فصل 30 · قراءة 4 د
المزمور 119 وتعليمه
«كم أحببتُ شريعتك! اليوم كلّه هي لهجي». مزمور 119:97.
في الكتب المقدّسة قسمٌ واحد مكرَّس كلّه لتعليمنا الموضع الذي ينبغي أن تحتلّه كلمة الله في تقديرنا، والسبيل الذي به نقدر نحن أن ننال بركتها. وهو أطول أصحاحٍ في الكتاب المقدّس، وفي كلّ آيةٍ من آياته الـ176 تقريبًا، بلا استثناءٍ يكاد يُذكر، لنا ذِكرٌ للكلمة تحت أسماءٍ مختلفة. وكلّ من يريد حقًّا أن يعرف كيف يدرس كتابه هو بحسب مشيئة الله، ينبغي له أن يدرس هذا المزمور درسًا متأنّيًا دقيقًا.
ولا بدّ أن يأتي في حياته وقتٌ يعزم فيه على أن يدرس تعليمه وأن يضعه موضع العمل. فكيف نعجب إن كان درسنا للكتاب لا يأتي بمزيدٍ من الفائدة الروحيّة ومن القوّة، ونحن نُهمل ذلك الدليل الإلهيّ الذي يقدّمه لنا لأجل ذلك الدرس؟ ولعلّك لم تقرأه قطّ مرّةً واحدة كاملًا من أوّله إلى آخره. فإن لم يكن لديك وقت، فاصنع لك وقتًا — ساعةَ سبتٍ خالية، أو لِمَ لا أسبوعًا أو يومًا أو ساعةً خالية؟ — تقرأه فيها كلّه وتحاول أن تستوعب فكره الرئيسيّ، أو على الأقلّ أن تلتقط روحه.
فإن وجدت صعوبةً في أن تفعل هذا بقراءةٍ واحدة، فاقرأه أكثر من مرّةٍ واحدة. وهذا وحده سيُشعرك بالحاجة إلى إمعان الفكر فيه بعنايةٍ أوفر. وقد تعينك الإرشادات التالية في درسك هذا: أولًا: لاحظ جميع الأسماء المختلفة التي يُذكر بها كلام الله.
ثانيًا: لاحظ جميع الأفعال المختلفة المعبِّرة عمّا ينبغي أن نشعر به وأن نفعله من جهة الكلمة. ولْيقُدْك هذا إلى أن تتأمّل بعناية في ذلك الموضع الذي تطالب به كلمة الله في قلبك وفي حياتك، وكيف أنّ كلّ قوّةٍ من قوى كيانك — الرغبة والمحبّة والفرح والثقة والطاعة والعمل — إنما تستدعيها هي.
ثالثًا: عُدّ ولاحظ كم مرّة يتكلّم فيها الكاتب بصيغة الماضي عن حفظه شهادات الله، ومراعاته لها، وتمسّكه بها، وتلذّذه بها. وكم مرّة يعبّر فيها بصيغة الحاضر عن ابتهاجه بشريعة الله ومحبّته هو لها وتقديره إياها؟ ثمّ كيف يَعِد ويَنذر بصيغة المستقبل أن يحفظ هو وصايا الله إلى المنتهى. فاجمع هذه كلّها بعضها إلى بعض، وانظر كيف يقدّم نفسه أمام الله، أكثر من مئة مرّة، بوصفه ذاك الذي يُكرم شريعته ويحفظها. وادرس هذا على وجه الخصوص من جهة اتّصال هذه العبارات كلّها بصلواته إلى الله، حتى تكون لك صورة واضحة جليّة عن ذلك البارّ الذي «طلبته تقتدر كثيرًا في فعلها».
رابعًا: ثمّ ادرس بعد ذلك الصلوات نفسها، ودوّن الطلبات المختلفة التي يرفعها هو في شأن الكلمة، سواء أكانت طلبًا للتعليم لكي يفهمها وللقوّة لكي يحفظها، أم طلبًا للبركة الموعود بها في الكلمة والتي إنما تُوجد في العمل بها.
ولاحظ على وجه الخصوص تلك الصلوات التي من مثل: «علّمني يا ربّ طريق فرائضك»، و«فهّمني»؛ وكذلك تلك الصلوات التي فيها الحجّة: «حسب كلمتك».
خامسًا: عُدّ الآيات التي فيها إشارة إلى الضيق، سواء أكان ناشئًا من حاله هو، أم من أعدائه، أم من خطايا الأشرار، أم من تأخّر الله في معونته له؛ وتعلّم من ذلك كيف أننا في وقت الشدّة نحتاج إلى كلمة الله على وجه الخصوص، وأنها هي وحدها القادرة أن تأتينا بالتعزية.
سادسًا: ثمّ يأتي بعد ذلك واحد من أهمّ الأمور كلّها. لاحظ كم مرّة يرد الضمير الصغير «أنتَ» و«لك»، وكم مرّة يُفهَم ضمنًا في كلّ طلبة: «علّمني»، «أحيني»؛ فترى حينئذٍ كيف أنّ المزمور كلّه إنما هو صلاة واحدة مرفوعة إلى الله. فكلّ ما لدى المرنّم أن يقوله عن كلمة الله، سواء من جهة تعلّقه هو بها، أم من جهة حاجته إلى تعليم الله وإلى إحيائه، إنما يقوله هو صاعدًا به إلى وجه الله. إنه يؤمن أنه أمرٌ مرضيّ عند الله وصالح لنفسه هو، أن يربط تأمّله وأفكاره في الكلمة، على الدوام وبأوثق ما يمكن، بالصلاة، بالله الحيّ نفسه. فكلّ فكرٍ في كلمة الله، عوض أن يجذبه بعيدًا عن الله، إنما يقوده هو إلى الشركة مع الله.
وتصير كلمة الله عنده تلك المادّة الغنيّة التي لا تنفد للشركة مع الله الذي هي كلمته هو، والذي إليه قُصد بها أن تقود. وإذ نحصل شيئًا فشيئًا على بصيرةٍ في هذه الحقائق، ننال معنًى جديدًا من الآيات المفردة.
ومتى أخذنا نحن، من حينٍ إلى حين، فقرةً كاملة من فقراته بآياتها الثماني، وجدنا كيف أنها تعين على رفعنا، بالكلمة ومن خلالها، إلى حضرة الله نفسه، وإلى تلك الحياة من الطاعة والفرح التي تقول: «حلفتُ فأبرّه، أن أحفظ أحكام برّك». «كم أحببتُ شريعتك! اليوم كلّه هي لهجي».
فلنطلب نحن بنعمة الروح القدس أن تُصاغ في خلوتنا الصباحيّة تلك الحياة العباديّة التي يُعلنها لنا هذا المزمور. ولتقُدْنا كلمة الله في كلّ يومٍ من الأيام، وقبل كلّ شيءٍ آخر، إلى الله نفسه. ولتكن كلّ بركةٍ فيها هي موضوع صلاةٍ لنا، ولا سيّما حاجتنا نحن إلى التعليم الإلهيّ. وليكن تعلّقنا الشديد بها هو حجّتنا وثقتنا نحن كالأولاد بأنّ الآب سيعيننا. ولتتبع صلواتِنا تلك النذورُ بأنه إذ يحيينا الله ويباركنا، نجري نحن في طريق وصاياه؛ ولْيجعلنا كلّ ما تأتي به كلمة الله إلينا أشدّ حماسةً في الاشتياق إلى حمل تلك الكلمة عينها إلى الآخرين، سواء أكان ذلك لإيقاظ حياة الله في النفس أم لتقويتها.