فصل 9 · قراءة 7 د
صخرة العثرة
لقد كان يسوع سببًا لعثرةٍ كثيرة! فكلٌّ من بطرس وبولس يقتبس من العهد القديم حين يدعوه «صخرة عثرة» (رومية 9:33 و1 بطرس 2:8).
فالفرّيسيّون قد عثروا به، والشياطين أيضًا قد عثرت به، بل حتى عائلته هي نفسها عثرت به!
ولكنّه، مع بعض الناس، تعمّد أن يتجنّب إعثارهم، مثل جباة الضرائب الذين كان الناس يحتقرونهم. فقد قال لبطرس أن يذهب إلى البحر، حيث سيجد الضريبة المطلوبة في فم سمكة، «لكي لا نُعثرهم» (متى 17:24). أمّا مع آخرين فيبدو أنّه كان يتعمّد أن يُعثرهم!
يوحنا المعمدان — ابن خالة يسوع
كان يوحنا المعمدان ابن خالة يسوع من الدرجة الثانية، وقد وُلد قبله بأشهرٍ قليلة فقط. وكان ممتلئًا من الروح القدس وهو بعدُ في بطن أُمّه، وكان هو أوّل من أظهر أيّ استجابةٍ للمسيّا الموعود. فقد ارتكض في بطن أليصابات حين جاءت مريم، أُمّ يسوع، أوّل مرّةٍ لتروي تلك القصّة العجيبة عن الحبل بابنها.
وإنّي على يقينٍ أنّ الصبيّين لا بدّ أنّهما قضيا معًا ساعاتٍ طويلة في طفولتهما. ولعلّهما لعبا وعملا معًا، وركضا وتشاجرا معًا، وتحدّثا وتجادلا معًا. وربّما تحدّثا أيضًا عن ذلك الحِمل الذي كان ينمو في قلب كلٍّ منهما.
ثم أخيرًا يترك يوحنا بيته، مستجيبًا لدافعٍ غريب كان يحرّكه في داخله. ولعلّ يسوع كان هو الوحيد الذي فهم ما يقصده حين أعلن أنّه لا بدّ أن «يُعدّ طريق الربّ» (متى 3:3)، ثم مضى بعد ذلك إلى البرّيّة.
وهناك بدأ يوحنا يكرز لكلّ من كان مستعدًّا أن يُصغي إليه.
وكان ينادي قائلًا: «إنّ المسيّا آتٍ عن قريب، ونحن لسنا مستعدّين له! توبوا واعتمدوا. ارجعوا إلى إلهكم!»
(متى 3:2-12) فاستجاب الشعب لدعوته، طالبين أن يتصالحوا مع يهوه، ومُظهرين عزمهم الجديد باعتمادهم في النهر القريب منهم، وهو نهر الأردنّ. فكانت معموديّتهم معموديّة توبةٍ ورجوعٍ إلى الإيمان القويم.
وفي أحد الأيّام جاء يسوع إلى نهر الأردنّ، فصرخ يوحنا في وجه الشعب قائلًا: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم!» (يوحنا 1:29). وشهد يوحنا أنّه قد رأى حمامةً نازلةً على يسوع ومستقرّةً عليه ثابتةً.
وفوق ذلك، كان الروح القدس قد أخبر يوحنا من قبلُ أنّ هذه ستكون علامة المسيّا الآتي، كما نقرأ في يوحنا 1:34 حيث كُتب: «وأنا قد رأيت وشهدت أنّ هذا هو ابن الله».
ولم يكن يوحنا واعظًا محبوبًا «يُداعب آذان الناس».
فأكثر الذين جاءوا ليسمعوه ويروه إنّما جاءوا بحثًا عن أمرٍ يُثير الفضول، راجين أن يكونوا حاضرين حين يُدين قادة المجمع الذين كانوا أبرارًا في أعين أنفسهم.
وقد كان له كلامٌ لاذعٌ منتقًى يقوله لأولئك القادة، وكان الشعب يُسرّ بذلك؛ أمّا هيرودس فلم يُسرّ به. فقد كان هو الحاكم في الإمبراطوريّة الرومانيّة في ذلك الحين، وكان رجلًا شرّيرًا على علاقةٍ آثمة بزوجة أخيه — تلك العلاقة التي كان يوحنا يُدينها علانيةً. فأرسل هيرودس يوحنا إلى السجن ليُسكت صوته.
وإنّي لأتخيّل ما كان يدور في فكر يوحنا في زنازينه تلك.
