فصل 3 · قراءة 10 د
الأولويّات
وليمة العهد
كان ذلك نهارًا حارًّا مغبرًّا حين دخل بطرس ويوحنا، وهما تلميذان من تلاميذ يسوع، مدينة أورشليم. كانا قد أتيا ليحتفلا بعيد «بيساح»، وهو عيد الفصح، وكانا في تلك اللحظة عينها يتبعان رجلًا يحمل جرّة من الماء، وهو الذي كان سيقودهما إلى المكان الذي كانت الوليمة ستُعدّ فيه.
وكما كان الرب قد قال لهما، لم يكن العثور على دليلهما هذا أمرًا صعبًا، لأنّ منظر رجل يحمل جرّة من الماء لم يكن مألوفًا. فتلك مهمّة كانت النساء عادةً هنّ اللواتي يقمن بها.
فقادهما الرجل إلى بيت جميل من طابقين، حيث رحّب بهما صاحب البيت ترحيبًا حارًّا. ولمّا أخبراه بالمهمّة التي جاءا لأجلها، أُدخِلا إلى غرفة كبيرة مفروشة في الطابق الأعلى.
ولم يستغرقهما إعداد تلك المائدة المنخفضة وقتًا طويلًا، إذ كانت متطلّبات هذا العيد معروفة جيدًا لكليهما معًا. فصفّا أوعية الأعشاب المرّة واحدًا بعد واحد بالتناوب مع صحاف التفاح والقرفة واللوز. ثم وُضعت قارورة من الماء المالح وبعض البيض المسلوق إلى جانب أواني الخمر، وكانت هناك أيضًا عدّة أقسام من الخبز الفطير الذي كانوا يسمّونه «متساه». وسرعان ما حانت الساعة، فجاء يسوع ومعه بقيّة التلاميذ.
وعلت همهمةٌ من الحماس وارتفع حديثٌ مفعم بالحيويّة وهم يدخلون تلك العلّية. فقد كان هذا وقت احتفال وابتهاج، وأسعد أوقات السنة عند اليهود جميعًا؛ إذ يُذكَّرون فيه من جديد بأمانة يهوه العظيمة نحوهم. أفما أنقذهم هو من عبوديّة مصر ومن نيرها منذ تلك السنين الطوال؟ أفلا يقدر أن ينقذهم كذلك من ظلم الرومان الواقع عليهم في الوقت الحاضر؟
أما عند تلاميذ يسوع فقد كان هذا الوقت أشدّ إثارةً على الأرجح. كانوا يتساءلون في أنفسهم: هل قرب اليوم الذي فيه يُعلن معلّمهم نفسه للأمّة بوصفه المسيّا المنتظَر منذ زمن طويل، الآتي ليحرّرهم كما تنبّأ أنبياء القديم؟ وشعروا أنهم يقفون عند لحظة مصيريّة في تاريخ شعبهم. وحقًّا، كان الأسبوع المنصرم غير عاديّ إلى حدّ بعيد، وكانت الأمور تبلغ ذروتها. فقد كان واضحًا أنّ القادة الدينيين قد اهتزّوا اهتزازًا شديدًا من تعاليم يسوع ومن شعبيّته بين الناس على السواء.
وأتخيّل أنّ حديث التلاميذ كان يدور كلّه حول أحداث ذلك الأسبوع المنصرم، وحول ما عساها تعني وما لها من دلالة. وأنا واثق كلّ الثقة أنّ بطرس لم يكن يستطيع أن يكفّ عن الكلام عن الدخول الظافر إلى أورشليم قبل خمسة أيام فقط، حين فرشت الجموع ثيابها على الطريق المغبرّ، وقطعت أغصانًا من أشجار النخل ليلوّحوا بها، وهم يصرخون قائلين: «مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل» (يوحنا 12:13).
وأتخيّله وقد رفع رأسه عاليًا ونصب صدره إلى الأمام، وهو يقود جحش الأتان الذي كان المعلّم جالسًا عليه. أما يوحنا ويعقوب، الغيوران (ابنا الرعد)، فلعلّهما قد تأثّرا أكثر من ذلك بالطريقة التي قلب بها معلّمهما موائد الصيارفة وطردهم بها من الهيكل. «أرأيت النظرة التي علت وجه رئيس الكهنة؟ يا أخي، كم كان غاضبًا حانقًا!»
ثم اتّكأ الجميع وأخذوا أماكنهم إلى جانب المائدة، وما زالوا في فرحهم وفي مزاجهم الاحتفالي البهيج: فقد كان وقت وليمة وحفل. ونظر يسوع بسرور إلى أصحابه وهم يحتفلون، لكنه كان يعلم أمرًا واحدًا قد غاب عن أفهامهم: أنه في الغد سيموت.
