فصل 16 · قراءة 13 د

الروح القدس معلّمًا

قال ربّنا يسوع، في حديثه الأخير مع تلاميذه قبل صلبه، هذا الكلام: «وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم» (يوحنا 14:26). فههنا بين أيدينا عملٌ للروح القدس ذو شعبتين اثنتين: التعليم من جهة، والتذكير بالأمور التي سبق المسيح فعلّمها إيّاهم من جهةٍ أخرى. ونحن آخذون فيهما على الترتيب المعكوس، فنبدأ بالثانية منهما.

أوّلًا: الروح القدس يُحضر إلى الذهن كلام المسيح ويذكّر به.

هذا الوعد إنّما قُطع في المقام الأوّل للرسل أنفسهم، وهو الضمان لصحّة روايتهم لما قاله يسوع؛ غير أنّ الروح القدس يعمل عملًا شبيهًا به مع كلّ مؤمنٍ من المؤمنين ينتظر ذلك منه ويتطلّع إليه ليصنعه له. فالروح القدس يُحضر إلى أذهاننا تعاليم المسيح وكلمته في اللحظة عينها التي نحتاج إليها فيها، سواءٌ لضرورات حياتنا نحن أم لضرورات خدمتنا. وما أكثر الذين يستطيعون منّا أن يحدّثوك عن مواقفَ كانوا فيها في ضيقٍ شديدٍ في نفوسهم، أو في حيرةٍ عظيمةٍ من جهة الواجب الذي عليهم، أو في شدّةٍ بالغةٍ من جهة ما يقولونه لإنسانٍ كانوا يحاولون أن يقودوه إلى المسيح أو أن يعينوه؛ فإذا بالنصّ الذي احتاجوا إليه بعينه يحضر إلى أذهانهم في تلك اللحظة عينها — فصلٌ ربّما لم يفكّروا فيه منذ زمنٍ طويل، بل الأرجح أنّهم لم يفكّروا فيه قطّ في هذا الصدد ولا خطر لهم على بال. فمن الذي صنع هذا؟ إنّما الروح القدس هو الذي صنعه.

وهو مستعدٌّ أن يصنع ذلك أكثر من هذا بكثير، لو أنّنا فقط انتظرنا ذلك منه، وتطلّعنا إليه هو ليصنعه لنا.

وإنّه لامتيازٌ لنا، كلّما جلسنا إلى جانب طالبٍ للحقّ لندلّه على طريق الحياة، أن نتطلّع إلى الروح القدس ونقول له: «ماذا أقول بالضبط لهذا الطالب؟ وأيّ فصلٍ من فصول الكتاب أستعمل معه؟». وإنّ في الأمر لمعنًى عميقًا بالغ الدلالة لا ينبغي أن يفوتنا، وهو أنّ يسوع يقول في العدد الذي يلي هذا الوعد الثمين مباشرةً: «سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم». فإنّما بتذكير الروح إيّانا بكلامه، وبتعليمه إيّانا حقّ الله، ننال نحن هذا السلام ونثبت فيه ونستقرّ. فإن نحن تطلّعنا إلى الروح القدس ليُحضر إلى أذهاننا الكتاب في حين حاجتنا إليه، وليُحضر الفصل الذي نحتاج إليه بعينه دون سواه، كان لنا سلام المسيح حقًّا في كلّ لحظةٍ من لحظات حياتنا.

جاءني في ضيقٍ شديدٍ رجلٌ كان يستعدّ للخدمة المسيحية، فقال لي إنّه لا بدّ له أن يترك استعداده كلَّه ويطرحه، لأنّه لا يقدر أن يحفظ الكتاب. قال: «أنا في الثانية والثلاثين من عمري، وقد قضيتُ في التجارة سنين طوالًا، وقد فقدتُ عادة الدرس، ولستُ أقدر أن أحفظ شيئًا». وكان الرجل يتوق أشدّ التوق إلى أن يكون في خدمة سيّده، والدموع واقفةٌ في عينيه وهو يقول ذلك.

