سُكنى السيد
المسيح حياتنا

فصل 6 · قراءة 13 د

المسيح حياتنا

كولوسي 3:4.—المسيح الذي هو حياتكم.

ثمة سؤال يخطر في كل ذهن: «كيف أستطيع أن أحيا حياة الثقة الكاملة بالله؟» كثيرون لا يعرفون الجواب الصحيح أو الجواب الكامل، وهو هذا: «لا بد أن يحياها المسيح فيّ». لهذا صار إنسانًا: ليحيا بوصفه إنسانًا حياة الثقة بالله، فيرينا كيف ينبغي لنا أن نحيا. ولما أتمّ ذلك على الأرض صعد إلى السماء، لكي يفعل أكثر من أن يرينا: لكي يعطينا تلك الحياة، حياة الثقة، ويحياها فينا. وبقدر ما نفهم ما هي حياة المسيح وكيف تصير حياتنا، نصير مهيَّئين لأن نشتهي ونطلب منه أن يحياها هو نفسه فينا. فإذا رأينا أولًا ما هي الحياة، فهمنا كيف يستطيع حقًّا أن يمتلكنا ويجعلنا مثله. وأودّ خاصةً أن أوجّه الانتباه إلى ذلك السؤال الأول. أريد أن أضع أمامكم حياة المسيح كما عاشها، حتى نفهم ما الذي أعدّه لنا وما الذي يمكننا أن ننتظره منه.

عاش المسيح يسوع على الأرض حياةً ينتظر منا أن نقتدي بها. كثيرًا ما نقول إننا نشتاق أن نكون مثل المسيح. ندرس سمات شخصيته، ونتتبّع خطواته، ونصلي طالبين النعمة لنكون مثله، ومع ذلك لا ننجح إلا قليلًا جدًّا. ولماذا؟ لأننا نريد أن نقطف الثمر والجذر غائب. فإن أردنا حقًّا أن نفهم معنى الاقتداء بالمسيح، فعلينا أن نذهب إلى ما كان أصل حياته ذاته أمام الله. لقد كانت حياة اتكال مطلق، وثقة مطلقة، وتسليم مطلق؛ وما لم نصر واحدًا معه في ما هو مبدأ حياته، فباطلٌ أن نسعى هنا وهناك إلى نسخ فضائل تلك الحياة.

نجد في قصة الإنجيل خمس نقاط عظيمة ذات أهمية خاصة: الميلاد، والحياة على الأرض، والموت، والقيامة، والصعود. وفي هذه نجد ما سمّاه كاتب قديم «مسيرة يسوع المسيح»؛ المسيرة التي بها صار ما هو عليه اليوم: ملكنا الممجَّد وحياتنا. وفي كل مسيرة الحياة هذه ينبغي أن نصير مثله. انظر إلى الأولى: ماذا نقول عن ميلاده؟ هذا: قد نال حياته من الله. وماذا عن حياته على الأرض؟ عاش تلك الحياة متّكلًا على الله. وعن موته؟ بذل حياته لله. وعن قيامته؟ أقامه الله من الأموات. وعن صعوده؟ يحيا حياته في المجد مع الله.

أولًا، نال حياته من الله. ولماذا يهمّنا أن ننظر إلى ذلك؟ لأن المسيح يسوع وجد فيه نقطة انطلاق حياته كلها. لقد قال: «أَرْسَلَنِي ٱلْآبُ»؛ «اَلْآبُ يُحِبُّ ٱلِٱبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ»؛ «كَمَا أَنَّ ٱلْآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذَلِكَ أَعْطَى ٱلِٱبْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ» (يوحنا 5:26). نال المسيح هذه الحياة حياةً له، كما أن لله حياة في ذاته. ومع ذلك كانت طوال الوقت حياة معطاة ومقبولة. «لأن الآب القدير قد أعطاني هذه الحياة، أنا ابن الإنسان على الأرض، أستطيع أن أعتمد على الله ليحفظها ويجتاز بي في كل شيء». وهذا هو الدرس الأول الذي نحتاج إليه. نحتاج أن نتأمل فيه كثيرًا، وأن نصلي ونفكر وننتظر أمام الله حتى تنفتح قلوبنا على الإدراك العجيب أن الله الأزلي قد وضع فينا حياة إلهية لا يمكن أن توجد إلا به. إني أؤمن أن الله قد أعطى حياته المتأصلة فيه، وأشعر أنه هو من يجب أن يحفظها.