«يا هيرودس، أيّها الشيخ الأحمق! إنّك تظنّ أنّك أنت الذي تُمسك بزمام الأمور كلّها، وأنّ وضعك إيّاي في هذا السجن سيُسكت صوتي إلى الأبد. ولكنّ ابن خالتي هو المسيّا، وهو قد جاء لكي يُسقط إمبراطوريّتك الصغيرة هذه، ولكي يُقيم مملكته هو مكانها! وسوف يُخرجني من هذا السجن عمّا قريب، وستكون أنت هو الذي يُلقى في السجن ويُغلق عليه بابه بالمفتاح! فقد أعلن هو نفسه أنّه قد جاء لكي يُطلق المأسورين أحرارًا. وإنّي لا أكاد أصبر حتى أرى ما سيرتسم على وجهك في تلك الساعة حين يفعل ذلك!» وبهذا يستند يوحنا إلى الوراء في زنزانته، ويجلس ينتظر… وينتظر… وينتظر…
وفي هذه الأثناء، يمضي يسوع في خدمته في القرى المجاورة، ولا يجد حتى الوقت ليزور يوحنا في السجن! ألا يأتي على الأقلّ ليزوره؟ ولكن لأنّه لم يأتِ، عثر يوحنا، ثم قُطعت رأسه بعد ذلك! فأُرسل تلاميذ يوحنا إلى يسوع ليسألوه سؤالًا صريحًا: «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» (متى 11:3). «إنّك لا تُطابق معاييرنا، لأنّك لا تفعل ما كنّا نتوقّع منك أن تفعله!»
فيُجيب يسوع: «وأجابهم وقال: اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما: إنّ العمي يُبصرون، والعرج يمشون، والبرص يُطهَّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يُبشَّرون. وطوبى لمن لا يعثر فيّ» (لوقا 7:22-23).
مريم، صديقة يسوع العزيزة
كان ليسوع أصدقاء أعزّاء جدًّا عليه يسكنون في بلدة بيت عنيا الصغيرة. وكان هو على بُعد أميالٍ قليلة منها حين بلغه الخبر أنّ صديقه لعازر يُحتضر، وأنّ أختيه مريم ومرثا في حزنٍ شديدٍ عليه. «وكان يسوع يحبّ مرثا وأختها ولعازر. فلمّا سمع أنّه مريض مكث حينئذٍ في الموضع الذي كان فيه يومين» (يوحنا 11:5-6).
ولا نقرأ عن أيّة معجزةٍ صنعها، ولا عن أيّ تعليمٍ علّمه، ولا عن أيّ شيءٍ فعله في هذين اليومين! ومات لعازر! ولمّا جاء يسوع أخيرًا إلى بيت عنيا، كان لعازر قد صار في القبر أربعة أيّام، وكانت أختاه في حزنٍ عميق. ومرثا هي التي خرجت لتلقاه. وهذا أمرٌ جديرٌ بالملاحظة، لأنّها هي التي كثيرًا ما نتصوّرها «الكادحة» — المحبوسة في المطبخ — بينما كانت أختها مريم تترك كلّ شيءٍ لتجلس عند قدمَي يسوع، تغسلهما بالطيب الثمين وتمسحهما بشَعرها، وهي تتشرّب كلّ كلمةٍ يقولها. ولو كانت مريم في أيّامنا هذه، لكانت في مقدّمة النشاط المسيحيّ — رئيسةً لجماعة السجود النسائيّة المحليّة — بينما تكون أختها في الخلف، تُعدّ القهوة وتُقدّم البسكويت.
فقالت مرثا ليسوع: «يا سيّد، لو كنت ههنا لم يمت أخي» (يوحنا 11:21). فيُطمئنها يسوع ويؤكّد لها أنّ أخاها سيحيا من جديد، لأنّه هو نفسه القيامة والحياة.
وأنا لا أسمع في كلام مرثا أيّة إدانة، بل حزنًا فقط. ثم تذهب هي إلى مريم لتطلب إليها أن تأتي إلى يسوع.
ولكن، لماذا لم تكن مريم هناك أصلًا؟ أليست تعلم بالتأكيد أنّه آتٍ؟ فالجميع كانوا يعلمون بذلك، ولكنّ مريم بقيت جالسةً في البيت. فلماذا؟ اسمحوا لي أن أقترح أنّها كانت مُتجهّمة عابسة!
لقد أخذتها العثرة! وحين تأتي أخيرًا إلى يسوع، تخرّ عند قدميه باكيةً، وتقول له الكلمات نفسها التي كانت مرثا قد قالتها: «يا سيّد، لو كنت ههنا لم يمت أخي» (يوحنا 11:32).
ولاحظْ أنت أنّ يسوع لا يقول لمريم كلمات التعزية نفسها التي كان قد قالها لأختها من قبل. أفكان ذلك بسبب نبرة صوتها؟ أكانت نبرةً مُتّهِمة؟ أم نبرةً حاكمة؟
وعوضًا عن أن يُعزّي مريم، «بكى يسوع» (يوحنا 11:35)، ولكن ليس لأنّ لعازر قد مات — فقد كان يعلم ذلك منذ حين، وكان يعلم أيضًا أنّ الجميع سيفرحون بعد قليلٍ بقيامته من الموت. ولم يبكِ لأنّ مريم ومرثا وأصدقاءهما كانوا في حزن — فقد كان يعلم أنّهم سيحزنون، إذ هذا أمرٌ طبيعيّ عند موت إنسانٍ حبيب.