فأجبته: «لا تيأس ولا تخُر عزيمتك. خذ لك وعد ربّك بأنّ الروح القدس سيذكّرك بكلامه؛ تعلَّم فصلًا واحدًا من الكتاب، وثبّته في ذهنك تثبيتًا محكمًا، ثمّ تعلَّم فصلًا آخر، وتطلّع إلى الروح القدس ليذكّرك بها حين تحتاج إليها». فمضى الرجل في استعداده ولم يتركه، ووثق بالروح القدس. ثمّ إنّه بعد ذلك بحينٍ تولّى العمل في حقلٍ صعبٍ جدًّا، حقلٍ كانت تكثر فيه الضلالات على اختلاف ألوانها وصنوفها. وكانوا يحتشدون حوله في الشارع كالنحل، فيأخذ هو كتابه ويثق بالروح القدس أن يذكّره بفصول الكتاب التي يحتاج إليها، فكان الروح يصنع ذلك له. فامتلأ مقاوموه ارتباكًا وحيرةً واضطرابًا، إذ كان يلاقيهم عند كلّ نقطةٍ من النقاط بكلمة الله الأكيدة التي لا تُردّ؛ ورُبح للمسيح كثيرون من أشدّ الناس قساوةً وأبعدهم عنه.

ثانيًا: الروح القدس يعلّمنا كلَّ شيء. وثمّة وعدٌ أصرح من هذا وأوضح في هذا المعنى، بعد أصحاحين من ذلك الموضع، في يوحنا 16:12-14. فههنا يقول يسوع: «إنّ لي أمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمورٍ آتية. ذاك يمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم». وهذا الوعد إنّما قُطع في المقام الأوّل للرسل، غير أنّ الرسل أنفسهم قد طبّقوه على المؤمنين جميعًا (1 يوحنا 2:20-27). فمن امتياز كلّ مؤمنٍ بيسوع المسيح، ولو كان أصغرهم شأنًا وأحقرهم في عينَي نفسه، أن يكون «متعلّمًا من الله».

مستقلًّا عن المعلّمين البشر: «ولا حاجة بكم إلى أن يعلّمكم أحد» (1 يوحنا 2:27).

وليس معنى هذا البتّة، ولا للحظةٍ واحدة، أنّنا لا يجوز لنا أن نتعلّم كثيرًا من غيرنا ممّن يعلّمهم الروح القدس. فلو كان يوحنا يظنّ ذلك لما كتب هذه الرسالة قطّ ليعلّم بها غيره. بل إنّ أشدّ الناس تعلُّمًا من الله هو عينه أشدّهم استعدادًا للإصغاء إلى ما علّمه الله لغيره من الناس. وأبعد من ذلك وأبطل أن يكون معناه أنّنا متى تعلّمنا من الروح صرنا في غنًى عن كلمة الله المكتوبة؛ فإنّ الكلمة هي عينها الموضع الذي يقود الروح — وهو كاتب الكلمة — تلاميذه إليه، وهي الأداة التي يعلّمهم بها ويربّيهم عليها (أفسس 6:17؛ يوحنا 6:33؛ أفسس 5:18-19؛ كولوسي 3:16). ولكنّنا، وإن كنّا نتعلّم كثيرًا من الناس، لسنا متّكلين عليهم البتّة ولا معوَّلين عليهم في شيء.

فلنا نحن معلّمٌ إلهيّ، هو الروح القدس.

ولن نعرف الحقّ معرفةً حقيقيةً البتّة، ولا في يومٍ من الأيّام، حتى يعلّمنا الروح القدس نفسه تعليمًا مباشرًا لا واسطة فيه. فما من قدرٍ من التعليم البشريّ المجرّد، مهما يكن معلّمونا ومهما تكن منزلتهم في العلم، يعطينا قطّ إدراكًا صحيحًا دقيقًا تامًّا للحقّ. بل إنّ درس الكلمة درسًا مجتهدًا دائبًا، سواءٌ في لغتنا نحن أم في اللغات الأصلية التي كُتبت بها، لن يعطينا فهمًا حقيقيًّا للحقّ. فلا بدّ أن يعلّمنا الروح القدس نفسه مباشرةً، ولنا نحن أن نتعلّم منه على هذا النحو، كلُّ واحدٍ منّا على حدةٍ. فالذي يتعلّم منه يفهم حقّ الله فهمًا أفضل، ولو لم يعرف كلمةً واحدةً من اليونانية أو العبرانية، من ذاك الذي يتقن اليونانية والعبرانية وسائر اللغات القريبة منهما إتقانًا تامًّا، ولكنّه غير متعلّمٍ من الروح.

