فصل 31 · قراءة 6 د
الثالوث الأقدس
بسبب هذا أحني ركبتيّ لدى أبي ربنا يسوع المسيح، الذي منه تُسمّى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض، لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن، ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ، وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله. والقادر أن يفعل فوق كل شيء، أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر، بحسب القوة التي تعمل فينا، له المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى جميع أجيال دهر الدهور. آمين. أفسس 3: 14-21.
لطالما عُدّت هذه الكلمات، ولم يكن ذلك بغير سبب وجيه، واحدةً من أسمى ما قيل في وصف ما يمكن أن تكونه حياة المؤمن على الأرض. ومع ذلك فإنّ هذه النظرة لا تخلو من أخطارها، إن هي غذّت في النفس فكرة أنّ بلوغ اختبار كهذا أمرٌ استثنائي بعيد المنال، وحجبت عنّا تلك الحقيقة المباركة، وهي أنّ هذا الاختبار عينه، وإن تفاوتت درجاته من مؤمن إلى آخر، إنما قُصد به أن يكون ميراثًا أكيدًا حاضرًا لكل ولد من أولاد الله.
ففي كل صباح، لكل مؤمن من الحق في أن يقول بمقدار ما له من الحاجة إلى أن يقول: أبي سيؤيّدني اليوم بالقوة، بل هو يؤيّدني في هذه اللحظة عينها، في الإنسان الباطن بروحه.
وفي كل يوم من أيامنا ينبغي ألّا نقنع بشيء أقلّ من حلول المسيح في قلوبنا بالإيمان، حياةً متأصّلة في المحبة، قد أُوتيت من القوة ما تعرف به محبة المسيح. وفي كل يوم نؤمن أنّ ذلك العمل المبارك، عمل امتلائنا إلى كل ملء الله، إنما يُهيَّأ لنا، ثم يُجرى فينا، ثم يُتمَّم فينا نحن إلى الغاية. وفي كل يوم يجدر بنا أن نكون أقوياء في الإيمان بقدرة الله، وأن نعطيه المجد في المسيح، بوصفه القادر أن يفعل فوق ما نطلب أو نفتكر، وذلك بحسب قوة الروح العاملة فينا.
وهذه الكلمات جديرة بالانتباه، من بين أمور كثيرة أخرى، لما فيها من عرضٍ لحقّ الثالوث الأقدس في اتصاله بحياتنا العملية. فكثير من المسيحيين يدركون أنه من الصواب ومن الضروري، في أوقات مختلفة من سعيهم في الحياة المسيحية، أن يُولوا عنايةً خاصةً للأقانيم الثلاثة في الثالوث المبارك. غير أنهم كثيرًا ما يجدون صعوبةً في أن يجمعوا هذه الحقائق المتنوّعة كلها في حقيقة واحدة، وفي أن يعرفوا كيف يسجدون للثلاثة الذين هم في الوقت عينه واحد.
أما نصّنا هذا فيكشف لنا تلك العلاقة العجيبة وتلك الوحدة الكاملة القائمة بين الأقانيم. فالروح ساكن فينا بوصفه قوة الله عينها، ومع ذلك فهو لا يعمل بحسب مشيئتنا نحن ولا بحسب مشيئة نفسه. إنما الآب وحده هو الذي يعطينا، بحسب غنى مجده، «أن نتأيّد بالقوة بروحه في الإنسان الباطن».
والآب هو الذي يفعل أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر، «بحسب القوة التي تعمل فينا». فحضور الروح فينا ليس بديلًا يقوم لنا مقام الله، بل هو على العكس من ذلك تمامًا: إنه يجعلنا أشدّ اتّكالًا على الآب، اتّكالًا مطلقًا لا ينقطع ولا يفتر. فالروح لا يقدر أن يعمل إلا بمقدار ما يعمل الآب به. ومن ثمّ نحن محتاجون أن نجمع بين هذين الحقّين معًا: وعيٌ عميق الوقار، مفعم بالثقة، بالروح القدس الساكن فينا، مقرونٌ بانتظارٍ دائم متّكل على الآب أن يعمل هو به.
وكذلك الأمر مع المسيح أيضًا. فنحن نحني ركبنا لله بوصفه آبًا، وذلك باسم الابن. ثم نسأله أن يؤيّدنا بروحه، لغاية واحدة لا غير، هي أن يحلّ المسيح في قلوبنا. وهكذا يقودنا الابن إلى الآب، ثم يعود الآب مرة أخرى فيُعلن لنا الابن فينا. ثم إنه، من بعد ذلك، إذ يسكن الابن في القلب، ويكون القلب متأصّلًا ومتأسّسًا في المحبة، مستمدًّا حياته من المحبة الإلهية بوصفها التربة التي ينبت فيها ويضرب فيها جذوره، مثمرًا أثمارًا وعاملًا أعمال المحبة، عندئذ نُساق نحن قدُمًا إلى أن نمتلئ إلى كل ملء الله. وبذلك يصير القلب كله، بما فيه من حياة باطنة وحياة ظاهرة، مسرحًا لذلك التبادل المبارك، تبادلِ العمل الجاري بين الأقانيم الثلاثة القدّوسين. وحين تؤمن قلوبنا بهذا كله، نعطي المجد بالمسيح لذاك القادر أن يفعل أكثر مما نقدر نحن أن نفتكر، وذلك بروحه القدوس.
