فصل 4 · قراءة 6 د
شعب العهد
وليمة المحبّة
«أخذ يسوع خبزًا، ولمّا شكر كسره وقال: هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. خذوا كلوا!»
(كورنثوس الأولى 11:23-24). ففعلوا جميعًا ذلك، وهم بذلك قد عرّفوا أنفسهم بأنهم جسد المسيح.
وكذلك أخذ الكأس أيضًا بعد العشاء، قائلًا: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي؛ اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري» (كورنثوس الأولى 11:25-26). وإنه ليدهشني أشدّ الدهشة أنّ أحدًا من الحاضرين هناك لم يسأله عمّا كان يعنيه حين قال لهم هذا الكلام. ولا يسعني إلا أن أفترض أنهم جميعًا قد فهموا تمامًا ما قصده.
والعهد هو اتّفاق بين طرفين. «افعل أنت هذا لأجلي، وأنا أفعل ذاك لأجلك!» واليوم، حين يقطع الناس عهودًا فيما بينهم، لا بدّ من توفّر البرهان على ذلك في صورة توقيعات تُذيَّل بها الاتفاقية المكتوبة. ومن المحزن أنّ كلمة الرجل الشريف لم تعد مقبولة في زماننا. أما في زمن يسوع، فكانت العهود تُختم على شرابٍ مشترك يشرب منه الطرفان. ولم يكن ذلك دمًا، كما كانت الحال في عهد أقرب إلينا بين هنود أمريكا الشمالية الأصليين وبين رجال قبائل أفريقيا، مع أنّ عهود أيام العهد القديم كلّها كان يُرمز إليها بسفك الدم في ذبح حيوان الذبيحة. بل إنه كان يُقال إنّ المرء «يقطع العهد» لا إنه يصنع عهدًا.
وتُروى قصّة طريفة عن الدكتور ليفنغستون، المرسل الرائد العظيم إلى أفريقيا. فقد كان هو وأدلّاؤه وحمّالوه كثيرًا ما يقعون أسرى في أيدي رجال القبائل المحاربين وهم في رحلتهم يجتازون تلك القارّة المظلمة.
وفي إحدى المرّات، أُحضر الأسرى أمام رئيس قبيلة معادٍ، فأخذ يوبّخهم ويؤنّبهم على تعدّيهم على أرضه. وإذ كان غضبه يزداد شيئًا فشيئًا من صمت ليفنغستون، مال أحد الأدلّاء نحو المرسل وحثّه على أن «يقطع العهد». ولم يفهم ليفنغستون ما كان يُطلب منه أن يفعله، لكنه سرعان ما ارتدّ مذعورًا مرتاعًا وهو يرى خادمه المسيحي وشابًّا مختارًا من القبيلة المعادية يقومان بما بدا له أنه عمل وثنيّ. فقد أحدثا جرحًا صغيرًا في ساعد كلّ منهما، وجمعا الدم في وعاء، وشرباه معًا!
ثم تقدّم الرئيس وأمسك بالحبل الذي كان ليفنغستون يقود به عنزةً، وهي مصدر اللبن الذي كان يتلذّذ به كثيرًا. فاستولى الأسى والجزع على ليفنغستون، ثم دهش بعد ذلك إذ وضع الرئيس في يديه هديّة — تلك العصا ذات الرأس النحاسي التي استقبل بها الجماعة المتعدّية على أرضه. ثم اقتيدوا إلى كوخ يقضون فيه ليلتهم، بعدما نالوا وجبة طعام من آسريهم.
وبعد حين من الزمان، بينما كان ليفنغستون يجتاز منطقة أخرى من مناطق أفريقيا، وقع في الأسر مرّة ثانية، وأُحضر أمام رئيس قبيلة معادٍ آخر. لكنّ هذا الرئيس، في هذه المرّة، جثا على ركبتيه أمام المرسل. وعندئذ فقط، لا قبل ذلك، جاءه الفهم. فحين «قطع» الدليل الشاب «العهد» نيابةً عن ليفنغستون، وختمه بشرب الدم، كان قد عُقد اتفاق بينهم وبين تلك القبيلة، وعلى الأخصّ بين ليفنغستون والرئيس.
