فصل 13 · قراءة 4 د

الروح القدس يُنبت في المؤمن فضائل الخلق الشبيهة بالمسيح

ثمّة سحرٌ فريد يعسر على الإنسان أن يفسّره في كلمات بولس التي في غلاطية 5:22-23: «وأمّا ثمر الروح فهو: محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفّف. ضدّ أمثال هذه ليس ناموس». فما أجملها وما أبهاها قائمةً من الخصال الأدبيّة البهيّة! يقول لنا بولس إنّها ثمر الروح؛ أي إنّ الروح القدس، متى سُلّم إليه زمام حياتنا، فهذا هو الثمر الذي يُثمره فيها. فكلّ جمالٍ حقيقيّ في الخلق، وكلّ شبهٍ حقيقيّ بالمسيح يظهر فينا، إنّما هو عمل الروح القدس وحده لا سواه؛ هو ثمره، وهو الذي يُنتجه ويحمله، لا نحن.

ويحسن بنا أن نلاحظ أنّ هذه الفضائل لم تُدعَ ثمار الروح بل ثمره؛ أي إنّ الروح، متى سُلّم إليه زمام حياتنا، لا يُثمر واحدةً منها في إنسانٍ وأخرى في إنسانٍ آخر، بل يكون هذا هو الثمر الواحد ذا الطعوم الكثيرة الذي يُنتجه في كلّ واحدٍ منهم. وثمّة أيضًا وحدةٌ في الأصل تجري في هذا التعدّد الظاهر في المظاهر. إنّها حياةٌ جميلة تلك التي ترسمها هذه الآيات. وكلّ كلمةٍ من كلماتها جديرةٌ بالدرس الجادّ والتأمّل العميق الطويل. فتأمّل معي هذه الكلمات واحدةً واحدة: «فرح»، «سلام»، «طول أناة»، «لطف»، «صلاح»، «إيمان». وترجمة «إيمان» أفضل من «أمانة» إن هي فُهمت فهمًا صحيحًا، فالكلمة أعمق في معناها من الأمانة.

إنّه إيمانٌ حقيقيّ هو الذي يُثمر الأمانة. ثمّ «وداعة»، و«تعفّف» (أي حياةٌ تحت ضبطٍ كاملٍ تامّ بقوّة الروح القدس). فههنا أمامنا صورةٌ كاملة تامّة لحياة يسوع المسيح نفسه. أوليست هذه هي الحياة التي نشتاق إليها نحن جميعًا، الحياة الشبيهة بالمسيح؟ غير أنّ هذه الحياة ليست طبيعيّةً لنا، ولا نحن بالغوها بجهدٍ من عندنا نحن ولا بقوّةٍ فينا.

وأمّا الحياة الطبيعيّة لنا فمرسومةٌ في الآيات الثلاث السابقة لها: «وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي: زنًى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزّب، شقاق، بدعة، حسد، سكر، بطر، وأمثال هذه» (غلاطية 5:21). وليست أعمال الجسد هذه كلّها تظهر في كلّ فردٍ من الناس؛ فبعضها يظهر في واحدٍ وبعضها في آخر، غير أنّ لها كلّها منبعًا واحدًا بعينه هو الجسد. فإن نحن حيينا في الجسد فهذا هو ضرب الحياة الذي نحياه.

إنّها الحياة الطبيعيّة لنا نحن. ولكن متى سُلّم إلى الروح الساكن فينا زمام ذاك الذي يسكن هو فيه تسليمًا تامًّا كاملًا، ومتى أُتي بنا إلى إدراك رداءة الجسد المطلقة، ويئسنا يأسًا لا رجاء فيه من بلوغ شيءٍ البتّة بقوّته، أي متى بلغنا نهاية أنفسنا، وأسلمنا كلَّ العمل في جعلنا ما ينبغي أن نكون إلى الروح القدس الساكن فينا — حينئذٍ، ولا قبل ذلك، تكون فضائل الخلق المقدّسة هذه، المرسومة في غلاطية 5:22-23، ثمره هو في حياتنا. أفتشتهي هذه الفضائل في خلقك وفي حياتك؟ إذًا فاجحد ذاتك جحودًا تامًّا، واجحد كلّ جهادها في طلب القداسة، واطّرح عنك كلّ فكرٍ بأنّك تستطيع أن تبلغ بقوّتك شيئًا من الجمال الأدبيّ، ثمّ دع الروح القدس الساكن فيك من قبلُ (إن كنت ولدًا لله) يأخذ الزمام كلّه بين يديه، ويحمل ثمره المجيد في حياتك اليوميّة.

ونحن نحصل على الفكرة عينها من وجهةٍ أخرى في غلاطية 2:20: «مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد، فإنّما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبّني وأسلم نفسه لأجلي». وإنّنا نسمع في هذه الأيّام كلامًا كثيرًا عمّا يُسمّى «التهذيب الأدبيّ»، وهو في الأغلب الأعمّ إنّما يعني تنمية الجسد وتعهّده حتى يحمل هو نفسه ثمر الروح. وهذا أمرٌ مستحيلٌ لا سبيل إليه، كما يستحيل أن يُجتنى من الشوك تينٌ أو أن يُقطف من العلّيق عنب (لوقا 6:44، متى 12:33).

ونسمع أيضًا كلامًا كثيرًا عن «بناء الخلق». وذلك حسنٌ إن أنت أبقيت في ذهنك أنّ الروح القدس هو الذي يجب أن يبني، وأنّ الأمر حتى حينئذٍ ليس بناءً بمقدار ما هو إثمار. (على أنّه انظر 2 بطرس 1:5-7.) ونسمع أيضًا كلامًا كثيرًا عن «إنماء فضائل الخلق»، غير أنّه يجب علينا أن نُبقي في أذهاننا بجلاءٍ أنّ سبيل إنماء فضائل الخلق الحقيقيّة إنّما هو أن نُسلّم أنفسنا تسليمًا تامًّا للروح ليعمل هو عمله ويحمل ثمره. وهذا هو «تقديس الروح» (1 بطرس 1:2، 1 تسالونيكي 2:13).

على أنّ ثمّة معنًى يكون فيه إنماء فضائل الخلق أمرًا صحيحًا سليمًا: فنحن ننظر إلى يسوع المسيح لنرى ما هو، وما ينبغي لنا نحن إذًا أن نكون؛ ثمّ نتطلّع إلى الروح القدس ليجعلنا هذا الذي ينبغي أن نكونه، وهكذا يتمّ فينا القول: «ونحن جميعًا ناظرين مجد الربّ بوجهٍ مكشوف، كما في مرآة، نتغيّر إلى تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجد، كما من الربّ الروح» (2 كورنثوس 3:18). على أنّه ليتقرّر عندك تقريرًا واضحًا نهائيًّا لا رجعة فيه أنّ الجسد لا يستطيع أن يحمل هذا الثمر أبدًا، وأنّك لن تبلغ هذه الأمور بجهدك أنت في يومٍ من الأيّام، وأنّها إنّما هي «ثمر الروح».

صفحة 1 / 3 · 4 دقيقة متبقية في الفصل