فصل 12 · قراءة 6 د

الروح القدس يُصوّر المسيح في داخلنا

إنّها لصلاةٌ عجيبةٌ بالغة العمق في معناها تلك التي رفعها بولس الرسول في أفسس 3:16-19 لأجل المؤمنين الذين في أفسس، بل ولأجل كلّ مؤمنٍ يقرأ هذه الرسالة إلى آخر الدهر. وهذه هي الكلمات التي يكتبها بولس في تلك الصلاة، فليقرأها القارئ على مهل: «بسبب هذا أحني ركبتيّ لدى أبي ربّنا يسوع المسيح، الذي منه تُسمّى كلّ عشيرةٍ في السماوات وعلى الأرض، لكي يعطيكم بحسب غنى مجده، أن تتأيّدوا بالقوّة بروحه في الإنسان الباطن، ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبّة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القدّيسين، ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ، وتعرفوا محبّة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كلّ ملء الله».

وههنا تقدّمٌ في الفكر على ذلك الذي كنّا ندرسه للتوّ في الفصل السابق. فهذا الذي أمامنا الآن إنّما هو إتمام ذلك العمل الأوّل وبلوغه غايته الأخيرة وكماله. فههنا تُظهر قوّة الروح نفسها وتتجلّى، لا في منحنا الظفر على الخطيّة فحسب، بل في أربعة أمورٍ أخرى سواه: أوّلًا — في حلول المسيح في قلوبنا. والكلمة المترجَمة «يحلّ» في هذا الفصل كلمةٌ قويّة جدًّا، ومعناها في أصلها الحرفيّ: «أن يسكن نازلًا»، «أن يستقرّ»، «أن يسكن في العمق». فمن عمل الروح القدس أن يُصوّر المسيح الحيّ في داخلنا، ساكنًا في أعمق أعماق كياننا. وقد رأينا من قبلُ أنّ هذا كان جزءًا من معنى الاسم الذي يُطلق أحيانًا على الروح القدس، أي «روح المسيح». ففي المسيح على صليب الجلجثة، إذ صار ذبيحة كفّارةٍ عن الخطيّة، حاملًا عنّا لعنة الناموس المنكسر، قائمًا في مكاننا نحن، لنا المسيح لأجلنا. وأمّا بقوّة الروح القدس الذي وهبه لنا المسيح القائم من الأموات، فلنا المسيح فينا. وههنا يكمن سرّ الحياة الشبيهة بالمسيح.

إنّنا نسمع في هذه الأيّام كلامًا كثيرًا عن أن نفعل نحن ما كان يسوع يفعله. ولا شكّ أنّه ينبغي لنا نحن المسيحيّين أن نحيا كالمسيح. «من قال إنّه ثابتٌ فيه ينبغي أنّه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا» (1 يوحنا 2:6). غير أنّ كلّ محاولةٍ منّا أن نقتدي بالمسيح بقوّتنا نحن لن تنتهي إلّا إلى خيبةٍ تامّةٍ ويأسٍ مطبق. وليس شيءٌ أعقم ممّا نستطيع أن نحاوله من أن نقتدي بالمسيح بقدرة إرادتنا وحدها. وإن نحن توهّمنا أنّنا قد نجحنا، فما ذلك إلّا لأنّ معرفتنا بالمسيح ناقصةٌ كلَّ النقص. فكلّما درسناه درسًا أعمق، وكلّما فهمنا سيرته وسلوكه فهمًا أتمّ، رأينا أوضح فأوضح كم قصّرنا وبَعُدنا عن الاقتداء به. ولكنّ الله لا يطلب منّا المستحيل؛ وهو لا يطلب منّا البتّة أن نقتدي بالمسيح بقوّتنا نحن. بل يعرض علينا ما هو أفضل من ذلك بما لا يُقاس. يعرض علينا أن يُصوّر هو المسيح فينا بقوّة روحه القدّوس.