والروح يرشد من يعلّمه هكذا «إلى جميع الحقّ». فمجال حقّ الله كلُّه مبذولٌ لكلّ واحدٍ منّا؛ غير أنّ الروح القدس لا يرشدنا إلى جميع الحقّ في يومٍ واحد، ولا في أسبوعٍ واحد، ولا في سنةٍ واحدة، بل خطوةً بعد خطوة. وقد ذُكر ههنا خطّان خاصّان من خطوط تعليم الروح: (1) «ويخبركم بأمورٍ آتية». يقول كثيرون إنّنا لا نستطيع أن نعرف شيئًا عن المستقبل، وإنّ أفكارنا في ذلك الموضوع كلَّها تخمينٌ ورجمٌ بالغيب. نعم، إنّنا لا نستطيع أن نعرف كلّ شيءٍ عن المستقبل.

فثمّة أمورٌ قد رأى الله أن يستبقيها لنفسه وأن يحتجزها عنّا، أمورٌ سرّيةٌ خفيّةٌ هي له وحده دون سواه (التثنية 29:29). من ذلك أنّنا لسنا نستطيع أن نعرف «الأزمنة والأوقات» التي يرجع فيها ربّنا (أعمال الرسل 1:7)؛ ولكنّ ثمّة أمورًا كثيرةً عن المستقبل سيُعلنها لنا الروح القدس.

(2) «ذاك يمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم». هذا هو خطّ الروح القدس الخاصّ في تعليمه للمؤمن، كما هو خطّه مع غير المؤمن: يسوع المسيح. فمن عمله قبل كلّ شيءٍ آخر أن يُعلن يسوع المسيح وأن يمجّده هو. وتعليمه كلُّه إنّما يدور على المسيح ويرجع إليه. فهو، من هذا الوجه أو من ذاك، إنّما يأتي بنا دائمًا إلى يسوع المسيح. وثمّة من يخافون أن يُبرزوا الحقّ من جهة الروح القدس، مخافة أن يُستهان بالمسيح نفسه ويُوضَع في الظلّ؛ ولكن ما من أحدٍ يعظّم المسيح ويرفع شأنه كما يعظّمه الروح القدس. فلن نفهم المسيح البتّة، ولن نرى شيئًا من مجده، حتى يفسّره لنا الروح القدس ويشرحه. وما من قدرٍ من سماع العظات والمحاضرات، مهما تكن بارعة، ولا من قدرٍ من مجرّد درس الكلمة، يعطينا قطّ أن نرى «ما للمسيح»؛ بل لا بدّ للروح القدس أن يُرينا إيّاه. وهو راغبٌ في ذلك، وقادرٌ عليه، بل هو مشتاقٌ أشدّ الاشتياق إلى صنعه لنا.

إنّ أشدّ رغبات الروح القدس حرارةً وأعمقها في نفسه أن يُعلن يسوع المسيح للناس. ففي يوم الخمسين، لَمّا «امتلأ» بطرس وسائر الجماعة «من الروح القدس»، لم يتكلّموا كثيرًا عن الروح القدس نفسه، بل تكلّموا عن المسيح. فادرس عظة بطرس في ذلك اليوم تجد أنّ يسوع المسيح كان موضوعه الواحد الذي لا موضوع له سواه؛ وكذلك سيكون يسوع المسيح موضوعنا الواحد نحن أيضًا إن كنّا متعلّمين من الروح، وسيملأ يسوع المسيح أفق نظرنا كلَّه من أقصاه إلى أقصاه. فيكون لنا مسيحٌ جديد، مسيحٌ مجيد؛ ويعظم مجد المسيح عندنا حتى نشتاق أن نمضي فنخبر كلَّ إنسانٍ عن هذا المجيد الذي وجدناه. فما أشدّ اختلاف يسوع المسيح عمّا كان عندنا من قبلُ، حين يمجّده الروح، آخذًا ممّا له ومُرينا إيّاه!

