فصل 7 · قراءة 7 د
مكايد الشيطان
لمّا مات يسوع على الصليب ثم قام، غلب الشيطانَ وجنودَه الشيّاطين، ونزع عنهم كلّ سلطانهم، «إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جِهارًا» (كولوسي 2:15). وهم اليوم إنّما يُحاربون بالكذب والخداع والخوف، وهي أمورٌ يعمل الشيطان على إدخالها في كلّ مجالٍ من مجالات حياتنا: في مواقفنا، وفي عواطفنا، وفي أفكارنا، بل حتى في الجسد.
غير أنّه ليس لهم سلطانٌ في هذه المجالات إلّا بالقدر الذي نعطيه لهم نحن أنفسنا! وقد أعلن الرسول بولس أنّنا «لا نجهل أفكاره» (2 كورنثوس 2:11)، ولكن، وللأسف، ليس هذا هو الحال عند أكثر المؤمنين اليوم!
فرصة إبليس
هل سبق لك أن غضبت يومًا؟ بلى، لا شكّ في ذلك. وأنا أيضًا. وكذلك غضب يسوع حين رأى الصيارفة في الهيكل.
وأنا على يقينٍ أنّه غضب أيضًا حين رأى الجموع في فقرٍ مدقع وفي أمراضٍ كثيرة. وقد حزن قلبه حين رأى نتائج عصيان آدم وهي تقع على الجنس البشريّ كلّه. إنّ الشعور بالغضب ليس خطيّة. فالمشاعر في ذاتها ليست أخلاقيّة ولا غير أخلاقيّة — إنّها خارج دائرة الأخلاق. أمّا ما نصنعه نحن بمشاعرنا فله أهمّيّة كبرى. ويحثّنا بولس على أنّنا متى غضبنا فينبغي ألّا نُخطئ، ثم يمضي فيضيف: «لا تغرب الشمس على غيظكم» (أفسس 4:26).
علينا أن نعالج الأمر في حينه دون تأخير. فإن سمحنا للغضب الذي في داخلنا أن يتقيّح، أنتج مرارةً تسلبنا أفضل ما عند الله لنا. وما دمنا في هذا العالم، فسيُسيء إلينا الناس، وستأتي العثرات. وقد حذّرنا يسوع من ذلك (لوقا 17:1). وقد يكون وراء الغضب الذي في داخلنا سببٌ «وجيه»، ولكنّه قد أعطانا روحه القدوس لكي يُقدرنا أن نعرف النعمة في مثل تلك الأوقات.
«اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحدٌ الربّ، ملاحظين لئلّا يخيب أحدٌ من نعمة الله، لئلّا يطلع «أصل مرارة» ويصنع انزعاجًا فيتنجّس به كثيرون» (عبرانيين 12:15).
فإن لم نعالج الغضب بالطريقة اللائقة به (وهي التي سنتحدّث عنها في ما بعد)، فإنّنا نلعب تمامًا في يد العدوّ ونخدم مقاصده! ويمضي بولس في كلامه فيقول: «ولا تُعطوا إبليس مكانًا» (أفسس 4:27). ثم بعد ذلك، في المقطع نفسه من الكتاب حيث يعالج أحاديثنا بعضنا مع بعض، يحذّرنا من أنّنا قد نكون نُحزن الروح القدس (أفسس 4:30).
ومتى حملنا في داخلنا غضبًا (أو غيره من المواقف الخاطئة)، صار للعدوّ منفذٌ إلى أفكارنا، فينشر فيها أكاذيبه وخداعه ليدقّ الإسفين أعمق فأعمق. وسرعان ما يبدو أنّ المصالحة صارت مستحيلة، فيكون قد ربح تلك المعركة.
وقد حذّرنا يسوع أن نكون على حذرٍ فقال: «احترزوا لأنفسكم» (لوقا 17:3)، وأوصانا بولس أن نحرص كلّ الحرص لئلّا يطمع فينا الشيطان (2 كورنثوس 2:11). وكلا القولين وارد في سياق المغفرة لأولئك الذين نظنّ أنّهم قد أساءوا إلينا. فإنّ موقف عدم المغفرة (شأنه شأن الغضب) يُعطي العدوّ فرصةً ومكانًا وموطئ قدمٍ في حياتنا. أمّا الموقفان المضادّان لهما، أي المغفرة والسلام، فيهزمانه هزيمةً تامّة.
الأسد الزائر
هل سبق لك أن رأيت أسدًا يتربّص بفريسته؟ أمّا أنا فلم أرَ ذلك، ولكنّي أظنّه شبيهًا جدًّا بقطّي وهو يتربّص بالعصافير أو الفئران في حديقتنا. فهو ينبطح إلى الأرض انبطاحًا شديدًا، ويتحرّك ببطءٍ شديد، لئلّا يُنذر فريسته المقصودة بما ينوي أن يفعله بها. وهو بالتأكيد لا يُعلمها بقدومه بمواءٍ عالٍ!