كثيرًا ما نظن أن الله أعطانا حياة صارت الآن ملكنا، حياة روحية علينا أن نتولّى أمرها؛ ثم نشكو أننا لا نستطيع أن نحفظها مستقيمة. ولا عجب. علينا أن نتعلم كيف نحيا، أن نتعلم أن نحيا كما عاش يسوع. لي كنز من الله في هذا الإناء الخزفي. لي إنارة معرفة مجد الله في وجه المسيح. لي حياة ابن الله في داخلي، الحياة التي أعطاني إياها الله نفسه، ولا يمكن أن يحفظها إلا الله نفسه، وأنا أحيا في شركة معه.

ماذا يعلّمنا الرسول بولس في رومية 6، حيث قال لتوّه إن علينا أن نحسب أنفسنا أمواتًا عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع؟ إنه يتابع في الحال قائلًا: «قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ لِلهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ» (رومية 6:13). كم مرة يسمع المسيحي كلامًا مهيبًا عن كونه حيًّا لله، وعن أن عليه أن يحسب نفسه ميتًا حقًّا عن الخطية وحيًّا لله في المسيح! فلا يدري ماذا يفعل، ويأخذ في الحال يتلفّت حائرًا: «كيف أحفظه، هذا الموت وهذه الحياة؟» اسمع ما يقوله بولس. في اللحظة التي تحسب فيها نفسك ميتًا عن الخطية وحيًّا لله، اذهب بتلك الحياة إلى الله نفسه، وقدّم نفسك كحيّ من الأموات، وقل لله: «يا رب، أنت أعطيتني هذه الحياة. أنت وحدك تستطيع أن تحفظها. إني أحضرها إليك. لا أستطيع أن أفهمها كلها، ولا أكاد أعرف ما الذي نلته، لكني آتي إلى الله ليكمّل ما قد بدأه». ولكي أحيا مثل المسيح، ينبغي أن أعي في كل لحظة أن حياتي قد جاءت من الله، وأنه وحده يستطيع أن يحفظها.

ثم ثانيًا، كيف عاش المسيح حياته خلال السنوات الثلاث والثلاثين التي سار فيها هنا على الأرض؟ عاشها متّكلًا على الله. أنتم تعرفون كم كان يقول باستمرار: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ ٱلِٱبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلَّا مَا يَنْظُرُ ٱلْآبَ يَعْمَلُ» (يوحنا 5:19). كان ينتظر بلا انقطاع تعليم الآب ووصاياه وإرشاده. وكان يصلي طالبًا القوة من الآب. وكل ما عمله، عمله باسم الآب. هو، ابن الله، شعر بالحاجة إلى صلاة كثيرة، إلى صلاة مثابرة، ليستنزل من السماء حياة الشركة مع الله ويحفظها بالصلاة.

نسمع كثيرًا عن الثقة بالله. وما أعظم بركتها! وقد نقول: «آه، هذا ما أريده»، وننسى ما هو سرّ الأمر كله: أن الله، في المسيح، لا بد أن يعمل كل شيء فينا. لا أحتاج إلى الله موضوعًا لثقتي فحسب، بل لا بد أن يكون المسيح في داخلي قوةً للثقة؛ لا بد أن يحيا فيّ حياته هو، حياة الثقة.

تذكّر قصة الشوكة في الجسد في كورنثوس الثانية 12، وتأمل في معناها. كان في خطر أن يرتفع، فجاء السيد المبارك ليذلّله ويعلّمه. إن كنا سندخل راحة الإيمان ونثبت فيها، وإن كنا سنحيا حياة النصرة في أرض كنعان، فلا بد أن يبدأ الأمر من هنا.

