فصل 10 · قراءة 13 د
النفس المجروحة
يعرض علينا الكتاب المقدّس بوضوح مكايد الشيطان كما تُرى في: ● الأسد الزائر الذي يؤثّر في عواطفنا.
● سهام الأكاذيب التي تؤثّر في أفكارنا.
● «قرود» العثرة التي تؤثّر في سلامنا.
غير أنّ أشدّ مكايده فعاليّةً ليست مفهومةً بمثل هذا الوضوح. لقد جعلك هدفًا له من قبل أن تولد. وهو ليس عالمًا بكلّ شيء، فلا يعلم إن كنتَ ستصير مؤمنًا وخصمًا له في المعركة، ولذلك حاول أن يجرحك قبل أن تكون واعيًا لوجود أيّ معركة على الإطلاق. وهذا ظاهر في العدد الكبير من الأشخاص «المختلّين» الذين في كنائسنا، ولكنّني أؤمن أنّ هناك كثيرين غيرهم يصارعون، وهم لا يدرون شيئًا عن جرحهم.
خليقة جديدة
لمّا صرتُ مؤمنًا، عُلّمتُ أنّه «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلّ قد صار جديدًا» (2 كورنثوس 5: 17). وقد استُخدمت هذه الآية لتوبيخي بشأن الأمور الصغيرة من الطبيعة العتيقة التي كانت لا تزال موجودة في حياتي. وكان طبيعيًّا أن أُدفَع إلى الشعور بالذنب. وكنتُ أخفّف عن نفسي ذلك الشعور بأن أقول في نفسي إنّ عاداتي القديمة ليست في مثل سوء بعض ما كنتُ أراه في غيري. وكنّا سريعين جدًّا إلى إدانة أولئك الذين لم يكونوا قادرين مثلنا على التغلّب على عاداتهم القديمة، ولا سيّما تلك «الخطايا» الظاهرة كالتدخين وشرب الخمر، ناهيك عن الرقص ومعاشرة الذين يفعلون مثل هذه الأمور! وأنا مسرور أنّني قد وصلتُ إلى فهم هذه الآية فهمًا أفضل، وإلى أن أفهم شيئًا أكثر عن نعمة الله.
فالشكر لله أنّنا في المسيح مقبولون كلّ القبول ومصالَحون مع الآب — وأنّنا قد تبرّرنا، وغُفر لنا، وصرنا خلائق جديدة. غير أنّ أسناني، حين اهتديتُ، لم تُلقِ عنها حشواتها، ولم ترجع إلى ذلك البياض الناصع الذي كان لها في شبابي قبل أن يصيبها التسوّس. بل الحقيقة أنّ جسدي لم يُجعَل خليقةً جديدة، وإنّما هو ماضٍ في الموت يومًا فيومًا.
إنّ «الخليقة الجديدة» تشير إلى ذلك الجزء منّي الذي كان فيما مضى ميتًا — أي روحي. وأنا أدرك أنّ هناك التباسًا كثيرًا حول الفرق بين النفس والروح، ولكنّي، لغرض هذا الكتاب، سأسمّي «الروح» ذلك الجزء منّي الذي، إذ صار الآن حيًّا لله، يميّزني عن الإنسان غير المهتدي الذي روحه ميتة، مهما يكن ذلك الإنسان نبيلًا أو متديّنًا. فهو، مثلي تمامًا، له جسد على درجات متفاوتة من الصحّة، ولكنّه لا بدّ أن يموت يومًا ما، ما لم يأتِ الربّ قبل ذلك.
ونحن أيضًا لنا نفوس — أي عقولنا، وإرادتنا، وعواطفنا.
حتّى الإنسان غير المسيحيّ له نفس حيّة. وعند الاهتداء لا تُجعَل هذه النفوس خليقةً جديدة؛ فهي تحمل جراحًا كثيرة من الماضي، وتوفّر للشيطان ساحة معركة خصبة. وهو يعرف تلك الجراح — وكيف لا يعرفها، وقد كانت جنوده نشيطة جدًّا في إحداثها! وقد ظللنا زمنًا أطول ممّا ينبغي نجعل كثيرين من المؤمنين الجدد (وبعض القدامى منهم) يشعرون بأنّهم غير أكفّاء في المعركة، إذ نطالبهم بأن يكونوا أنضج ممّا سمحت لهم به نفوسهم المجروحة. لقد حثثناهم على الركض ونفوسهم عرجاء — وعلى القتال وعضلاتهم قد ضمرت! وكان الأولى بنا، عوضًا عن ذلك، أن نخدم أوجاعهم وجراحهم، وأن نحمل إليهم الشفاء بالتعليم الكتابيّ، لأنّ الربّ قد أعطانا خدمة المصالحة (2 كورنثوس 5: 18-19).