ومتى صُوّر المسيح فينا هكذا بقوّة الروح القدس، فليس علينا بعد ذلك إلّا أن ندع هذا المسيح الساكن فينا يحيا حياته الخاصّة فينا وبنا، فنكون حينئذٍ شبيهين بالمسيح من غير جهادٍ ولا كدٍّ ولا تعبٍ منّا نحن. وقفت امرأةٌ ذات صباح، وكانت لها معرفةٌ عميقة بالكلمة واختبارٌ نادر لما في المسيح من ملءٍ وغنى، أمام جماعةٍ من خدّام الكلمة وهم يُثقلون عليها بالأسئلة ويُلحّون. فسألها أحدهم: «أتعنين، يا سيّدة هـ.، أنّك قدّيسة؟» فأجابت تلك السيّدة المختارة سريعًا، ولكن في وداعةٍ ولطفٍ بالغين: «المسيح فيّ قدّوس». كلّا، لسنا نحن في ذواتنا قدّيسين. فنحن إلى آخر الشوط، من جهة أنفسنا ومن ذواتنا، مملوءون ضعفًا وإخفاقًا؛ ولكنّ الروح القدس يستطيع أن يُصوّر في داخلنا قدّوس الله، المسيح الساكن فينا، وهو حينئذٍ يحيا حياته الخاصّة من خلالنا في أوضع علاقات الحياة وأصغرها كما يحياها في تلك التي تُحسب في أعين الناس أعظمها شأنًا. فهو يحيا حياته من خلال الأمّ في بيتها، ومن خلال الأجير الذي يكدح في المنجم، ومن خلال التاجر في مكتبه، وفي كلّ مكانٍ وكلّ موضع.

ثانيًا — في تأصّلنا وتأسّسنا في المحبّة (الآية 17). ويُكثر بولس ههنا من الصور ويُضاعفها. فالصورة الأولى من هذه الصور مأخوذةٌ من الشجرة تُرسل جذورها نازلةً عميقًا في باطن الأرض فتتشبّث بها تشبّثًا وثيقًا لا تزحزحه ريحٌ عاصفة. وأمّا الصورة الثانية فمأخوذةٌ من بناءٍ عظيمٍ قد أُسّست قواعده عميقًا في الأرض على الصخر الأصمّ. فبولس إذًا يقول لنا إنّنا، متى قوّانا الروح في الإنسان الباطن، نُرسل نحن جذور حياتنا نازلةً عميقًا في تربة المحبّة الخصبة، وإنّ أساسات بنيان أخلاقنا وطباعنا أيضًا إنّما هي مبنيّةٌ على صخرة المحبّة. فالمحبّة هي مجموع القداسة كلّها، وهي تكميل الناموس (رومية 13:10)؛ والمحبّة هي أشدّ ما نحتاج إليه نحن جميعًا في علاقاتنا بالله، وبيسوع المسيح، وبعضنا ببعض؛ ومن عمل الروح القدس وحده أن يؤصّل حياتنا في المحبّة ويؤسّسها عليها.

وثمّة أوثق صلةٍ وأعمقها بين تصوير المسيح في داخلنا، أو إحلاله في قلوبنا، وبين تأصّلنا وتأسّسنا في المحبّة؛ ذلك بأنّ يسوع المسيح نفسه هو التجسيد الكامل التامّ للمحبّة الإلهيّة.

