فصل 7 · قراءة 15 د
تبكيت الروح القدس للعالم على خطية وبرّ ودينونة
إنّ خلاصنا إنّما يبتدئ في مجال الاختبار العمليّ بأن نُساق إلى شعورٍ عميق في نفوسنا بأنّنا محتاجون إلى مخلّص. والروح القدس هو الذي يسوقنا إلى إدراك هذه الحاجة التي نحن فيها. ونحن نقرأ في يوحنا 16:8-11 هذا الكلام: «ومتى جاء ذاك يبكّت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة: أمّا على خطية فلأنّهم لا يؤمنون بي، وأمّا على برّ فلأنّي ذاهبٌ إلى أبي ولا ترونني أيضًا، وأمّا على دينونة فلأنّ رئيس هذا العالم قد دين».
أوّلًا — نحن نرى في هذا الفصل أنّ من عمل الروح القدس أن يبكّت الناس على خطية؛ أي أن يُقنعهم بما هم واقعون فيه من الضلال في أمر الخطية إقناعًا لا يقف عند حدّ الاقتناع العقليّ وحده، بل يُحدث في نفوسهم شعورًا عميقًا بذنبهم الشخصيّ. ولنا أوّل إتمامٍ مسجَّلٍ لهذا الوعد في ما جاء في سفر أعمال الرسل 2:36-37، حيث نقرأ هذا الكلام: «فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أنّ الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًّا ومسيحًا». «فلمّا سمعوا نُخِسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيّها الرجال الإخوة؟». فقد جاء الروح القدس تمامًا على ما وعد يسوع من قبلُ أنّه سيجيء؛ ولمّا جاء بكّت العالم على خطية، ونخس قلوبهم نخسًا، وأشعرهم بما عليهم من الذنب الرهيب الفادح في أنّهم رفضوا ربَّهم ومسيحهم ونبذوه.
ولو أنّ الرسول بطرس تكلّم بالكلام عينه في اليوم السابق ليوم الخمسين، لَما تبعته مثل هذه النتائج البتّة؛ ولكنّ بطرس كان الآن قد امتلأ من الروح القدس (العدد 4)، فأخذ الروح القدس بطرس وكلامه، وبواسطة بطرس وكلامه بكّت سامعيه. فالروح القدس هو وحده القادر أن يُقنع الناس بخطيّتهم ويبكّتهم عليها. إنّ القلب الطبيعيّ «أخدع من كلّ شيء وهو نجيس»، وليس ثمّة شيءٌ يظهر فيه ما في قلوبنا من خداعٍ مركوزٍ في أصل الطبع أوضح ممّا يظهر في أحكامنا التي نحكم بها على أنفسنا. فنحن جميعًا حِدادُ الأبصار في رؤية عيوب غيرنا، ولكنّنا جميعًا عُميٌ بالطبيعة عن رؤية عيوبنا نحن. وعمانا عن نقائصنا كثيرًا ما يكاد يبلغ حدّ السخف الذي يُضحك. ولنا قدرةٌ عجيبة على تضخيم فضائلنا المتوهَّمة، وعلى إغفال معايبنا إغفالًا تامًّا حتى تغيب عن أبصارنا بالمرّة.
وكلّما أطال الإنسان درس الطبيعة البشرية وأمعن فيه وتقصّاه، ازداد وضوحًا عنده كم هو يائسٌ ذلك العمل الذي هو أن يُقنع غيره من الناس بخطيّتهم. فنحن لا نقدر عليه، ولا الله قد تركه لنا نحن لنعمله؛ بل قد وضع هذا العمل في يد من هو قادرٌ عليه كلَّ القدرة وأكثر، أي الروح القدس. ومن أسوأ الأغلاط التي نقع فيها في سعينا لنأتي بالناس إلى المسيح أن نحاول نحن إقناعهم بالخطية بقوّةٍ من عند أنفسنا وبحيلةٍ من عندنا. وهذا الغلط، مع الأسف، من أشيع الأغلاط وأكثرها دورانًا. فالوعّاظ يقفون في المنابر يجادلون الناس ويحاجّونهم ليجعلوهم يرون بأعينهم ويدركون بعقولهم أنّهم خطاة. وهم يجعلون الأمر واضحًا وضوح النهار، حتى ليُعجَب المرء كيف لا يراه سامعوهم؛ ولكنّهم لا يرونه.