ثالثًا: الروح القدس يُعلن لنا أعماق الله المخفيّة عن الإنسان الطبيعيّ، والتي هي عنده جهالةٌ لا طائل تحتها. فنحن نقرأ في 1 كورنثوس 2:9-13: «ما لم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعدّه الله للذين يحبّونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه؛ لأنّ الروح يفحص كلَّ شيءٍ حتى أعماق الله. لأنْ مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلّا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحدٌ إلّا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله، التي نتكلّم بها أيضًا، لا بأقوالٍ تعلّمها حكمةٌ إنسانية، بل بما يعلّمه الروح القدس، قارنين الروحيّات بالروحيّات». وهذا الفصل إنّما يشير في المقام الأوّل إلى الرسل، غير أنّنا لا نستطيع البتّة أن نقصر عمل الروح هذا عليهم وحدهم.

فالروح القدس يُعلن لكلّ مؤمنٍ من المؤمنين أعماق الله وأسراره الخفيّة، أمورًا لم ترها عينُ إنسانٍ من الناس قطّ، ولم تسمعها أذنٌ من الآذان قطّ، ولم تخطر قطّ على بال إنسانٍ من الناس؛ وهي الأمور التي أعدّها الله لأجل الذين يحبّونه. ويظهر ظهورًا بيّنًا من سياق الكلام أنّ هذا لا يشير إلى السماء وحدها، ولا إلى الأمور الآتية في الحياة الأخرى وحدها. فالروح القدس يأخذ أعماق الله التي أعدّها الله لنا، حتى في هذه الحياة الحاضرة التي نحياها الآن، ويُعلنها لنا ويكشفها لأنظارنا.

رابعًا: الروح القدس هو الذي يفسّر لنا إعلانه هو. فهو الذي يمنحنا القوّة على تمييز ما قد علّمه إيّانا، وعلى معرفته، وعلى تقديره حقّ قدره. ففي العدد الذي يلي ما أوردناه آنفًا نقرأ: «ولكنّ الإنسان الطبيعيّ لا يقبل ما لروح الله لأنّه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنّما يُحكم فيه روحيًّا» (1 كورنثوس 2:14). فالروح القدس ليس هو كاتب الإعلان، أي كلمة الله المكتوبة، فحسب، بل هو أيضًا المفسّر لما قد أعلنه هو نفسه. وأيّ كتابٍ عميقٍ يصير أشدّ إمتاعًا وأعظم نفعًا بما لا يُقاس متى كان كاتبه إلى جانبنا يفسّره لنا؛ ومن امتيازنا نحن دائمًا وأبدًا أن يكون كاتب الكتاب المقدس إلى جانبنا ونحن ندرسه.

فالروح القدس هو كاتب الكتاب المقدس، وهو قائمٌ على الدوام مستعدٌّ أن يفسّر معناه لكلّ مؤمنٍ من المؤمنين كلَّما فتح الكتاب بين يديه. فلكي نفهم الكتاب لا بدّ لنا أن نتطلّع إليه هو، فتصير حينئذٍ أشدّ المواضع ظلمةً وأعصاها واضحةً جليّة. وما أكثر ما نحتاج أن نصلّي مع صاحب المزمور قديمًا فنقول: «اكشف عن عينيّ فأرى عجائب من شريعتك» (المزمور 119:18). فلا يكفي أن يكون إعلان الله بين أيدينا في الكلمة المكتوبة لندرسه، بل لا بدّ لنا أيضًا من إنارة الروح القدس الداخلية لتقدرنا على فهمه ونحن ندرسه درسًا.

ومن الأخطاء الشائعة، بل من أشدّها ظهورًا للعيان وأدعاها إلى الانتباه، أن يحاول الإنسان أن يفهم إعلانًا روحيًّا بالفهم الطبيعيّ. وهذه المحاولة الحمقاء هي التي أوقعت كثيرين جدًّا من الناس، وأهوت بهم، في مستنقع ما يُسمّى «النقد الأعلى». فكما أنّ الإنسان، لكي يفهم الفنّ، لا بدّ أن يكون له حسٌّ بالجمال إلى جانب معرفته بالألوان والأصباغ، كذلك الإنسان، لكي يفهم إعلانًا روحيًّا، لا بدّ أن يكون متعلّمًا من الروح. فمجرّد معرفة اللغات التي كُتب بها الكتاب المقدس لا تكفي البتّة ولا تُغني من الأمر شيئًا. وإنّ رجلًا لا ذوق له ليتوقّع أن يقدّر «مادونّا سِستين» حقّ قدرها لمجرّد أنّه ليس أعمى الألوان، كما يتوقّع رجلٌ غير مملوءٍ من الروح أن يفهم الكتاب المقدس لمجرّد أنّه يفهم مفردات اللغات التي كُتب بها ويعرف قوانين نحوها.