ثالثًا — في تقويتنا لندرك مع جميع القدّيسين ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ، ولنعرف محبّة المسيح الفائقة المعرفة. فلا يكفي أن نحبّ نحن ونحمل المحبّة في قلوبنا؛ بل يجب علينا أن نعرف محبّة المسيح، وهي محبّةٌ تفوق كلّ معرفةٍ وتعلو عليها. إنّها من العرض والطول والعمق والعلوّ بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يحيط بها ولا أن يبلغ غورها. غير أنّنا نستطيع أن «ندركها»، أن نقبض عليها ونجعلها لنا؛ نستطيع أن نضعها أمامنا موضوعًا لتأمّلنا وعجبنا وفرحنا. ولكنّنا لا ندركها هكذا ولا نقبض عليها إلّا بقوّة الروح القدس وحدها. فالذهن البشريّ لا يقوى على إدراكها بقوّته الطبيعيّة التي وُلد بها. وقد يتكلّم إنسانٌ لم يعلّمه روح الله ولم يقوّه عن محبّة المسيح، وينظم فيها الشعر، ويهتاج لها حماسةً — وما ذلك كلّه إلّا كلام. وليس ثمّة إدراكٌ حقيقيّ البتّة. وأمّا روح الله وحده فهو الذي يقوّينا لندركها إدراكًا حقيقيًّا في كلّ عرضها وطولها وعمقها وعلوّها.

ورابعًا — في امتلائنا نحن «إلى كلّ ملء الله». وثمّة ههنا فرقٌ بالغ الأهميّة بين الترجمة المعتمدة والترجمة المنقّحة. فالترجمة المعتمدة تقرأ هكذا: «ممتلئين بكلّ ملء الله».

وأمّا الترجمة المنقّحة فتقرأ العبارة على وجهٍ أدقّ وأضبط، هكذا: «لكي تمتلئوا إلى كلّ ملء الله». ولا عجب في أن يكون مترجمو الترجمة المعتمدة قد تهيّبوا ما قاله بولس ووقفوا عنده، فسعوا إلى تخفيف وقع كلماته وتليين حدّتها. فأن نمتلئ بكلّ ملء الله ليس في ذاته بالأمر العجيب جدًّا، لأنّه من اليسير على أيّ إنسانٍ أن يملأ كوبًا صغيرًا بكلّ ملء المحيط: غرفةٌ واحدة منه تكفي لذلك وتزيد. وأمّا أن يُملأ كوبٌ صغير إلى كلّ ملء المحيط، حتى يكون كلّ الملء الذي في المحيط كائنًا في ذلك الكوب الصغير، فأمرٌ مستحيلٌ حقًّا لا سبيل إليه.

غير أنّ ما يتعهّد الروح القدس أن يصنعه لنا نحن يبدو في الظاهر أشدّ استحالةً من ذلك كلّه: أن يملأنا «إلى كلّ ملء» الله غير المحدود، أن يملأنا حتى يكون فينا نحن كلّ الملء العقليّ والأدبيّ الذي في الله. ولكنّ هذا بعينه هو مصير المؤمن ونصيبه المرسوم له؛ فنحن «ورثة الله ووارثون مع المسيح» (رومية 8:17)، أي إنّنا ورثة الله بالمقدار عينه الذي به يسوع المسيح وارثٌ لله؛ أي إنّنا ورثةٌ لكلّ ما الله هو في ذاته، ولكلّ ما لله ممّا في يده. فمن عمل الروح القدس أن يُطبّق علينا في الاختبار ما هو لنا من قبلُ في المسيح. ومن عمله أن يجعل لنا حقيقةً واقعةً كلَّ ما لله وكلَّ ما الله هو، حتى يتمّ ذلك العمل ويكمل بامتلائنا «إلى كلّ ملء الله». وليس هذا العمل عمل لحظةٍ واحدة، ولا عمل يومٍ ولا أسبوعٍ ولا شهرٍ ولا سنة؛ بل الروح القدس يضع يده، إن صحّ لنا هذا التعبير، يومًا فيومًا في ملء الله، فينقل إلينا ما أخذه منه ويضعه فينا، ثمّ يعود مرّةً أخرى فيضع يده في ذلك الملء الذي في الله، فينقل إلينا ما أخذه منه ويضعه فينا؛ ويمضي هذا العمل العجيب على هذا النحو يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر، وسنةً بعد سنة، ولا ينتهي أبدًا ولا يقف حتى نمتلئ نحن «إلى كلّ ملء الله».

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل