فصل 32 · قراءة 4 د

في المسيح

اثبتوا فيّ وأنا فيكم. كما أنّ الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيّ. يوحنا 15: 4.

كل تعليم إنما يمضي من الخارج إلى الداخل، ومن الظاهر إلى الباطن. فمتى نال العقل شيئًا من معرفة الأمر الواقع، في الأقوال أو في الأفعال، في الطبيعة أو في التاريخ، صار مهيّأً لأن يطلب المعنى الباطن المختبئ فيها. وهكذا الأمر عينه في تعليم الكتاب المقدس عن يسوع المسيح. فهو موضوع أمامنا إنسانًا بيننا، وأمامنا، وفوقنا، يعمل لأجلنا عملًا هنا على الأرض، ولا يزال يواصل ذلك العمل عينه لأجلنا في السماء.

وكثير من المسيحيين لا يتقدّمون قطّ إلى أبعد من هذا الحدّ: ربٌّ خارجيّ متعالٍ، يتّكلون عليه في ما صنعه لهم وما لا يزال يصنعه لهم وفيهم. أما قوة السرّ الحقيقي، سرّ المسيح فينا، سرّ حضوره الباطن مخلّصًا ساكنًا في القلب، فقليل جدًا ما يعرفونه منها وما يتمتّعون به. والنظرة الأولى، وهي الأبسط، هي نظرة الأناجيل الثلاثة الأولى؛ أما الثانية فهي التي تطبع إنجيل القديس يوحنا. الأولى هي وجه الحقّ المعروض في تعليم الكتاب عن التبرير. والثانية هي التعليم المتعلّق باتّحاد المؤمن بالمسيح وثباته الدائم فيه، كما يُعلَّم به على وجه الخصوص في القديس يوحنا وفي الرسالتين إلى أفسس وكولوسي.

وإلى المسيحيين الذين كُتب هذا الكتاب لأجلهم، والذين ينبغي لهم جميعًا أن يكونوا مستعدّين لحمل المسيح إلى إخوتهم الناس، لا أستطيع أن أقول بما يكفي من الجدّ والحرارة: انظروا أن يكون هذا الثبات في المسيح وثبات المسيح فيكم، لا مجرّد حقّ تحتفظون له بموضعه الصحيح في نسق تعليمكم الإنجيلي، بل حقًّا يحيي، من جهة الحياة والاختبار، كل إيمانكم بالمسيح وكل وحدتكم مع الله. فأن تكون في غرفة معناه أن يكون تحت تصرّفك كل ما فيها: أثاثها، ووسائل راحتها، وأنوارها، وهواؤها، ومأواها. وكذلك أن تكون في المسيح، أن تثبت في المسيح، وأن تعرف ما معنى هذا. فليس الأمر أمر إيمان عقليّ أو تصوّر ذهنيّ، بل هو حقيقة روحية.

فكّر في مَن هو المسيح وفي ما هو. وتأمّله في تلك الحالات أو المراحل الخمس التي تطبع طبيعته وعمله وتكشفهما لنا. هو المتجسّد، الذي فيه نرى كيف وحّدت قدرةُ الله الكلّية بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية اتّحادًا كاملًا. وإذ نحيا نحن فيه نصير شركاء الطبيعة الإلهية وشركاء الحياة الأبدية. وهو المطيع، الذي عاش حياة تسليم تامّ لله واتّكال كامل عليه. وإذ نحيا فيه تصير حياتنا حياة خضوع كامل لمشيئة الله، وانتظارٍ متّصل لا ينقطع لإرشاده. وهو المصلوب، الذي مات لأجل الخطية وماتَ عن الخطية لكي ينزعها ويرفعها. وإذ نحيا فيه نتحرّر من لعنتها ومن سلطانها علينا، ونحيا مثله هو في موتٍ عن العالم وعن مشيئتنا الخاصة. وهو القائم من الأموات، الذي يحيا إلى أبد الآبدين.

وإذ نحيا فيه نشترك في قوة قيامته، ونسلك في جدّة الحياة، حياةٍ قد انتصرت على الخطية والموت.

وهو المرتفع الجالس على العرش، الذي يواصل عمله هناك لأجل خلاص الناس. وإذ نحيا فيه تتملّكنا محبته، فنبذل ذواتنا له ليستخدمنا في ربح العالم وردّه إلى الله. فأن تكون في المسيح، وأن تثبت فيه، لا يعني شيئًا أقلّ من أنّ الله نفسه قد وضع النفس ووسط هذا المحيط العجيب، محيطِ حياة المسيح، وهي حياة بشرية وإلهية في آن واحد، مبذولة لله بذلًا تامًّا في الطاعة وفي الذبيحة، مملوءة كلها من الله في حياة القيامة والمجد. فطبيعة يسوع المسيح وخُلقه — ميوله وعواطفه، وقوته ومجده — هذه كلها هي العناصر التي نحيا نحن فيها، والهواء الذي نتنفّسه، والحياة التي فيها توجد حياتنا وفيها تنمو.

وإعلان الله وإعلان محبته المخلّصة إعلانًا تامًّا لا يمكن أن يأتي بطريق آخر غير طريق السكنى في القلب. فبمقتضى لاهوت المسيح وقدرته الإلهية، يستطيع هو أن يسكن فينا بمقدار ما نثبت نحن فيه. وبمقدار ما يُعطى له القلب بمحبته في الإيمان، وتُعطى له الإرادة في الطاعة العاملة، يدخل هو ويصنع له عندنا منزلًا. وعندئذ نستطيع أن نقول لأننا نعلم: المسيح يحيا فيّ.

والآن، لنأتِ إلى غرضنا الأساسي: إن كانت هذه الحياة، المسيح فينا ونحن فيه، ستكون حياتنا الحقيقية في كل يوم من أيام عملنا، فلا بدّ أن تتجدّد روحها وتتقوّى في تلك الوحدة الشخصية مع الله التي بها نستفتح النهار في سهر الصباح.

فدخولنا إلى الله، وذبيحتنا لله، وانتظارنا من الله، هذه كلها يجب أن تكون في المسيح، في الشركة الحيّة معه.

فإن شعرتَ يومًا أنك تريد أن تقترب إلى الله أكثر، وأن تختبر حضوره أو قدرته أو محبته أو مشيئته أو عمله اختبارًا أتمّ، وبكلمة واحدة أن يكون لك من الله نصيب أوفر — فتعالَ إلى الله في المسيح. فكّر كيف اقترب هو، وهو إنسان على الأرض، إلى الآب في اتّضاع عميق واتّكال، في تسليم كامل وطاعة تامّة، ثم تعالَ أنت في روحه هو وفي ميله هو، متّحدًا به. واطلب أن تأخذ أمام الله ذات الموضع الذي أخذه المسيح في السماء: موضع الفداء المُتمَّم، والنصرة الكاملة، والدخول الكامل إلى مجد الله.

وخذ أنت أمام الله ذات الموضع الذي أخذه المسيح على الأرض في طريقه إلى النصرة وإلى المجد. وافعل ذلك في الإيمان بسكناه هو فيك وبقوته التي تؤهّلك وتقوّيك، هنا على الأرض؛ واحسب بثقة راسخة أنّ اقترابك من الله مقبول، لا بحسب ما بلغتَ أنت إليه، بل بحسب استقامة قلبك في التسليم، وبحسب كمال قبولك في المسيح؛ وعندئذ تُقاد قدُمًا في ذلك الطريق الذي فيه يكون المسيح، وهو حيّ فيك ومتكلّم فيك، حقًّا وقوةً.

صفحة 1 / 3 · 4 دقيقة متبقية في الفصل