فما أعجب هذا الخلاص، هذا الخلاص الذي قلبُنا هو مسرحه! فالآب لا يزال ينفخ فينا روحه، وبتجديده إيّانا يومًا بعد يوم يهيّئ القلب ويصلحه ليكون بيتًا للمسيح؛ والروح القدس لا يفتأ يُعلن المسيح فينا ويصوّره في داخلنا، حتى تصير طبيعته هو وميوله وخُلقه هي بعينها طبيعتنا نحن وميولنا وأخلاقنا؛ والابن يمنحنا حياته، تلك الحياة التي هي محبة، ويقودنا قدُمًا إلى أن نمتلئ إلى كل ملء الله.
وهذا ما قُصد به أن يكون ديننا في كل يوم من أيامنا. آه، فلنسجد للإله الواحد المثلَّث الأقانيم بملء الإيمان في كل يوم! وفي أيّ اتجاه ساقتنا دراستنا للكتاب المقدس وساقتنا صلاتنا، فليكن هذا الحقّ أبدًا هو المركز الذي منه نخرج وإليه نعود من جديد. فنحن قد خُلقنا على صورة الإله الواحد المثلَّث الأقانيم. والخلاص الذي به يردّنا الله إلى نفسه إنما هو خلاصٌ باطن؛ وهو لا يعني لنا شيئًا البتّة إن لم يُصنع في قلوبنا ويُتمتَّع به هناك في داخلها. والله الذي يخلّصنا لا يقدر أن يفعل ذلك بطريقة أخرى غير أن يكون هو الإله الساكن فينا، مالئًا إيّانا بكل ملئه. فلنسجد له ولننتظره؛ ولنؤمن به ونعطه المجد.
أما لاحظتَ قطّ كيف يرد ذكر الأقانيم الثلاثة في الثالوث معًا على الدوام في رسالة أفسس؟
1. 3. مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح.
1. 12، 13. لنكون لمدح مجده، نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح. الذي فيه أيضًا أنتم، إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس.
1. 17. كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح، أبو المجد، روح الحكمة والإعلان في معرفته.
2. 18. لأنّ به لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب.
3. 22. الذي فيه أنتم أيضًا مبنيّون معًا، مسكنًا لله في الروح.
4. 4-9. الذي بحسبه حينما تقرأونه، تقدرون أن تفهموا درايتي بسرّ المسيح. الذي في أجيال أُخر لم يُعرَّف به بنو البشر، كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح: أنّ الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل. الذي صرتُ أنا خادمًا له حسب موهبة نعمة الله المعطاة لي حسب فعل قوته. لي أنا أصغر جميع القديسين أُعطيت هذه النعمة، أن أبشّر بين الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، وأنير الجميع في ما هو شركة السرّ المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح.
5. 4-6. جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. ربّ واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم 5. امتلئوا بالروح، شاكرين لله، باسم المسيح.
6. 10-18. أخيرًا يا إخوتي، تقوّوا في الرب وفي شدة قوته. البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس.
فإنّ مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات. من أجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير، وبعد أن تتمّموا كل شيء أن تثبتوا. فاثبتوا مُمنطِقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام.
حاملين فوق الكل تُرس الإيمان، الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة؛ وخذوا خوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله، مصلّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة، لأجل جميع القديسين. وإذ تدرس هذه الفصول وتقابل بين بعضها وبعض، وتسعى أن تجمع تعليمها كله في تصوّر صادق متواضع لمجد إلهنا، لاحظ على وجه الخصوص كم هو حقٌّ عمليّ إلى أبعد حدّ هذا الحقُّ، حقُّ الثالوث الأقدس. فالكتاب المقدس يعلّم القليل عن سرّ هذا الحق في الطبيعة الإلهية، وكل ما له أن يقوله في هذا الشأن يكاد كله أن يكون متعلّقًا بعمل الله فينا، وبإيماننا نحن واختبارنا لخلاصه.
إنّ الإيمان الحقيقي بالثالوث سيجعل منّا مسيحيين أقوياء مُشرقين، قد تملّكهم الله وامتلكهم. فالروح الإلهي يجعل نفسه واحدًا مع حياتنا ومع كياننا الباطن؛ والابن المبارك يسكن فينا نحن، وهو الطريق إلى الشركة الكاملة مع الله؛ والآب، بالروح وبالابن، يُخرج إلى التمام يومًا بعد يوم قصده الذي قصده — وهو أن نمتلئ نحن إلى كل ملء الله. فلنحنِ إذًا ركبنا للآب! وعندئذ يُعرَف سرّ الثالوث ويُختبَر اختبارًا.