رضوض النفس
كثيرون من الناس خضعوا معظم حياتهم لنقد متواصل وإساءة بالكلام، ربّما من أحد الوالدين أو من الإخوة والأخوات. وشخصيّتهم المنطوية تدعو الآخرين إلى الاستمرار في هذه الإساءة في المدرسة أو في العمل، ثمّ يدخلون سنّ الرشد وعلى نفوسهم «رضوض» كبيرة. وكثيرًا ما يُتّهمون بأنّهم مفرطو الحساسيّة، وهم كذلك بالفعل، نتيجةً لتلك الإساءة. وهم يؤدّون عملهم على ما يُرام إلى أن يُنتقدوا من جديد، فإذا بهم عاجزون عن احتمال الألم. فتتكوّن رضوض جديدة، ويصير كلّ نقد جديد، حقيقيًّا كان أم متوهَّمًا، كأنّه لكمة على الرضّ.
كان بيتر قد نشأ في بيت مسيحيّ، ولكنّه بيت كئيب. وكان ابنًا وحيدًا، وأصدقاؤه قليلون. ولم يكن مسموحًا له أن يُحضر أصدقاءه من المدرسة إلى البيت لأنّهم «عالميّون»، ولم يكن في الكنيسة الصغيرة التي كانت عائلته تذهب إليها شبّان آخرون في مثل سنّه. ولم يستطع قطّ أن يبلغ تمامًا ما كان أبوه يتوقّعه منه أو يطالبه به، ولم يكن قادرًا على الاحتفاظ بعمل مدّة طويلة. ولم يُجعَل يومًا يشعر بأنّه صالح بما فيه الكفاية لأن يكون مقبولًا. وفي منتصف الثلاثينات من عمره ترك البيت وذهب ليعمل في إرساليّة مسيحيّة، حيث صادقه ثلاثة رجال آخرين. وبدأ يجد لذّةً في عمله وفي أصدقائه، وصار جزءًا مقبولًا في تلك الخدمة، إلى أن أعلن كلّ واحد من أصدقائه الثلاثة، بعد أن أمضى هناك سنةً ونيّفًا، أنّه سيرحل قريبًا ليعمل في مكان آخر.
وعوضًا عن الحزن المعتاد الذي يتوقّعه المرء، بدأ بيتر يتصرّف تصرّفًا غريبًا. فقد تعمّد أن يجعل أصدقاءه المرتحلين يكرهونه. فكان مثلًا يستعير شيئًا من أحدهم ثمّ يكسره عن قصد، مدّعيًا أنّ ذلك كان حادثًا عرضيًّا. وهكذا ترك كلّ واحد من أولئك الأصدقاء الإرساليّة وقد تعثّر ببيتر.
فلماذا يا تُرى تصرّف على هذا النحو؟ لقد أخبرني أنّ الأمر قد بدأ بعد رجوعه مباشرةً من عطلة — عطلة قضاها في البيت. ولم تكن تلك أيّامًا طيّبة، وقد كان مسرورًا بالرجوع إلى الإرساليّة. ولمّا أشرتُ عليه بأنّ ما لاقاه في البيت من مزيد من النقد قد أحدث رضوضًا جديدة على نفسه، وأنّ رحيل أصدقائه قد كان أشبه بلكمات على تلك الرضوض، انهار بيتر وأخذ يبكي. وصرّح قائلًا: «هذا بالضبط هو ما أشعر به؛ إنّ رحيلهم لم يزد إلّا في شعوري بأنّني غير مستحقّ للمحبّة والقبول». أمّا اليوم فإنّ بيتر يسلك في حرّيّة جديدة، وهو يعرف استحقاقه الذي له في المسيح.