لا بد أن نُكسَر فتنهار فينا كل ثقة بالذات، ونتعلم مثل المسيح أن نتّكل على الله اتكالًا مطلقًا وبلا انقطاع. وفي هذا عمل أعظم مما نظن على الأرجح. لا بد أن نُكسَر، ولا بد أن تكون عادة نفوسنا الدائمة: «أنا لا شيء؛ الله هو الكل. لا أستطيع أن أسلك أمام الله كما ينبغي ساعةً واحدة ما لم يحفظ الله الحياة التي أعطاني إياها».

ما أعظم الحلّ المبارك الذي يقدّمه الله لكل أسئلتنا وصعوباتنا حين يقول: «يا ابني، لقد اجتاز المسيح كل ذلك لأجلك. لقد كوّن المسيح طبيعة جديدة تستطيع أن تثق بالله، والمسيح الحيّ في السماء سيحيا فيك ويمكّنك أن تحيا تلك الحياة، حياة الثقة». لهذا قال بولس: «لَنَا ثِقَةٌ مِثْلُ هَذِهِ بِٱلْمَسِيحِ لَدَى ٱللهِ» (كورنثوس الثانية 3:4). ماذا يعني ذلك؟ أيعني فقط «بالمسيح» بوصفه الوسيط أو الشفيع؟ كلا حقًّا. إنه يعني أكثر من ذلك بكثير: بالمسيح الحيّ فينا، الذي يمكّننا أن نثق بالله كما وثق هو به.

ثم يأتي، ثالثًا، موت المسيح. ماذا يعلّمنا عن علاقة المسيح بالآب؟ إنه يكشف لنا واحدًا من أعمق دروس حياة المسيح وأكثرها مهابة، درسًا لا تفهمه كنيسة المسيح إلا قليلًا جدًّا. نحن نعرف ما يعنيه موت المسيح كفّارةً، ولا يمكننا أبدًا أن نبالغ في التشديد على تلك النيابة المباركة وذلك الدم المسفوك اللذين بهما تمّ لنا الفداء. ولكن لنذكر أن هذا ليس إلا نصف معنى موته.

أما النصف الآخر فهو هذا: بقدر ما كان المسيح بديلي الذي مات عني، بقدر ذلك تمامًا هو رأسي الذي فيه ومعه أموت أنا؛ وكما أنه يحيا لأجلي ليشفع فيّ، هكذا يحيا فيّ ليتمّم حياته ويكمّلها. وإن أردت أن أعرف ما هي تلك الحياة التي سيحياها فيّ، فعليّ أن أنظر إلى موته.

لقد برهن بموته أنه لم يملك الحياة إلا ليمسكها وينفقها لله. إلى أقصى حدّ، ومن غير أن يستثني لحظةً واحدة ولو ظلَّ استثناء، عاش لله؛ في كل لحظة وفي كل مكان لم يمسك الحياة إلا لإلهه. وهكذا، إن أراد أحد أن يحيا حياة الثقة الكاملة، فلا بد من التسليم الكامل لحياته ولإرادته، حتى الموت نفسه. لا بد أن يكون مستعدًّا أن يمضي مع يسوع إلى أبعد مدى، حتى إلى الجلجثة.

في الثانية عشرة من عمره قال يسوع (لوقا 2:49): «أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي؟»

وقال أيضًا حين جاء إلى الأردن ليعتمد: «يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ» (متى 3:15).

وطوال حياته قال: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يوحنا 4:34)، «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ». وفي نزاع جثسيماني كانت كلماته: «لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ» (لوقا 22:42). يقول أحدهم: «إني أرغب حقًّا في أن أحيا حياة الثقة الكاملة؛ أرغب في أن أدع المسيح يحياها فيّ؛ أشتاق أن أبلغ إدراكًا للمسيح يعطيني اليقين أن المسيح سيثبت فيّ إلى الأبد؛ أريد أن أبلغ الثقة الكاملة أن المسيح، يشوعي، سيحفظني في أرض النصرة». ما الذي يلزم لذلك؟ جوابي: «احذر أن تأخذ مسيحًا زائفًا، مسيحًا متخيَّلًا، نصف مسيح». وما هو المسيح الكامل؟ المسيح الكامل هو الإنسان الذي قال: «أبذل كل شيء حتى الموت لكي يتمجّد الله. ليس لي فكر، وليست لي رغبة، ولا أريد أن أحيا لحظة واحدة إلا لمجد الله». فتقول في الحال: «أيّ مسيحي يستطيع أن يبلغ ذلك؟» لا تسأل هذا السؤال، بل اسأل: «هل بلغه المسيح، وهل يعد المسيح أن يحيا فيّ؟» اقبله في ملئه، ودعه يعلّمك إلى أي حدّ يستطيع أن يبلغ بك، وما الذي يستطيع أن يعمله فيك.

