فصل 6 · قراءة 7 د

الحقيقة المُفجعة

إنّ رغبة قلب الله، والأولوية الأولى التي تشغل قلب يسوع، هي أن يكون له شعبٌ تصير محبّة بعضهم لبعض، وما يتحلّون به من روح الخادم، شهادةً لهذا العالم حتى يصرخ الرجال والنساء طالبين أن يعرفوا ربّنا. إنّهم سيرغبون في أن يعرفوا سرّ ما لنا من سلامٍ وفرحٍ ووئام. وسيراقبون زيجاتنا وبيوتنا وأولادنا وأماكن عملنا، لا لكي ينتقدونا، بل لكي يعرفوا أسرارنا.

وبعد أن حثّ بولس قرّاءه على أن «امتلئوا بالروح»، وبيّن أنّ إحدى علامات هذا الامتلاء هي أن نكون «خاضعين بعضنا لبعض في خوف الله» (أفسس 5:21)، أعطانا أمثلةً على الصورة التي ينبغي أن تكون عليها علاقاتنا.

الزواج المسيحيّ → أفسس 5:22-33

لو كانت الزيجات المسيحيّة على ما يُفترض بها أن تكون عليه، والطرفان كلاهما ممتلئ بالروح وخاضعٌ للآخر، يُكرمه ويُفضّله على نفسه، لكانت هي السرّ المُعلَن أمام عالمٍ يراقبنا. حينئذٍ يرى الرجال تلك العلاقة التي تربط يسوع بعروسه، الكنيسة، فيَنجذبون إلى أن يعرفوه هو أيضًا أساسًا لزواجهم هم. ولكان هناك طريقٌ لا ينقطع من طالبي الحقّ يقصدون باب بيتنا أو باب كنيستنا، عوضًا عن أن يهرعوا، كما يفعلون اليوم، إلى محاكم الطلاق!

وكانت النساء يرغبن في أن يُكرمن أزواجهنّ فوق كلّ رجلٍ آخر، بسبب المحبّة التي ينلنها منهم، وكان الرجال يرغبون في أن يحبّوا زوجاتهم، بسبب الكرامة التي ينالونها منهنّ.

وعوضًا عن الحلقة المفرغة من الإساءة والانتقام، وهي الشائعة جدًّا في هذا العالم، لكانت هناك حلقةٌ لذيذة يبارك فيها كلُّ واحدٍ منّا الآخر في المسيح.

فكم هو مُفجعٌ أنّ الطلاق شائعٌ إلى هذا الحدّ بين المؤمنين المسيحيّين! فأيّ نوعٍ من الشهادة هذا؟

البيت المسيحيّ → أفسس 6:1-4

حيثما يكون الوالدان في علاقةٍ سليمة مع الربّ ومع بعضهما بعضًا، ينمو أولادهما ويَنضجون في بيتٍ آمنٍ مملوءٍ بالمحبّة. وأكثر ما أقوم به من إرشادٍ بصفتي راعيًا إنّما يتعلّق بجراحٍ نالها أولادٌ نشأوا في وضعٍ مختلفٍ عن ذلك تمامًا؛ إذ كثيرًا ما يُخفق الآباء «المسيحيّون» في تلمذة أولادهم (أو في تأديبهم)، فيُغيظونهم عوضًا عن ذلك (كولوسي 3:21).

يتحدّث المرشدون المسيحيّون اليوم عن الأُسَر المختلّة، حيث لا يمتلئ «خزّان المحبّة» عند الطفل بالمحبّة التي خُلق لكي يتقبّلها، وذلك لأنّ الوالدين المختلَّين عاجزان عن تقديم تلك المحبّة. فلا يختبر الطفل تلك المحبّة التي ثمرها الأمان والهويّة واحترام الذات والقبول والتشجيع. لا يختبر الطفل تلك المحبّة التي ثمرها الأمان والهويّة واحترام الذات والقبول والتشجيع.

وعوضًا عن أن ينشأوا أصحّاء في عواطفهم وأرواحهم، يصيرون مثل والديهم: مختلّين. ولا يتعلّمون قطّ أن يمشوا مرفوعي الرأس في عالمٍ من الأكتاف المنحنية والقلوب المنكسرة. أمّا الفراغ الذي في خزّان محبّتهم فيمتلئ بشيءٍ واحد: الغضب، الذي يُنتج حياةً من التمرّد على مقاصد الله. ومثل هؤلاء لا يتعلّمون قطّ أن يطيعوا والديهم في الربّ.

«أيّها الآباء، لا تُغيظوا أولادكم» (كولوسي 3:21).

وكم هو مُفجعٌ أنّ كثيرين جدًّا من الأولاد المتمرّدين إنّما هم ثمرة بيوتٍ «مسيحيّة»! فأيّ نوعٍ من الشهادة هذا؟

مكان العمل → أفسس 6:5-9

إنّ المؤمن الممتلئ بالروح مدعوٌّ إلى أن يكون شاهدًا في مكان عمله، بأن يُظهر روح الخادم أمام زملائه وأصحاب العمل، وأن يكون أهلًا للثقة فيُتقن عمله ويؤدّيه على أحسن وجه.