جراح الطعن
وعند آخرين قد يكون الجرح ناشئًا عن فعل واحد — جرح شبيه بجرح الطعنة. وخير مثال على ذلك، بالطبع، هو الطفل الذي يُعتدى عليه جنسيًّا من إنسان محبوب موثوق به. وفي مثل هذه الحالة لا يفهم الطفل أنّه هو الضحيّة لا المذنب. وهو يخاف أن يتكلّم عن الحادثة، فيختار عوضًا عن ذلك أن يدفنها في ذاكرته.
وبعد حين من الزمان يُغطّى ذلك الجرح، فلا يسهل إخراجه إلى السطح لمواجهته، حتّى في سنّ الرشد.
وذلك «الرباط» الذي غُطّي به الجرح قد صار قيدًا يؤثّر في نواحٍ أخرى من شخصيّة ذلك الراشد. إنّ نفسًا كهذه تحتاج إلى الشفاء!
ولمّا سألتُ أليك لماذا لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب، روى لي قصّةً محزنة. فقد أفرطت أمّه في تدليله أربع سنوات، إذ كان ابنها الوحيد، بعد أن تركهما أبوه ومضى. ثمّ ظهر في حياتهما أب آخر — أب لم يكن يحبّ أليك ولا يريده حوله. فعرف سريعًا ألم الرفض العميق.
وفي سنّ الخامسة دخل أليك المدرسة الابتدائيّة، حيث كان يجلس في آخر الصفّ شاردًا في أحلام اليقظة. وهو يذكر جيّدًا تلك المرّة التي صرخ فيها في وجهه معلّم طائش: «يا أليك، ما أنت إلّا غبيّ!». فقالت تلك النفس الصغيرة الموجوعة في داخلها: «إن كان هذا ما تظنّه فيّ، فهذا ما سأكونه!». وعقد العزم، وهو طفل صغير، على ألّا يدرس أبدًا إرضاءً لذلك المعلّم… وهكذا نشأ حتّى صار فتًى أمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب!
فهل كان أليك ذكيًّا بما يكفي ليتعلّم؟ بعد شهر واحد فقط من حديثنا، كان أليك يقرأ كلّ الأخبار الرياضيّة في الصحيفة اليوميّة! فقد كان معجبًا بفتاة، وكان لديه دافع أن يسلك في طريق الشفاء. وقد استخدمتُ معرفته بنجوم الرياضة وصورهم في الصحف لأشجّعه على قراءة الكلمات التي تشرح تلك الصور.
وسرعان ما لم يعد محتاجًا إلى الصور، ورحتُ أراقب اعتداده بنفسه وهو ينمو إذ بدأ يقرأ قراءة فهم. فما أكثر المعلّمين والوالدين وغيرهم ممّن لن يعرفوا أبدًا الأثر السلبيّ الذي تركته جراح الطعن التي أحدثتها كلماتهم الطائشة في نفوس صغيرة كثيرة. وما أكثر البالغين اليوم الذين ما زالوا يحملون قشور تلك الجراح وندوبها على نفوسهم!
الخدوش
ثمّ هناك ذلك الصنف من الجراح الذي هو أشبه بالخدش. وهي في العادة لا تترك ندبةً ولا قيدًا دائمًا، ولكنّها قد تنزف نزفًا غزيرًا ساعة وقوع الإصابة. غير أنّها إن لم تُعالَج علاجًا صحيحًا، فقد تتقيّح وتُحدث بعد ذلك أذًى أشدّ بكثير. وأنا أرى مثل هذه الجراح تصيب النفس حين يمرّ الإنسان بإحباط أو بخيبة أمل كبيرة. ويرافق ذلك شعور بالعجز والوحدة، وتكون الدفاعات الروحيّة منهارة.
وهذا هو الوقت الذي نحتاج فيه أن نلتفّ حول ذلك الإنسان الموجوع في مؤازرة رقيقة. إنّه وقت التعاطف معه والتفهّم له.