وإنّ إقامة رجلٍ ليعلّم الفنّ لمجرّد أنّه قد فهم كيف تُصنع الأصباغ وكيف تُمزج لَشبيهةٌ بذلك كلّ الشبه. فمثلها في الحماقة سواءً بسواء إقامةُ رجلٍ ليعلّم الكتاب المقدس لمجرّد أنّ له فهمًا متينًا لليونانية والعبرانية. ونحن في أيّامنا هذه لا نحتاج أن نعترف بقصور برّنا التامّ وبطلانه أمام الله فحسب — وهو درس الأصحاحات الأولى من الرسالة إلى رومية — بل نحتاج أيضًا أن نعترف بقصور حكمتنا التامّ وبطلانها في أمور الله، وهو درس الرسالة الأولى إلى كورنثوس، ولا سيّما الأصحاحات من الأوّل إلى الثالث منها. (انظر مثلًا 1 كورنثوس 1:19-21 و26 و27.)

وقد كان لليهود قديمًا إعلانٌ بالروح، ولكنّهم أخفقوا في الاتّكال على الروح نفسه ليفسّره لهم، فضلّوا عن الطريق. وكذلك للمسيحيين اليوم إعلانٌ بالروح، وكثيرون منهم يخفقون هم أيضًا في الاتّكال على الروح القدس ليفسّره لهم، فيضلّون كما ضلّ أولئك. إنّ الكنيسة الإنجيلية كلَّها تعترف، من جهة النظر على الأقلّ، بقصور برّ الإنسان التامّ وعدم كفايته. وأمّا الذي تحتاج أن تتعلّمه في هذه الساعة، والذي تحتاج أن تُحمَل على الإحساس به، فهو قصور حكمة الإنسان التامّ. ولعلّ هذا هو الدرس الذي يحتاج هذا القرن العشرون، بكلّ ما فيه من كبرياءٍ عقليٍّ متعاظمٍ مهيب، إلى تعلّمه أشدّ الحاجة وأمسّها. فلكي نفهم كلمة الله لا بدّ لنا أن نُفرغ أنفسنا من حكمتنا إفراغًا تامًّا، وأن نستريح في اتّكالٍ تامٍّ على روح الله ليفسّرها لنا.

ويحسن بنا أن نضع في قلوبنا كلام يسوع نفسه في متى 11:25: «أحمدك أيّها الآب ربّ السماء والأرض، لأنّك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال». وقد تباحث مرّةً عدّةٌ من دارسي الكتاب المقدس في خير مناهج درس الكتاب، فقال رجلٌ منهم كان عالمًا محقّقًا: «أظنّ أنّ خير مناهج درس الكتاب هو منهج الطفل الصغير».

فمتى طرحنا برّنا نحن عنّا طرحًا تامًّا، حينئذٍ وحينئذٍ فقط ننال برّ الله (فيلبي 4:7، 9؛ رومية 10:3). ومتى طرحنا حكمتنا نحن عنّا طرحًا تامًّا، حينئذٍ ننال حكمة الله. يقول الرسول بولس: «لا يخدعنّ أحدٌ نفسه. إن كان أحدٌ يظنّ أنّه حكيمٌ بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلًا لكي يصير حكيمًا» (1 كورنثوس 3:18). ولا بدّ أن يسبق الإفراغُ الملءَ دائمًا، وأن تُسكب الذات خارجًا لكي يُسكب الله في الداخل.

