فصل 15 · قراءة 5 د
الروح القدس يشهد لبنوّتنا
إنّ من أثمن الفصول في الكتاب المقدس كلّه، في كلّ ما يتّصل بعمل الروح القدس، ذلك الذي جاء في رومية 8:15-16، حيث يقول الرسول بولس: «إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ: يا أبا الآب. الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله». فثمّة إذًا شاهدان اثنان يشهدان لبنوّتنا: أوّلهما روحنا نحن، إذ يأخذ الله عند كلمته ويصدّق ما قال («وأمّا كلّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله» — يوحنا 1:12)، فيشهد هو من ثمّ لبنوّتنا.
فروحنا يؤكّد بلا تردّدٍ ولا ارتيابٍ ولا تلعثم أنّ ما يقوله الله حقّ، وأنّنا أولاد الله لأنّ الله نفسه هو الذي يقول ذلك. غير أنّ ثمّة شاهدًا آخر يشهد لبنوّتنا، وهو الروح القدس نفسه. فهو يشهد معًا مع روحنا. وعبارة «معًا مع» هي مؤدّى اللفظ اليونانيّ المستعمل في هذا الفصل. فهو لا يقول إنّه يشهد لروحنا، بل إنّه يشهد «معًا مع» روحنا. وأمّا كيف يصنع الروح ذلك، فيُبيّنه لنا بولس في غلاطية 4:6: «ثمّ بما أنّكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا أبا الآب». فمتى قبلنا يسوع المسيح مخلّصًا لنا، وقبلنا شهادة الله عن المسيح أنّنا به قد صرنا أبناء، جاء روح ابنه إلى قلوبنا فملأها بإحساسٍ غامرٍ بالبنوّة، صارخًا في قلوبنا: «يا أبا الآب».
وليس الوضع الطبيعيّ لقلوبنا نحو الله وضع أبناءٍ ولا شيئًا يشبهه. فقد ندعوه أبًا بشفاهنا وألسنتنا، كما حين نردّد تردادًا شكليًّا تلك الصلاة التي علّمنا إيّاها يسوع: «أبانا الذي في السماوات»، وليس ثمّة في داخلنا إحساسٌ حقيقيّ بأنّه هو أبونا. فدعوتنا إيّاه كذلك ليست إلّا مجرّد كلامٍ لا رُوح فيه ولا حياة. لسنا نثق به ولا نتّكل عليه. ولسنا نحبّ أن نأتي إلى حضرته؛ ولسنا نحبّ أن نتطلّع إلى وجهه بإحساسٍ من الفرح والثقة العجيبين لأنّنا إنّما نكلّم أبانا.
إنّنا نخاف الله ونرهبه. ونأتي إليه بالصلاة لأنّنا نظنّ أنّه ينبغي لنا أن نفعل ذلك، ولعلّنا نخاف ممّا قد يحدث لنا إن نحن لم نفعل. غير أنّه متى شهد روح ابنه معًا مع روحنا لبنوّتنا، امتلأنا واهتززنا وارتعشنا بالإحساس أنّنا أبناءٌ لله. فنثق به حينئذٍ ثقةً لم نثقها قطّ حتى بأبينا الأرضيّ نفسه. بل يكون خوفنا منه أقلّ من ذلك الخوف الذي كنّا نخافه من أبينا الأرضيّ.
ثمّة مهابةٌ، نعم، وثمّة رهبة؛ ولكن آهِ! ما أعجب ذلك الإحساس بثقة الأولاد.
ولاحظ جيّدًا وتأمّل متى يشهد الروح معًا مع أرواحنا بأنّنا أولاد الله. فترتيب الاختبار عندنا هو عينه ترتيب الآيات في الأصحاح الثامن من رومية. فنحن نرى أوّلًا وقبل كلّ شيء الروح القدس يحرّرنا من ناموس الخطيّة والموت، ومن ثمّ يتمّ حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الناموس بل حسب الروح (الآيات 2-4)؛ ثمّ نرى بعد ذلك المؤمن لا يهتمّ بما للجسد بل بما للروح (الآية 5)؛ ثمّ نرى المؤمن بعد ذلك يومًا فيومًا يُميت بقوّة الروح أعمال الجسد (الآية 13)؛ ثمّ نرى المؤمن بعد ذلك كلّه ينقاد بروح الله وينساق طائعًا لقيادته في كلّ شيء؛ وحينئذٍ فقط، ولا قبل ذلك البتّة، نرى الروح نفسه يشهد لنا بأنّنا أبناء.
