة مجرّد درس الكلمة، تقدر أن تجدّد إنسانًا ما لم يعمل الروح القدس هو نفسه. فهو وحده هو الذي يجعل الإنسان خليقةً جديدة.

والولادة الثانية تُشبَّه في الكتاب المقدس بالنموّ الذي يكون من الزرع. فقلب الإنسان هو التربة، وكلمة الله هي الزرع (لوقا 8:11؛ 1 بطرس 1:23؛ يعقوب 1:18؛ 1 كورنثوس 4:15)، وكلّ واعظٍ أو معلّمٍ للكلمة إنّما هو زارع؛ ولكنّ روح الله وحده هو الذي يُحيي الزرع المزروع على هذا النحو، فتنبت الطبيعة الإلهية وتطلع نتيجةً لذلك. وثمّة تربةٌ وافرة في كلّ مكانٍ يُزرع فيها هذا الزرع، أي القلوب البشرية التي هي حولنا من كلّ جانب. وثمّة زرعٌ وافر يُزرع، يستطيع كلّ واحدٍ منّا أن يجده في أهراء كلمة الله ومخازنها؛ وثمّة في أيّامنا هذه زرّاعٌ كثيرون. ولكن قد تكون التربة موجودة والزرع موجودًا والزرّاع موجودين، ومع ذلك كلِّه، ما لم يُحيِ روح الله الزرع ونحن نزرعه، وما لم ينطبق عليه قلب السامع بالإيمان، فلن يكون هناك حصاد. فعلى كلّ زارعٍ من الزرّاع أن يحرص على أن يدرك اتّكاله على الروح القدس في إحياء الزرع الذي يزرعه هو، وأن يحرص كذلك على أن يكون هو من الله في علاقةٍ تجعل الروح القدس يعمل بواسطته ويُحيي الزرع الذي يزرعه.

إنّ الروح القدس يجدّد الناس ويلدهم ثانيةً. فله القدرة أن يقيم الأموات من قبورهم. وله القدرة أن يمنح الحياة لأولئك الذين هم من جهة الأدب أمواتٌ ومنتنون معًا. وله القدرة أن يمنح طبيعةً جديدة كلَّ الجدّة لأولئك الذين فسدت طبيعتهم حتى صاروا في نظر الناس ممّن لا يُرجى لهم رجاء البتّة. وكم مرّةً رأيت هذا الأمر يثبت بالبرهان أمام عينيّ! وكم مرّةً رأيت رجالًا ونساءً في غاية الضياع والخراب والشرّ يدخلون اجتماعًا وهم لا يكادون يدرون لماذا جاءوا؛ وفيما هم جالسون هناك نُطق بالكلمة، فأحيا روح الله تلك الكلمة المزروعة هكذا في قلوبهم، فصار ذلك الرجل أو تلك المرأة في لحظةٍ واحدة، بقوّة الروح القدس الجبّارة، خليقةً جديدة كلَّ الجدّة.

وإنّي أعرف رجلًا بدا لي في تمام الانحلال واليأس بمقدار ما يبلغ الناس من ذلك. وكان في نحو الخامسة والأربعين من عمره. وقد أخذ في مسالك الشرّ منذ حداثته الأولى، فهرب من بيت أبيه والتحق بالبحرية ثمّ بالجيش من بعدها، وتعلّم رذائلهما كلَّها جميعًا. وقد سُرّح من الجيش تسريحًا مشينًا بسبب إفراطه في الخلاعة والفوضى.

وكان قد اتّخذ عشرته وصحبته بين أحطّ الحثالة وأخبث الأخباث. وكان إذا صعد في شارع إحدى مدن الغرب في الليل وسمع التجّار صياحه، أغلقوا أبوابهم في وجهه من الخوف. غير أنّ هذا الرجل نفسه دخل ذات ليلةٍ اجتماعًا للإحياء في كنيسةٍ ريفية على سبيل الفضول لا غير. وقد سخر من الاجتماع تلك الليلة ومن أهله مع نديمٍ له كان جالسًا إلى جانبه؛ ولكنّه ذهب مرّةً أخرى في الليلة التالية، فمسّ روح الله قلبه. فتقدّم إلى الأمام وانحنى راكعًا عند المذبح.

ثمّ قام خليقةً جديدة، وقد تحوّل إلى واحدٍ من أنبل من عرفت من الرجال وأصدقهم وأطهرهم وأبعدهم عن الأنانية وألطفهم وأشبههم بالمسيح. وأنا أُسأل أحيانًا: «أتؤمن بالاهتداء المفاجئ؟»

إنّي أؤمن بما هو أعجب كثيرًا من الاهتداء المفاجئ، أي بالتجديد المفاجئ. فالاهتداء أمرٌ خارجيّ لا غير، أي الدوران والرجوع عن الطريق. وأمّا التجديد فينزل إلى أعمق أعماق النفس الباطنة، فيحوّل الأفكار والعواطف والإرادة والإنسان الداخليّ كلَّه تحويلًا. وإنّي أؤمن بالتجديد المفاجئ لأنّ الكتاب المقدس يعلّمه، ولأنّي قد رأيته مرّاتٍ لا تُحصى ولا تُعدّ. وإنّي أؤمن بالتجديد المفاجئ لأنّي قد اختبرته بنفسي. ويُقال لنا أحيانًا في هذه الأيّام إنّ «دين المستقبل لن يعلّم الاهتداء المفاجئ العجائبيّ».