ولا بدّ أن يعلّمنا الروح كلَّ يومٍ لنفهم الكلمة. فلسنا نستطيع أن نتّكل على أنّ الروح قد علّمنا بالأمس. بل كلّما اتّصلنا بالكلمة اتّصالًا جديدًا وجب أن يكون ذلك بقوّة الروح لتلك المناسبة بعينها. ولا يكفي البتّة أنّ الروح القدس قد أنار أذهاننا مرّةً واحدةً لندرك حقًّا من الحقائق؛ بل لا بدّ له أن يفعل ذلك كلّما واجهنا ذلك الفصل. وقد أحسن أندرو موراي إذ قال: «في كلّ مرّةٍ تأتي فيها إلى الكلمة درسًا، أو سماعًا لعظة، أو قراءةً لكتابٍ دينيّ، ينبغي أن يكون هناك، في وضوح اتّصالك بالوسائل الخارجية عينه، ذلك الفعل المحدَّد من إنكار الذات، إذ تنكر حكمتك وتسلّم نفسك بالإيمان للمعلّم الإلهيّ» («روح المسيح»، صفحة 221).

خامسًا: الروح القدس يجعل المؤمن قادرًا على أن يبلّغ غيره بقوّةٍ ذلك الحقَّ الذي قد عُلِّمه إيّاه.

يقول بولس في 1 كورنثوس 2:1-5: «وأنا لَمّا أتيتُ إليكم أيّها الإخوة، أتيتُ ليس بسموّ الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة الله، لأنّي لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلّا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا. وأنا كنتُ عندكم في ضعفٍ وخوفٍ ورعدةٍ كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوّة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوّة الله».

وعلى نحوٍ مشابهٍ من هذا يكتب إلى المؤمنين في 1 تسالونيكي 1:5: «أنّ إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط، بل بالقوّة أيضًا، وبالروح القدس، وبيقينٍ شديد، كما تعرفون أيّ رجالٍ كنّا بينكم من أجلكم». فنحن لا نحتاج إلى الروح القدس ليُعلن الحقّ لرسلٍ وأنبياءَ مختارين في المقام الأوّل فحسب، ولا إلى الروح القدس في المقام الثاني ليفسّر لنا نحن كأفرادٍ الحقَّ الذي أعلنه هكذا فحسب، بل نحتاج إليه في المقام الثالث أيضًا ليجعلنا قادرين على أن نبلّغ غيرنا تبليغًا مؤثّرًا ذلك الحقَّ الذي فسّره هو لنا. فنحن محتاجون إليه على طول الخطّ، من أوّله إلى آخره. وإنّ من أعظم أسباب الإخفاق الحقيقيّ في الخدمة وأشدّها خطرًا وأبعدها أثرًا، حتى حين يكون هناك نجاحٌ في الظاهر — وليس في الخدمة الرسمية وحدها، بل في صور الخدمة كلّها على اختلافها — محاولةَ أن نعلّم «بكلام الحكمة الإنسانية المقنع» (أي بفنون المنطق البشريّ والإقناع والفصاحة) ما قد علّمه لنا الروح القدس. وإنّما المحتاج إليه هو قوّة الروح القدس، «برهان الروح والقوّة».

وثمّة ثلاثة أسبابٍ للإخفاق في الكرازة اليوم. أوّلها أن تُعلَّم رسالةٌ أخرى غير الرسالة التي أعلنها الروح القدس في الكلمة. (فالناس يكرزون بالعلم والفنّ والأدب والفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والاختبار وما إلى ذلك، لا بكلمة الله البسيطة كما هي في كتاب الروح القدس، أي الكتاب المقدس.) وثانيها أن تُدرَس رسالة الكتاب التي علّمها الروح ويُلتمَس إدراكها بالفهم الطبيعيّ، أي بغير إنارة الروح. وما أشيع هذا وما أكثره، حتى في المعاهد التي يُدرَّب فيها الرجال للخدمة، بل حتى في معاهدَ قد تكون سليمة العقيدة كلَّ السلامة. وثالثها أن تُعطى الرسالة التي قد وهبها الروح، أي الكلمة، أي الكتاب المقدس المدروس المفهوم تحت إنارة الروح القدس نفسه، تُعطى لغيرنا من الناس «بكلام الحكمة الإنسانية المقنع»، لا «ببرهان الروح والقوّة». فنحن محتاجون إلى الروح ومتّكلون عليه على طول الخطّ كلِّه. فلا بدّ أن يعلّمنا كيف نتكلّم كما يعلّمنا بماذا نتكلّم؛ ولا بدّ أن يكون هو القوّة كما هو الرسالة.

صفحة 1 / 10 · 13 دقيقة متبقية في الفصل