لا تضع شروطًا ولا تحفّظات بشأن الإخفاق، بل ألقِ نفسك على هذا المسيح وأسلم ذاتك له، هذا الذي عاش حياة التسليم الكامل لله لكي يُعدّ طبيعة جديدة يستطيع أن يمنحك إياها، ويجعلك فيها مثله. حينئذ تكون على الطريق الذي يستطيع أن يقودك فيه إلى الاختبار المبارك وامتلاك ما يستطيع أن يعمله لأجلك. جاء المسيح يسوع إلى العالم بوصية من الآب أن يضع حياته، وعاش حياته كلها وهذه الفكرة الواحدة في صدره. والفكرة الواحدة التي ينبغي أن تكون في قلب كل مؤمن هي هذه: «أنا في الموت مع المسيح؛ مسلَّم تسليمًا مطلقًا لا يتغير لأنتظر الله، لكي يُتمّ الله قصده ومجده فيّ لحظة بعد لحظة».

قليلون هم الذين يبلغون النصرة والتمتع والاختبار الكامل دفعة واحدة. ولكن هذا ما تستطيع أن تفعله: اتخذ الموقف الصحيح، وفيما تنظر إلى يسوع وإلى ما كان عليه، قل: «أيها الآب، لقد جعلتني شريكًا للطبيعة الإلهية، شريكًا للمسيح. ففي حياة المسيح المبذولة لك حتى الموت، في قوته وسكناه، في شبهه، أرغب أن أحيا حياتي أمامك».

الموت أمر مهيب، أمر رهيب. في البستان كلّف المسيح نزاعًا عظيمًا أن يموت ذلك الموت، ولا عجب أن الأمر ليس سهلًا علينا. لكننا نرضى به طوعًا متى تعلّمنا السر: في الموت وحده تأتي حياة الله؛ في الموت بركة لا يُنطق بها. هذا ما جعل بولس راضيًا جدًّا أن يحمل حكم الموت في نفسه؛ فقد كان يعرف الله الذي يحيي الموتى. إن حكم الموت واقع على كل ما هو من الطبيعة. ولكن هل نحن مستعدون أن نقبله، وهل نعزّه؟ أوَلسنا بالأحرى نحاول أن نفلت من الحكم أو ننساه؟ نحن لا نؤمن إيمانًا كاملًا بأن حكم الموت واقع علينا. كل ما هو من الطبيعة لا بد أن يموت. اطلب من الله أن يجعلك مستعدًّا أن تؤمن من قلبك بأن الموت مع المسيح هو الطريق الوحيد للحياة فيه. تسأل: «ولكن أيجب إذن أن يكون موتًا كل يوم؟» نعم أيها الأحباء؛ لقد عاش يسوع كل يوم والصليب أمام عينيه، ونحن، بقوة حياته الظافرة، متشبّهين بموته، ينبغي أن نفرح كل يوم بالنزول معه إلى الموت.