ويجلس العاملون الأفراد إلى جانب طالب الحقّ يحاجّونه، ويسوقون إليه فصول الكتاب المقدس بأبرع ما يكون السَّوق، تلك الفصول عينها الخليقة بأن تُحدث فيه الأثر المطلوب؛ ومع ذلك كلِّه لا تكون هناك نتيجة. ولماذا؟ لأنّنا نحاول أن نعمل عمل الروح القدس، ذلك العمل الذي هو وحده يقدر عليه، أي إقناع الناس بالخطية. فلو أنّنا ذكرنا عجزنا التامّ عن إقناع الناس بالخطية، وألقينا أنفسنا عليه هو في عجزٍ مطلق ليعمل هو العمل، لرأينا النتائج.
وفي ختام اجتماعٍ لطالبي الحقّ في كنيستنا بمدينة شيكاغو، أحضرت إليّ واحدةٌ من خيرة عاملينا مهندسًا في سكّة حديد «بان هاندل»، وقالت لي هذه الكلمة: «وددت لو أنّك تكلّمت أنت مع هذا الرجل.
فقد ظللت أكلّمه ساعتين كاملتين بلا نتيجة». فجلست أنا إلى جانبه وكتابي المقدس مفتوحٌ في يدي، وما مضى أقلّ من عشر دقائق حتى كان ذلك الرجل، تحت تبكيتٍ عميق على الخطية، جاثيًا على ركبتيه يصرخ إلى الله طالبًا منه الرحمة. فلمّا خرج الرجل قالت لي العاملة التي أحضرته إليّ: «إنّ هذا لعجيبٌ جدًّا». فقلت لها: «وما العجيب فيه؟» فقالت: «أتدري؟ لقد استعملت أنا في معاملة ذلك الرجل الفصول عينها التي استعملتها أنت معه، لا أزيد ولا أنقص؛ ومع أنّني عملت معه ساعتين بلا نتيجة، فإنّه في عشر دقائق، وبفصول الكتاب المقدس عينها، جاء تحت التبكيت على الخطية وقبل المسيح».
فما تفسير ذلك؟ إنّه ببساطةٍ هذا: أنّ تلك العاملة قد نسيت مرّةً واحدة ما قلّما كانت تنساه، وهو أنّ الروح القدس هو الذي ينبغي أن يعمل العمل. فقد كانت هي تحاول أن تُقنع الرجل بخطيّته. فقد استعملت الفصول الصحيحة، وحاجّته بحكمةٍ ورويّة، وأقامت عليه الحجّة واضحةً بيّنة لا غبار عليها؛ ولكنّها مع ذلك لم تنظر إلى ذاك الواحد الذي هو وحده يقدر أن يعمل هذا العمل. ولمّا أحضرت الرجل إليّ وقالت: «قد عملت معه ساعتين بلا نتيجة»، قلت أنا في نفسي: «إذا كانت هذه العاملة الحاذقة قد عاملته ساعتين بلا نتيجة، فأيّ فائدةٍ ترجى من معاملتي أنا له؟» وفي شعورٍ بعجزٍ مطلق عن كلّ شيء ألقيت نفسي على الروح القدس ليعمل هو العمل، فعمله هو.
على أنّنا إن كنّا نحن لا نقدر أن نُقنع الناس بالخطية، فثمّة واحدٌ يقدر، هو الروح القدس. فهو يقدر أن يُقنع بالخطية أشدّ الناس تقسّيًا وأعماهم بصيرة. وهو يقدر أن يغيّر رجالًا ونساءً من التهاون التامّ وعدم المبالاة إلى حالٍ يغمرهم فيها الشعور بحاجتهم إلى مخلّص. وكم مرّةً رأينا هذا ماثلًا أمامنا! فمنذ سنين حمل شيوخ كنيسة شارع شيكاغو همًّا ثقيلًا من أجل أنّه لم يكن يظهر في اجتماعاتنا إلّا القليل جدًّا من التبكيت العميق على الخطية.
كانت هناك اهتداءات، وكان كثيرون يُضافون إلى الكنيسة، غير أنّ القليلين جدًّا كانوا يأتون بتبكيتٍ غامرٍ على الخطية.