وعربونًا لذلك الاتفاق العهدي، كان الرئيس الأول قد أعطاه عصاه، رمزًا لالتزامه نحوه ولتأييده له. وقد عرف الرئيس المعادي الثاني تلك العصا حين رآها، وأدرك أنّ لليفنغستون أخًا له بالدم، فاستسلم وخضع لتلك القوّة والسلطة الأعلى منه.
ويسوع قد قطع معنا نحن عهدًا مثل هذا العهد! فصار في وسعنا الآن أن نسير مرفوعي الرأس في هذا العالم المُقعَد، وذلك بسلطانه هو! فلنا نحن أخٌ بالدم قد سفك دمه، وشربها حتى الثمالة المرّة نيابةً عنّا، وأعطانا سلطان اسمه (أعمال الرسل 3:16)!
فعدوّنا الشيطان، ومعه أعوانه، أي الخطيّة والموت، لا ينبغي أن يكون لهم علينا نحن سلطان (رومية 6:14)!
وحين دعا يسوع تلاميذه إلى أن يشربوا من «كأس العهد»، كانوا يعلمون تمامًا أنهم إنما يعلنون بذلك موافقتهم على شروط عهد جديد. وهكذا هو الأمر في كلّ مرّة نتناول فيها نحن هذه الرموز على مائدة الرب. فنحن إذ نأكل الخبز، إنما نعلن عن أنفسنا أننا جسد المسيح. وإذ نشرب الكأس، نعود فنقطع عهدًا من جديد أن نكون خدّامًا بعضنا لبعض، ومحبّين بعضنا لبعض، ومطيعين لكلمته.
بطريقة غير مستحقّة
إنّ بولس، في رسالته إلى أهل كورنثوس، يحثّنا على أن نكون حذرين جدًّا في تناولنا لهذه الرموز. فإن شربنا نحن كأس الرب «بدون استحقاق»، فقد نشرب دينونةً لأنفسنا، إذ لا نميّز جسد الرب. «من أجل هذا فيكم (أيها المؤمنون) كثيرون ضعفاء ومرضى» (كورنثوس الأولى 11:30).
فإن كنت أحمل في قلبي عداوةً لأخ آخر، أو لم أكن عائشًا خادمًا، ولا محبًّا، ولا سالكًا في طاعة، فإنّ تناولي أنا للخبز والكأس إنما هو رياء ونفاق. فأنا حينئذ أخفق في أن أميّز ذلك الآخر كواحد معي في جسد المسيح. وقد يؤدّي هذا فعلًا إلى أن يحلّ بي الضعف والمرض. وليس هذا آتيًا من الرب — فهو ليس مصدر المرض ولا صانعه، لكني أنا الذي أعطيت إبليس موضعًا (كورنثوس الثانية 2:11)، وهو يعرف يقينًا كيف يستغلّ مثل هذه المواضع لمصلحته!
الصلاة لأجل المرضى
والآن صار لي فهمٌ لما كان يعقوب يقصده حين كتب: «أمريض أحد بينكم؟ فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطيّة تُغفر له» (يعقوب 5:14-15).
وكثيرًا ما تساءلت في نفسي: لماذا كان لا بدّ من إشراك الشيوخ في الأمر؟ أما كان يستطيع أيّ إنسان آخر أن يصلّي؟ وهل للشيوخ قوّة في الصلاة أعظم مما للأصدقاء المحبّين ولأفراد العائلة؟ إني لا أعتقد الآن أنّ دعوة الشيوخ لها أيّ صلة بقوّتهم في الصلاة، بل هي متّصلة بسلطانهم هم. ولا بدّ من ربط هذه الآية بتحذير بولس المذكور آنفًا، إذ هي الآيات الوحيدة التي تشير بأيّ وجه إلى الأسباب التي قد يمرض المؤمنون أو يضعفون لأجلها. ونحن بالطبع معرَّضون أيضًا للجراثيم والأمراض والأسقام كأيّ إنسان آخر في هذا العالم، لكنّ تحذير بولس هذا لا بدّ أن يُعلَن للمؤمنين إعلانًا قويًّا شديدًا.
