فصل 8 · قراءة 9 د
أحمالٌ لا حاجة إليها
«لذلك نحن أيضًا، إذ لنا سحابةٌ من الشهود مقدارُ هذه محيطةٌ بنا، لنطرحْ كلّ ثِقلٍ، والخطيّةَ المحيطة بنا بسهولة، ولنُحاضرْ بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا» (عبرانيين 12:1).
كثيرون يُعاقون في المعركة، لا بسبب الأسد الزائر ولا بسبب سهام الأكاذيب، بل لأنّهم حمّلوا أنفسهم حِملًا ما كان ينبغي لهم أن يحملوه؛ فقد عثروا بسبب أحدٍ من الناس، وحملوا في نفوسهم استياءً منه.
كنت مرّةً في موضعٍ للمشاهدة، أُطلّ منه على جبل طارق. وكانت هناك لافتاتٌ كثيرة تُحذّر الزائرين من إطعام القرود الصغيرة التي تعيش في الأشجار المحيطة بالمكان. وبالطبع، اختار بعض الناس أن يتجاهلوا تلك اللافتات، فكانت النتيجة أنّ قردًا سرعان ما يقفز فيحطّ على كتفَي أحدهم. وبينما آلات التصوير تعمل، يأخذ القرد في تشبيك أصابعه في شَعر صاحبه، حتى إذا صار الأمر مؤلمًا، وجد المسكين صعوبةً بالغة في نزعه عنه.
وللشيطان جيشٌ كامل من «القرود» المدرَّبة، المستعدّة لأن تقفز على كتف الإنسان، لكي تُشبّك أصابعها في شَعر ضحيّتها.
وعلينا أن نعرف قرد العثرة حين يقفز علينا، وأن ننزعه عنّا سريعًا قبل أن يسلبنا سلامنا.
كثيرون يُعاقون في المعركة، لا لأنّ آخرين قد «جرحوهم»، بل لأنّهم هم أنفسهم حمّلوا أنفسهم حِملًا ما كان ينبغي لهم أن يحملوه. فقد عثروا بسبب أحدٍ من الناس، و«حملوا في نفوسهم استياءً».
وعلينا أن ندرك أنّ العثرة والخطيّة أمران مختلفان جدًّا.
فمع أنّ الأولى قد تكون «ثمرة» من ثمار الحياة الخاطئة، فإنّها ليست فعلًا خاطئًا متعمَّدًا من ذاك الذي كان سببًا في العثرة. بل إنّنا نقرأ أنّ يسوع نفسه كان «عثرة» لقادة الدين في زمانه، مع أنّه كان بلا خطيّة. وإنّي لأعتقد أنّه تعمّد أن يُسبّب العثرة في أكثر من مناسبة، كما سأعرض عليك بعد قليل.
وقد تكون للعثرة أسبابٌ كثيرة، ولكنّ أكثر هذه الأسباب شيوعًا هو ما يلي: ● تضارب الشخصيّات: كثيرًا ما يستخدم الناس هذه العبارة بوصفها «عذرًا» لعدم انسجام بعضهم مع بعض!
● التوقّعات الزائفة: ولعلّها السبب الأوّل لانفصال الرعاة عن كنائسهم. فنحن لسنا بارعين في أن نُعلن توقّعاتنا بعضنا لبعض قبل أن تقع العثرة.
● سوء الفهم: رداءة التواصل.
● المواهب والقدرات: كثيرًا ما أرى أناسًا يحسدون غيرهم على مكانتهم البارزة، عوضًا عن أن يطمئنّوا إلى خدمتهم هم أو «دعوتهم».
● الكبرياء: إهانةٌ تُصيب «الأنا». (مثال ذلك: أبٌ يغضب (أي يعثُر) بسبب درجات ابنه المتوسّطة في المدرسة، ظنًّا منه أنّ ذلك يُسيء إلى صورته هو).
● التمرّد: «الإنسان العتيق» فينا يأبى أن يموت!
ومن أوضح الأمثلة على عمل هذه العثرات ما حدث في كنيسةٍ كانت تُجري ترميمًا لمبناها، إذ كانوا يُعيدون بناء قاعة العبادة. وقد مضت على الجماعة التي كانت تبني هذه الكنيسة سنتان طويلتان من العمل الشاقّ، ولكنّ الله أثبت أنّه أمين.