وفي ذات ليلةٍ قال واحدٌ من شيوخ الكنيسة: «أيّها الإخوة، إنّي مضطربٌ اضطرابًا شديدًا لأنّه ليس في اجتماعاتنا إلّا القليل من التبكيت على الخطية. فمع أنّ عندنا اهتداءات وإضافاتٍ كثيرة إلى الكنيسة، فليس ثمّة ذلك التبكيت العميق على الخطية الذي أحبّ أنا أن أراه؛ وإنّي أقترح عليكم أن نجتمع نحن شيوخ الكنيسة ليلةً بعد ليلة، ونصلّي لكي يكون في اجتماعاتنا من التبكيت على الخطية أكثر ممّا نراه الآن».
فأخذت اللجنة كلُّها بهذا الاقتراح ورضيت به. وما كنّا قد صلّينا ليالي كثيرة على هذا النحو حتى رأيت، في مساء أحد الآحاد، في المقعد الأماميّ تحت الشُّرفة، رجلًا فاخر الثياب شديد قسوة الوجه، تتوهّج ماسةٌ كبيرة في صدر قميصه، وهو جالسٌ إلى جانب أحد الشمامسة. وبينما أنا أعظ نظرت إليه وقلت في نفسي: «هذا رجلٌ من أهل القمار واللهو، ولقد كان الشمّاس يونغ يصطاد اليوم». وتبيّن لي بعدُ أنّي كنت مصيبًا في ظنّي. فقد كان الرجل ابنًا لامرأةٍ تدير بيت لهوٍ في إحدى مدن الغرب، وأحسبه لم يحضر خدمةً بروتستانتية قطّ من قبل ذلك اليوم. وكان الشمّاس يونغ قد ظفر به ذلك اليوم في الشارع وأتى به معه إلى الاجتماع. وبينما أنا أعظ لم يستطع الرجل أن يرفع عينيه عنّي لحظةً واحدة.
ولمّا نزلنا إلى الطابق الأسفل لاجتماع ما بعد العظة، أخذ الشمّاس يونغ ذلك الرجل معه إلى هناك. وقد تأخّرت أنا تلك الليلة في معاملة القلقين على نفوسهم. فلمّا فرغت من آخرهم نحو الساعة الحادية عشرة، وكان الناس كلّهم قد كادوا يذهبون إلى بيوتهم، جاءني الشمّاس يونغ وقال: «عندي ههنا رجلٌ وددت لو أنّك تجيء وتكلّمه». وإذا هو ذلك الرجل الضخم من أهل اللهو بعينه. وكان مضطربًا في نفسه اضطرابًا شديدًا. فأنّ وقال: «آه، لست أدري ما الذي بي! ما شعرت هكذا قطّ في حياتي كلّها»؛ وأخذ ينشج ويرتعد كورقة الشجر. ثمّ قصّ عليّ هذه القصّة: «خرجت بعد ظهر اليوم قاصدًا شارع كوتيدج غروف لألقى بعض الرجال وأقضي معهم الأصيل في القمار. وفيما أنا مارٌّ بالحديقة هناك، كان بعض شبّانكم يعقدون اجتماعًا في العراء، فوقفت أصغي إليهم.
ورأيت رجلًا واحدًا من الشهود كنت قد عرفته من قبلُ في حياة الخطية، فانتظرت هناك لأسمع ما عساه أن يقول.
ولمّا فرغ من كلامه مضيت في طريقي في الشارع. وما كنت قد ابتعدت كثيرًا حتى أمسكت بي قوّةٌ غريبة وردّتني راجعًا من حيث جئت، فمكثت هناك إلى آخر الاجتماع. ثمّ كلّمني هذا السيّد وأتى بي إلى كنيستكم، إلى اجتماع «رفقاء النير» عندكم. فمكثت أتعشّى معهم، ثمّ صعد بي لأسمعك أنت تعظ، ثمّ نزل بي إلى هذا الاجتماع». وههنا وقف عن الكلام وأخذ ينشج ويقول: «آه، لست أدري ما الذي بي! إنّي أشعر شعورًا فظيعًا، وما شعرت هكذا قطّ في حياتي كلّها»؛ وكان جسمه الضخم يرتجف من شدّة الانفعال. فقلت له: «أمّا أنا فأدري ما بك. أنت تحت التبكيت على الخطية؛ إنّ الروح القدس يعاملك». ثمّ دللته على المسيح، فجثا على ركبتيه وصرخ إلى الله طالبًا منه الرحمة، أن يغفر له خطاياه من أجل المسيح.