فماذا يعني إذًا الرسول بطرس حين يقول لنا: «اصحوا واسهروا، لأنّ إبليس خصمكم كأسدٍ زائرٍ يجول ملتمسًا مَن يبتلعه هو» (1 بطرس 5:8)؟
نقرأ في كتاب «سياحة المسيحيّ» ليوحنا بنيان أنّ المسيحيّ كان يقترب من القصر الجميل الذي بُني لراحة المؤمنين وأمانهم. وعندئذٍ فهم لماذا مرّ به «الجبان» و«المرتاب»، وهما أيضًا من طالبي المدينة السماويّة، هاربين في خوفٍ شديد: فقد كان مدخل القصر يحرسه أسدان.
وفي الحال هبط قلب المسيحيّ في صدره، وخاف هو أيضًا.
ولو أنّ أسدًا اندفع داخلًا إلى غرفتك وزأر في وجهك، فإنّي أتصوّر أنّك ستتصرّف مثلهما تمامًا — مملوءًا خوفًا! وأنا كنت سأفعل ذلك!
هكذا تفعل الأسود الزائرة فينا — إنّها تبعث الرعب في النفوس.
ثم لم يلبث المسيحيّ أن لاحظ أنّ الأسدين مقيّدان بسلاسل، وأنّه ما دام يسلك في الطريق الضيّق الذي بينهما، فلن يقدر واحدٌ منهما أن يصل إليه ليؤذيه. وعلينا أن نفهم أنّ هذا الأسد، أي الشيطان، قد قُلعت أسنانه وقُيّد بالسلاسل.
فهو لا يقدر أن يؤذي شعب الله ما دمنا نحن نلزم الطريق الضيّق. وحتى حين نحيد بأقدامنا عن ذلك الطريق، تمتدّ محبّة الآب لتردّنا إليه قبل أن يقدر العدوّ أن يُهلكنا. غير أنّه سيزأر، وكثيرون هم الذين يُهزمون حين تتفاعل عواطفهم مع ذلك الزئير.
وزئيره في كثيرٍ من الأحيان زئير المشتكي، يحمل الدينونة.
كانت تلك أوّل مرّة تُغنّي فيها ماري المقاطع المنفردة في جوقة الشباب. وقد سار كلّ شيءٍ على ما يُرام، إلّا تلك النغمة العالية في اللازمة، حيث جاء صوتها ضعيفًا مهتزًّا بعض الشيء. ولم يكن سوى صوتٍ هادئ يهمس في أذنها ويقول لها: «لقد جعلتِ من نفسك أُضحوكة»، ولكنّه كان زئير الأسد. فنذرت ألّا تُغنّي أمام الناس مرّةً أخرى أبدًا.
كانت آمال القسّ جون كبيرةً جدًّا حين بدأ خدمته في كنيسة القدّيس بطرس. وها هو الآن، بعد سنتين فقط، يرحل عنها.
فمجموعة الشباب لم تنمُ في العدد كما كان الراعي الأوّل يتوقّع، ولذلك طُلب من جون أن يترك الخدمة. وزأر الأسد قائلًا: «لن تنجح راعيًا أبدًا. أنت فاشل!» وبعد أسبوعٍ واحد، تقدّم من جديدٍ بطلبٍ للوظيفة الدنيويّة التي كان قد تركها يوم آمن أوّل مرّةٍ أنّ الله قد دعاه إلى الرعاية.
وسقط أليك مرّةً أخرى. فكم كان يتوق إلى أن يتحرّر من عادة التدخين القذرة هذه، ولكنّ التجربة كانت أقوى منه حين قُدّمت له تلك السيجارة. وها هو الآن يشعر بالذنب، والأسد يزأر: «لا يقدر الله أن يستخدمك. أنت تخذله في كلّ حين!»
وليس الأسد يزأر عند كلّ سقطةٍ أو إخفاقٍ فحسب، بل هو يعرف أيّ عواطفنا هي الأقرب إلى أن تتأثّر بذلك الزئير. فعند بعض الناس هي عاطفة الشعور بالذنب، وعند غيرهم هي عاطفة الخوف. وكثيرون غيرهم يتفاعلون مع زئيره بعواطف احتقار الذات وفقدان الثقة بالنفس. فأين تتفاعل أنت مع زئيره؟
وما أشدّ الحزن حين يأتي زئير الأسد على لسان مؤمنٍ آخر في تعليقٍ طائشٍ لا فكر فيه! فما أهمّ أن يُثبّت بعضنا بعضًا في جسد المسيح ويشجّعه، لكي نُبطل الأكاذيب — أي زئير إبليس!