خذ مثلًا. خذ شجرة بلوط نمت مئة عام أو نحوها. كيف وُلدت تلك البلوطة؟ في قبر. زُرعت الثمرة في الأرض، وصُنع لها قبر لكي تموت. فماتت واختفت؛ وأرسلت جذورها إلى أسفل، وأطلقت فروعها إلى أعلى، وها الشجرة قائمة منذ مئة عام. أين هي قائمة؟ في قبرها؛ طوال الوقت في القبر عينه الذي ماتت فيه الثمرة. لقد وقفت هناك تمدّ جذورها أعمق فأعمق في تلك الأرض التي صُنع فيها قبرها، ومع ذلك، طوال الوقت، وإن كانت قائمة في القبر عينه الذي ماتت فيه، ظلت تنمو أعلى وأقوى وأعرض وأجمل. وكل ثمر حملته، وكل ورق زيّنها سنة بعد سنة، إنما تدين به لذلك القبر الذي أُلقيت فيه جذورها وحُفظت. وهكذا المسيح يدين بكل شيء لموته وقبره. ونحن أيضًا ندين بكل شيء لذلك القبر، قبر يسوع. آه! لنحيَ كل يوم متأصلين في موت يسوع. لا تخف، بل قل: «عن إرادتي سأموت؛ عن الحكمة البشرية والقوة البشرية وعن العالم سأموت؛ لأنه في قبر ربي تجد حياته بدايتها وقوتها ومجدها».

وهذا يأتي بنا إلى فكرتنا التالية. أولًا، نال المسيح الحياة من الآب؛ ثانيًا، عاشها المسيح متّكلًا على الآب؛ ثالثًا، بذلها المسيح في الموت للآب؛ والآن، رابعًا، نالها المسيح ثانية إذ أقامه الآب، بقوة مجد الآب. آه، ما أعمق معنى قيامة المسيح! ماذا فعل المسيح حين مات؟ نزل إلى ظلمة الموت وعجزه المطلق.

بذل حياةً بلا خطية؛ حياةً وهبها الله؛ حياةً جميلة ثمينة؛ وقال: «سأسلّمها إلى يدي أبي إن طلبها»؛ ففعل، وكان هناك في القبر منتظرًا الله ليعمل مشيئته؛ ولأنه أكرم الله إلى أقصى حدّ في عجزه، رفعه الله إلى أقصى المجد والقوة. لم يخسر المسيح شيئًا حين بذل حياته في الموت للآب. وهكذا، إن أردت أن يحلّ عليك مجد الله وحياته، ففي قبر العجز التام تولد تلك الحياة، حياة المجد. أُقيم يسوع من الأموات، وقوة القيامة تلك، بنعمة الله، تستطيع أن تعمل فينا وستعمل. فلا ينتظرنّ أحد أن يحيا حياة مستقيمة حتى يحيا حياة القيامة الكاملة بقوة يسوع.

دعني أعبّر بطريقة أخرى عن معنى هذه القيامة. كانت للمسيح حياة كاملة وهبها الله. فقال الآب: «أتبذل لي تلك الحياة؟ أتتخلى عنها بأمري؟» فتخلى عنها، لكن الله ردّها إليه حياةً ثانية أمجد من تلك الحياة الأرضية عشرة آلاف مرة. هكذا سيفعل الله بكل واحد منا يرضى طوعًا أن يتخلى عن حياته. هل فهمتم هذا قط؟ لقد وُلد يسوع مرتين.

في المرة الأولى وُلد في بيت لحم. كانت تلك ولادة إلى حياة ضعف. أما في المرة الثانية فقد وُلد من القبر؛ إنه «بِكْرٌ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ» (كولوسي 1:18). ولأنه بذل الحياة التي كانت له بميلاده الأول، أعطاه الله حياة الميلاد الثاني، في مجد السماء وعرش الله.

أيها المسيحيون، هذا بالضبط ما نحتاج أن نفعله.

قد يكون الإنسان مسيحيًّا غيورًا؛ قد يكون خادمًا ناجحًا؛ قد يكون مسيحيًّا ناله قدر من النمو والتقدم؛ ولكن إن لم يدخل ملء البركة هذا، فهو يحتاج أن يأتي إلى اختبار ثانٍ أعمق لقوة الله المخلِّصة؛ يحتاج، كما أخرجه الله من مصر عبر البحر الأحمر، أن يبلغ نقطة يجيزه الله فيها عبر الأردن إلى كنعان. أيها الأحباء، لقد اعتمدنا لموت المسيح. وكأننا نقول: «لقد عشت حياة مباركة جدًّا، ونلت اختبارات مباركة كثيرة، وصنع الله لي أمورًا كثيرة». قبل أن ينال المسيح حياة الراحة والنصرة على العرش، كان عليه أن يموت ويبذل كل شيء. افعل أنت أيضًا ذلك، فتشاركه نصرته ومجده. إنما بقدر ما نتبع يسوع في موته، تصير قيامته وقوته وفرحه لنا.