إنّي أعرف معلّمًا كانت مدرسته على وشك أن تُدمج مع مدرستين أُخريين ضمن عمليّة إعادة تنظيمٍ كبرى. فاجتمع جميع المعلّمين من المدارس الثلاث معًا ليؤلّفوا رابطةً للعاملين تتحدّث نيابةً عن المعلّمين أمام مجلس أمناء المدرسة، وتُعبّر عن رغباتهم في ما يخصّ تصميم مباني المدرسة الجديدة وشروط عملهم.

فرُشِّح أحد الرجال لمنصب رئيس هذه الرابطة الجديدة، وأيّده مؤيّد. ثم رُشّح رجلٌ آخر، وأيّده هو أيضًا مؤيّد. وبعد ذلك، وعلى غير ما كان يتوقّع البتّة، رُشّح صديقي هو أيضًا. وفي الحال سحب المرشَّحان الآخران اسميهما، لكي يؤيّدا هما ترشيح صديقي. ولم يُقدَّم بعد ذلك أيّ اسمٍ آخر، فانتُخب صديقي بالإجماع ليمثّل جميع العاملين. وإذ كان خارجًا من القاعة، عبّر لزميلٍ له عن دهشته فقال: «انتظرْ حتى أُخبر زوجتي بهذا! إنّها لن تصدّقني أبدًا!» فأجابه زميله: «ولماذا لا تصدّقك؟ فنحن جميعًا نعلم أنّك الوحيد بيننا الذي نثق أنّه يقول الحقّ دائمًا!»

وكان صديقي هو المسيحيّ الوحيد بين كبار العاملين في تلك المدارس.

وممّا يُحزن أنّ رجال الأعمال كثيرًا ما يقولون لي — وفيهم مسيحيّون — إنّ أسوأ من تتعامل معه تجاريًّا هم المسيحيّون.

فهم يريدون أن ينالوا منك أكثر ما يمكن مقابل أقلّ أجر. وهم أبخل الناس في البقشيش، وكثيرًا ما يكونون آخر من يسدّد ديونه! وبالطبع، قد يكون العالم يديننا نحن المؤمنين بقسوةٍ أشدّ ممّا يدين غيرنا، ولكنّ هذا أمرٌ متوقَّع!

إنّنا مدعوّون إلى أن تكون لنا روح الخادم. وينبغي أن نحيا على مستوًى من الالتزام وإتقان العمل أعلى ممّا للعالم! ولكن، ممّا يُحزن أنّنا جميعًا نعرف أصحاب عملٍ وعاملين مسيحيّين لا يُظهرون في عملهم ولا في علاقتهم بزملائهم أخلاقيّات من هو ممتلئ بالروح. فأيّ نوعٍ من الشهادة هذا؟

تسرُّب العاملين

تكشف أكثر الدراسات ذات الصلة أنّ السبب الأوّل لترك المرسَلين حقلَ الخدمة هو رداءة علاقاتهم الشخصيّة بغيرهم! فقد درسوا سنواتٍ طويلة في مدارس الكتاب المقدّس ومعاهد اللغات، وتدرّبوا في كنائسهم المحليّة، واستثمروا جزءًا كبيرًا من حياتهم في الإعداد؛ ثم بعد فترة خدمةٍ واحدة وراء البحار، عادوا إلى أوطانهم مُرّين خائبي الرجاء، يملؤهم الخجل والجرح. وما هكذا ينبغي أن يكون!

وفي أمريكا الشماليّة، متوسّط بقاء الراعي في الكنيسة المحليّة أقلّ من خمس سنوات. فالسنة الأولى شهر عسل، والثانية سنة أُلفة. أمّا الثالثة فتدبّ فيها خيبة الرجاء مع همهماتٍ من التذمّر؛ إذ يكون للراعي ولأعضاء الكنيسة على السواء توقّعاتٌ من بعضهم بعضًا لم تتحقّق.

وفي السنة الرابعة يطفو التذمّر على السطح، وكثيرًا ما يكون ذلك بمرارةٍ واتّهامات. فينحاز الناس إلى هذا الفريق أو ذاك، ويشتدّ الأوار كثيرًا، ثم يرحل الراعي وهو يقول عادةً: «لست مضطرًّا إلى احتمال هذا!» فأيّ نوعٍ من الشهادة هذا؟

المخاصمات في الكنيسة

هل سبق لك أن كنت طرفًا في خصامٍ داخل الكنيسة؟ وهو أمرٌ غير سارٍّ البتّة! أعرف كنيسةً كان فيها ذات يومٍ أكثر من ثلاثمئة شخص، وهي اليوم لم يعد لها وجود. ويبدو أنّ كلّ إنسانٍ في تلك المدينة يعرف جانبًا من القصّة، وكثيرون كانوا أمناء في الحضور يقولون اليوم إنّهم لن يذهبوا إلى كنيسةٍ بعد الآن!