كانت ماري قد مرضت بداء «إبشتاين-بار»، أو «إنفلونزا الميسورين»، الذي عُرف على نطاق واسع بأنّه مرض التسعينات. وكان من الصعب عليها ألّا تعرف كم من الوقت يُرجَّح أن تبقى مريضة، إذ لم يكن لدى الأطبّاء علاج جاهز له. وكان أعضاء كنيستها يصلّون من أجلها، ولكنّها كانت تتمنّى لو يأتي أحد ليزورها. فلم يأتِ أحد، وكانت حجّتهم أنّهم غير متأكّدين إن كان مثل هذا المرض مُعديًا. وكان ذلك صعب القبول، ولكنّ ماري قبلته بنعمة. ثمّ جاءتها ذات يوم مكالمة هاتفيّة سبّبت «نزفًا» كثيرًا في نفسها. فقد اتّصلت بها أعزّ صديقاتها لتخبرها أنّ الكنيسة قد كفّت عن الصلاة من أجل ماري، لأنّه من الواضح أنّها لا تمارس الإيمان. وكان تعليلها أنّها لو كانت تفعل ذلك، لكانت قد شُفيت قبل ذلك الحين.
الكسور
فلنمضِ في استعاراتنا. فهل توجد في النفس جراح من قبيل الكسور؟ نعم، وهناك مؤمنون كثيرون يعرجون في طريق الحياة بسبب اختبار مؤلم مرّ بهم. وقد يكون ذلك موت حبيب، أو خطبةً انفصمت، أو حادثًا من حوادث الحياة. لقد أقعدهم ذلك الاختبار، فلم يتعلّموا قطّ أن يمشوا من جديد.
دخلت ميليندا في مشاجرة مع أمّها، دفعتها في أثنائها بشيء من العنف. وبعد بضعة أشهر شُخّصت حالة الأمّ على أنّها سرطان في الثدي، وفي غضون سنة كانت قد ماتت. ولم تُفلح أيّ حجّة في إقناع ميليندا بأنّ دفعتها لم تُحدث السرطان في أمّها. فلم تكن تريد أن تغفر لنفسها، ولم تستطع أن تقبل غفران الربّ. لقد كانت امرأةً محطّمة حين قابلتها، وهي إلى يومنا هذا لا تزال مقعدة.
«يردّ نفسي»
إنّي على يقين من أنّ كثيرين من المؤمنين اليوم نفوسهم مجروحة. وأنا على يقين أيضًا من أنّ الربّ يريد أن يشفي تلك الجراح — أن يردّ النفس. لقد كان داود المرنّم مذنبًا بالزنى والقتل؛ وقد حمل في نفسه جراحًا فظيعة، ومع ذلك استطاع أن يقول: «الربّ راعيَّ… يردّ نفسي» (المزمور 23: 3).
وهناك أيضًا جراح تنشأ عن أفعالنا نحن. ويبدو لي أنّنا حين نتصرّف عن عمد على خلاف كلمة الله الصريحة، فإنّنا نُحدث جراحنا بأنفسنا. فالعلاقة الجنسيّة خارج الزواج والطلاق يُحدثان دائمًا نفوسًا مجروحة تحتاج إلى الشفاء بنعمة الله. وكن على ثقة تامّة أنّ مشيئته أن يأتي بمثل هذا الشفاء. بل إنّي أرى في هذا عمل التقديس الحقيقيّ — أي القسم الثاني من الخلاص.
التبرير هو حين يكون الإنسان قد أُطلق حرًّا من عقوبة الخطيّة: أي الخلاص الذي لروحه. وهذا هو العمل الذي أتمّه الروح القدس من قبلُ.
والتقديس هو حين يكون الإنسان قد أُطلق حرًّا من سلطان الخطيّة: أي الخلاص الذي لنفسه. وهذا هو العمل الذي يعمله الروح القدس في الوقت الحاضر.
والتمجيد هو حين يكون الإنسان قد أُطلق حرًّا من حضور الخطيّة: أي الخلاص الذي للجسد. وهذا هو العمل الذي لم يعمله الروح القدس بعدُ.
ولهذه الأسباب كلّها نحن ندعوه المخلّص!