فإن ميّز الشيوخ أنّ مرض ذلك المؤمن قد يكون مرتبطًا بموقف خاطئ من الآخرين في جسد المسيح، وجب عليهم حينئذ أن يمارسوا سلطانهم بوصفهم شيوخًا في الكنيسة، فيوصوا ذلك الشخص أن يتصالح مع أخيه. وعندئذ فقط يستطيعون أن يصلّوا لأجله، داهنين إياه بزيت (وهو رمز لبركة الروح القدس وحمايته) باسم الرب. فيُردّ ذلك المريض — وهو المذنب — ويُغفر له.
صلاة الرب
وبعدما كان ربّنا قد علّم تلاميذه الأولويّات التي في قلبه، رفع عينيه نحو السماء وتكلّم إلى أبيه.
وينبغي للمرء أن يأخذ وقتًا كافيًا ليقرأ يوحنا 17، فيسمع فيه صرخة قلب يسوع في تلك الليلة التي سبقت موته. ودعني أسير معك خلال هذه الكلمات العجيبة، مبرزًا فيها موضوعًا واحدًا رئيسيًّا.
«أيها الآب، قد أكملت العمل الذي أعطيتني لأعمل… أنا أظهرت اسمك (صفاتك) لهؤلاء الرجال… وهم قد حفظوا كلامك. من أجلهم أنا أسأل… لأنهم لك هم. ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم. كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا أيضًا إلى العالم. ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم (وهذا يشملك أنت ويشملني أنا). ليكون الجميع واحدًا… ليؤمن العالم. وأنا قد أعطيتهم مجدك… ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. ليكونوا مكمَّلين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني وأنك أحببتهم كما أحببتني… وعرّفتهم اسمك (صفاتك)… ليكون فيهم الحبّ الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم» (يوحنا 17).
وقد أُعلن اسم الله لموسى حين التقى الاثنان معًا على جبل سيناء؛ ولذلك نستطيع نحن أن نكون على يقين تامّ بأنه هو «الرب الإله الرحيم الرؤوف، البطيء الغضب والكثير الإحسان والوفاء، حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطيّة» (خروج 34:6-7).
وحقًّا، لقد أظهر يسوع هذه الصفات عينها لكلّ من التقاه.
نشرة الله الكرازية
إني لا أستطيع أن آخذ ولو صفحة واحدة من الكتاب المقدس وأستعملها نشرةً كرازية أعطيها لصديق لي غير مؤمن. أستطيع أن أقتبس من يوحنا 3، أو أن أتّبع «طريق رومية» الذي يشرح لهم طريق الخلاص. وأستطيع أن أعطيهم «الخطوات الأربع» أو «خطّة الله العجيبة للخلاص»، لكني لا أستطيع أن أمزّق صفحة واحدة من الكتاب المقدس وأعطيها لهم نشرةً للإنجيل.
غير أني أستطيع أن آخذ أصحاحات كاملة، بل حتى أسفارًا كاملة، لأبيّن بها للمؤمن أولويّات الله: أي طريقه هو للخلاص. فقد أعلن هو أنّ شعبه متى كانوا يسلكون في الوحدة، خدّامًا، ومحبّين، وسالكين في طاعة، فإنّ العالم حينئذ سيعرف وسيؤمن!
نحن أنفسنا نشرته الكرازية! وقد آن الأوان أن نصحّح نحن أولويّاتنا وأن نجعلها متوافقة مع أولويّاته هو! إننا سريعون إلى الكلام حين نكشف بدعةً في التعليم عند بعضنا بعضًا — أفما آن الأوان أن نكون بالسرعة عينها في التصرّف ضدّ بدعة الممارسة، إذ نرى الانقسامات الكثيرة بين المؤمنين، وهي بيّنة جدًّا للعالم كلّه؟
«لأنّ انتظار الخليقة بلهفةٍ يتوقّع استعلان أبناء الله» (رومية 8:19).