ماذا كنت تفعل لو قال لك طبيبك إنه لم يبقَ لك من العمر إلا القليل؟ لا شكّ أنك كنت تطلب رأيًا ثانيًا! وماذا لو أكّد ذلك الرأي أيضًا أنك ستفارق قريبًا هذا العالم ورفقاءك الدائمين وأصدقاءك؟ أنا أعرف ماذا كنت أفعل. كنت أُنهي بسرعة ما بين يديّ من أعمال، وأدبّر أن أكون مع أعزّ الناس عليّ: زوجتي وبناتنا وعائلاتهنّ.
كنت أشتهي أن أقول لهم كم أحبّهم أنا، وكم أنا فخور بهم كلّ الفخر. وكنت أشجّعهم على أن يمضوا قُدُمًا في طريقهم مع يسوع، خادمين إياه هو، وعائشين حياةً كلّها لمدح مجده.
وكنت أسألهم إن كان هناك شيء ينبغي أن أعتذر لهم عنه، من أيّ جراح، أو أيّ كلمات قاسية، أو أيّ تصرّف طائش. وكنت أحرص كلّ الحرص على ألّا يبقى شيء لم يُعمل مما كان يمكن عمله لتوثيق علاقتنا بعضنا ببعض.
ولما وجدت وقتًا يُذكر للكلام في الأمور التافهة، كنتائج المباريات الرياضية الأخيرة أو النميمة، وهي التي تستغرق من وقتي في غير ذلك الحال الكثير الكثير. بل إنّ كلّ ما كنت أفعله هو أن أعالج الأولويّات. وفي تلك الليلة، في وليمة الفصح، كان هذا بالضبط ما سيفعله الرب مع تلاميذه — أن يعالج الأولويّات!
مطالبه
وكما جرت العادة في ذلك الزمان، خلعوا جميعًا نعالهم عند دخولهم هذه العلّية. وكانت أقدامهم مغبرّة، والرمل بين أصابعها يسبّب لهم شيئًا غير قليل من الانزعاج.
وسرعان ما سُمعت همهمة من التذمّر وعدم الرضى. فأوعية الماء كانت موضوعة على مائدة قرب الباب، والمناشف أيضًا كانت متوفّرة هناك، ولكن أين هي الجارية الخادمة التي كانت وظيفتها أن تغسل أقدامهم لتنعشهم؟ كان ينبغي أن تكون هنا حين وصلوا!
وأتخيّل أنّ بطرس لا بدّ أن يكون هو أوّل من نطق بما كان يدور في خاطر الجميع. فهو يشبهني أنا كثيرًا — دائمًا يزلّ لسانه بما لا ينبغي! «أين الجارية؟ إنّ قدميّ تحكّانني. أتُرى أخطأ أحدهم فنسي أن يخبرها؟ ومن الذي رتّب هذه الوليمة؟ ومن هم أعضاء اللجنة؟» وكانت تُسمع همساتٌ محرَجة، إذ حاول الآخرون أن يقولوا له أن يسكت. فالمعلّم نفسه هو الذي وضع كلّ الترتيبات على أيّ حال! وهو لا يخطئ قط، حتى حين نعجز نحن عن فهم مقاصده.
فنهض يسوع عن المائدة، ومشى نحو أوعية الماء تلك التي عند الباب.
ففكّر بطرس في نفسه: «حسنًا، إنه ذاهب ليدعو الجارية».
فخلع يسوع عنه ثوبه الخارجي، واتّزر بمنشفة، ثم حمل وعاءً من الماء، والتفت… نحو بطرس هو نفسه!
ففكّر بطرس: «يا للهول، إنه سيطلب مني أنا أن أفعلها!»
لكنّ يسوع، عوضًا عن ذلك، يغسل قدمَي بطرس المغبرّتين، ثم يغسل أقدام الآخرين جميعًا، ومنهم يهوذا الإسخريوطي الذي كان سيسلّمه ويجلب عليه الآلام التي كان يترقّبها تلك الليلة. أتستطيع أن تتخيّل الرب يرفع نظره إلى عينَي يهوذا وهو يغسل قدميه؟ ماذا رأى في تينك العينين؟
خوفًا؟ أم ذنبًا؟ وماذا رأى يهوذا في عينَي معلّمه؟ تُرى، هل استطاع أن ينظر؟ أيّ محبّة هذه!
ثم أعاد يسوع الوعاء والمنشفة إلى مكانهما هناك عند الباب، ولبس ثوبه الخارجي من جديد، والتفت نحو تلاميذه.