وبعد ذلك بقليل، في ليلة أحد، رأيت رجلًا آخر جالسًا في الشرفة، فوق موضع الرجل الأوّل تقريبًا تمامًا. وكانت ماسةٌ تتلألأ هي أيضًا في صدر قميص هذا الرجل. فقلت في نفسي: «ها هنا رجلٌ آخر من أهل اللهو». وتبيّن أنّه رجلٌ كثير الأسفار، وهو من أهل اللهو أيضًا. وبينما أنا أعظ أخذ يميل إلى الأمام في مقعده أكثر فأكثر. وفي أثناء عظتي، من غير أن أقصد إلقاء الدعوة، بل أردت فقط أن أثبّت نقطةً في الأذهان، قلت: «من يقبل يسوع المسيح الليلة؟» فوثب الرجل قائمًا في لمح البصر وصاح: «أنا أقبله». فدوّى صوته في المبنى كطلقة مسدّس.
فتركت عظتي في الحال وألقيت الدعوة على الناس؛ فقام رجالٌ ونساءٌ وشبّان في أنحاء المبنى كلّه ليسلّموا أنفسهم للمسيح. كان الله يستجيب الصلاة التي رُفعت إليه، وكان الروح القدس يُقنع الناس بخطيّتهم ويبكّتهم عليها.
إنّ الروح القدس يقدر أن يُقنع الناس بخطيّتهم. فلسنا في حاجةٍ إلى أن نيأس من أحدٍ من الناس، مهما بدا لنا غير مبالٍ، ومهما كان محبًّا للعالم، ومهما كان راضيًا عن نفسه أو بعيدًا عن الدين؛ فالروح القدس يقدر أن يُقنع الناس بخطيّتهم. جاءني مرّةً خادمٌ شابّ نادر الثقافة والمقدرة وقال لي: «إنّ بين يديّ مشكلةً عظيمة. فأنا راعي الكنيسة في مدينةٍ جامعية، وجماعتي مؤلَّفة في أكثرها من أساتذة الجامعة وطلّابها. وهم ألطف الناس وأحبّهم إلى النفس، ولهم مُثُلٌ أدبية عالية جدًّا، وهم يحيون حياةً مثالية يُقتدى بها. والآن — وأردف قائلًا — لو كانت لي جماعةٌ فيها سكارى ومنبوذون ولصوص، لاستطعت أن أُقنعهم بخطيّتهم؛ ولكنّ مشكلتي هي كيف أجعل أناسًا كهؤلاء، وهم ألطف أهل الدنيا، يؤمنون بأنّهم خطاة، وكيف أبكّتهم على خطية». فأجبته: «هذا أمرٌ مستحيل. أنت لا تقدر عليه، ولكنّ الروح القدس يقدر». وهو حقًّا يقدر عليه.
وإنّ من أعمق ما رأيت قطّ من مظاهر التبكيت على الخطية ما كان من رجالٍ ونساءٍ في غاية استقامة السيرة وحسن الخُلُق وجمال الطبع. ولكنّهم كانوا مع ذلك خطاة، وقد فتح الروح القدس أعينهم ليروا هذه الحقيقة على ما هي عليه. وإن يكن الروح القدس هو الذي يُقنع الناس بخطيّتهم ويبكّتهم عليها، فإنّه إنّما يفعل ذلك بواسطتنا نحن. وهذا الأمر يظهر ظهورًا بيّنًا جدًّا في سياق الفصل الذي بين أيدينا. فيسوع يقول في يوحنا 16:7: «لكنّي أقول لكم الحقّ: إنّه خيرٌ لكم أن أنطلق، لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم». ثمّ يمضي في كلامه فيقول: «ومتى جاء ذاك يبكّت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة». أي إنّ ربّنا يسوع يرسل الروح القدس إلينا نحن (أي إلى المؤمنين)؛ ومتى جاء إلينا نحن المؤمنين، عاد فبكّت العالم بواسطتنا نحن أنفسنا الذين قد جاء إليهم.