وكانت هناك قصصٌ كثيرة عن «معجزات» في التدبير من يهوه يِرأه. وجاء الآن وقت البتّ في ألوان القاعة من الداخل، فتألّفت لجنةٌ صغيرة من أعضاء الكنيسة، وطُلب من جون، وهو مدرّس الفنّ في المدرسة المحليّة، أن يقود المجموعة. وفي اجتماعهم الأوّل، جاء جون ومعه ملفٌّ يعرض فيه اقتراحاته (بل يقول بعضهم «قراراته») في شأن الألوان. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعرب الحاضرون الآخرون عن عدم موافقتهم على مقترحاته، إذ كانت لهم آراؤهم الخاصّة.
وأخيرًا جرى التصويت على الأمر، واتُّخذ قرارٌ بالإجماع — وهو قرارٌ لم يكن يعكس رأي مدرّس الفنّ. فعثر جون، وظلّ صدى عثرته يتردّد في تلك الكنيسة زمانًا طويلًا بعد ذلك. بل إنّ بعضهم قال إنّ «المعجزات» توقّفت منذ ذلك الحين.
وجون ليس مختلفًا عنّا نحن جميعًا! فما أسهل أن يعثر الإنسان دون أن يُدرك ما يمكن أن يكون لذلك من أثرٍ سلبيّ رهيب علينا نحن أنفسنا وعلى عمل المسيح. إنّها سلاحٌ من أقوى الأسلحة التي يستخدمها الشيطان ليهزمنا في المعركة. وتيقّنْ من هذا: لا بدّ أن تأتي العثرات (لوقا 17:1). فقد أخبرنا يسوع أنّها آتيةٌ لا محالة، وحذّرنا، وعلّمنا كيف يمكن أن نُحفظ من أن نسقط عند مجيء العثرة: وذلك باستجابتنا لما طلبه منّا من شروط التلمذة في العلّيّة. فلننظرْ إذًا في بعض الأمثلة الكتابيّة لأناسٍ عثروا. وسنبحث عن السبب في ذلك، ونلاحظ ما ترتّب على عثرتهم من نتائج. ونرجو أن نُميّز أيضًا مقاصد الربّ في سماحه بأن تأتي العثرات. فهو قد وعد أن يُنجّينا من «الشرّير»، ولكنّه لم يعدْ قطّ أن يُنجّينا من العثرات! غير أنّه يريد أن يُعلّمنا كيف نعرف العثرة، وكيف نقبل نعمته في أوقات الامتحان هذه.
وقد تُربكنا الترجمات المختلفة للعهد الجديد في هذا الموضوع، فلنفهمْ إذًا أنّ الكلمة اليونانيّة «سكاندالون» تُترجَم في مواضع بـ«حجر عثرة»، وهي بعبارةٍ أخرى تعني «العثرة» أو «السقوط إلى الوراء والارتداد».
الزارع والزرع → متى 13:18-21
في الآيات المذكورة أعلاه، يُعلّم يسوع الجمع هذا المثل المعروف جيّدًا، ثم يمضي فيُفسّر لهم ذلك المثل تفسيرًا، مشبّهًا أنواع التربة الأربعة بأربعة أنواعٍ من الناس الذين يسمعون كلمة الله.
فـ«الأماكن المُحجِرة» تصف ذلك الإنسان «الذي يسمع الكلمة، وحالًا يقبلها بفرح، ولكن ليس له أصلٌ في ذاته، بل هو إلى حين. فإذا حدث ضيقٌ أو اضطهادٌ من أجل الكلمة فحالًا يعثر» (متى 13:20-21).
وهذا مؤمنٌ لا يروقه ما يُعلّمه إيّاه الكتاب المقدّس. فقد كان يتوقّع أنّ الحياة المسيحيّة ستكون حياةً سهلة!
لقد أراد الفرح والسلام، ولكنّه لم يكن مستعدًّا أن يحمل صليبه (متى 16:24)، ولا أن يدفع ثمن أن يكون خادمًا. وشيئًا فشيئًا يعثر ويسقط إلى الوراء، فتكون النتيجة: بلا ثمر!
نبيٌّ بلا كرامة → متى 13:54-57
جاء يسوع إلى بلدته الناصرة، حيث كان يُعلّم في المجمع. فبُهت جيرانه من تعليمه، وأخذوا يتساءلون: من أين له هذه الحكمة؟ وقالوا: «أليس هذا ابن النجّار؟ إنّنا نعرفه منذ طفولته! فمن يظنّ نفسه؟» وهناك قولٌ شائع بين الناس: «إنّ كثرة الأُلفة كثيرًا ما تولّد الاحتقار»، وكما نقرأ في العدد 57 من هذا الأصحاح، فإنّ أهل بلدة يسوع «كانوا يعثرون به».