ثم تأتي نقطتنا الأخيرة. الخطوة الخامسة في طريقه العجيب هي أنه رُفع ليكون مع الآب إلى الأبد. لأنه وضع نفسه، لذلك رفّعه الله (فيلبي 2:9). فأين يكمن جمال ذلك التمجيد ليسوع وبركته؟ له هو: شركة كاملة مع الآب؛ وللآخرين: مشاركة في قوة قدرة الله الكلية. نعم، كان ذلك ثمر موته. فالكتاب لا يعد فقط بأن الله، في حياة القيامة، سيعطينا الفرح والسلام الذي يفوق كل عقل، والنصرة على الخطية، والراحة في الله، بل بأنه سيعمّدنا بالروح القدس؛ أو بعبارة أخرى، سيملأنا بالروح القدس.

رُفع يسوع إلى عرش السماء لكي ينال هناك من الآب الروح في ظهوره الإلهي الجديد، ليُسكب في ملئه. وبقدر ما نأتي إلى حياة القيامة، الحياة في الإيمان بذاك الذي هو واحد معنا وجالس على العرش — بقدر ما نأتي إلى ذلك، نصير نحن أيضًا شركاء في الشركة مع المسيح يسوع إذ هو يسكن دائمًا في حضرة الله، وسيملؤنا الروح القدس ليعمل فينا ومن خلالنا بطريقة لم نعرفها بعد قط.

نال يسوع هذه الحياة الإلهية بالاتكال المطلق على الآب طوال حياته، متّكلًا عليه حتى في الموت. نال يسوع تلك الحياة في ملء مجد الروح ليُسكب، إذ أسلم نفسه في الطاعة والتسليم لله وحده، وترك لله، حتى في القبر، أن يُظهر قوته العظيمة؛ وهذا المسيح عينه سيحيا حياته فيك وفيّ. آه، يا للسر! آه، يا للمجد! وآه، يا لليقين الإلهي! يسوع المسيح يقصد أن يحيا تلك الحياة فيك وفيّ. ما رأيكم، أفلا ينبغي أن نتضع أمام الله؟ أكنا مسيحيين كل هذه السنين، ولم ندرك إلا القليل مما نحن عليه؟ إني إناء مخصَّص، مطهَّر، مُفرَغ، مكرَّس؛ واقف فحسب، منتظر في كل لحظة أن يعمل الله فيّ، في المسيح، بالروح القدس، قدر ما يسرّه من قداسة ابنه وحياته.

إلى أن تنزل كنيسة المسيح إلى قبر الاتضاع والاعتراف والخزي؛ إلى أن تطرح كنيسة المسيح نفسها في التراب عينه أمام الله، وتنتظر الله ليعمل شيئًا جديدًا، شيئًا عجيبًا، شيئًا فائقًا للطبيعة، فيرفعها، ستبقى ضعيفة في كل جهودها لتغلب العالم. ففي داخل الكنيسة أيّ فتور، وأيّ روح عالمية، وأيّ عصيان، وأيّ خطية!

كيف نستطيع أن نخوض هذه المعركة، أو نواجه هذه الصعوبات؟ الجواب: لا بد أن يأتي المسيح، القائم من الأموات، المتوَّج، القادر على كل شيء، ويحيا في كل عضو من الأعضاء. لكننا لا نستطيع أن ننتظر هذا إلا إذا متنا معه. لقد أشرت إلى الشجرة التي نمت عالية جميلة، وجذورها كل يوم طوال مئة عام في القبر الذي ماتت فيه الثمرة. ليعلّمنا الله أن ننتظره لكي يعمل فينا كل ما عمله في ابنه، حتى يتصوّر المسيح يسوع فينا! آمين!

صفحة 1 / 1 · 13 دقيقة متبقية في الفصل