ففي يوم الخمسين كان الروح القدس هو الذي أقنع الثلاثة الآلاف بخطيّتهم؛ ولكنّ الروح القدس إنّما جاء أوّلًا إلى جماعة المؤمنين، وبواسطتهم هم أقنع العالم الذي في الخارج. وبحسب ما تخبرنا به الكتب المقدسة، ليس للروح القدس سبيلٌ يبلغ به إلى العالم غير المخلَّص إلّا بواسطة أولئك الذين قد خلصوا بالفعل. وكلّ اهتداءٍ مسجَّلٍ في سفر أعمال الرسل إنّما تمّ بواسطة رجالٍ أو نساءٍ قد خلصوا من قبل. وخذ مثلًا على ذلك اهتداء شاول الطرسوسيّ: فإن كان ثمّة اهتداءٌ عجائبيّ قطّ، فذاك هو.
فقد ظهر يسوع الممجَّد لشاول ظهورًا منظورًا في طريقه إلى دمشق؛ ولكن قبل أن يستطيع شاول أن يخرج إلى النور خروجًا واضحًا كإنسانٍ مخلَّص، كان لا بدّ من إدخال الواسطة البشرية. فشاول، وهو ساقطٌ على الأرض، صرخ إلى المسيح القائم من الأموات يسأله ماذا ينبغي أن يفعل؛ فقال له الربّ أن يدخل دمشق، وهناك يُقال له ماذا ينبغي أن يفعل. ثمّ أُدخل حنانيا، «تلميذٌ ما»، في المشهد ليكون الواسطة البشرية التي بها يعمل الروح القدس عمله (أعمال الرسل 9:17؛ 22:16). وخذ أمر كرنيليوس: فههنا أيضًا اهتداءٌ في غاية العجب تمّ بواسطةٍ فوق الطبيعة. فقد ظهر لكرنيليوس «ملاك»، ولكنّ الملاك لم يقل لكرنيليوس ماذا يفعل ليخلص.
بل قال الملاك لكرنيليوس: «أرسل إلى يافا رجالًا، واستدعِ سمعان الملقّب بطرس، وهو يكلّمك كلامًا به تخلص أنت وكلّ بيتك» (أعمال الرسل 11:13-14). وهكذا نستطيع أن نمضي في سجلّ الاهتداءات في سفر أعمال الرسل كلِّه من أوّله إلى آخره، فنرى أنّها تمّت جميعًا بواسطةٍ بشرية. فما أرهب هذا الفكر وما أجلّه، بل ما أكاد أقول ما أغمره للنفس وأثقله عليها: أنّه ليس للروح القدس سبيلٌ يبلغ به إلى غير المخلَّصين بقوّته المخلِّصة إلّا بواسطتنا نحن الذين قد صرنا مسيحيّين بالفعل! فلو أنّنا أدركنا ذلك حقّ الإدراك، أفلا نكون أشدّ حرصًا على أن نقدّم للروح القدس مجرًى أوسع لا يعوقه عائق لعمله الأعظم شأنًا من كلّ شيء؟ إنّ الروح القدس محتاجٌ إلى شفاهٍ بشرية يتكلّم بها؛ هو محتاجٌ إلى شفتيك أنت، ومحتاجٌ إلى حياةٍ من الطهارة والتسليم المطلق له بحيث يستطيع أن يعمل من خلالها.
ولاحظ أنت أيّ خطيةٍ هي تلك التي يُقنع الروح القدس الناس بها ويبكّتهم عليها: إنّها ليست غير خطية عدم الإيمان بيسوع المسيح. يقول يسوع: «أمّا على خطية فلأنّهم لا يؤمنون بي». لا خطية السرقة، ولا خطية السُّكر، ولا خطية الزنى، ولا خطية القتل، بل خطية عدم الإيمان بيسوع المسيح. فالأمر الواحد الذي يطلبه الله الأزليّ من الناس هو هذا: أن يؤمنوا بالذي هو أرسله، لا غير (يوحنا 6:29). والخطية الواحدة التي تكشف تمرّد الناس على الله وتحدّيهم إيّاه تحدّيًا جريئًا هي خطية عدم الإيمان بيسوع المسيح؛ وهذه هي الخطية الواحدة التي يُبرزها الروح القدس ويضعها في المقدّمة ويشدّد عليها، وعليها يبكّت الناس. وهذه هي الخطية عينها التي بكّت عليها الروح القدس الثلاثة الآلاف في يوم الخمسين.