الصيّاد بالصنّارة
لقد شبّهنا الشيطان بأسد زائر وبرامٍ بالسهام؛ غير أنّه يبدو لي أنّ أشدّ أسلحته فعاليّةً في الحرب هو أشبه بصنّارة الصيّاد وقصبته — فهو يعرف تمامًا أين تقع جراح نفوسنا. وكيف لا، وقد كان له اليد الطولى في إحداثها. فمتى تهيّأنا للدخول في المعركة في السماويّات، ألقى خيطه، وعلّق الصنّارة في الجرح، وتلاعب بالنفس حتّى يجعلها بلا فاعليّة.
قصّة شخصيّة
في أوائل سنة 1990 صرتُ منخرطًا انخراطًا وثيقًا في عمل جديد من أعمال الله بين الشعوب الأصليّة في غربيّ كندا. وكانت المعركة الروحيّة هناك شديدة. وفي الوقت نفسه توقّفتُ عن النوم. وقد جرّب طبيبي أدويةً كثيرةً مختلفة ليجعلني أنام، ولكن مضت عدّة أسابيع قبل أن يُوجَد سبيل يمنعني من أن أظلّ مستلقيًا مستيقظًا طول الليل. وظنّ كثيرون أنّني تحت لعنة من لعنات الهنود، فكانت تصلني رسائل ومكالمات هاتفيّة للتشجيع من كلّ أنحاء شمال غربيّ أمريكا وكندا. وطلبتُ من تشارلز وكلوديا، وهما راعٍ آخر وزوجته، أن يصلّيا من أجلي، فقالت لي حينئذ إنّها تشعر بأنّ عليّ «روح هجران فظيعًا». ولم يكن لي أدنى فهم لما تعنيه.
وبعد ذلك بوقت قصير دُعيتُ لأقضي أسبوعًا في خلوة أنجليكانيّة لرجال الإكليروس وزوجاتهم. وهناك قيل لي إنّ هناك ناحيةً من نواحي عواطفي مفقودة، وإنّ لهذا الأمر علاقةً وثيقة بموت أمّي. فقد كانت أمّي قد ماتت وأنا لا أزال في سنّ المراهقة، ومع أنّني لم أبكِ في ذلك الحين بكاء الحداد الطبيعيّ، فقد كنتُ أظنّ أنّني قد تعاملتُ مع موتها تعاملًا حسنًا جدًّا. وهأنذا الآن يُقال لي إنّ لهذا الأمر صلةً بأرقي وعدم نومي؟ ومع ذلك ما زلتُ لا أفهم شيئًا.
وبعد أربعة أشهر عرضتُ أن أستقيل من منصبي في الكنيسة، ولكنّ الشيوخ والأعضاء لم يسمحوا لي بذلك. بل عوضًا عن ذلك أظهروا لي محبّةً كثيرة، هم وجسد الكنيسة الأكبر في مدينتنا.
وبعد ثمانية أشهر دخلتُ مستشفى جامعة فانكوفر مريضًا في عيادة النوم، حيث شُخّصت حالتي بأنّه قد حدث خلل جسديّ في إنتاج جسمي للموادّ الكيميائيّة العصبيّة التي تجلب النوم. وقد عزا الأخصّائيّ ذلك إلى الإجهاد. وفي الأسبوع التالي استطعتُ أن أستقيل من الكنيسة، التي كانت نسبة الحضور فيها قد انخفضت الآن إلى ستّين في المئة ممّا كانت عليه في مطلع تلك السنة.
وفي يوم الثلاثاء التالي كنتُ مع مجموعة من أعزّ أصدقائي، وهم رعاة آخرون كانوا يجتمعون معًا كلّ أسبوع للصلاة. ولمّا فرغنا من فطورنا قال لي أحدهم: «يا غاريث، إنّي أشعر بروح هجران فظيع عليك!». وكانت هذه هي الكلمات نفسها التي سمعتها قبل ذلك بتسعة أشهر تقريبًا. ولمّا رجعتُ إلى البيت اتّصلتُ بكلوديا لأطلب منها أن تشرح لي ماذا كانت تعني بكلامها. فقالت لي أن أجلس في تلك الأمسية وأعود بذاكرتي على حياتي كلّها، باحثًا عن الأوقات التي ربّما شعر فيها الولد الصغير الذي في داخلي بالهجران.