وقال لهم: «أعطيتكم مثالًا، حتى كما صنعتُ أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا بعضكم ببعض» (يوحنا 13:1-20).
إنّ الأولويّة الأولى في التلمذة هي الخدمة. فالرب قد أوصانا نحن أن نكون خدّامًا. وهذا أمر لا غنى عنه إن كنا نشتهي أن نشبهه هو، الذي جاء لا ليُخدَم بل ليَخدِم (متى 20:28). وهو شرط العظمة في ملكوت السماوات، وهو دليل الامتلاء من الروح (أفسس 5:18، 21).
ولا أظنّ أنّ الرب قصد أن نتبعه حرفيًّا في غسل أقدام بعضنا بعضًا (مع أنّ اختبار ذلك بركة عظيمة)، بل قصد أن نسعى إلى إنعاش بعضنا بعضًا من غبار السلوك في هذا العالم ومن أوساخه. فمن المستحيل أن يعيش الإنسان في هذا العالم من غير أن يعلق به شيء من وسخه. فما أقلّ ما يستطيع المرء أن يقرأ صحيفة، أو يشاهد التلفاز، أو يتحدّث مع الجيران أو الزملاء، من غير أن تصيبه عدوى سمّه! والنميمة والتذمّر، وهما شائعان حتى بين المؤمنين، سرعان ما يسلبانا فرح السلوك في الطريق المسيحي. إننا نحتاج إلى الكلمات المطهِّرة، وإلى الإنعاش والتشجيع من سائر المؤمنين. نحتاج إلى أن تُغسل أقدامنا! وهذا هو الغرض من الشركة المسيحية؛ غير أنّ ما يُرمى به من «وسخ» بين المؤمنين كثيرًا ما يعادل ما يُرمى به بين أهل العالم!
ولسنا مدعوّين إلى خدمة بعضنا بعضًا داخل جسد المسيح فحسب، بل نحن مدعوّون أيضًا ومتحدَّون أن نكون خدّامًا حتى لأولئك الذين قد يسلّمون ربّنا ولا يكونون هم من أتباعه.
لقد غسل يسوع قدمَي يهوذا وهو يعلم كلّ ما كان في قلبه. لقد رأى شكوكه وإحباطاته، وعرف مناوراته وخداعه، ومع ذلك كلّه لم يتردّد في غسل قدميه.
ولمّا أتمّ يسوع هذه المهمّة، دعا كلّ من يعترفون به معلّمًا لهم أن يفعلوا مثله.
وليس من السهل أبدًا أن يتّخذ الإنسان لنفسه روح الخادم في عالمنا هذا المتمحور حول ذاته. فذلك يقتضي الاتّضاع — أي أن يعرف المرء نفسه على حقيقتها — وأن يقبل نفسه. فحين نرى أنفسنا «في المسيح» لا نعود نشعر بالتهديد مما قد يظنّه الآخرون بنا. ومن يبالي بما قد يقوله الآخرون ونحن نعلم أننا مرضيّون عند الرب؟ فثقتنا فيه هو وفي مواعيده.
لقد عرف يسوع ما هي المهمّة التي أُوكلت إليه، ومن أين أتى، وما هو المصير الذي ينتظره (يوحنا 13:3). وكانت هذه الثقة هي أساس خدمته وأصلها. فالآب قد أعطاه سلطانًا، وأرسله إلى العالم، وسيقبله إليه راجعًا مرّة أخرى.
ولنا نحن المهمّة عينها والمصير عينه! وقد يدعونا العالم ضعفاء أو مسلوبي العزيمة، محاولًا أن يستغلّ روح الخدمة التي فينا لتحقيق مآربه هو. فهم سيأخذون منك ثوبك، ويسخّرونك أن تمضي معهم ميلًا واحدًا، ويجعلونك عبدًا لهم.
وقد قال لنا يسوع، إن حدث ذلك، أن نعطيهم الرداء أيضًا، وأن نمضي معهم الميل الثاني! وأنت بذلك تُخرج نفسك من عبوديّتهم لك، وتجعل من نفسك خادمًا مختارًا طوعًا (متى 5:40-41).
وبعد خروج يهوذا من الغرفة بقليل ليقوم بعمله الدنيء ذاك، علّم يسوع تلاميذه مطلبًا ثانيًا من مطالبه. «وصيّةً جديدة أنا أعطيكم: أن تحبّوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبّون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حبّ بعضًا لبعض» (يوحنا 13:34-35). ولاحظ جيدًا أنّ هذه إنما هي وصيّة، وليست خيارًا متروكًا لك! فهل حاولت أنت يومًا من الأيام أن تقيس مقدار محبّته لك؟ فتلك هي المقياس الوحيد الذي به سيقيس هو مقدار محبّتك «بعضكم لبعض»!