فإن كان دين المستقبل لا يعلّم الاهتداء المفاجئ العجائبيّ، ولا ما هو أعظم منه شأنًا بكثير، أي التجديد المفاجئ العجائبيّ بقوّة الروح القدس، فإنّ دين المستقبل لن يوافق وقائع الاختبار البشريّ، ولن يكون بذلك علميًّا في شيء. بل إنّه سيُخطئ واحدةً من أوثق الحقائق جميعًا وأمجدها وأعظمها شأنًا. وقد أخطأت الأديان التي وضعها البشر في الماضي الحقَّ مرارًا كثيرة، ولا شكّ أنّ الأديان التي يضعها البشر في المستقبل ستفعل مثل ذلك. وأمّا الدين الذي أعلنه الله في كلمته وأثبته في الاختبار فهو يعلّم التجديد المفاجئ بقوّة الروح القدس الجبّارة. ولو لم أكن أنا أؤمن بالتجديد بقوّة الروح القدس لتركت الوعظ من زمان.

فأيّ فائدةٍ تكون في أن يقف المرء أمام جماهير عظيمة، فيها ألوفٌ من الرجال والنساء قد تقسّت قلوبهم وتبلّدت مشاعرهم، لا يبالون بشيءٍ في الدنيا إلّا بأمور العالم والجسد، وليست لهم تطلّعات عالية مقدّسة، ولا نظرٌ أبعد من المال والصيت والسلطان واللذّة — أيّ فائدةٍ في ذلك لولا قوّة الروح القدس المجدِّدة؟ ولكن مع قوّة الروح القدس المجدِّدة، ففي ذلك كلُّ فائدةٍ وكلُّ رجاء؛ لأنّ الواعظ لا يستطيع أن يقول البتّة أين سيقع روح الله وأين يعمل عمله الجبّار. فههنا يجلس أمامك رجلٌ مقامر، أو سكّير، أو خليع من الخلعاء. ولا يبدو أنّ في الوعظ له فائدةً كبيرة تُرجى؛ ولكنّك لا تدري، فلعلّ روح الله في تلك الليلة عينها يمسّ قلب ذلك الرجل ويحوّله إلى واحدٍ من أقدس الناس وأنفعهم للناس.

وقد وقع هذا الأمر مرارًا كثيرة في الماضي، ولا شكّ أنّه سيقع مرارًا كثيرة في المستقبل أيضًا. وههنا تجلس أمامك امرأةٌ ليست إلّا فراشةً من فراشات الأزياء والموضة. ولا يبدو أنّ لها فكرًا أعلى من المجتمع واللذّة والإعجاب بها. فلماذا إذًا تعظها؟ لولا قوّة الروح القدس المجدِّدة لكان ذلك حماقةً وإضاعةً للوقت لا غير؛ ولكنّك لا تدري، فلعلّ روح الله في هذه الليلة عينها يُشرق في ذلك القلب المظلم، ويفتح عيني تلك المرأة لترى جمال يسوع المسيح، فتقبله هي، فتُمنَح حياة الله في تلك الساعة عينها بقوّة الروح القدس لتلك النفس التافهة الفارغة.

إنّ تعليم قوّة الروح القدس المجدِّدة تعليمٌ مجيدٌ عظيم. فهو يكنس الرجاءات الكاذبة كنسًا ويذهب بها. فيأتي إلى الإنسان المتّكل على التعليم والثقافة ويقول له: «إنّ التعليم والثقافة لا يكفيان. ينبغي أن تولد ثانيةً». ويأتي إلى الإنسان المتّكل على مجرّد الأخلاق الظاهرة ويقول له: «إنّ الأخلاق الظاهرة لا تكفي، ينبغي أن تولد ثانيةً». ويأتي إلى الإنسان المتّكل على ظواهر الدين، من الذهاب إلى الكنيسة، ومن قراءة الكتاب المقدس، ومن تلاوة الصلوات، ومن نيل التثبيت، ومن الاعتماد، ومن التناول من عشاء الربّ، ويقول له: «إنّ مجرّد ظواهر الدين لا تكفي، ينبغي أن تولد ثانيةً». ويأتي إلى الإنسان المتّكل على أن يقلب صفحةً جديدة في حياته، وعلى الإصلاح الخارجيّ، وعلى الإقلاع عن دناءته، فيقول له: «إنّ الإصلاح الخارجيّ والإقلاع عن دناءتك لا يكفيان. ينبغي أن تولد ثانيةً». ولكنّه، في مكان تلك الرجاءات الغامضة السطحية التي يكنسها ويذهب بها، يأتي إلينا برجاءٍ جديد، رجاءٍ صالح، رجاءٍ مبارك، رجاءٍ مجيد. فيقول: «يمكنك أن تولد ثانيةً». ويأتي إلى الإنسان الذي ليست له شهوةٌ أعلى من شهوة الأمور البهيمية أو الأنانية أو العالمية، فيقول له: «يمكنك أن تصير شريكًا في الطبيعة الإلهية، فتحبّ الأمور التي يحبّها الله وتبغض الأمور التي يبغضها الله هو. يمكنك أن تصير مثل يسوع المسيح. يمكنك أن تولد ثانيةً».

صفحة 1 / 7 · 9 دقيقة متبقية في الفصل