الرامي بالسهام
حين يوشك المرء أن يخوض معركة، فمن الخير له أن يحتلّ الأرض المرتفعة. فذلك يُمكّنك من أن ترى تحرّكات عدوّك، حتى تستطيع أن تتّخذ الخطوات المناسبة لتصدّها. وعلينا نحن المؤمنين أن نفهم ذلك الامتياز العظيم الذي لنا، أي كوننا «في المسيح». فبولس يُعلن أنّ الله قد رفع يسوع «فوق كلّ رياسة وسلطان وقوّة وسيادة» (أفسس 1:21).
وهذه الأسماء، عند اليهود، هي أسماء رتب جيش الشيطان من الأرواح الشرّيرة، ولكنّها كلّها تحت قدمي المسيح بمراحل بعيدة. فقد سحق هو رأس سيّدها، وصار له عليها كلّ سلطان. وهو يشاء لنا نحن أن نمارس ذلك السلطان الذي له، لكي نتعلّم أن نكون غالبين. فالذين يريدون أن يملكوا معه لا بدّ أن يكونوا مستحقّين أن يلبسوا إكليلًا، والأكاليل إنّما تُعطى للغالبين وحدهم دون سواهم.
«[المسيح] أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويّات في المسيح يسوع» (أفسس 2:6).
وعلينا نحن أن نحيا على تلك الأرض المرتفعة، حيث لا سبيل للشيطان أن يصل إلينا إلّا بأن يرمينا من بعيدٍ بسهامه الملتهبة. وقد زُوّدنا نحن أيضًا بدفاعٍ أكيدٍ ضدّ تلك القذائف المشتعلة، وذلك حين يكتب بولس: «حاملين فوق الكلّ ترس الإيمان، الذي به تقدرون أن تُطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة» (أفسس 6:16). فحين يُلقي العدوّ علينا أكاذيبه واتّهاماته، نرفع نحن في وجهه ترس الإيمان، ذاكرين أنّ «الإيمان بالخبر… بكلمة الله» (رومية 10:17).
فنحن في حاجةٍ إلى أن نعرف من نحن، وما هي امتيازات كوننا «في المسيح».
أنا… ● ابنٌ من أبناء الله (يوحنا 1:12).
● صديقٌ ليسوع (يوحنا 15:15).
● وارثٌ مع المسيح (رومية 8:17).
● ملتصقٌ بالربّ (1 كورنثوس 6:17).
● عضوٌ من أعضاء جسده (أفسس 5:30).
● مُصالَحٌ مع الله (2 كورنثوس 5:18).
● عملُ يدَي الله (أفسس 2:10).
● مواطنٌ في السماء (فيلبي 3:20).
● خليقةٌ جديدة (2 كورنثوس 5:17).
● مختارٌ من الله (كولوسي 3:12).
● قدّيس (أفسس 1:1).
● غريبٌ عن هذا العالم (1 بطرس 2:11).
● ما أنا عليه بنعمة الله (1 كورنثوس 15:10).
● عدوٌّ للشيطان (1 بطرس 5:8).
● لابسٌ ثوب البرّ (أفسس 4:24).
● موضع سكنى الله (1 كورنثوس 3:16).
● واحدٌ من جنسٍ مختار، ومن كهنوتٍ ملوكيّ، ومن أُمّةٍ مقدّسة، ومن شعبٍ اقتناه الله لنفسه (1 بطرس 2:9-10).
في المسيح أنا… ● مغفورٌ لي تمامًا (رومية 5:1).
● مبارَكٌ بركةً عظيمة (أفسس 1:3).
● مختارٌ لكي أكون قدّيسًا (أفسس 1:4).
● مختومٌ بختم روحه القدّوس (أفسس 1:13).
● مُعيَّنٌ سابقًا لأكون ابنًا له (أفسس 1:5).
● لي المسيح ساكنًا فيّ (كولوسي 1:27).
● قد صرت مُكمَّلًا فيه (كولوسي 2:10).
● مُفتدًى من يد الشيطان (أفسس 1:7).
● جالسٌ معه في السماويّات (أفسس 2:6).
● حرٌّ من كلّ دينونة (رومية 8:1).
● لي دخولٌ مباشر إلى الله (أفسس 2:18).
● أستطيع أن أتقدّم إلى الله بثقة (أفسس 3:12).
ولقائمةٍ أوفى من هذه، اقرأ كتابك المقدّس!
كان الناس فيما مضى يعرفون علاجًا بسيطًا لأكثر العلل الصغيرة، فيقولون: «ما عليك إلّا أن تتناول قرصَي أسبرين وتذهب إلى فراشك!» وأنا اليوم عندي أيضًا علاجٌ بسيط أُقدّمه لأكثر ما يشنّه العدوّ علينا من هجماتٍ صغيرة.
خُذْ في كلّ يومٍ اثنتين من الآيات المذكورة أعلاه، وتأمّلْ فيهما مليًّا. فسرعان ما يقوى إيمانك ويشتدّ، وتصير السهام الملتهبة أقلّ تأثيرًا فيك.