فصل 3 · قراءة 4 د
الباب المفتوح — المجازاة العلنية
«وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائمًا، بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية». متى 6:17-18.
«فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعامّيان، تعجّبوا. فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع». أعمال 4:13.
«وكان لما نزل موسى من جبل سيناء ولوحا الشهادة في يد موسى، عند نزوله من الجبل، أنّ موسى لم يعلم أنّ جلد وجهه صار يلمع في كلامه معه. فنظر هارون وجميع بني إسرائيل موسى وإذا جلد وجهه يلمع، فخافوا أن يقتربوا إليه. فدعاهم موسى. فرجع إليه هارون وجميع الرؤساء في الجماعة، فكلّمهم موسى. وبعد ذلك اقترب جميع بني إسرائيل، فأوصاهم بكل ما تكلّم به الرب معه في جبل سيناء. 33. ولما فرغ موسى من الكلام معهم، جعل على وجهه برقعًا». الخروج 34:29-33.
إنّ الانتقال من الشركة مع الله في ساعة الصباح إلى مخالطة إخوتنا من البشر كثيرًا ما يكون أمرًا عسيرًا. فإن كنّا قد لاقينا الله حقًا، اشتهينا أن نحفظ الشعور بحضرته، وأن نحفظ تسليمنا له. ثم نخرج إلى مائدة الفطور، حيث يتبدّل الجوّ كله دفعةً واحدة، ولو كان ذلك في حضن أسرتنا نفسها؛ وإذ يفرض حضورُ الناس وحضورُ المنظور نفسَه علينا، نأخذ في فقدان ما كنّا قد وجدناه. وكثير من المسيحيين الأحداث قد حارت بهم هذه المسألة: كيف يحفظون قلوبهم مملوءة بذلك الأمر الذي لا يجدون حرّية للكلام فيه، أو لا تسنح لهم الفرصة للكلام فيه. وحتى في الأوساط الدينية ليس من السهل دائمًا أن تكون بيننا مخالطة حرّة طليقة، وذلك لقلّة الحرارة أو لقلّة الجسارة، في الأمر عينه الذي كان يعطينا أعظم النفع وأعظم السرور. فلنجتهد إذًا أن نتعلّم كيف تصير مخالطتنا للناس، عوض أن تكون لنا عائقًا، عونًا لنا على حفظ حياة الشركة الدائمة مع الله.
إنّ الدروس التي تعلّمنا إياها قصة موسى والبرقع على وجهه دروس موحية جدًا. فالشركة الوثيقة الدائمة مع الله لا بدّ أن تترك أثرها فينا في حينه، وأن تُظهر نفسها أمام الناس. ولم يكن موسى نفسه يعلم أنّ وجهه يلمع: فالنور الإلهي الذي يشعّ منّا إنما يكون بغير وعي منّا؛ وهو لا يزيد إلا تعميقًا للشعور بأننا لسنا إلا إناءً من خزف (1 كورنثوس 2:3، 4 و2 كورنثوس 4). وكثيرًا ما يحمل الشعورُ بحضرة الله في إنسانٍ ما غيرَه من الناس على الخوف، أو على الأقل يجعلهم لا يرتاحون في صحبته. ومتى لاحظ الآخرون ذلك الذي يُرى فيه، عرف المؤمن الحقيقي ما معنى أن يضع برقعًا على وجهه، وأن يُثبت بالاتّضاع وبالمحبة أنه إنسان تحت الآلام مثل الذين حوله.
ومع ذلك كله، سيكون هناك أيضًا ذلك البرهان على أنه رجل الله، إنسان يحيا في عالم غير منظور وله معاملات فيه.
وهذه الدروس عينها يعلّمنا إياها ما يقوله ربّنا عن الصوم.
فلا تجعل لصومك مظهرًا يُرى، لكي لا تظهر أنت للناس صائمًا؛ بل لاقِهم في فرح لطف الله وفي وداعته، بوصفك ابن الآب الحبيب المحبّ. واتّكل على الله، الذي قد رآك في الخفاء، أن يجازيك علانية، وأن يعطيك نعمة في مخالطتك للناس، وأن يحفظ لك شركتك معه، وأن يجعلهم هم يعرفون أنّ نعمته ونوره إنما هما عليك.
وقصة بطرس ويوحنا تؤيّد هذه الحقيقة عينها: فإنهما كانا مع يسوع، لا حين كان على الأرض فحسب، بل حين دخل إلى السماويات أيضًا، وقد نالا روحه. ولم يكونا يعملان إلا بما علّمهما روح المسيح؛ حتى إنّ الأعداء أنفسهم استطاعوا أن يروا في مجاهرتهما أنهما كانا مع يسوع.
وإنّ بركة الاتحاد بالله يسهل جدًا أن تُفقد بالدخول أكثر مما ينبغي في مخالطة الناس. فإنّ روح المخدع يجب أن تُحمل إلى الخارج في سهرٍ مقدّس يدوم طوال النهار. فإننا لا نعلم في أيّة ساعة يأتي العدوّ علينا. وهذا الاستمرار في سهر الصباح إنما يُحفظ لنا بضبطٍ هادئ للنفس، وبأن لا نُرخي لطبيعتنا أعنّتها.
وكثيرًا ما التُمس العون في هذا الأمر، في دائرة البيت المتديّن، بأن يُردّد كل واحد منهم آيةً على مائدة الفطور في موضوع معيّن مقرّر، فيكون في ذلك مدخل سهل إلى الحديث الديني. ومتى صار الشعور الثابت بحضرة الله وبالاتحاد به — «بل كن في مخافة الرب اليوم كله» — هو غرض ساعة الصباح، مع أعمق اتّضاع وأشدّ محبة في مخالطة من حولنا، تكون النعمة قد طُلبت ووُجدت لننتقل بها إلى واجبات النهار وشركتُنا متّصلة غير منقطعة. فإنه لأمر عظيم أن تدخل أنت المخدع، وأن تغلق الباب، وأن تلاقي الآب في الخفاء. ولكنّ الأعظم من ذلك أن تفتح الباب ثانية، وأن تخرج، متمتّعًا بذلك الحضور الذي لا يقدر شيء أن يعكّره عليك.
وثمّ من لا تبدو له مثل هذه الحياة أمرًا ضروريًا؛ فالجهد في نظره أعظم مما ينبغي، والإنسان يقدر أن يكون مسيحيًا صالحًا بغيرها. أما الذين يطلبون أن يكونوا أصحاب أمر واحد، والذين يشعرون أنهم إن كانوا سيصيرون صادقين أقوياء في التأثير في الكنيسة وفي العالم من حولهم فلا بدّ أن يكونوا مملوئين من الله ومن حضرته، فإنّ كل شيء عندهم سيكون تابعًا لهذا السؤال الواحد: كيف نحمل في إناء الخزف ذلك الكنز السماوي، أي قوّة المسيح حالّةً علينا النهار كله.