فصل 27 · قراءة 4 د

التجديد اليوميّ — المثال

«لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه». — كولوسي 3:9-10.

«إن كنتم قد سمعتموه وعُلّمتم فيه كما هو حقّ في يسوع… وتتجدّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ». أفسس 4:21، 23، 24.

في كلّ مسعًى من المساعي، من الأمور ذات الشأن أن يكون الهدف محدّدًا واضحًا. فلا يكفي أن تكون هناك حركة وأن يكون هناك تقدّم؛ بل نريد أن نعرف هل الحركة سائرة في الاتّجاه الصحيح، مستقيمةً نحو الغرض المقصود؛ ولا سيّما حين نعمل بالاشتراك مع آخر نحن معتمدون عليه، فإننا نحتاج حينئذٍ أن نعرف أنّ قصدنا نحن وقصده هو في اتّفاقٍ تامّ. فإن كان تجديدنا اليوميّ أن يبلغ غايته التي له، فنحن محتاجون أن نعرف بوضوح، وأن نتمسّك بثبات، بما هو غرضه.

«لبستم الإنسان الجديد الذي يتجدّد للمعرفة». إنّ الحياة الإلهيّة، وهي عمل الروح القدس في داخلنا، ليست قوّةً عمياء كما هي الحال في الطبيعة. فنحن عاملون معًا مع الله؛ ومشاركتنا نحن في العمل ينبغي أن تكون مشاركةً واعيةً مختارة عن إرادةٍ ورضًى. «الإنسان الجديد يتجدّد يومًا فيومًا للمعرفة». وهناك معرفة يقدر الفهم الطبيعيّ وحده أن يستخرجها من الكلمة، ولكنها معرفة بلا حياةٍ ولا قوّة، وهي عاطلة ممّا تحمله المعرفة الروحيّة من الحقّ الحقيقيّ ومن الجوهر.

إنّ تجديد الروح القدس هو الذي يهب المعرفة الحقيقيّة، وهي معرفة لا تقوم في الفكر ولا في التصوّر الذهنيّ، بل في تذوّقٍ باطنيّ لها، وفي قبولٍ حيّ لعين الأمور نفسها التي ليست الألفاظ والأفكار عنها إلا صورًا لها. «ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة». فمهما يكن درسنا للكتاب المقدّس مجتهدًا دائبًا، فما من معرفةٍ حقيقيّة تُكتسب إلا بمقدار ما يكون التجديد الروحيّ نفسه مختبَرًا فينا؛ فـ«التجديد بروح الذهن»، في حياته وفي كيانه الداخل، هو وحده الذي يأتي بالمعرفة الإلهيّة الحقيقيّة.

وما هو الآن ذلك المثال الذي سيُعلَن لهذه المعرفة الروحيّة، وهي المعرفة الخارجة من التجديد بوصفه غايته الحقيقيّة الوحيدة؟ إنّ الإنسان الجديد إنما يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه — أي لا شيء أقلّ من صورة الله نفسه وشبهه. فتلك هي غاية الروح القدس الواحدة التي لا سواها في تجديده اليوميّ؛ وتلك يجب أن تكون هي أيضًا غاية المؤمن الذي يطلب لنفسه ذلك التجديد.

وهذا هو بعينه ما قصده الله في الخلق: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا». فما أقلّ ما يُتأمَّل في ذلك المجد غير المحدود الذي في هذه الكلمات! أمن أجل شيءٍ أقلّ من هذا نفخ الله حياته هو في الإنسان، حتى تُستعاد وتتجدّد في الإنسان على الأرض شبهٌ كاملة لله في السماء؟ وفي المسيح وحده قد أُعلنت صورة الله تلك وشوهدت عِيانًا في هيئةٍ بشريّة. «لقد سبق فعُيّنّا وفُديْنا ودُعينا، ونحن نتعلّم ونُهيَّأ بالروح القدس، لنكون مشابهين صورة الابن، ومتمثّلين بالله، ولنسلك نحن أيضًا كما سلك المسيح. فكيف يمكن أن يمضي التجديد اليوميّ في طريقه إلى غايته، وماذا يفيدنا درس الكتاب والصلاة كلّ يوم، ما لم نضع نحن قلوبنا على ما قد وضع الله قلبه هو عليه»: الإنسان الجديد يتجدّد يومًا فيومًا حسب صورة خالقه.

وفي المقطع الثاني لنا الفكر عينه معبَّرًا عنه بشيءٍ من الاختلاف: تجدّدوا بروح ذهنكم، والبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله، على شبه الله، في البرّ وقداسة الحقّ. فالبرّ إنما هو بغض الله للخطيّة وصيانته لما هو حقّ وعدل. والقداسة هي ذلك المجد الذي لله والذي لا يُعبَّر عنه، في الانسجام الكامل بين برّه ومحبّته، وفي ارتفاعه اللانهائيّ فوق الخليقة، وفي اتّحاده الكامل بها. والبرّ في الإنسان يشمل كلّ ما لله من مشيئة من جهة واجبنا نحوه هو ونحو بني جنسنا؛ أمّا القداسة فإنما تشمل علاقتنا الشخصيّة به هو وحده. وكما أنّ الإنسان الجديد قد خُلق مرّةً، هكذا عليه أن يتجدّد في كلّ يوم، بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ. ولأجل تحصيل هذا بعينه تعمل قوّة الروح القدس فينا. ولأجل تحصيل هذا هو ينتظرنا يومًا فيومًا أن نسلّم أنفسنا له، في نعمة تجديده وفي قوّته المجدِّدة.

وساعة الصباح العائدة إلينا في كلّ يوم هي وقت تحصيل تجديد الروح القدس اليوميّ إلى صورة الله في البرّ وقداسة الحقّ. فما أشدّ حاجتنا إلى التأمّل وإلى الصلاة، حتى يستقرّ القلب على ذلك الذي يقصد الله إليه، وحتى نحصل على رؤيةٍ صحيحة واضحة لذلك الإمكان العجيب: الإنسان الداخل يتجدّد يومًا فيومًا إلى شبه الله عينه، متغيّرًا إلى تلك الصورة عينها كما من الربّ الروح. أيها الدارس المسيحيّ!

فلا يكن هدفك أنت شيئًا أقلّ من ذلك، ولا يُرضِ تطلّعاتك سواه. فصورة الله هي فيك، وحياة الله هي فيك. وشبهه يمكن أن يُرى فيك أنت. فلا تفصل بعد اليوم بين الله وبين شبهه؛ وليكن كلّ من يقترب إليه، وليكن كلّ من يتّكل عليه، لا يقصد شيئًا أقلّ من أن يجده هو، وشبهُه مصوغٌ فيه بتجديد الروح القدس. ولتكن هذه هي صلاتك في كلّ يوم: أن تتجدّد أنت حسب صورة الذي خلقك.

صفحة 1 / 3 · 4 دقيقة متبقية في الفصل