فكم من شبّانٍ وفتيات استجابوا لدعوة الله على حياتهم، وحاولوا أن يُلبّوا تلك الدعوة، ثم أعاقتهم عنها «حكمة» من حولهم التي هي في زعمهم أعظم من دعوتهم: حكمة الأهل والأصدقاء وقادة الكنيسة! وإنّي لأتذكّر ذلك النبيّ الشيخ في 1 ملوك 13، الذي عثر لأنّ الله كان يستخدم شابًّا آخر ليُنادي بكلمته. وبسبب تلك العثرة، خدع النبيُّ الشيخُ ذلك الشابَّ، فكانت النتيجة أن أُسكتت شهادته، وكان ذلك بالموت!
وكانت نتيجة عثرتهم في الناصرة أنّه «لم يصنع هناك قوّاتٍ كثيرة لعدم إيمانهم» (متى 13:58). وإنّ أضمن طريقةٍ لأن تُوقف الربَّ عن أن يعمل بطرقٍ عجيبةٍ في حياتك أنت هي أن تأخذك العثرة. فكانت نتيجة أخذهم بالعثرة: بلا معجزات!
الذي أسلمه → متى 26:6-14
كان يسوع في بيت سمعان الأبرص، حين دخلت عليه امرأةٌ ومعها قارورةٌ من الطيب العطر الغالي الثمن. فكسرتها وسكبتها على قدمَي الربّ، وأخذت تمسحهما بشَعرها، حتى امتلأ البيت كلّه من رائحة الطيب. ويُخبرنا متّى أنّ التلاميذ عثروا واغتاظوا حين رأوا هذا «الإتلاف»، وأخذوا يقولون إنّه كان في الإمكان أن يُباع هذا الطيب بثمنٍ كثير، وأن يُعطى ذلك المال كلّه للفقراء (متى 26:8).
وبعد ذلك الحدث مباشرةً، مضى يهوذا الإسخريوطيّ إلى رؤساء الكهنة لكي يُسلّم إليهم سيّده (متى 26:14-16). وفي رواية يوحنا لهذا الحدث نفسه، يُقال لنا إنّ يهوذا هو نفسه الذي رفع هذا الاعتراض، إذ كان قد أخذته العثرة، «ليس لأنّه كان يبالي بالفقراء، بل لأنّه كان سارقًا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يُلقى فيه» (يوحنا 12:6).
وإنّي لأذكر جمعيّةً خيريّة دوليّة معروفة أنفقت أكثر من مليون دولار لإنتاج فيلمٍ وثائقيّ عن عملها. فأعرب كثيرون من مؤيّديها عن سخطهم على مثل هذا «الإتلاف»، وأوقفوا تبرّعاتهم الشهريّة. وقد ظنّوا أنّ سخطهم في محلّه؛ غير أنّه في غضون سنةٍ واحدة، تجاوز ما جاء من عرض ذلك الفيلم خمسة أضعاف تكلفة إنتاجه! وإنّي لأرى أنّه يحسن بنا أن نميل إلى جانب الحذر حين ننفق مال الربّ، ولكنّ الأخذ بالعثرة قد يكون مصدر إحراجٍ أكبر!
لقد عثر يهوذا، فخرج ليُسلّم سيّده. صحيحٌ أنّ استعداد الخيانة كان كامنًا فيه من قبل، ولكنّ العثرة هي التي حرّكت ذلك الاستعداد إلى الفعل. وكانت نتيجة عثرته أنّه لم يعد يثق بأنّ الربّ سيفعل ما قال إنّه سيفعله. فأراد يهوذا أن يستحثّه ويدفعه إلى العمل. فإن كان هو المسيّا الموعود الذي سيُقيم مملكته في مكان الإمبراطوريّة الرومانيّة، فقد آن الأوان ليُثبت ذلك! ولكنّ شيئًا واحدًا هو الذي ثبت — وهو أنّ يهوذا كان سياسيًّا رديئًا، وصديقًا أردأ منه!