وقد دُهشتُ أنا وزوجتي آن ونحن نتأمّل في مراحل حياتي المختلفة — فقد كانت هناك مرّات كثيرة جدًّا شعرتُ فيها بألم الهجران، وليس أقلّها موت أمّي وأنا في الرابعة عشرة من عمري. لم أبكِ حينئذ، ولكنّي حزنتُ عليها مدّةً بعد ذلك. وفي وقت متأخّر من تلك الأمسية نفسها استرخيتُ لأقرأ رواية عن الحروب الصليبيّة في القرن الثالث عشر.
كان فارسان يقودان رجالهما إلى المعركة في حقول فرنسا. وفجأةً صارا وجهًا لوجه؛ غير أنّ السير روفوس كان قد جُرح، وكان منحنيًا متهالكًا على سرجه وسيفه متدلٍّ إلى جانبه. فأسرع عدوّه، السير نايجل، راكبًا نحوه، رافعًا سيفه الجبّار ليقتل خصمه. وفي اللحظة التي كان سيوجّه فيها الضربة القاتلة، انطلقت في الهواء تسعة سهام من رماة السير روفوس فأصابت هدفها تحت إبط السير نايجل. لقد كانت تلك السهام عديمة الجدوى أمام درعه، ولكنّها كانت شديدة الفعاليّة عند نقطة ضعفه، حيث لا يمكن أن يُلبَس درع. فأحسستُ أنّ روح الربّ يكلّمني.
«يا غاريث، قد تلبس سلاح الله الكامل، ولكنّك حين تخرج إلى المعركة ضدّ العدوّ، فاعلم أنّه يعرف تمامًا أين تقع أضعف مواضعك — وموضعك أنت هو الهجران. ولا بدّ أن تُشفى تلك المواضع إن أردتَ أن تكون فعّالًا في المعركة!».
وقد بدأتُ الآن أفهم لماذا كان الناس ينصرفون شيئًا فشيئًا عن كنيستنا على مدى السنتين الماضيتين. فقد كان ثلاثة من الشيوخ قد رحلوا بسبب انتقال أعمالهم إلى أماكن أخرى، وحلّ محلّهم ثلاثة رجال صالحون آخرون؛ غير أنّ مجلس الشيوخ الجديد لم تكن له المواهب اللازمة للمحافظة على البرامج التي كان الرجال السابقون قد بدأوها، فلم يمضِ وقت طويل حتّى بدأ نزوح بطيء من الكنيسة. وكنتُ ألتقي في الشارع بأناس يهرعون إليّ ليقولوا لي إنّهم يحبّونني، ولكنّهم قد بدأوا يذهبون إلى كنيسة أخرى «لأنّ أولادنا يستمتعون كثيرًا جدًّا بخدمة الشبيبة التي عندهم». وكانت الأسباب كثيرة، ولكنّ قليلين منهم أظهروا من النعمة ما يحملهم على أن يأتوا إليّ ليخبروني بما ينوون. ولو كنتُ أعلم أنّهم يريدون الانتقال، لأعطيتهم بكلّ سرور رسائل تزكية.
ثمّ إنّي، إذ ازددتُ إعياءً، لم أعد أُطعم رعيّتي وأقودها كما تعوّدت منّي، فبدأ يرحل عدد أكبر. وعوضًا عن الرضا الذي تعوّدته، صار لي في كلّ أسبوع تقريبًا ألم رؤية مقعد آخر خالٍ في الكنيسة. ولأنّي كنتُ شديد الالتزام نحو شعبي، كان كلّ رحيل أشبه بطلاق مصغّر. وأنا واثق أنّ أحدًا من أولئك الناس ما كان ليجرحني عن عمد، ولكنّ العدوّ استخدم أفعالهم صنّارات في جراح الهجران التي فيّ. فلا عجب أنّ الطبيب سمّى ذلك إجهادًا، مع أنّي كنتُ أفتخر بأنّني لم أحمل قطّ مشكلات كنيستي معي إلى البيت!
وأودّ أن أضيف كلمة شخصيّة إلى القرّاء الذين قد يكونون عازمين على ترك كنيستهم المحلّيّة: افعلوا ذلك بالطريقة الصحيحة الأخلاقيّة. أعلِموا راعيكم بما تنوون فعله، لأنّكم ستُدهشون لو عرفتم على وجه التحديد بأيّ سهولة يجرح بعضنا بعضًا.