وكثيرون من الناس يطلبون شهادة الروح لبنوّتهم في غير موضعها الصحيح. فهم يطالبون في واقع الأمر بشهادة الروح لبنوّتهم قبل أن يعترفوا هم أنفسهم بقبولهم للمسيح، ولا شكّ أنّهم يطالبون بها قبل أن يُسلّموا حياتهم تسليمًا تامًّا كاملًا لسلطان روح الله الساكن فيهم. كلّا، بل لنطلب نحن الأمور في ترتيبها الصحيح الذي رتّبها الله فيه. فلنقبل نحن يسوع المسيح مخلّصًا لنا، ولنسلّم له ربًّا وسيّدًا علينا، لأنّ الله هو الذي يأمرنا بذلك؛ ولنعترف به جهارًا أمام العالم لأنّ الله يأمر بذلك أيضًا (متى 10:32-33؛ رومية 10:9-10)؛ ولنؤكّد ونثبّت أنّ خطايانا مغفورة، وأنّ لنا حياةً أبديّة، وأنّنا أبناء الله، لأنّ الله نفسه يقول ذلك في كلمته، ولأنّنا لا نرضى بحالٍ أن نجعل الله كاذبًا بالشكّ فيه وفي قوله (أعمال الرسل 10:43؛ أعمال الرسل 13:38-39؛ 1 يوحنا 5:10-13؛ يوحنا 5:24؛ يوحنا 1:12)؛ ولنسلّم حياتنا كلَّها لسلطان روح الحياة، متطلّعين إليه وحده ليحرّرنا من ناموس الخطيّة والموت؛ ولنجعل اهتمامنا كلَّه لا بما للجسد ولا بما يشتهيه، بل بما للروح؛ ولنُمِت بالروح يومًا فيومًا أعمال الجسد التي فينا؛ ولنُسلّم حياتنا كلَّها لينقادنا روح الله في كلّ شيءٍ من أمورنا صغيرها وكبيرها؛ ثمّ لنثق بالله بعد ذلك ثقةً بسيطةً لا ارتياب فيها أنّه يُرسل روح ابنه إلى قلوبنا فيملأ قلوبنا بإحساس البنوّة، صارخًا فينا: «يا أبا الآب» — وهو فاعلٌ ذلك لا محالة.
إنّ الله أبانا يشتاق أن نعرف نحن وندرك حقّ الإدراك أنّنا أبناؤه. وهو يشتاق أن يسمعنا ندعوه أبًا من قلوبٍ تدرك تمامًا ما تقول، وتثق به ثقةً بلا خوفٍ ولا قلقٍ ولا اضطراب. إنّه أبونا حقًّا وصدقًا، لا بالاسم وحده. وهو وحده في الكون كلّه، دون سائر الخلائق، يدرك ملء المعنى الذي في تلك الكلمة العجيبة: «أب»؛ ويأتيه الفرح كلُّ الفرح أن نُدرك نحن حقيقةً أنّه أبونا، وأن ندعوه نحن بهذا الاسم. كان منذ سنين مضت في ولاية إلينوي أبٌ له طفلةٌ صغيرة وُلدت صمّاء خرساء. وكان ذلك يومًا حزينًا كئيبًا في ذلك البيت حين أدركوا أنّ تلك الطفلة الصغيرة صمّاء لن تسمع صوتًا أبدًا، ولن تنطق بكلمةٍ أبدًا في ظنّهم.
وسمع الأب بمعهدٍ في مدينة جاكسونفيل بولاية إلينوي يُعلَّم فيه الأولاد الصمّ الكلام. فأخذ طفلته الصغيرة إلى ذلك المعهد وسلّمها إلى ناظره ليعتني بها. وبعد أن مكثت هناك زمانًا من الدهر، كتب الناظر إلى الأب يقول له إنّ الأولى به أن يأتي هو بنفسه فيزور طفلته.
وعُيّن يومٌ لتلك الزيارة، وقيل للطفلة إنّ أباها آتٍ إليها. ولمّا دنت تلك الساعة جلست عند النافذة ترقب البوّابة في شوقٍ لتراه يدخل منها. وفي اللحظة التي دخل فيها من البوّابة أبصرته، فانحدرت مسرعةً على الدرج، وجرت خارجةً إلى المرج، ولاقته هناك، وتطلّعت إلى وجهه، ورفعت يديها الصغيرتين إليه وقالت: «بابا». فلمّا سمع ذلك الأب شفتي طفلته الخرساء تنطقان لأوّل مرّةٍ في حياتها، وتصوغان تلك الكلمة الحلوة «بابا»، سرت في قلبه نبضة فرحٍ عظيمة حتى سقط على الأرض وتمرّغ على العشب من فرط الابتهاج الذي غمره. ولكن ثمّة أبٌ آخر يحبّ كما لا يحبّ أبٌ أرضيّ قطّ، وهو يشتاق أن يُدرك أولاده أنّهم أولاده حقًّا؛ فحين نتطلّع نحن إلى وجهه، ومن قلبٍ قد ملأه الروح القدس بإحساس البنوّة ندعوه «يا أبا» (بابا)، «الآب» — فليس ثمّة لغةٌ تستطيع أن تصف فرح الله.