كانت في حياة أولئك القوم خطايا أخرى كثيرة غيرها؛ ولكنّ النقطة الواحدة التي أبرزها الروح القدس ووضعها في المقدّمة بواسطة الرسول بطرس هي أنّ ذاك الذي رفضوه هو إنّما كان ربَّهم ومسيحهم، وقد ثبت أنّه كذلك بقيامته من الأموات (أعمال الرسل 2:22-36). «فلمّا سمعوا هذا (أي أنّ ذاك الذي رفضوه هو ربٌّ ومسيح) نُخِسوا في قلوبهم». وهذه هي الخطية عينها التي يُقنع بها الروح القدس الناس ويبكّتهم عليها في أيّامنا هذه.
أمّا في أمور الأخلاق الصغرى نسبيًّا في الحياة، فبين الناس اختلافٌ واسع؛ ولكنّ اللصّ الذي يرفض المسيح والرجل الأمين الذي يرفض المسيح كليهما محكومٌ عليه سواءً بسواء عند النقطة العظمى، أي ماذا يصنعان بابن الله؛ وهذه هي النقطة التي يُلحّ عليها الروح القدس ويثبّتها في القلوب. وخطية عدم الإيمان هي أصعب الخطايا جميعًا في إقناع الناس بها. فغير المؤمن في الغالب لا ينظر إلى عدم الإيمان على أنّه خطية؛ بل كثيرًا ما ينظر غير المؤمن إلى عدم إيمانه على أنّه علامة تفوّقٍ عقليّ. وليس بالنادر أن يزداد افتخاره به لأنّه العلامة الوحيدة للتفوّق العقليّ التي يملكها.
فيهزّ رأسه ويقول: «أنا لا أدريّ»، أو «أنا شكّاك»، أو «أنا ملحد»، ويتّخذ لنفسه من أجل ذلك مظهر المتفوّق على غيره. فإن لم يبلغ به الأمر هذا المبلغ، فكثيرًا ما ينظر غير المؤمن إلى عدم إيمانه على أنّه، في أسوأ الأحوال، مصيبةٌ نزلت به من غير ذنبٍ جناه. فهو إنّما يلتمس من الناس الشفقة عليه لا اللوم له. يقول: «آه، ليتني أستطيع أن أومن! ما أشدّ أسفي أنّي لا أستطيع أن أومن»، ثمّ يستعطفنا طالبًا الرثاء له لأنّه لا يستطيع أن يؤمن. ولكن متى مسّ الروح القدس قلب إنسان، لم يعد ينظر إلى عدم الإيمان على أنّه علامة تفوّقٍ عقليّ ولا مجرّد مصيبةٍ نزلت به، بل يراه أجرأ الخطايا جميعًا وأقطعها وأشدّها إدانةً، ويغمره الشعور بذنبه الرهيب إذ هو لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد.
ثانيًا — على أنّ الروح القدس لا يبكّت على خطية فحسب، بل يبكّت على برٍّ أيضًا.
فهو يبكّت العالم على برٍّ لأنّ يسوع المسيح قد ذهب إلى الآب؛ أي إنّه يبكّت العالم (أي يُقنعه إقناعًا يحمل في ذاته إدانةَ نفسه) ببرّ المسيح الذي شهد له ذهابه إلى الآب. فمجيء الروح القدس هو في ذاته برهانٌ قاطع على أنّ المسيح قد ذهب إلى الآب (أعمال الرسل 2:33)؛ وبهذا يفتح الروح القدس أعيننا لنرى أنّ يسوع المسيح، الذي حكم عليه العالم بأنّه فاعل شرّ، إنّما كان في الحقيقة هو البارّ وحده. فالآب يضع خاتم رضاه وقبوله على سيرته وعلى دعاويه التي ادّعاها لنفسه، إذ يقيمه من الأموات ويرفعه إلى يمينه ويعطيه اسمًا فوق كلّ اسم.