إنّما بكى لأنّ مريم عثرت.
إنّ يسوع كان سيموت من أجل «عثراتنا»، ولكنّه لا يزال يحزن حين نعثُر نحن.
وفي الطريق إلى بيت عنيا، كان يسوع قد قال لتلاميذه إنّ الناس كثيرًا ما يعثرون حين لا يستطيعون أن يفهموا. فهم إنّما يمشون في الظلام (يوحنا 11:10). فهل كان يعلم كيف ستكون ردّة فعل مريم؟
لماذا تأتي العثرات
لماذا يسمح الربّ بأن تأتي العثرات؟ أيكون قصده من ذلك أن يكشف لنا شيئًا عن أنفسنا؟ أكان على يوحنا أن يُدرك أنّه، مع أنّه قد أعلن: «ينبغي أنّ ذلك يزيد وأنّي أنا أنقص» (يوحنا 3:30)، فإنّ التوقيت لا بدّ أن يكون توقيت الربّ لا توقيته هو؟
فما أسهل أن نقع في فخّ محاولة التلاعب بالله لكي يفعل الأمور على طريقتنا نحن. وما أسهل أن نتخطّى ذلك الخطّ الفاصل بين إتمام مشيئته هو وإتمام مشيئتنا نحن. وينبغي ألّا نعثُر حين لا يفعل الأمور على «طريقتنا»، لأنّه هو وحده يعلم ما هو الأفضل لنا، حتى حين لا نستطيع نحن أن نرى أسباب الأودية التي نجتازها.
أكان على مريم أن تتعلّم أنّ الطاعة والثقة خيرٌ بكثيرٍ من المكانة البارزة والشعبيّة، حتى في «خدمة» الربّ؟
فالعظمة في الملكوت إنّما تكون لمن يقبل أن يكون الأصغر، بل أن يكون خادمًا (لوقا 9:48).
ماذا تفعل بالعثرات
أوّلًا، عليك أن تعترف بأنّها لك! فالعثرة عثرتك أنت! إنّ الآخر لم يُخطئ إليك — بل أنت الذي «أخذت القرد» على كتفيك، فإمّا أن تطرحه عنك، وإمّا أن تحمله!
ثم بعد ذلك، افحصها! فالربّ قد سمح لها أن تأتي لكي تُعلّمك شيئًا عن نفسك.
وقد كان عليّ أنا أن أتعلّم بهذه الطريقة أمورًا صعبة، وقد ذكرت لك بعض أسباب العثرات في الفصل السابق. وعليك أن تدرس أنماط الشخصيّة، وأن تتعلّم كيف تُركّز على مواطن قوّتك. فعلى سبيل المثال، يميل أكثر الرعاة إلى النمط السوداويّ. ومن مواهب صاحب هذا النمط قدرته على أن يرى المشكلات قبل أن يراها غيره بزمانٍ طويل. وهذا قد يجعله ناقدًا للآخرين، عاثرًا بسبب عجزهم عن رؤية «ما هو بديهيّ» وعن فعل شيءٍ حياله. فاحمدوا الله أنّكم لستم جميعًا مثلي!
إنّ مواهب كلّ إنسانٍ تختلف عن مواهب غيره. وقد ظللت سنواتٍ طويلة أعثُر لأنّ الآخرين لم يعترفوا بتعليمي بوصفه «موهبة». فكلّ إنسانٍ يظنّ أنّه يستطيع أن يُعلّم، وقد كان عليّ أن أتعلّم أن أكون «سميك الجلد» حين يتجاهل الناس مواهبي ودعوتي راعيًا.
ومتى اعترفت بأنّها عثرتك أنت، وفحصتها، فتخلّصْ منها واطرحها عنك!
واختر بإرادتك أن تُصلّي بشأنها وأن تدفنها! باركْ الذين أعثروك، واطلبْ قوّة الروح القدس إن بدت لك العثرة ثقيلةً أكثر ممّا تحتمل — فقد وعد أن يكون كافيًا لك في تجاربك كلّها.
«اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحدٌ الربّ، ملاحظين لئلّا يخيب أحدٌ من نعمة الله، لئلّا يطلع «أصل مرارة» ويصنع انزعاجًا فيتنجّس به كثيرون» (عبرانيين 12:14-15).
ثم إنّ الخطوة الأخيرة التي عليك أن تتّخذها حين تكون القرود جاثمةً على كتفيك هي أن تنساها! فلا تدعِ العثرة تسكن في قلبك بعد الآن ولا تُقم فيه. سلّمها أنت إلى الربّ، وأطلقها من فكرك ومن قلبك معًا.
وأخيرًا، احذرْ أن تكون أنت نفسك ذلك الذي يُسبّب العثرة لغيره، لأنّه «ويلٌ للذي تأتي بواسطته!» (لوقا 17:1)!