فصل 5 · قراءة 5 د

جسد المسيح

جسد واحد

«هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وأعضاء بعضًا لبعض، كلّ واحد للآخر» (رومية 12:5).

ويأخذ الرسول بولس موضوع صلاة الرب في العلّية ليعلّمنا أنّ العلاقة التي تدعو إليها خدمة بعضنا لبعض ومحبّة بعضنا لبعض، خير ما تتجلّى في مثال الجسد الحيّ. فهو يرى الكنيسة جسدَ المسيح الحيّ الذي أسّسه الله. فهي ليست تنظيمًا من صنع الإنسان، بل كائنًا حيًّا من صنع الله — حقيقة حيّة نابضة. وهي ميدان التدريب والتمرين على الخدمة وعلى المحبّة. ولهذا السبب كانت الشركة المسيحية بهذه الأهميّة البالغة.

وقد كتب جون دَن، وهو كاهن أنجليكاني من القرن السادس عشر: «ما من إنسان جزيرةٌ قائمة بذاتها؛ بل كلّ إنسان قطعة من القارّة، وجزء من الكلّ. فإن جرف البحر مَدَرةً من التراب، صارت أوروبا أنقص، كما لو جرف رأسًا من الرؤوس، أو ضيعةً لصديقك أو ضيعةً لك أنت: فموت أيّ إنسان ينقصني أنا، لأني داخل في جملة البشر، فلا ترسل أبدًا لتعرف لمن يُقرع الناقوس؛ إنه إنما يُقرع لأجلك أنت».

ومشاعره هذه قد تكون تمامًا مشاعر عضو في جسد المسيح، إذ يدرك اتّكاله المتبادل على سائر أجزاء ذلك الجسد.

ويعلّم الإسلام أنّ محمدًا قد دعاه الله ليكمّل ما أخفق يسوع في عمله! والمسلمون يعترفون بيسوع نبيًّا عظيمًا، لا يفوقه إلا محمد، لكنهم يعتقدون أنه أخفق من جهة أنه لم يقدر أن يجعل الناس جميعًا أمّة واحدة. والإسلام يدعو شعوب الأمم كلّها أن تكون واحدة بوصفها مسلمة. وقد أخفقوا في أن يفهموا أنّ الوحدة التي جاء يسوع ليأتي بها إنما كانت لأولئك الذين هم أعضاء في ملكوته، وهو ملكوت ليس من هذا العالم. فما أشدّ المأساة أن يكون في ذلك الملكوت انقسام بهذا الوضوح. فلا عجب أنّ الإسلام ينمو بهذه السرعة!

وعند الاهتداء، أي الولادة الجديدة، «اعتمدنا جميعنا بروح واحد إلى جسد واحد» (كورنثوس الأولى 12:13). وهذا يشمل المعمدانيين والأنجليكانيين والخمسينيين، وأيّ جماعة أخرى تنتمي أنت إليها. لا الطوائف بذاتها، بل الأفراد داخل كلّ تلك الجماعات، الذين يعرفون الرب مخلّصًا شخصيًّا لهم، ويعرفون أنّ خطاياهم قد غُفرت بالعمل الذي أُكمل على الجلجثة. ولا ينبغي الخلط بين المعموديّة إلى الجسد وبين المعموديّة بالروح، تلك التي اختبرها التلاميذ في يوم الخمسين، واختبرها كثيرون منذ ذلك اليوم. فالأولى هي «بالروح إلى الجسد»، أما الثانية فهي «بالرب يسوع إلى الروح» (لوقا 3:16). فعلينا أن نكون «في المسيح» لأجل التبرير، وعلى المسيح أن يكون «فينا» لأجل التقديس.

ملء الروح

إنّ أحد الانقسامات الكبرى في الجسد إنما يرجع إلى التعاليم المختلفة المتنوّعة بشأن معموديّة الروح هذه.

فهل الألسنة هي الدليل الأوّل على هذا الامتلاء؟ بل هل هي دليل عليه أصلًا؟ لست داخلًا في ذلك الجدال، إلا لأقول إننا، أيًّا كان الرأي الذي نأخذ به، لا ينبغي أن نجعل من خلافنا سببًا للانقسام، إذ نحن بذلك لا نُظهر يقينًا حقيقة أيّ ملء للروح القدس!

فهو يأتي ليجعل حضور المسيح ومشيئته أمرًا حقيقيًّا واقعيًّا لنا. وهو الذي يقودنا إلى الحقّ. وإني أجد أمرًا لافتًا للنظر جدًّا أنّ بولس، حين يحثّنا على أن «نمتلئوا بالروح» (أفسس 5:18)، يتبع ذلك بأن يعطينا ثلاثة أدلّة على حياة ممتلئة هكذا: 1. روح العبادة، مكلّمين بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانٍ روحيّة، مترنّمين ومرتّلين في قلوبكم للرب (أفسس 5:19).

2. روح الشكر، شاكرين كلّ حين على كلّ شيء في اسم ربّنا يسوع المسيح لله والآب (أفسس 5:20).

3. روح الخادم، وأن تخضعوا بعضكم لبعض في خوف المسيح (أفسس 5:21).

فلا تقل لي إنك مسيحيّ ممتلئ بالروح ما لم تكن هذه الثلاثة بيّنة ظاهرة في حياتك!

