فصل 14 · قراءة 5 د
الروح القدس يقود المؤمن إلى حياة البنوّة
يكتب الرسول بولس في رومية 8:14: «لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله».
وفي هذه الآية نرى الروح القدس وقد أخذ على عاتقه تدبير حياة المؤمن. فالحياة المسيحية الحقيقية حياةٌ تُقاد قيادةً شخصية، يقودها عند كلّ منعطفٍ من منعطفاتها أقنومٌ إلهيّ. وإنّه لامتيازٌ للمؤمن أن يتحرّر من كلّ همٍّ وقلقٍ وانزعاجٍ من جهة القرارات التي لا بدّ لنا أن نتّخذها عند أيّ منعطفٍ من منعطفات الحياة.
فالروح القدس هو الذي يتولّى عنّا تلك المسؤولية كلّها.
والحياة المسيحية الحقيقية ليست حياةً تحكمها لائحةٌ طويلة من القواعد الموضوعة خارجنا، بل حياةٌ يقودها أقنومٌ حيٌّ حاضرٌ فينا في كلّ حين. وفي هذا الصدد يقول بولس: «إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف». فإنّ الحياة التي تحكمها قواعد خارجة عن الإنسان حياةُ عبودية. فهناك على الدوام خوفٌ من أنّنا لم نضع من القواعد ما فيه الكفاية، وخوفٌ على الدوام من أنّنا في لحظة غفلةٍ قد نكون خالفنا بعض القواعد التي وضعناها بأنفسنا. والحياة التي يحياها كثيرون من المسيحيين حياةُ عبوديةٍ مريعة؛ لأنّهم قد وضعوا على أنفسهم نيرًا أشقّ حملًا من نير الناموس الموسوي القديم، ذلك الناموس الذي قال عنه بطرس ليهود زمانه إنّهم لم يستطيعوا هم ولا آباؤهم أن يحملوه (أعمال الرسل 15:10).
إنّ كثيرين من المسيحيين لديهم قائمة طويلة من القواعد التي سنّوها لأنفسهم؛ فإن هم خالفوا بالمصادفة واحدةً من هذه القواعد التي وضعوها بأيديهم، أو نسوا أن يحفظوا واحدةً منها، امتلأوا في الحال خوفًا مريعًا من أنّهم قد جلبوا على أنفسهم سخط الله (بل هم أحيانًا يتوهّمون أنّهم قد ارتكبوا الخطية التي لا تُغفر). وليست هذه هي المسيحية؛ إنّما هذه هي الناموسية. «إذ لم نأخذ روح العبودية أيضًا للخوف»، بل أخذنا الروح الذي يقيمنا في مقام الأبناء (رومية 8:15).
فلا ينبغي أن تحكم حياتَنا لائحةٌ من القواعد خارجةٌ عنّا، بل روحُ التبنّي المحبّ الساكن فينا. وعلينا أن نصدّق ما تعلّمه كلمة الله من أنّ روح ابن الله يسكن فينا، وأن نسلّم إليه زمام حياتنا تسليمًا مطلقًا، وأن نتطلّع إليه ليقودنا عند كلّ منعطفٍ من منعطفات الحياة. وهو فاعلٌ ذلك إن نحن سلّمنا له فقط ليفعله، ووثقنا به أنّه سيفعله. فإن نحن، في لحظةٍ من لحظات الطيش، مضينا في طريقنا نحن بدل طريقه هو، فلن نمتلئ إحساسًا طاغيًا بالدينونة ولا خوفًا من إلهٍ قد أُغضب، بل نأتي إلى الله بوصفه أبانا، ونعترف بضلالنا عن الطريق، ونؤمن بأنّه يغفر لنا غفرانًا تامًّا لأنّه هو قد قال ذلك (1 يوحنا 1:9)، ثمّ نمضي خفيفي القلب فرحيه لنطيعه ولننقاد بروحه.
وليس معنى أن ننقاد بروح الله البتّة أنّنا سنصنع أمورًا تنهانا كلمة الله المكتوبة عن صنعها. فالروح القدس لا يقود الناس قطّ إلى ما يناقض الكتاب الذي هو نفسه كاتبه. فإن كان ثمّة روحٌ يقودنا إلى أن نصنع أمرًا يناقض تعاليم يسوع أو الرسل الصريحة، فلنا أن نتيقّن أنّ هذا الروح الذي يقودنا ليس هو الروح القدس. وهذه نقطة تحتاج إلى التشديد عليها في أيّامنا هذه، فإنّ غير قليلين يسلّمون أنفسهم لقيادة روحٍ يقولون إنّه الروح القدس، وهو إنّما يقودهم إلى أمورٍ نهت عنها الكلمة نهيًا صريحًا. وعلينا أن نذكر دائمًا أنّ أرواحًا كاذبةً كثيرة وأنبياء كذبةً كثيرين قد خرجوا إلى العالم (1 يوحنا 4:1). وما أكثر الذين يشتدّ حرصهم على أن تقودهم قوّةٌ غير منظورة، حتى إنّهم على استعدادٍ لأن يسلّموا تدبير حياتهم لأيّ تأثيرٍ روحيّ أو شخصٍ غير منظور. وهم بهذا يفتحون حياتهم لتدبير الأرواح الشرّيرة ولتأثيرها المعادي، فتُخرِب حياتهم.