لقد فقد يهوذا ثقته بالربّ! فأين تضع أنت ثقتك؟ وفي مَن تضع رجاءك واتّكالك؟ إنّ «الرجاء» المسيحيّ هو انتظارٌ متلهّف بأنّ ما وعد به الربّ فهو لا بدّ أن يُتمّه! وينشد المرنّم قائلًا: «رجائي مبنيٌّ على لا شيء سوى دم يسوع وبرّه!» (ترنيمة «رجائي مبنيٌّ على لا شيء سوى»، روبرت كريتشلي).
ويشجّعنا كاتب العبرانيّين قائلًا: «فلا تطرحوا ثقتكم التي لها مجازاةٌ عظيمة» (عبرانيين 10:35).
ومتى أخذتنا العثرة، كانت النتيجة أن يفقد المرء رجاءه، ومن ثمّ نصير نحن أيضًا: بلا ثقة!
إنكار بطرس → متى 26:31-35، 69-75
كان يسوع قد جاء لتوّه إلى جبل الزيتون، بعد أن أسّس مع تلاميذه عهد العشاء الربّانيّ. وهو الآن يُعلّمهم أنّه على وشك أن يُؤخذ من بينهم.
يقول يسوع لتلاميذه: «كلّكم تشكّون فيّ في هذه الليلة». أمّا بطرس، في شجاعته وحماقته، فيقول: «وإن شكّ فيك الجميع فأنا لا أشكّ أبدًا!» (متى 26:31-33). فما أشدّ ما لا بدّ أنّه ندم على تلك الكلمات بعد ساعاتٍ قليلة فقط! وإنّي لأُشفق على بطرس، لأنّه يُشبهني أنا كثيرًا! فما أروع المخلّص الذي لنا، الذي إذ شعر بألم بطرس، ظهر له هو أوّلًا بعد قيامته، وقبل أن يراه سائر التلاميذ (لوقا 24:34). ولا يسعني إلّا أن أتخيّل ذلك المشهد، وهما يتصالحان معًا من جديد بمحبّة المخلّص.
ودخل يوحنا وبطرس إلى دار رئيس الكهنة، حيث كان يسوع يُحاكَم هناك. وفيما كان بطرس يجتاز مدخل الدار، قالت له جاريةٌ صغيرة: «ألستَ أنت أيضًا من تلاميذه؟» فأجاب: «لستُ أنا!» ثم أنكر ربّه بعد ذلك مرّتين أُخريين، وأضاف إلى إنكاره بعض الأيمان الغليظة المنتقاة، قبل أن يصيح الديك.
وإنّي أحبّ أن أتخيّل تلك الجارية الصغيرة وسؤالها. أفلم يكن من الممكن أنّها كانت مهتمّةً بأمر الربّ، وأنّها كانت تريد أن تعرف عنه أكثر ممّا تعرف؟ ولو أنّ بطرس اعترف بأنّه واحدٌ من تلاميذه، أفما كانت تطلب إليه أن يحدّثها عن صديقه ذاك، إذ كانت هي أيضًا تشتهي أن تحبّه؟ ولكنّ بطرس عثر، وكانت نتيجة عثرته: بلا شهادة!
كثيرون يرجعون إلى الوراء → يوحنا 6:53-61
في هذا المقطع، يتكلّم يسوع بأمورٍ صعبةٍ قاسية إلى الذين كانوا يتبعونه. فهو يدعوهم إلى أن «تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه» (يوحنا 6:53). ونحن اليوم، إذ ننظر إلى الوراء، نفهم هذا في ضوء كأس العشاء الربّانيّ والعهد الجديد الذي دعانا إليه، ولكنّه كان عندهم هم كلامًا صعبًا عسيرًا على الفهم.
فسألهم يسوع قائلًا: «أهذا يُعثركم؟»
فهل تعثُر أنت أيضًا بدعوته إلى تلك التلمذة التي يطلبها عهد العشاء الربّانيّ؟ تلك التلمذة التي هي التحدّي الأساسيّ في هذا الكتاب؟ لقد كانت نتيجة عثرتهم أنّ كثيرين من تلاميذه رجعوا إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه (يوحنا 6:66). فكانت نتيجة عثرتهم: بلا شركة.
فهذه إذًا خمسة أمثلةٍ كتابيّة لأناسٍ أخذتهم العثرة، فكانت النتيجة أنّهم فقدوا ثمرهم، وثقتهم، وشهادتهم. وكان بينهم انقسامٌ وعدم اتّفاق، ولم يصنع الله في وسطهم أيّة معجزةٍ من المعجزات! ومن ثمّ نستطيع أن نتيقّن أنّ الشيطان قد شمت بهم.