إنّ الجراح حقيقيّة، لأنّ الخصام كان مُرًّا. فقد كان المؤمنون يُطلقون «الرصاص» بعضهم على بعض ويغتالون بعضهم بعضًا، وكان دويّ ذلك يتردّد في أرجاء المدينة كلّها. فشمت الشيطان، وبكى الربّ!

وبالطبع، فإنّ أكثر خصامنا يبقى داخل الجدران، أو يكون أخفى من أن يُرى. وقد قرأت مقالًا صحفيًّا مثيرًا للاهتمام يتحدّث عن مجموعةٍ من الخدّام أنشأوا مجموعات دعمٍ للرعاة الذين لديهم مظالم ضدّ كنائسهم أو ضدّ هيئاتهم الكنسيّة. وذكر المقال أنّ خدّامًا في إحدى الطوائف كانوا «يرفعون دعاوى قضائيّة يطلبون فيها مبالغ طائلة»، ثم أضاف أنّ الكنائس أشدّ قسوةً على رعاتها ممّا هي الشركات على موظّفيها، وأنّ أعنفها هي التي في التقليد الإنجيليّ (كريستشن ويك (كندا)، 21 يونيو 94).

انظرْ إلى إعلانات الكنائس مساء السبت في صحيفتك المحليّة، لترى كيف يتنافس بعضنا مع بعض في ميدان ربح مزيدٍ من الناس إلى كنيستنا — وهم في العادة قادمون من كنيسةٍ أخرى! ومن الموثّق جيّدًا أنّ أكثر نموّ الكنائس نموّ انتقالٍ لا نموّ اهتداء. وليست الحكايات الشخصيّة ممّا يُمدح، ولكن حدث لي مرّةً اختبارٌ طريف يستحقّ أن يُروى.

كان ذلك في مطلع السنة الجامعيّة، وقد وُجّهت الدعوة إلى جميع الرعاة المحليّين لكي يلتقوا بالطلاب ويحدّثوهم عن كنائسنا. وأُعطي كلّ واحدٍ منّا دقيقتين اثنتين ليعرض فيهما ما عنده.

وأخذت أُصغي إليهم والرعاة يمدحون، واحدًا بعد الآخر، محاسن كنائسهم ومزاياها. «عندنا مجموعة رائعة للجامعيّين وأصحاب المهن، وفي إمكاننا أن نُرسل حافلتنا إليكم لتُقلّكم إلينا.» «وستستمتعون حقًّا بموسيقانا — فهي حيويّة سريعة الإيقاع، تمامًا كما يحبّها الشباب!»

«ومعظم زملائكم الطلاب يحضرون إلى كنيستنا، لأنّ موقعنا قريبٌ من الحرم الجامعيّ.» وكنت أنا الراعي الثلاثين تقريبًا في ذلك الصفّ، وكنت أرعى عملًا صغيرًا يكافح من أجل البقاء. فلمّا وقفت، قلت للطلاب إنّنا كنيسة صغيرة ليست فيها برامج خاصّة، وإنّه ليس عندنا ما نقدّمه لهم سوى العمل، إن أرادوا أن يساعدونا في الوصول بالمسيح إلى الحيّ الذي نحن فيه.

ثم جلست في مكاني — وإذا بالطلاب ينفجرون بالتصفيق!

وفيما كانت الكنيسة تنمو، صار عددٌ كبير من جماعتنا من طلاب الجامعة. فلماذا يتنافس بعضنا مع بعض على الخراف، ونحن جميعًا نخدم الراعي العظيم نفسه؟ فأيّ نوعٍ من الشهادة هذا؟

لماذا نجد صعوبةً بالغة إلى هذا الحدّ في أن يُكرم بعضنا بعضًا، وأن يحبّ بعضنا بعضًا وأن يخدم بعضنا بعضًا؟ أهو مجرّدُ كبريائنا الذي يعترض الطريق، بينما نحن في الوقت نفسه نتكلّم عن كوننا ممتلئين بالروح؟ أم أنّنا ببساطة نجهل هذه الحقيقة: أنّنا في معركة، وأنّ العدوّ بالغ المكر والدهاء؟

فتيقّنْ من هذا كلّ اليقين! إن كانت أولويّة الربّ أن يكون له شعبٌ في علاقاتٍ سليمة بعضهم مع بعض، طاعةً لكلمته، فمن المؤكّد أنّ أولويّة الشيطان أن يُفسد هذه العلاقات! و«فرّقْ تسُدْ» شعارٌ يصلح أن يكون شعاره.

صفحة 1 / 5 · 7 دقيقة متبقية في الفصل