جاءني مرّةً رجلٌ كان يجاهر بدعاوى عظيمة في القداسة، فقال لي إنّ الروح القدس يقوده هو و«امرأةً مسيحيةً لطيفة» كان قد التقاها، إلى التفكير في الزواج. فقلت له مدهوشًا: «كيف؟ إنّ لك امرأةً بالفعل». قال: «نعم، ولكنّك تعلم أنّنا لسنا على وفاق، وأنّنا لم نعش معًا منذ سنين». فأجبتُ: «نعم، أنا أعلم أنّكما لم تعيشا معًا منذ سنين، وقد بحثتُ في الأمر، وأنا أعتقد أنّ اللوم في ذلك واقعٌ في أكثره عند بابك أنت. وعلى كلّ حال، هي امرأتك. وليس لديك ما يحملك على الظنّ بأنّها خانتك، ويسوع المسيح يعلّم أنّك إن تزوّجت بأخرى وهي حيّة فإنّك تزني» (لوقا 16:18). فقال الرجل: «آه، ولكنّ روح الله يقودنا إلى أن نحبّ أحدنا الآخر، وإلى أن نرى أنّه ينبغي لنا أن نتزوّج». فأجبته: «أنت تكذب، وأنت تجدّف».
«فأيّ روحٍ يقودك إلى عصيان تعليم يسوع المسيح الصريح فليس هو روح الله، بل هو روحٌ من أرواح إبليس».
ولعلّ هذه كانت حالةً متطرّفة، غير أنّ الحالات التي هي في جوهرها من هذا القبيل ليست بالنادرة. فكثيرون ممّن يجاهرون بالمسيحية يلتمسون تبرير أنفسهم في صنع أمورٍ نهت عنها الكلمة، بقولهم إنّ روح الله يقودهم إليها. وقد احتججتُ لدى القادة في جماعةٍ مسيحية كان كثيرون في كلّ اجتماعٍ يعلنون فيها أنّهم يتكلّمون بألسنة، على خلافٍ ظاهرٍ لتعليم الروح القدس على لسان الرسول بولس في 1 كورنثوس 14:27-28 (إن كان أحدٌ يتكلّم بلسان، فاثنين اثنين، أو على الأكثر ثلاثةً ثلاثة، وبترتيب، وليترجم واحد. ولكن إن لم يكن مترجم فليصمت في الكنيسة، وليكلّم نفسه والله). فكان دفاعهم أنّ الروح القدس هو الذي قادهم إلى أن يتكلّم عدّةٌ منهم في وقتٍ واحد، وأن يتكلّم كثيرون في اجتماعٍ واحد، وأنّه لا بدّ لهم أن يطيعوا الروح القدس، وأنّهم في حالةٍ كهذه ليسوا خاضعين للكلمة.
إنّ الروح القدس لا يناقض نفسه قطّ. وهو لا يقود الفرد قطّ إلى أن يصنع ما قد أوصانا جميعًا في الكلمة المكتوبة ألّا نصنعه. فكلّ قيادةٍ للروح لا بدّ أن تُمتحن بما نعلم أنّه قيادة الروح في الكلمة. ومع أنّه لا بدّ لنا أن نكون على حذرٍ من قيادة الأرواح الكاذبة، فإنّه لامتيازٌ لنا أن ينقادنا الروح القدس، وأن نحيا حياةً حرّةً من عبودية القواعد ومن القلق من أن نضلّ الطريق، حياةَ أولادٍ قد أرسل لهم أبوهم دليلًا لا يخطئ ليقودهم الطريق كلّه.
والذين ينقادون هكذا بروح الله هم «أبناء الله»؛ أي إنّهم ليسوا مجرّد أولادٍ لله، مولودين حقًّا من الآب ولكن غير بالغين، بل هم الأولاد الراشدون، أولاد الله البالغون؛ فلم يعودوا أطفالًا بل صاروا أبناء. ويعقد الرسول بولس في غلاطية 4:1-7 مقابلةً بين الطفل القاصر الذي هو تحت هداية الناموس ولا يفرق شيئًا عن العبد، وبين الابن البالغ الذي لم يعد عبدًا بل ابنًا يسلك في حرّيةٍ مفرحة. وقد يبدو أحيانًا أنّ قليلين نسبيًّا من المسيحيين اليوم قد طرحوا عنهم عبودية الناموس، عبودية القواعد الخارجة عنهم، ودخلوا إلى حرّية الأبناء المفرحة.