ولكان ذلك كلّه مستحيلًا لولا نعمته ولولا الروح القدس الساكن فينا الذي يهبه لنا هو.
«أن أحيا فوق مع من أحبّ، آه، ذاك هو المجد! أما أن أحيا هنا أسفل مع من أعرف — فتلك، لعمري، قصّة أخرى!»
(كاتب مجهول).
قد لا يحبّ بعضنا بعضًا ميلًا وهوًى، لكننا مأمورون أن نحبّ بعضنا بعضًا! ومعنى ذلك ألّا تكون بيننا نميمة ولا طعن في الظهر، بل أن نكرّم بعضنا بعضًا، وأن يفضّل أحدنا الآخر، وأن يحمل بعضنا أثقال بعض، وما هو أكثر من ذلك بكثير… ثم وُضع أمام التلاميذ مطلب ثالث. «إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي» (يوحنا 14:15). فهو يدعونا إلى الطاعة لكلمته. وقد وبّخ صموئيل، نبيّ العهد القديم، الملكَ شاول العاصي قائلًا: «هل مسرّة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش.
لأنّ المعصية كخطيّة العرافة، والعناد كالوثن والترافيم. لأنك رفضتَ كلام الرب رفضك هو أيضًا من الملك» (صموئيل الأول 15:22-23).
ولأنّ شاول لم يطع هو كلمة الرب الإله، فقد خسر مملكته وخسر سلطانه معًا. ولمّا تكلّم يسوع إلى الجموع، امتلأ كلّ من سمعوه دهشةً وعجبًا، لأنه كان يتكلّم كمن له سلطان عظيم (متى 7:28-29).
ونحن الذين نعترف به مخلّصًا لنا، علينا أن نقرّ أيضًا بأنه ربّ. فما ينطق به هو له السلطان الأعظم.
ونحن بحاجة إلى حسّ مرهف لنسمع صوته ولنميّزه يومًا فيومًا. فقد قال إننا نحن خرافه ينبغي أن نعرف صوته ونميّزه. وقبل كلّ شيء، ينبغي أن نسمعه يكلّمنا من خلال الكتب المقدسة، وأن نطيع ما يقوله. فعلى المؤمنين جميعًا أن يكونوا تلاميذ للكلمة المكتوبة، عائشين في طاعة لوصاياها.
ومطالب يسوع من تلاميذه هي أن نخدم بعضنا بعضًا، وأن نحبّ بعضنا بعضًا، وأن نطيع نحن كلمته.
مواعيده
وإلى جانب المطالب الثلاثة التي وضعها أمام تلاميذه، وعدهم يسوع أيضًا ببركات غنيّة وفيرة. فهو سيأتي أيضًا مرّة أخرى ويأخذهم إليه، بعدما يكون قد أعدّ لهم مكانًا «في بيت أبي» (يوحنا 14:2). وهم سيعملون أعمالًا أعظم مما عمل هو، إذ سيرسل لهم معزّيًا آخر، وسيستجيب الصلوات التي يطلبونها بحسب مشيئته. وكان لهم أن يعرفوا بركة الكينونة في المسيح، وأن يختبروا محبّة الآب لهم.
والمعزّي، وهو الروح القدس، سيأتي هو نفسه ليسكن فيهم، وسيقودهم إلى الحقّ وإلى معرفة مشيئة الله؛ وهو الذي سيذكّرهم بكلّ ما كان يسوع قد علّمهم إياه من قبل.
«لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي» (يوحنا 14:1).
«سلامًا أترك لكم. سلامي أُعطيكم. ليس كما يعطي العالم أُعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب» (يوحنا 14:27).
«كلّمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم» (يوحنا 15:11).
لقد وعدهم — ووعدنا نحن أيضًا معهم — بسلام لا يستطيع العالم أن يعطيه ولا أن ينزعه، وبفرح مقياسه الكمال والامتلاء، وبحضورٍ ليس سوى الروح القدس نفسه، الذي لا يتركنا أبدًا ولا يهملنا (تثنية 31:6).
فهل اختبرت أنت هذه الأمور في سلوكك مع الرب؟ أما أنا فقد اختبرتها يقينًا، لكني أشتاق إلى المزيد!
واختبارنا لهذه المواعيد كلّها إنما هو متوقّف على أن نكون نحن خدّامًا، ومحبّين، ومطيعين لكلمته.