والعالم في جملته في أيّامنا هذه يدّعي أنّه يؤمن ببرّ المسيح، ولكنّه في حقيقة الأمر لا يؤمن ببرّ المسيح البتّة؛ فليس عنده عن برّ المسيح تصوّرٌ كافٍ يفي بحقّه ويبلغ مقداره. فالبرّ الذي ينسبه العالم إلى المسيح ليس هو البرّ الذي ينسبه الله إليه، بل هو برٌّ بشريٌّ مسكين، لعلّه أفضل قليلًا من برّنا نحن. والعالم يحبّ أن يضع أسماء رجالٍ آخرين من الناس يحسبهم هو صالحين إلى جانب اسم يسوع المسيح ويقرنها به. ولكن متى جاء روح الله إلى إنسانٍ أقنعه ببرّ المسيح، وفتح عينيه ليرى يسوع المسيح قائمًا وحده لا نظير له، لا فوق جميع الناس فحسب، بل «فوق كلّ رياسة وسلطان وقوّة وسيادة، وكلّ اسمٍ يسمّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضًا» (أفسس 1:21).
ثالثًا — والروح القدس يبكّت العالم على دينونةٍ أيضًا. والأساس الذي عليه يقوم إقناع الروح القدس للناس بالدينونة إنّما هو تلك الحقيقة، وهي أنّ «رئيس هذا العالم قد دين» (يوحنا 16:11). فلمّا سُمّر يسوع المسيح على الصليب بدا للناظرين كأنّه هو الذي دِين هناك؛ ولكنّ الذي دِين على الصليب في حقيقة الأمر إنّما هو رئيس هذا العالم. وبإقامة يسوع المسيح من الأموات جعل الآب الأمر واضحًا بيّنًا لكلّ الأجيال الآتية: أنّ الصليب لم يكن دينونة المسيح، بل كان دينونة رئيس الظلمة. والروح القدس هو الذي يفتح أعيننا لنرى هذه الحقيقة على ما هي عليه، وبذلك يُقنعنا نحن بالدينونة. وثمّة حاجةٌ عظيمة في أيّامنا هذه إلى أن يقتنع العالم بالدينونة. فالدينونة تعليمٌ قد تراجع إلى الخلف وانزوى في الظلّ، بل كاد يغيب عن الأنظار حتى لا يكاد أحدٌ يراه.
فليس من المستحبّ عند الناس في هذه الأيّام أن يُتكلّم في الدينونة أو في العقاب أو في الجحيم. والذي يشدّد على الدينونة والعقاب الآتي لا يُحسب مواكبًا لعصره، بل يُعدّ «متخلّفًا عن زمانه». ولكن متى فتح الروح القدس أعين الناس على الحقّ آمنوا بالدينونة. وفي أوائل أيّام اختباري المسيحيّ كانت لي صعوباتٌ عظيمة مع تعليم الكتاب المقدس عن الجزاء الآتي. فكنت أعود مرّةً بعد مرّة إلى ما يعلّمه عن العقوبات الأبدية للخطية المُصِرّة، فكان يُخيَّل إليّ أنّي لا أستطيع أن أصدّقه. ومرّةً بعد مرّة كنت أنكفئ راجعًا عن تعاليم يسوع المسيح والرسل الصارمة في هذا الأمر. ولكنّي في ذات ليلةٍ كنت منتظرًا أمام الله لكي أعرف الروح القدس في إعلانٍ أتمّ لحضوره وقوّته.
فأعطاني الله في تلك الليلة ما طلبت؛ ومع هذا الاختبار الأوسع لحضور الروح القدس وقوّته جاء إعلانٌ لمجد يسوع المسيح، مجده غير المحدود، حتى لم تعد لي بعدُ صعوبةٌ في ما قاله الكتاب عن الدينونة الصارمة التي لا نهاية لها، التي ستحلّ بالذين يرفضون ابن الله المجيد هذا رفضًا مُصِرًّا. ومن ذلك الحين، وإن يكن قلبي قد تفطّر مرارًا كثيرة من أجل تعليم الكتاب عن الجزاء الآتي، فما كانت لي معه صعوبةٌ عقلية قطّ. لقد آمنت به. لقد أقنعني الروح القدس بالدينونة.