ثم يمضي بولس قُدُمًا في رسالته إلى أهل أفسس فيبيّن كيف يُعمل هذا الدليل الثالث ويتحقّق في علاقاتنا نحن: كزوج وزوجة، وأولاد ووالدين، وعبيد وسادة (أفسس 5:22-6:9).

الكنيسة المحلّية

لست أنا من الذين يعدّون الطوائف في ذاتها شرًّا. بل أعتقد أنّ الرب أقام معظمها لتمكّننا من أن ننضج كمؤمنين داخل جماعة من الناس هم أشبه ما يكونون بنا في الطبع والقناعة؛ غير أنّ تجمّعاتنا هذه متى صارت سببًا في انفصالنا عن الذين هم داخل جسد المسيح ولا يشاركوننا آراءنا في أساليب العبادة، وتفسير الكتب المقدسة، ومواطن التشديد، فإننا نكون في خطر أن نجلب الدينونة على أنفسنا. قد لا يحبّ بعضنا بعضًا ميلًا وهوًى، لكننا مأمورون أن نحبّ بعضنا بعضًا!

وهناك ثلاثة مقاطع كتابيّة رئيسيّة يعرض فيها الرسول ويرسم لنا فهمه هو لجسد المسيح.

1. أفسس 4:1-16 ← نحن مدعوّون أن نسلك كما يحقّ للدعوة التي دُعينا بها، مُظهرين التواضع والوداعة وطول الأناة والمحبّة، مجتهدين أن نحفظ وحدانيّة الروح برباط السلام. فهو يعلن قائلًا: «جسد واحد» (أفسس 4:4). ثم يمضي قُدُمًا فيكتب في العدد السابع عن بعض مواهب النعمة التي أُعطيت لذلك الجسد. وهي مواهب الخدمة، أي: رسل، وأنبياء، ومبشّرون، ورعاة، ومعلّمون، وهي قد أُعطيت «لأجل تكميل القديسين… إلى النضج» (أفسس 4:13).

2. رومية 12:1-8 ← ونحن مدعوّون من جديد أن نقدّم ذواتنا ذبيحة حيّة، بعقول متجدّدة. وليس لأعضاء الجسد كلّهم الوظيفة عينها، لكننا جميعًا متّكلون بعضنا على بعض اتّكالًا متبادلًا. ولنا جميعًا مواهب نعمة مختلفة (رومية 12:6) نخدم بها بعضنا بعضًا.

ولذلك يجب علينا: «المحبّة فلتكن بلا رياء. كونوا كارهين الشرّ، ملتصقين بالخير. وادّين بعضكم بعضًا بالمحبّة الأخويّة، مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة» (رومية 12:9-10).

3. كورنثوس الأولى 12-14 ← لا نستطيع أن نفصل الأصحاحين 12 و14 عن ذلك الأصحاح العظيم في المحبّة، أي الأصحاح 13! فالأصحاح الأول منها يعالج تعاليم الجسد ويعالج المواهب الممنوحة لذلك الجسد. ولاحظ أنّ هذه المواهب إنما تُعطى للفرد، لا لمنفعته الخاصّة هو، بل لخير الجسد كلّه!

ثم يوسّع بولس تعليمه بشأن الجسد ويسهب فيه، مبيّنًا كم هو أمر أحمق سخيف أن يدّعي جزء واحد من الجسد أنه لا يحتاج إلى الأجزاء الأخرى! فلا تقدر العين أن تقول لليد: «لا حاجة لي إليكِ»، ولا الرأس أيضًا للقدمين: «لا حاجة لي إليكما» (كورنثوس الأولى 12:21). فنحن يحتاج بعضنا إلى بعض!

وفي نهاية هذا الأصحاح، يجمع معًا قوائم مواهب النعمة التي كان قد دوّنها في أفسس وفي رومية، مبيّنًا أنها جميعًا داخلة في قائمته الطويلة للمواهب.

ومثل هذه المواهب قليلة القيمة ما لم تُمارَس بمحبّة (كورنثوس الأولى 13)، وما لم تُمارَس كما ينبغي وبحسب ترتيب (كورنثوس الأولى 14).

فهل أنت تعمل عملك كاملًا كما ينبغي في جسد المسيح؟ وهل أنت متأصّل ومتجذّر في كنيسة محلّية، خادمًا للآخرين، ومحبًّا للآخرين، ومطيعًا لكلمته؟ وإن كانت خدمتك أوسع من الكنيسة المحلّية، فهل أنت في العلاقة الصحيحة مع الله لتعيّن قادةً، ولتكون خاضعًا للمساءلة أمامهم كعضو في التعبير المحلّي عينه عن الجسد؟

وقد يسعى بعضهم أن يكون ذراعًا ممتدّة، وآخرون أن يكونوا صوتًا يكلّم هذا العالم، أما أنا فكثيرًا ما أرى نفسي شيئًا لا يزيد بهاءً على إصبع القدم الكبرى! فبوصفي راعيًا سابقًا، كنت كثيرًا ما أعمل في أماكن مظلمة كريهة الرائحة، وأنا أشعر بالضغط، أعالج مشكلات الناس (الرمل بين أصابع القدمين).

غير أني أشعر أني قد نلت امتيازًا حين يُطلب مني أن أخدم، لأني أُتاح لي أن آتي بالتوازن إلى الجسد. وتلك، بلا شكّ، هي الوظيفة الرئيسيّة لإصبع القدم الكبرى!

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل